Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 41–50 of 123

41

۞ وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allah is its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

ولَمّا أتاهُ الأمْرُ بِذَلِكَ، بادَرَ الِامْتِثالَ فَجَمَعَ مَن أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ إلى السَّفِينَةِ بَعْدَ أنْ هَيَّأها لَهم ﴿وقالَ﴾ أيْ: لِمَن أُمِرَ بِحَمْلِهِ ﴿ارْكَبُوا﴾ ولَمّا كانَتِ الظَّرْفِيَّةُ أغْلَبَ عَلى السَّفِينَةِ قالَ: ﴿فِيها﴾ أيِ السَّفِينَةِ؛ ولَمّا أمَرَهم بِالرُّكُوبِ فَرَكِبُوا، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ، أوْ أمَرَهم بِالرُّكُوبِ قائِلِينَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ أيْ: إجْراؤُها وإرْساؤُها ومَحَلُّهُما ووَقْتُهُما، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ وإسْماعِيلُ بْنُ مُجالِدٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الرّاءِ والسِّينِ كَسْرًا خالِصًا بَعْدَهُ ياءانِ خالِصَتانِ عَلى أنَّ الِاسْمَيْنِ صِفَتانِ لِلْجَلالَةِ \؛ ثُمَّ عَلَّلَ نَجاتَهم بِالإجْراءِ والإرْساءِ اعْتِرافًا بِأنَّهُ لا نَجاةَ إلّا بِعَفْوِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ بِما دَبَّرَ مِنِّي هَذا الأمْرَ وغَيْرَهُ، وزادَ في التَّأْكِيدِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ مَن مَعَهُ مُعَرِّفًا لَهم بِأنَّ أحَدًا لَنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وأنَّ العَبْدَ لا يَسَعُهُ إلّا الغُفْرانُ فَقالَ: ﴿لَغَفُورٌ﴾ أيْ: بالِغُ السَّتْرِ لِلزَّلّاتِ والهَفَواتِ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ الإكْرامِ لِمَن يُرِيدُ، فَرَكِبُوها واسْتَمَرُّوا سائِرِينَ فِيها يَقُولُونَ: بِسْمِ اللَّهِ

42

وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

﴿وهِيَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّها ﴿تَجْرِي بِهِمْ﴾

ولَمّا كانَ الماءُ مُهَيِّئًا لِلْإغْراقِ، فَكانَ السَّيْرُ عَلى ظَهْرِهِ مِنَ الخَوارِقِ، وأشارَ إلى ذَلِكَ بِالظَّرْفِ فَقالَ: ﴿فِي مَوْجٍ﴾ ونَبَّهَ عَلى عُلُوِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كالجِبالِ﴾ أيْ: في عِظَمِهِ وتَراكُمِهِ [وارْتِفاعِهِ]، فالجُمْلَةُ حالٌ مِن فَرَكِبُوها المُقَدَّرِ؛ لِأنَّهُ لِظُهُورِهِ في قُوَّةِ المَلْفُوظِ، وكانَ هَذِهِ الحالُ مَعَ أنَّ اسْتِدامَةَ الرُّكُوبِ رُكُوبٌ إشارَةً إلى سُرْعَةِ امْتِلاءِ الأرْضِ مِنَ الماءِ وصَيْرُورَتِهِ فِيها أمْثالَ الجِبالِ عَقِبَ رُكُوبِهِمُ السَّفِينَةَ مِن غَيْرِ كَبِيرِ تَراخٍ، قالُوا: وكانَ أوَّلُ ما رَكِبَ مَعَهُ الذَّرَّةَ، وآخِرُ ما رَكِبَ مَعَهُ الحِمارَ، وتَعَلَّقَ إبْلِيسُ بِذَنَبِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعِ الدُّخُولَ حَتّى قالَ لَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْخُلْ ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ مَعَكَ - كَذا قالُوا، وقِيلَ: إنَّهُ مَنَعَ الحَيَّةَ والعَقْرَبَ وقالَ: إنَّكُما سَبَبُ الضُّرِّ، فَقالا: احْمِلْنا ولَكَ أنْ لا نَضُرَّ أحَدًا ذَكَرَكَ، فَمَن قالَ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١] لَمْ تَضُرّاهُ. ولَمّا كانَ ابْتِداءُ الحالِ في تَفَجُّرِ الأرْضِ كُلِّها عُيُونًا وانْهِمارِ السَّماءِ انْهِمارًا - مُرْشِدًا إلى أنَّ الحالَ سَيَصِيرُ إلى ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِن كَوْنِ المَوْجِ كالجِبالِ لا يُنْجِي مِنهُ إلّا السَّبَبُ الَّذِي أقامَهُ سُبْحانَهُ، تَلا ذَلِكَ بِأمْرِ ابْنِ نُوحٍ فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا﴾ [هود: ٤١] ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [أيْ] كَنْعانَ وهو لِصُلْبِهِ - نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ ﴿وكانَ﴾ أيِ الِابْنُ ﴿فِي مَعْزِلٍ﴾ أيْ: عَنْ أبِيهِ في مَكانِهِ وفي دِينِهِ لِأنَّهُ كانَ كافِرًا، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ المَعْزِلَ كانَ عَلى بَعْضِ البُعْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا بُنَيَّ﴾ صَغَّرَهُ تَحَنُّنًا وتَعَطُّفًا ﴿ارْكَبْ﴾ كائِنًا ﴿مَعَنا﴾ - أيْ في السَّفِينَةِ لِتَكُونَ مِنَ النّاجِينَ ﴿ولا تَكُنْ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿مَعَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: في دِينٍ ولا مَكانٍ إشارَةً إلى أنَّ حِرْصَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وشَفَقَتَهم - وإنْ كانَتْ مَعَ رُؤْيَةِ الآياتِ العِظامِ والأُمُورِ الهائِلَةِ - لَيْسَتْ سَبَبًا لِلِينِ القُلُوبِ وخُضُوعِ النُّفُوسِ ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ، انْظُرْ إلى اسْتِعْطافِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ”يا بُنَيَّ“ مُذَكِّرًا لَهُ بِالنُّبُوَّةِ مَعَ تَصْغِيرِ التَّحَنُّنِ والتَّراؤُفِ وفَظاظَةِ الِابْنِ مَعَ عَدَمِ سَماحِهِ بِأنْ يَقُولَ: يا أبَتِ، ولَمْ يَلِنْ مَعَ ما رَأى مِنَ الآياتِ العِظامِ ولا تَناهى لِشَيْءٍ مِنها عَنْ تَقَحُّمِ الجَهْلِ بَدَلًا مِنَ العِلْمِ وتَعَسُّفِ الشُّبْهَةِ بَدَلًا مِنَ الحُجَّةِ.

43

قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ

[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allah, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.

ولَمّا كانَ الحالُ حالَ دَهَشٍ واخْتِلالٍ كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ لا يَصْبِرَ بَلْ يُبادِرَ إلى السُّؤالِ فَيَقُولَ: فَما قالَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ قَوْلَ مَن لَيْسَ لَهُ عَقْلٌ تَبَعًا لِمُرادِ اللَّهِ ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي﴾ أيْ: بِعُلُوِّهِ ﴿مِنَ الماءِ﴾ أيْ: فَلا أغْرَقُ ﴿قالَ﴾ أيْ: نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لا عاصِمَ﴾ أيْ: لا مانِعَ مِن جَبَلٍ ولا غَيْرِهِ مَوْجُودٌ ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ: لِأحَدٍ ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ، وهو حُكْمُهُ بِالغَرَقِ عَلى كُلِّ ذِي رُوحٍ [لا يَعِيشُ في الماءِ] ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ أيْ: إلّا مَكانٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ فَإنَّهُ مانِعٌ مِن ذَلِكَ وهو السَّفِينَةُ، أوْ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُهُ.

ولَمّا رَكِبَ نُوحٌ ومَن أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وأرادَهُ. ولَمْ تَبْقَ حاجَةٌ في تَدَرُّجِ ارْتِفاعِ الماءِ، فَعَلا وطَما وغَلَبَ وعَتا فَهالَ الأمْرُ وزادَ عَلى الحَدِّ والقَدْرِ، [قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يَسْمَعِ ابْنُهُ ذَلِكَ مِنهُ بَلْ عَصى أباهُ كَما عَصى اللَّهَ فَأوى إلى الجَبَلِ الَّذِي أرادَهُ فَعَلا الماءُ عَلَيْهِ ولَمْ يُمْكِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ اللَّحاقُ بِأبِيهِ ولا الوُصُولُ إلَيْهِ]: ﴿وحالَ بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ الِابْنِ والجَبَلِ أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ ﴿المَوْجُ﴾ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ [هود: ٤٢] ﴿فَكانَ﴾ أيِ [الِابْنُ] بِأهْوَنِ أمْرٍ ﴿مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ وهم كُلُّ مَن لَمْ يَرْكَبْ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ]؛ قالَ أبُو حَيّانَ: قِيلَ: كانا يَتَراجَعانِ الكَلامَ فَما اسْتَتَمَّتْ لِمُراجَعَةٍ حَتّى جاءَتْ مَوْجَةٌ عَظِيمَةٌ وكانَ راكِبًا عَلى فَرَسٍ قَدْ بَطِرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ فالتَقَمَتْهُ وفَرَسَهُ وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَغَرِقَ - انْتَهى.

والرُّكُوبُ: العُلُوُّ عَلى ظَهْرِ الشَّيْءِ، رَكِبَ الدّابَّةَ والسَّفِينَةَ والبَرَّ والبَحْرَ؛ والجَرْيُ: مَرٌّ سَرِيعٌ؛ يُقالُ: هَذِهِ العِلَّةُ تَجْرِي في أحْكامِها، أيْ تَمُرُّ مِن غَيْرِ مانِعٍ، والمَوْجُ جَمْعُ مَوْجَةٍ - لِقِطْعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الماءِ الكَثِيرِ تَرْتَفِعُ عَنْ حَمْلَتِهِ، وأعْظَمُ ما يَكُونُ ذَلِكَ إذا اشْتَدَّتِ الرِّيحُ؛ والجَبَلُ: جِسْمٌ عَظِيمُ الغِلَظِ شاخِصٌ مِنَ الأرْضِ هو لَها كالوَتَدِ؛ والعِصْمَةُ: المَنعُ مِنَ الآفَةِ

44

وَقِيلَ يَٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and the ship came to rest on the [mountain of] Judiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."

﴿وقِيلَ﴾ أيْ: بِأدْنى إشارَةٍ بَعْدَ هَلاكِ أهْلِ الأرْضِ وخُلُوِّها مِنَ الكافِرِينَ وتَدْمِيرِ مَن في السُّهُولِ والجِبالِ مِنَ الخاسِرِينَ، وهو مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ - وهو القَوْلُ - عَلى السَّبَبِ - وهو الإرادَةُ - لِتَصْوِيرِ أمْرٍ ومَأْمُورٍ هو في غايَةِ الطّاعَةِ فَإنَّهُ أوْقَعُ في النَّفْسِ.

ولَمّا كانَ كُلَّ شَيْءٍ دُونَ مَقامِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ والعِزَّةِ بِأمْرٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿يا أرْضُ ابْلَعِي﴾ أيِ اجْذِبِي مِن غَيْرِ مَضْغٍ إلى مَكانٍ خَفِيٍّ بِالتَّدْرِيجِ، وعَيَّنَ المَبْلُوعَ لِئَلّا يَعُمَّ فَتَبْتَلِعَ كُلَّ شَيْءٍ عَلى ظَهْرِها مِن جَبَلٍ وغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ أفْرَدَ ولَمْ يَجْمَعْ فَقالَ: ﴿ماءَكِ﴾ أيِ الَّذِي تَجَدَّدَ عَلى ظَهْرِكِ لِلْإغْراقِ لِيَكُونَ كالغِذاءِ لِلْآكِلِ الَّذِي يُقَوِّي بَدَنَهُ فَيَقْوى بِهِ عَلى الإنْباتِ وسائِرِ المَنافِعِ وجَعَلَهُ ماءَها لِاتِّصالِهِ بِها اتِّصالَ المِلْكِ بِالمالِكِ ﴿ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ أيْ: أمْسِكِي عَنِ الإمْطارِ، فَفَعَلَتا مُبادِرَتَيْنِ لِأمْرِ المَلِكِ الَّذِي لا يَخْرُجُ عَنْ مُرادِهِ شَيْءٌ ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ أيِ المَعْهُودُ، حُكِمَ عَلَيْهِ بِالدَّبُوبِ في أعْماقِ الأرْضِ، مِنَ المُتَعَدِّي فَإنَّهُ يُقالُ: غاضَ الماءُ وغاضَهُ اللَّهُ، كَما يُقالُ: نَقَضَ الشَّيْءُ ونَقَضْتُهُ أنا ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ وانْبَتَّ وانْبَرَمَ في إهْلاكِ مَن هَلَكَ ونَجاةِ مَن نَجا كَما أرادَ الجَلِيلُ عَلى ما تَقَدَّمَ بِهِ وعْدُهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَحْبِسَهُ عَنْهم ولا أنْ يَصْرِفَهُ ولا أنْ يُؤَخِّرَهُ دَقِيقَةً ولا أصْغَرَ مِنها. فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ مَن أُخِّرَ عَنْهُ العَذابُ ولا يَقُلْ: ”ما يَحْبِسُهُ“ لِئَلّا يَأْتِيَهُ مِثْلُ ما أتى هَؤُلاءِ أوْ مَن بَعْدَهم ﴿واسْتَوَتْ﴾ أيِ اسْتَقَرَّتْ واعْتَدَلَتِ السَّفِينَةُ ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ إشارَةً بِاسْمِهِ إلى أنَّ الِانْتِقامَ العامَّ قَدْ مَضى، وما بَقِيَ إلّا الجُودُ بِالماءِ والخَيْرِ والخِصْبِ والرَّحْمَةِ العامَّةِ، وهو الجَبَلُ بِالمُوصِلِ بَعْدَ خَمْسَةِ أشْهُرٍ؛ قالَ قَتادَةُ: اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِن رَجَبٍ وكانَتْ في الماءِ خَمْسِينَ ومِائَةَ يَوْمٍ، واسْتَقَرَّتْ بِهِمْ عَلى الجُودِيِّ شَهْرًا، وهَبَطَ بِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ ﴿وقِيلَ﴾ أيْ: إعْلامًا بِهَوانِ المُهْلَكِينَ والرّاحَةِ مِنهم ﴿بُعْدًا﴾ هو مِن بَعِدَ - بِالكَسْرِ مُرادًا بِهِ البُعْدُ مِن حَيْثُ الهَلاكُ، فَإنَّ حَقِيقَتَهُ بُعْدٌ بَعِيدٌ لا يُرْجى مِنهُ عَوْدٌ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْهَلاكِ وخُصَّ بِدُعاءِ السُّوءِ، وعَبَّرَ بِالمَصْدَرِ لِتَعْلِيقِهِ بِاللّامِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِحْقاقِ والِاخْتِصاصِ ﴿لِلْقَوْمِ﴾ [أيِ المَعْهُودِينَ في هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي كانَ فِيها مِن شِدَّةِ القِيامِ فِيما يُحاوِلُونَهُ ما لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ] ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الظُّلْمِ، وهَذِهِ الآيَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ لَفْظَةً فِيها أحَدٌ وعِشْرُونَ نَوْعًا مِنَ البَدِيعِ - عَدَّها أبُو حَيّانَ وقالَ: ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَها فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ. وذَكَرَ الرُّمّانِيُّ عِدَّةً مِن مَعانِيها، مِنها إخْراجُ الأمْرِ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لِفاعِلِهِ مِن غَيْرِ مُعاناةٍ ولا لُغُوبٍ، ومِنها: حُسْنُ تَقابُلِ المَعانِي، ومِنها: حُسْنُ ائْتِلافِ الألْفاظِ، ومِنها: حُسْنُ البَيانِ في تَصْوِيرِ الحالِ، ومِنها الإيجازُ مِن غَيْرِ إخْلالٍ، ومِنها تَقَبُّلُ الفَهْمِ عَلى أتَمِّ الكَمالِ؛ والبَلْعُ: إجْراءُ الشَّيْءِ في الحَلْقِ …

45

وَنَادَىٰ نُوحٌۭ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"

ولَمّا كانَ الِاسْتِثْناءُ مِن أهْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ امْرَأتُهُ فَقَطْ، فَتَكُونُ نَجاةُ ابْنِهِ جائِزَةً، وكانَ ما عِنْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن فَرْطِ الشَّفَقَةِ عَلى الخَلْقِ لا سِيَّما الأقارِبُ يَحْمِلُهم عَلى السَّعْيِ في صَلاحِهِمْ ما كانَ لِذَلِكَ وجْهٌ كَما تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] لِأنَّ أجْنِحَةَ الخَلْقِ كَسِيرَةٌ وأيْدِيَهم قَصِيرَةٌ وأمْرَهم ضَعِيفٌ وحالَهم رَثٌّ، فَأدْنى هَوانٍ يُورِثُهُمُ الخُسْرانَ، وأمّا جَنابُ الحَقِّ فَفَسِيحٌ وشَأْنُهُ عَظِيمٌ وأمْرُهُ عَلِيٌّ، فَلا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ بِوَجْهٍ ولا يُدانِيهِ ضَرَرٌ ولا يَعْتَرِي أمْرَهُ وهْنٌ، لَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، سَألَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ نَجاةَ ولَدِهِ كَما أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ [أيِ الَّذِي عَوَّدَهُ بِالإحْسانِ الجَزِيلِ]، ودَلَّ سُبْحانَهُ بِالعَطْفِ بِالفاءِ دُونَ أنْ يَأْتِيَ بِالِاسْتِئْنافِ المُفَسِّرِ لِلنِّداءِ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ هُنا مِن نِداءِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْضُ نِدائِهِ وأنَّ هَذا المَذْكُورَ مُرَتَّبٌ مُعَقَّبٌ عَلى شَيْءٍ مِنهُ سابِقٌ عَلَيْهِ أقْرَبُهُ أنْ يَكُونَ ما أرْشَدَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ويَشْعُرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذا جَوابًا لَهُ: ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ [هود: ٤٨] فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: قالَ: رَبِّ أنْزِلْنِي مَنزِلًا مُبارَكًا - وما قُدِّرَ لَهُ مِنَ الكَلامِ ﴿فَقالَ﴾ أيْ: عَقَبَةً لِما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ مِن رَحْمَةِ النُّبُوَّةِ وشَفَقَةِ الأُبُوَّةِ وسَجِيَّةِ البَشَرِ مُتَعَرِّضًا لِنَفَحاتِ الرَّحْمَةِ وعَواطِفِ العَفْوِ؛ أوِ الفاءُ تَفْصِيلٌ لِمُجْمَلِ ”نادى“ مِثْلَ ما [فِي]: تَوَضَّأ فَغَسَلَ.

﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي﴾ أيِ الَّذِي غَرِقَ ﴿مِن أهْلِي﴾ أيْ: وقَدْ أمَرْتَنِي بِحَمْلِ أهْلِي، وذَلِكَ الأمْرُ مُحْتَمِلٌ لِلْإشارَةِ إلى إرادَةِ نَجاتِهِمْ ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلُ في نَجاتِهِمْ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ، وقَدْ عَلِمَتْ ذَلِكَ في المَرْأةُ الكافِرَةُ ﴿وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّكَ أعْلَمُهُمْ، ومَن كانَ أعْلَمَ كانَ أحْكَمَ فَتَعْلَمُ أنَّ قَوْلَكَ: ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] يَصِحُّ بِاسْتِثْنائِها وحْدَها، فَإنْ كانَ ابْنِي مِمَّنْ نَجا فَأْتِنِي بِهِ؛ وإنْ كانَ هَذا الدُّعاءُ عِنْدَ حَيْلُولَةِ المَوْجِ بَيْنَهُما فالمَعْنى: فَلا تُهْلِكْهُ

46

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍۢ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

﴿قالَ يا نُوحُ﴾ وأكَّدَ في نَفْيِ ما تَقَدَّمَ مِنهُ إثْباتَهُ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [أيْ] المَحْكُومِ بِنَجاتِهِمْ لِإيمانِهِمْ وكُفْرِهِ، ولِهَذا عُلِّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ﴾ أيْ: ذُو عَمَلٍ، [ولَكِنَّهُ جَعَلَهُ نَفْسَ العَمَلِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ مُبالَغَةً في ذَمِّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الجَواهِرَ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في نَفْسِ الوُجُودِ لا تَشْرُفُ إلّا بِآثارِها، فَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أثَرٌ صالِحٌ أصْلًا، ويُثْبِتُ قِراءَةَ يَعْقُوبَ والكِسائِيِّ بِالفِعْلِ أنَّ مَن باشَرَ السُّوءَ مُطْلَقَ مُباشَرَةٍ وجَبَتِ البَراءَةُ مِنهُ، ولا سِيَّما لِلْأمْرِ فَلا يُواصَلُ إلّا بِإذْنٍ، وعَبَّرَ بِالعَمَلِ دُونَ الفِعْلِ لِزَعْمِهِ أنَّ أعْمالَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلى العِلْمِ، وأكَّدَهُ لِما لا يُخَصُّ مِن سُؤالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا] ﴿غَيْرُ صالِحٍ﴾ بِعِلْمِي، وقَدْ حَكَمْتُ في هَذا الأمْرِ أنِّي لا أُنْجِي مِنهُ إلّا مَنِ اتَّصَفَ بِالصَّلاحِ وأنا عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، وأنْتَ يَخْفى عَلَيْكَ كَثِيرٌ مِنَ الأُمُورِ فَرُبَّما ظَنَنْتَ الإيمانَ بِمَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ لِبِنائِكَ الأمْرَ عَلى ما نَراهُ مِن ظاهِرِهِ؛ وقَدْ نَقَلَ الرُّمّانِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يُنافِقُ بِإظْهارِ الإيمانِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُوافِقَ في الدِّينِ ألْصَقُ ما يَكُونُ وإنْ كانَ في غايَةِ البُعْدِ في النَّسَبِ، [والمُخالِفَ فِيهِ أبْعَدُ ما يَكُونُ وإنْ كانَ في غايَةِ القُرْبِ في النَّسَبِ].

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الجَوابِ أنَّ تَرْكَ السُّؤالِ كانَ أوْلى، ذَكَرَ أمْرًا كُلِّيًّا يَنْدَرِجُ فِيهِ فَقالَ: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ أيْ: بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ السُّؤالِ ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فَلا تَعْلَمُ أصَوابٌ السُّؤالُ فِيهِ أمْ لا، لِأنَّ اللّائِقَ بِأمْثالِكَ مِن أُولِي القُرْبِ بِناءُ أُمُورِهِمْ عَلى التَّحْقِيقِ وانْتِظارُ الإعْلامِ مِنّا، انْظُرْ إلى قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««وإنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِها»». ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ تِلْكَ النَّفْسَ كانَتْ كافِرَةً مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴿إنِّي أعِظُكَ﴾ بِمَواعِظِي كَراهِيَةَ ﴿أنْ تَكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا تَتَخَلَّقُ بِهِ ﴿مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيْ: في عِدادِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالظَّنِّ لِأنَّهم لا سَبِيلَ لَهم إلى الوُقُوفِ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ مِن قِبَلِنا فَتَسْألُ مِثْلَ ما يَسْألُونَ.

47

قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

ولَمّا انْجَلى لِلسّامِعِ ما هو فِيهِ ﷺ مِن عُلُوِّ المَقامِ وعَظِيمِ الشَّأْنِ المُوجِبِ لِلْعِتابِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الصَّوابِ فَتَشَوَّفَ لِلْجَوابِ، اسْتَأْنَفَ بَيانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: مُبادِرًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ لَهُ مِن كَمالِ الصِّفاتِ ﴿رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ، وأكَّدَ دَلالَةً لِلسّامِعِينَ عَلى عَظِيمِ رَغْبَتِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ﴾ أيْ: مِن أنْ ﴿أسْألَكَ﴾ [أيْ] في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ تَأدُّبًا بِإذْنِكَ واتِّعاظًا بِمَوْعِظَتِكَ وارْتِقاءً لِما رَقَّيْتَنِي إلَيْهِ مِن عُلُوِّ الدَّرَجَةِ ورَفِيعِ المَنزِلَةِ ﴿وإلا تَغْفِرْ لِي﴾ أيِ الآنَ وفي المُسْتَقْبَلِ ﴿وتَرْحَمْنِي﴾ أيْ: تَسْتُرْ زَلّاتِي وتَمْحُها وتُكْرِمْنِي ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الخَسارَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قِيلَ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى العَظَمَةِ والجَلالِ الَّذِي تَكُونُ الأُمُورُ العَظِيمَةُ لِأجْلِهِ بِأدْنى إشارَةٍ ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ﴾ أيْ: مِنَ السَّفِينَةِ ﴿بِسَلامٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ ﴿مِنّا﴾ أيْ: ومَن سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلا هَلَكَ يَلْحَقُهُ ﴿وبَرَكاتٍ﴾ أيْ: خَيْراتٍ نامِيَةٍ عَظِيمَةٍ صالِحَةٍ ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ: خاصَّةً بِكَ ﴿وعَلى أُمَمٍ﴾ ناشِئَةٍ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ لِكَوْنِهِمْ عَلى ما يُرْضِينا ولا نُمَتِّعُهم بِالدُّنْيا إلّا قَلِيلًا، ولَهم إذا رَجَعُوا إلَيْنا نَعِيمٌ مُقِيمٌ، وقَدْ دَخَلَ في هَذا الكَلامِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وأُمَمٌ﴾ أيْ: مِنهم ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدُّنْيا بِالسِّعَةِ في الرِّزْقِ والخَفْضِ في العَيْشِ عَلى وفْقِ عِلْمِنا وإرادَتِنا ولا بَرَكاتٌ عَلَيْهِمْ مِنّا ولا سَلامٌ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ البَرَكاتِ والسَّلامَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى نَفْيِهِما ثانِيًا، والمَتاعَ ثانِيًا، دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِجَرْيِهِمْ عَلى غَيْرِ هَدْيِنا وجُرْأتِهِمْ عَلى ما يُسْخِطُنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وأُمَمٌ﴾ مُبْتَدَأً مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، فَيَكُونُ المُسَوِّغُ لِلِابْتِداءِ كَوْنَ المَقامِ مَقامَ التَّفْضِيلِ؛ والعِياذُ: طَلَبُ النَّجاةِ بِما يَمْنَعُ مِنَ الشَّرِّ؛ والبَرَكَةُ: ثُبُوتُ الخَيْرِ بِنَمائِهِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأصْلُهُ الثُّبُوتُ، ومِنهُ البُرُوكُ والبَرَكَةُ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها.

ذِكْرُ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّوْراةِ وهو نُوحُ بْنُ لَمَكَ بْنِ مُتَوَشْلِحَ بْنِ خَنُوخَ بْنِ يارْدَ بْنِ مُهَلالِيلَ بْنِ قِينانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ في أوائِلِ السِّفْرِ الأوَّلِ مِنها: وإنَّ آدَمَ طافَ نَحْوَ حَلِيلَتِهِ فَحَبِلَتْ ووَلَدَتِ ابْنًا فَسَمّاهُ شِيثَ وقالَ: الآنَ أخْلَفَ اللَّهُ عَلَيَّ نَسْلًا آخَرَ بَدَلَ هابِيلَ الَّذِي قَتَلَهُ قابِيلُ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ عاشَ آدَمُ مِائَةً وثَلاثِينَ سَنَةً، وكانَ جَمِيعُ حَياةِ آدَمَ تِسْعَمِائَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وعاشَ شِيثُ مِائَةً وخَمْسَ سِنِينَ فَوُلِدَ لَهُ أنُوشُ، وكانَ جَمِيعُ حَياةِ شِيثَ تِسْعَمِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَعاشَ أنُوشُ تِسْعِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ قِينانُ وكانَ جَمِيعُ حَياةِ أنُوشَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسَ سِنِينَ، وعاشَ قِينانُ سَبْعِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ مُهَلالِيلَ وكانَ جَمِيعُ [حَياةِ] قِينانَ تِسْعَمِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وعاشَ مُهْلالِيلُ خَمْسًا وسِتِّينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ يارْدُ وكانَتْ …

48

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌۭ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

ولَمّا انْجَلى لِلسّامِعِ ما هو فِيهِ ﷺ مِن عُلُوِّ المَقامِ وعَظِيمِ الشَّأْنِ المُوجِبِ لِلْعِتابِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الصَّوابِ فَتَشَوَّفَ لِلْجَوابِ، اسْتَأْنَفَ بَيانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: مُبادِرًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ لَهُ مِن كَمالِ الصِّفاتِ ﴿رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ، وأكَّدَ دَلالَةً لِلسّامِعِينَ عَلى عَظِيمِ رَغْبَتِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ﴾ أيْ: مِن أنْ ﴿أسْألَكَ﴾ [أيْ] في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ تَأدُّبًا بِإذْنِكَ واتِّعاظًا بِمَوْعِظَتِكَ وارْتِقاءً لِما رَقَّيْتَنِي إلَيْهِ مِن عُلُوِّ الدَّرَجَةِ ورَفِيعِ المَنزِلَةِ ﴿وإلا تَغْفِرْ لِي﴾ أيِ الآنَ وفي المُسْتَقْبَلِ ﴿وتَرْحَمْنِي﴾ أيْ: تَسْتُرْ زَلّاتِي وتَمْحُها وتُكْرِمْنِي ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الخَسارَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قِيلَ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى العَظَمَةِ والجَلالِ الَّذِي تَكُونُ الأُمُورُ العَظِيمَةُ لِأجْلِهِ بِأدْنى إشارَةٍ ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ﴾ أيْ: مِنَ السَّفِينَةِ ﴿بِسَلامٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ ﴿مِنّا﴾ أيْ: ومَن سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلا هَلَكَ يَلْحَقُهُ ﴿وبَرَكاتٍ﴾ أيْ: خَيْراتٍ نامِيَةٍ عَظِيمَةٍ صالِحَةٍ ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ: خاصَّةً بِكَ ﴿وعَلى أُمَمٍ﴾ ناشِئَةٍ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ لِكَوْنِهِمْ عَلى ما يُرْضِينا ولا نُمَتِّعُهم بِالدُّنْيا إلّا قَلِيلًا، ولَهم إذا رَجَعُوا إلَيْنا نَعِيمٌ مُقِيمٌ، وقَدْ دَخَلَ في هَذا الكَلامِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وأُمَمٌ﴾ أيْ: مِنهم ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدُّنْيا بِالسِّعَةِ في الرِّزْقِ والخَفْضِ في العَيْشِ عَلى وفْقِ عِلْمِنا وإرادَتِنا ولا بَرَكاتٌ عَلَيْهِمْ مِنّا ولا سَلامٌ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ البَرَكاتِ والسَّلامَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى نَفْيِهِما ثانِيًا، والمَتاعَ ثانِيًا، دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِجَرْيِهِمْ عَلى غَيْرِ هَدْيِنا وجُرْأتِهِمْ عَلى ما يُسْخِطُنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وأُمَمٌ﴾ مُبْتَدَأً مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، فَيَكُونُ المُسَوِّغُ لِلِابْتِداءِ كَوْنَ المَقامِ مَقامَ التَّفْضِيلِ؛ والعِياذُ: طَلَبُ النَّجاةِ بِما يَمْنَعُ مِنَ الشَّرِّ؛ والبَرَكَةُ: ثُبُوتُ الخَيْرِ بِنَمائِهِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأصْلُهُ الثُّبُوتُ، ومِنهُ البُرُوكُ والبَرَكَةُ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها.

ذِكْرُ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّوْراةِ وهو نُوحُ بْنُ لَمَكَ بْنِ مُتَوَشْلِحَ بْنِ خَنُوخَ بْنِ يارْدَ بْنِ مُهَلالِيلَ بْنِ قِينانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ في أوائِلِ السِّفْرِ الأوَّلِ مِنها: وإنَّ آدَمَ طافَ نَحْوَ حَلِيلَتِهِ فَحَبِلَتْ ووَلَدَتِ ابْنًا فَسَمّاهُ شِيثَ وقالَ: الآنَ أخْلَفَ اللَّهُ عَلَيَّ نَسْلًا آخَرَ بَدَلَ هابِيلَ الَّذِي قَتَلَهُ قابِيلُ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ عاشَ آدَمُ مِائَةً وثَلاثِينَ سَنَةً، وكانَ جَمِيعُ حَياةِ آدَمَ تِسْعَمِائَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وعاشَ شِيثُ مِائَةً وخَمْسَ سِنِينَ فَوُلِدَ لَهُ أنُوشُ، وكانَ جَمِيعُ حَياةِ شِيثَ تِسْعَمِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَعاشَ أنُوشُ تِسْعِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ قِينانُ وكانَ جَمِيعُ حَياةِ أنُوشَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسَ سِنِينَ، وعاشَ قِينانُ سَبْعِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ مُهَلالِيلَ وكانَ جَمِيعُ [حَياةِ] قِينانَ تِسْعَمِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وعاشَ مُهْلالِيلُ خَمْسًا وسِتِّينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ يارْدُ وكانَتْ …

49

تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muhammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

ولَمّا تَمَّتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى النَّحْوِ الوافِي بِبَيانِ اجْتِهادِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في إبْلاغِ الإنْذارِ مِن غَيْرِ مُراعاةِ إقْبالٍ ولا إدْبارٍ، وكانَتْ مَعَ ذَلِكَ دالَّةً عَلى عِلْمٍ تامٍّ واطِّلاعٍ عَلى دَقائِقَ لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا مِن جِهَةِ المَلِكِ العَلّامِ، فَهي عَلى إزالَةِ اللَّبْسِ عَنْ أمْرِهِ ﷺ أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ، قالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ: ﴿تِلْكَ﴾ أيْ: هَذِهِ الأنْباءُ البَدِيعَةُ الشَّأْنِ الغَرِيبَةُ الأمْرِ البَعِيدَةُ عَنْ طَوْقِ المَعارِضِ، العَلِيَّةِ الرُّتَبِ عَنْ يَدِ المُتَناوِلِ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ: أخْبارِهِ العَظِيمَةِ، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ لا يَزالُ يُجَدِّدُ لَهُ أمْثالَها بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿نُوحِيها إلَيْكَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ يَعْلَمُ بَعْضَ تَفاصِيلِها، فَأشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ مَجْمُوعُهُ غَيْبٌ وبِما يَعْلَمُونَهُ غَيْبٌ نِسْبِيٌّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها﴾ أيْ: عَلى هَذا التَّفْصِيلِ ﴿أنْتَ﴾ ولَمّا كانَ خَفاؤُها عَنْ قَوْمِهِ دَلِيلًا عَلى خَفائِها عَنْهُ لِأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ غَيْرَهم قالَ: ﴿ولا قَوْمُكَ﴾ أيْ: وإنْ كانُوا أهْلَ قُوَّةٍ في القِيامِ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ وعَدَدًا كَثِيرًا، ومِنهم مَن يَكْتُبُ ويُخالِطُ العُلَماءَ.

ولَمّا كانَ زَمانُ خَفاءِ ذَلِكَ عَنْهم - وإنْ كانَ عامًّا لَهم - بَعْضَ الزَّمانِ الماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ أيْ: مِن إيحائِي إلَيْكَ حَتّى يَطْرُقَ الوَهْمُ حِينَئِذٍ أنَّكَ تَعَلَّمْتَها مِن أحَدٍ مِنهم وإنْ كانَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِنها أهْلُ الكِتابِ كَما رَأيْتَ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ فَبانَ أنْ لا غَرَضَ لِقَوْمِكَ إلّا العِنادُ ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ذَلِكَ ولا تَفْتُرْ عَنِ الإنْذارِ، فَسَتَكُونُ لَكَ العاقِبَةُ كَما كانَتْ لِنُوحٍ لِأجْلِ تَقْواهُ ﴿إنَّ العاقِبَةَ﴾ أيْ: آخِرَ الأمْرِ مِنَ الفَوْزِ والنَّصْرِ والسَّعادَةِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في مَخافَةِ اللَّهِ في كُلِّ زَمَنٍ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ القِصَّةُ البَيانَ عَمّا يُوجِبُهُ حالُ أهْلِ الخَيْرِ والإيمانِ وأهْلِ الشَّرِّ والطُّغْيانِ \ مِنَ الِاعْتِبارِ بِالنَّبَأِ عَنِ الفَرِيقَيْنِ لِيَجْتَبِيَ حالَ هَؤُلاءِ ويَتَّقِيَ حالَ أُولَئِكَ لِسُوءِ العاقِبَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

50

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ

And to 'Aad [We sent] their brother Hud. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].

ولَمّا تَمَّ مِن ذَلِكَ ما هو كَفِيلٌ بِغَرَضِ السُّورَةِ، وخُتِمَ بِأنَّ العاقِبَةَ دائِمًا لِلْمُتَّقِينَ، أتْبَعَ بِالدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ مَعَ الوَفاءِ بِما سِيقَتْ لَهُ قِصَّةُ نُوحٍ - عَلى جَمِيعِهِمُ السَّلامُ - مِنَ الحَثِّ عَلى المُجاهَرَةِ بِالإنْذارِ فَقالَ تَعالى: ﴿وإلى﴾ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ﴿عادٍ أخاهُمْ﴾ وبَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿هُودًا﴾ ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ، اسْتَشْرَفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ما قالَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ هو مِثْلَ قَوْلِهِ أوْ لا؟ فاسْتَأْنَفَ الجَوابَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ الَّذِينَ هم أعَزُّ النّاسِ لَدَيَّ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: ذا الجَلالِ والإكْرامِ وحْدَهُ؛ ثُمَّ صَرَّحَ وعَلَّلَ فَقالَ: ﴿ما لَكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ﴾ أيْ: مَعْبُودٍ بِحَقٍّ ﴿غَيْرُهُ﴾ فَدَعا إلى أصْلِ الدِّينِ كَما هو دَأْبٌ سائِرِ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ؛ ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِمُواجَهَتِهِمْ بِما يَسُوءُهم مِنَ الحَقِّ وما ثَناهُ عَنْ ذَلِكَ رَجاءٌ ولا خَوْفٌ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ: [ما] ﴿أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ أيْ: مُتَعَمِّدُونَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ في إشْراكِكم بِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ ما عَلى التَّوْحِيدِ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ غَيْرُ خافٍ عَلى عاقِلٍ فَكَيْفَ مَعَ تَنْبِيهِ النَّقْلِ! وذَلِكَ مُكَذِّبٌ لِمَن أشْرَكَ، أيْ فاحْذَرُوا عُقُوبَةَ المُفْتَرِي.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.