Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 1–10 of 123

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ

Alif, Lam, Ra. [This is] a Book whose verses are perfected and then presented in detail from [one who is] Wise and Acquainted.

سُورَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ

مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِالإحْكامِ والتَّفْصِيلِ في حالَتَيِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ المُقْتَضِي ذَلِكَ لِمُنَزِّلِهِ سُبْحانَهُ وضَعَ كُلِّ شَيْءٍ في أتَمِّ مَحالِّهِ وإنْفاذِهِ مَهْما أُرِيدَ المُوجِبُ لِلْقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنْسَبُ ما فِيها لِهَذا المَقْصِدِ ما ذُكِرَ في سِياقِ قِصَّةٍ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أحْكامِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ بِالعاجِلِ والآجِلِ والتَّصْرِيحِ بِالجَزْمِ بِالمُعالَجَةِ بِالمُبادَرَةِ النّاظِرِ إلى أعْظَمِ مَداراتِ السُّورَةِ ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] والعِنايَةِ بِكُلِّ دابَّةٍ والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ المُقْتَضِي لِلْعِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ اللّازِمِ مِنهُ التَّفَرُّدُ بِالمُلْكِ. [وسَيَأْتِي في الأحْقافِ وجْهُ اخْتِصاصِ كُلٍّ مِنهُما بِاسْمِهِما].

”بِسْمِ اللَّهِ“ أيِ الَّذِي لَهُ تَمامُ العِلْمِ وكَمالُ الحِكْمَةِ وجَمِيعُ القُدْرَةِ ”الرَّحْمَنِ“ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ بِعُمُومِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ ”الرَّحِيمِ“ لِأهْلِ وِلايَتِهِ بِالحِفْظِ في سُلُوكِ سَبِيلِهِ ﴿الر﴾ .

لَمّا خُتِمَتِ السُّورَةُ الَّتِي قَبْلَها - كَما تَرى - بِالحَثِّ عَلى اتِّباعِ الكِتابِ ولُزُومِهِ والصَّبْرِ عَلى ما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِن مَرائِرِ الضَّيْرِ المُؤَدِّيَةِ إلى مَفاوِزِ الخَيْرِ اعْتِمادًا عَلى المُتَّصِفِ بِالجَلالِ والكِبْرِياءِ والكَمالِ. ابْتُدِئَتْ هَذِهِ بِوَصْفِهِ بِما يُرَغِّبُ فِيهِ، فَقالَ بَعْدَ الإشارَةِ إلى إعادَةِ القَرْعِ بِالتَّحَدِّي عَلى ما سَلَفَ فِي البَقَرَةَ: ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ جامِعٌ لِكُلٍّ خَيْرِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ بَيانًا لِأنَّ إحْكامَهُ أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ [عَلى أيْسَرِ وجْهٍ عَنْهُ سُبْحانَهُ] وأُتْقِنَ إتْقانًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ ﴿آياتُهُ﴾ أيْ: أُتْقِنَتْ إتْقانًا لا نَقْصَ مَعَهُ فَلا يَنْقُصُها الَّذِي أنْزَلَها بِنَسْخِها كُلِّها بِكِتابٍ آخَرَ ولا غَيْرِهِ، ولا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ نَقْصَ شَيْءٍ مِنها ولا الطَّعْنَ في شَيْءٍ مِن بَلاغَتِها أوْ فَصاحَتِها بِشَيْءٍ يُقْبَلُ، والمُرادُ بِ: ﴿مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] في آلِ عِمْرانَ عَدَمُ التَّشابُهِ.

ولَمّا كانَ لِلتَّفْصِيلِ رُتْبَةٌ هي في غايَةِ العَظَمَةِ، أُتِيَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: وبَعْدَ هَذِهِ الرُّتْبَةِ العالِيَةِ الَّتِي لَمْ يُشارِكْهُ في مَجْمُوعِها كِتابٌ جُعِلَتْ لَهُ رُتْبَةٌ أعْلى مِنها جِدًّا بِحَيْثُ لَمْ يُشارِكْهُ في شَيْءٍ مِنها كِتابٌ؛ وذَلِكَ أنَّهُ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ: جُعِلَتْ لَها - مَعَ كَوْنِها مُفَصَّلَةً إلى حَلالٍ وحَرامٍ وقَصَصٍ وأمْثالٍ - فَواصِلَ ونِهاياتٍ تَكُونُ بِها مُفارِقَةً لِما بَعْدَها و[ما] قَبْلَها، يُفْهَمُ مِنها عُلُومٌ جَمَّةٌ ومَعارِفُ مُهِمَّةٌ وإشاراتٌ إلى أحْوالٍ عالِيَةٍ، ومَوارِدَ عَذْبَةٍ صافِيَةٍ، ومَقاماتٍ مِن كُلِّ عِلَّةٍ شافِيَةٍ، كَما تُفَصَّلُ القَلائِدُ بِالفَرائِدِ، وهَذا التَّفْصِيلُ لَمْ يُشارِكْهُ في شَيْءٍ مِنهُ شَيْءٌ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، بَلْ هي مُدْمَجَةٌ إدْماجًا لا فَواصِلَ لَها كَما يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن طالَعَها، ويَكْفِي في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ ما سُقْتُهُ مِنها في تَضاعِيفِ هَذا الكِتابِ، وما أنْسَبَ خِتامَ هَذِهِ الآيَةِ لِلْإحْكامِ والتَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ﴾ أيْ: نَزَلَتْ آياتُهُ مُحْكَمَةً مُفَصَّلَةً حالَ كَوْنِها مُبْتَدِئَةً مِن حَضْرَةٍ هي أغْرَبُ الحَضَراتِ الكائِنَةِ مِن إلَهٍ ﴿حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ مُنْتَهِيَةً إلَيْكَ وأنْتَ أعْلى النّاسِ في كُلِّ وصْفٍ فَلِذَلِكَ لا …

2

أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ

[Through a messenger, saying], "Do not worship except Allah. Indeed, I am to you from Him a warner and a bringer of good tidings,"

سُورَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ

مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِالإحْكامِ والتَّفْصِيلِ في حالَتَيِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ المُقْتَضِي ذَلِكَ لِمُنَزِّلِهِ سُبْحانَهُ وضَعَ كُلِّ شَيْءٍ في أتَمِّ مَحالِّهِ وإنْفاذِهِ مَهْما أُرِيدَ المُوجِبُ لِلْقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنْسَبُ ما فِيها لِهَذا المَقْصِدِ ما ذُكِرَ في سِياقِ قِصَّةٍ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أحْكامِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ بِالعاجِلِ والآجِلِ والتَّصْرِيحِ بِالجَزْمِ بِالمُعالَجَةِ بِالمُبادَرَةِ النّاظِرِ إلى أعْظَمِ مَداراتِ السُّورَةِ ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] والعِنايَةِ بِكُلِّ دابَّةٍ والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ المُقْتَضِي لِلْعِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ اللّازِمِ مِنهُ التَّفَرُّدُ بِالمُلْكِ. [وسَيَأْتِي في الأحْقافِ وجْهُ اخْتِصاصِ كُلٍّ مِنهُما بِاسْمِهِما].

”بِسْمِ اللَّهِ“ أيِ الَّذِي لَهُ تَمامُ العِلْمِ وكَمالُ الحِكْمَةِ وجَمِيعُ القُدْرَةِ ”الرَّحْمَنِ“ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ بِعُمُومِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ ”الرَّحِيمِ“ لِأهْلِ وِلايَتِهِ بِالحِفْظِ في سُلُوكِ سَبِيلِهِ ﴿الر﴾ .

لَمّا خُتِمَتِ السُّورَةُ الَّتِي قَبْلَها - كَما تَرى - بِالحَثِّ عَلى اتِّباعِ الكِتابِ ولُزُومِهِ والصَّبْرِ عَلى ما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِن مَرائِرِ الضَّيْرِ المُؤَدِّيَةِ إلى مَفاوِزِ الخَيْرِ اعْتِمادًا عَلى المُتَّصِفِ بِالجَلالِ والكِبْرِياءِ والكَمالِ. ابْتُدِئَتْ هَذِهِ بِوَصْفِهِ بِما يُرَغِّبُ فِيهِ، فَقالَ بَعْدَ الإشارَةِ إلى إعادَةِ القَرْعِ بِالتَّحَدِّي عَلى ما سَلَفَ فِي البَقَرَةَ: ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ جامِعٌ لِكُلٍّ خَيْرِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ بَيانًا لِأنَّ إحْكامَهُ أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ [عَلى أيْسَرِ وجْهٍ عَنْهُ سُبْحانَهُ] وأُتْقِنَ إتْقانًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ ﴿آياتُهُ﴾ أيْ: أُتْقِنَتْ إتْقانًا لا نَقْصَ مَعَهُ فَلا يَنْقُصُها الَّذِي أنْزَلَها بِنَسْخِها كُلِّها بِكِتابٍ آخَرَ ولا غَيْرِهِ، ولا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ نَقْصَ شَيْءٍ مِنها ولا الطَّعْنَ في شَيْءٍ مِن بَلاغَتِها أوْ فَصاحَتِها بِشَيْءٍ يُقْبَلُ، والمُرادُ بِ: ﴿مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] في آلِ عِمْرانَ عَدَمُ التَّشابُهِ.

ولَمّا كانَ لِلتَّفْصِيلِ رُتْبَةٌ هي في غايَةِ العَظَمَةِ، أُتِيَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: وبَعْدَ هَذِهِ الرُّتْبَةِ العالِيَةِ الَّتِي لَمْ يُشارِكْهُ في مَجْمُوعِها كِتابٌ جُعِلَتْ لَهُ رُتْبَةٌ أعْلى مِنها جِدًّا بِحَيْثُ لَمْ يُشارِكْهُ في شَيْءٍ مِنها كِتابٌ؛ وذَلِكَ أنَّهُ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ: جُعِلَتْ لَها - مَعَ كَوْنِها مُفَصَّلَةً إلى حَلالٍ وحَرامٍ وقَصَصٍ وأمْثالٍ - فَواصِلَ ونِهاياتٍ تَكُونُ بِها مُفارِقَةً لِما بَعْدَها و[ما] قَبْلَها، يُفْهَمُ مِنها عُلُومٌ جَمَّةٌ ومَعارِفُ مُهِمَّةٌ وإشاراتٌ إلى أحْوالٍ عالِيَةٍ، ومَوارِدَ عَذْبَةٍ صافِيَةٍ، ومَقاماتٍ مِن كُلِّ عِلَّةٍ شافِيَةٍ، كَما تُفَصَّلُ القَلائِدُ بِالفَرائِدِ، وهَذا التَّفْصِيلُ لَمْ يُشارِكْهُ في شَيْءٍ مِنهُ شَيْءٌ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، بَلْ هي مُدْمَجَةٌ إدْماجًا لا فَواصِلَ لَها كَما يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن طالَعَها، ويَكْفِي في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ ما سُقْتُهُ مِنها في تَضاعِيفِ هَذا الكِتابِ، وما أنْسَبَ خِتامَ هَذِهِ الآيَةِ لِلْإحْكامِ والتَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ﴾ أيْ: نَزَلَتْ آياتُهُ مُحْكَمَةً مُفَصَّلَةً حالَ كَوْنِها مُبْتَدِئَةً مِن حَضْرَةٍ هي أغْرَبُ الحَضَراتِ الكائِنَةِ مِن إلَهٍ ﴿حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ مُنْتَهِيَةً إلَيْكَ وأنْتَ أعْلى النّاسِ في كُلِّ وصْفٍ فَلِذَلِكَ لا …

3

وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ

And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَشْمَلُ الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ [هود: ٢] مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ اطْلُبُوا مَعَ الإخْلاصِ في العِبادَةِ أنْ يَغْفِرَ لَكُمُ المُحْسِنُ إلَيْكم ما فَرَّطْتُمْ فِيهِ؛ وأشارَ بِأداةِ التَّراخِي إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ التَّوْبَةِ، وأنْ لا سَبِيلَ إلى طَلَبِ الغُفْرانِ إلّا بِها فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا بِالظّاهِرِ والباطِنِ رُجُوعًا لا رَجْعَةَ فِيهِ [وإنْ كانَ المُرادُ بِها الدَّوامَ فَجَلِيلُ رُتْبَتِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ] ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ [أيْ يَمُدُّ في تَلْذِيذِكم بِالعَيْشِ مَدًّا، مِن مَتَعَ النَّهارُ: ارْتَفَعَ، والضُّحى: بَلَغَ غايَتَهُ، وأمْتَعَهُ اللَّهُ بِكَذا: أبْقاهُ وأنْشَأهُ إلى أنْ يَبْلُغَ شَبابَهُ]؛ و[لَمّا]، كانَ التَّمْتِيعُ - وهو المَتاعُ البالِغُ فِيهِ حَتّى لا يَكُونَ فِيهِ كَدَرٌ - لا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ فَلِذَلِكَ جُعِلَ المَصْدَرُ ﴿مَتاعًا﴾ وأنَّهُ وضَعَ مَوْضِعَ ”تَمْتِيعًا“، هَذا المَصْدَرَ ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَسَنًا﴾ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ أنْهى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الدّارِ، ولَقَدْ كانَ ما أُوتِيَهُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الظَّفَرِ بِالإهْداءِ وسَعَةِ الدُّنْيا ورَغَدِ العَيْشِ كَذَلِكَ ﴿إلى﴾ أيْ: مُمْتَدًّا إلى ﴿أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ: في عِلْمِهِ إمّا بِالمَوْتِ لِكُلِّ واحِدٍ أوْ بِانْقِضاءِ ما ضَرَبَهُ مِنَ الأجَلِ لِلنِّعْمَةِ الَّتِي أشارَ إلَيْها ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ أيْ: عَمَلٍ فاضِلٍ ﴿فَضْلَهُ﴾ أيْ: جَزاءَ ما قَصَدَ بِعَمَلِهِ عَلى وجْهِ التَّفْضِيلِ مِنهُ سُبْحانَهُ؛ فَإنَّهُ لا يَجِبُ لِأحَدٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ التَّفْضِيلِ: الحَسَنَةُ بِعَشَرَةِ أمْثالِها؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وهَلَكَ مَن غَلَبَتْ آحادُهُ عَشَراتِهِ.

ولَمّا انْقَضى التَّبْشِيرُ مَجْزُومًا بِهِ، أتْبَعَهُ التَّحْذِيرَ مُخَوِّفًا مِنهُ لُطْفًا بِالعِبادِ واسْتِعْطافًا لَهم فَقالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم ضِدَّ ما طَبَعَها اللَّهُ عَلَيْهِ مِن سَلامَةِ الفِطْرَةِ وسُهُولَةِ الِانْقِيادِ مِنَ الإعْراضِ ولَوْ أدْنى دَرَجاتِهِ بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: والعاقِلُ مِن أبْعَدِ عَنِ المَخاوِفِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ أيْ: لِكِبَرِ ما فِيهِ مِنَ العَذابِ مِمَّنْ قَدَرَ عَلى إثْباتِكُمْ، وخَصَّ اسْمُ الرَّبِّ تَذْكِيرًا بِما لَهُ مِنَ النِّعَمِ في الإيجادِ والإنْشاءِ والتَّرْبِيَةِ؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِغْفارُ - وهو طَلَبُ الغُفْرانِ - مَطْلُوبًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لا يُعْتَبَرُ إلّا إذا قُرِنَ بِالتَّوْبَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ بِ: ”ثُمَّ“ إشارَةً إلى عَظِيمِ رُتْبَتِها وعَلى مَنزِلَتِها وإنْ كانَ المُرادُ بِها الدَّوامَ عَلَيْها فَجَلِيلُ رُتْبَتِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ العَمَلِ بِالفَضْلِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَمْ يَقَعِ التَّكْلِيفُ إلّا بِما في الوُسْعِ مَعَ أنَّهُ مِن مَعالِي الأخْلاقِ، لِأنَّ الفَضْلَ في الأصْلِ ما فَضَلَ عَنِ الإنْسانِ وتُعانِيهِ مِن كَرِيمِ الشَّمائِلِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو في الذُّرْوَةِ مِنَ الإحْكامِ؛ لِأنَّهُ مَنَعَ الفِعْلَ مِنَ الفَسادِ؛ والحَكِيمُ مِنَ الحِكْمَةِ وهي العِلْمُ بِما يَجْمَعُ عَلَيْهِ مِمّا يَمْنَعُ الفِعْلَ مِنَ الفَسادِ والنَّقْضِ، وبِها يُمَيَّزُ الحَسَنُ مِنَ القَبِيحِ والفاسِدِ مِنَ الصَّحِيحِ، وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ …

4

إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

To Allah is your return, and He is over all things competent."

ولَمّا خُوِّفَ المُنْذَرُونَ بِاليَوْمِ الكَبِيرِ كانُوا كَأنَّهم قالُوا: ما هَذا اليَوْمُ؟ فَكانَ الجَوابُ: يَوْمَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، ولَمّا كانُوا رُبَّما حَمَلُوا الرُّجُوعَ عَلى مُجَرَّدِ المَوْتِ والصَّيْرُورَةِ تُرابًا، نَبَّهَهم عَلى أنَّهُ بِغَيْرِ المَعْنى الَّذِي يَتَوَهَّمُهُ بَلْ بِمَعْنى إعادَتِهِمْ كَما كانُوا فَقالَ: ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا وحْدَهُ ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: [رُجُوعُكم ووَقْتُهُ ومَكانُهُ لِأجْلِ الحِسابِ] لا إلى التُّرابِ ولا غَيْرِهِ، [وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ومِنهُ بَدْؤُكم لِأخْذِ الزّادِ لِلْمَعادِ]، وجَعَلَ فاصِلَةَ الآيَةِ \ حَكَمًا عَلى المُرادِ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مُمْكِنٍ ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ: بالِغُ القُدْرَةِ لِأنَّهم يُقِرُّونَ بِقُدْرَتِهِ عَلى أشْياءَ هي أعْظَمُ مِنَ الإعادَةِ، [فَهُوَ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ كَما قَدَرَ عَلى البُداءَةِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ المَرْجِعَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى المَبْدَأِ ثانِيًا، وتَمامَ القُدْرَةِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى تَمامِ العِلْمِ أوَّلًا؛ لِأنَّهُما مُتَلازِمانِ].

5

أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Unquestionably, they the disbelievers turn away their breasts to hide themselves from Him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, Allah knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ التَّخْوِيفِ والإطْماعِ ما هو مَظِنَّةٌ لِإقْبالِهِمْ ورَهَبِهِمْ عَلى التَّوَلِّي بِخُصُوصِهِ، فَكانَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: هَلْ أقْبَلُوا؟ فَقِيلَ: لا [قالَ] مُبَيِّنًا أنَّ التَّوَلِّيَ باطِنًا كالتَّوالِي ظاهِرًا؛ لِأنَّ الباطِنَ هو العُمْدَةُ، مُؤَكِّدًا لِأنَّهُ أمْرٌ لا يَكادُ أنْ يُصَدَّقَ، والتَّأْكِيدُ أقْعَدُ في تَبْكِيتِهِمْ: ﴿ألا إنَّهُمْ﴾ أيِ الكُفّارَ المُعانِدِينَ ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ أيْ: يَطْوُونَها ويَنْحَرِفُونَ عَنِ الحَقِّ عَلى غِلٍّ مِن غَيْرِ إقْبالٍ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى الشَّيْءِ أقْبَلَ عَلَيْهِ بِصَدْرِهِ ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ أيْ: يُرِيدُونَ أنْ يُوجِدُوا إخْفاءَ سِرِّهِمْ عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِن أمْرِهِ. فَإنْ كانَ مُرادُهم بِالثَّنْيِ الِاسْتِتارَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فالأمْرُ في عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ واضِحٌ، وإنْ كانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فالِاسْتِخْفاءُ مِنهُ اسْتِخْفاءٌ مِمَّنْ أرْسَلَهُ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُغْنٍ عَنْهُمْ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّهم وعَلَنَهم في أخْفى أحْوالِهِمْ عِنْدَهُمْ، وهو حِينٌ اسْتِغْشائِهِمْ ثِيابَهُمْ، فَيُغَطُّونَ الوُجُوهَ الَّتِي تَسْتَقِرُّ عَنْ بَعْضِ ما في القُلُوبِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ فَقالَ: ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ غِشْيانَها أيْ تَغْطِيَتَها لِرُؤُوسِهِمْ، لِاسْتِخْفاءِ كَراهِيَةٍ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ وأخْبارِ رَسُولِهِ ﷺ ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ أيْ: يُوقِعُونَ إسْرارَهُ في أيِّ وقْتٍ كانَ ومِن أيِّ نَوْعٍ كانَ مِن غَيْرِ بُطْءٍ لِتَدَبُّرٍ أوْ تَأمُّلٍ، [ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ عِلْمِ السِّرِّ والعَلَنِ مُلازَمَةٌ لِاخْتِصاصِ العَلَنِ بِما يَكُونُ لِغَيْبَةٍ أوِ اخْتِلافٍ بِأصْواتٍ ولَفْظٍ أوِ اخْتِلافِ لُغَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ قالَ تَصْرِيحًا]: ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: يُوقِعُونَ إعْلانَهُ لا تَفاوُتَ في عِلْمِهِ بَيْنَ إسْرارٍ وإعْلانٍ، فَلا وجْهَ لِاسْتِخْفائِهِمْ نِفاقًا، فَإنَّ سُوقَ نِفاقِهِمْ غَيْرُ نافِقٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ. ثُمَّ عَلَّلَهُ بِما هو أدَقُّ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ مَعَ شُمُولِهِ لِلنَّوْعَيْنِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ العِلْمِ جِدًّا ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِضَمائِرِ قُلُوبِهِمْ الَّتِي في دَواخِلِ صُدُورِهِمْ الَّتِي يَثْنُونَها مِن قَبْلِ أنْ يَقَعَ لَهم إضْمارُها، بَلْ مِن قَبْلِ أنْ يَخْلُقَهُمْ؛ وأصْلُ الثَّنْيِ العَطْفُ، ومِنهُ الِاثْنانِ - لِعَطْفِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والثَّناءُ - لِعَطْفِ المَناقِبِ في المَدْحِ. ولِهَذا لِما قالَ العَبْدُ في الفاتِحَةِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] بَعْدَ الحَمْدِ قالَ اللَّهُ تَعالى: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي - كَما في حَدِيثِ: ««قَسَّمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»» والِاسْتِثْناءُ - لِعَطْفِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ بِالِاسْتِخْراجِ مِنهُ؛ والِاسْتِخْفاءُ: طَلَبُ خَفاءِ الشَّيْءِ.

6

۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّۭ فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ

And there is no creature on earth but that upon Allah is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage. All is in a clear register.

ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى شُمُولِ العِلْمِ والقُدْرَةِ مَعًا فَقالَ: ﴿وما﴾ وأغْرَقَ في العُمُومِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ ودَلَّ عَلى أنَّ الِانْتِفاعَ بِالأمْوالِ مَخْصُوصٌ بِأهْلِ العالَمِ السُّفْلِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ ﴿إلا عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ وحْدَهُ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿رِزْقُها﴾ أيْ: قُوتُها وما تَنْتَفِعُ وتَعِيشُ بِهِ بِمُقْتَضى ما أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ، [تَحْقِيقًا لِوُصُولِهِ وحَمْلًا عَلى التَّوَكُّلِ فِيهِ]، لِأنَّ الإفْضالَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما لا تَعِيشُ إلّا بِهِ ولا يُلائِمُها إلّا هو مُدَّةَ حَيّاتِها أدَقُّ مِمّا مَضى في العِلْمِ مَعَ تَضَمُّنِهِ لِتَمامِ القُدْرَةِ، والآيَةُ مَعَ ذَلِكَ ناظِرَةٌ إلى تَرْغِيبِ آيَةِ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [هود: ٣] فالمُرادُ: أخْلِصُوا العِبادَةَ لَهُ ولا تَفْتُرُوا عَنْ عِبادَتِهِ لِلِاشْتِغالِ بِالرِّزْقِ فَإنَّهُ ضَمِنَهُ لَكم وهو عالِمٌ بِكُلِّ نَفْسٍ فَلا تَخْشَوْا مِن أنَّهُ يَنْسى أحَدًا.

وقالَ: ”وفي الأرْضِ“ لِيَعُمَّ ما يَمْشِي عَلى وجْهِها وما في أطْباقِها مِنَ الدِّيدانِ ونَحْوِها مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا هُوَ، لَقَدْ شاهَدْتُ داخِلَ حَصاةٍ مِن شاطِئِ بَحْرِ قُبْرُسَ شَدِيدَةِ الصَّلابَةِ كَأنَّها العَقِيقُ الأبْيَضُ دُودَةً عِنْدَها ما تَأْكُلُ، وأخْبَرَنِي الفاضِلُ عِزُّ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ التَّكْرُورِيُّ الكُتُبِيُّ أنَّهُ شاهَدَ غَيْرَ مَرَّةٍ في دَواخِلِ حِجارَةٍ تُقْطَعُ مِن جَبَلِ مِصْرَ الدُّودَ عِنْدَهُ ما يَأْكُلُ مِنَ الحَشِيشِ الأخْضَرِ وما يَشْرَبُ مِنَ الماءِ؛ ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها﴾ أيْ: مَكانَها الَّذِي تَسْتَقِرُّ فِيهِ ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾ أيْ: مَوْضِعَها الَّذِي تُودَعُ فِيهِ قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ مِن صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ أوْ بَعْدَهُ \ مِن قَبْرٍ أوْ فَلاةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ عَلى ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِن تَفاصِيلِ السَّكَناتِ والحَرَكاتِ ما كانَ مِنها وما يَكُونُ مِن كُلِّ ذَلِكَ مِمّا يُحَيِّرُ الفِكْرَ ويُدْهِشُ الألْبابَ، ثُمَّ جَعَلَ فاصِلَةَ الآيَةِ ما هو في غايَةِ العَظَمَةِ عِنْدَ الحَقِّ وهُوَ: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ فَإنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما يَعْلَمُهُ العَبْدُ يَقْدِرُ عَلى كِتابَتِهِ ولا كُلُّ ما يَكْتُبُهُ يَكُونُ مُبَيَّنًا بِحَيْثُ إنَّهُ كُلَّما أرادَ الكَشْفَ مِنهُ وجَدَ ما يُرِيدُهُ، وإذا وجَدَهُ كانَ مُفْهِمًا لَهُ؛ والدّابَّةُ: الحَيُّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الدَّبِيبُ؛ والمُسْتَقَرُّ: المَوْضِعُ الَّذِي يَقِرُّ فِيهِ الشَّيْءُ، وهو قَرارُهُ ومَكانُهُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ؛ والمُسْتَوْدَعُ: المَعْنى المَجْعُولُ في قَرارِهِ كالوَلَدِ الَّذِي يَكُونُ في البَطْنِ والنُّطْفَةِ الَّتِي في الظَّهْرِ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ ما ذُكِرَ حُكْمًا مِنها ما لِلْمَلائِكَةِ فِيهِ مِنَ العِبْرَةِ عِنْدَ المُقابَلَةِ بِما يَكُونُ مِنَ الأُمُورِ المَكْتُوبَةِ قَبْلَ وُجُودِها.

7

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."

ولَمّا كانَ خَلْقُ ما مِنهُ الرِّزْقُ أعْظَمَ مِن خَلْقِ الرِّزْقِ وتَوْزِيعِهِ في شُمُولِ العِلْمِ والقُدْرَةِ مَعًا تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ: أوْجَدَ وقَدَّرَ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وحْدَهُ لَمْ يُشْرِكْهُ في ذَلِكَ أحَدٌ كَما أنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ولَمّا كانَ خَلْقُ العَرْشِ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ فَإنَّ جَمِيعَ السَّماواتِ والأرْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ في فَلاةٍ. وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى الماءِ الَّذِي لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ في العادَةِ إلّا في وِعاءٍ ضابِطٍ مُحْكَمٍ، تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ﴾ [أيْ] قَبْلَ خَلْقِهِ لِذَلِكَ ﴿عَرْشُهُ﴾ مُسْتَعْلِيًا ﴿عَلى الماءِ﴾ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ المُلاصَقَةُ كَما أنَّ السَّماءَ عَلى الأرْضِ مِن غَيْرِ مُلاصَقَةٍ. وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا السِّياقِ أنَّهُ كانَ قَبْلَ الأرْضِ [خَلْقٌ] فَثَبَتَ أنَّهُ وما تَحْتَهُ مَحْمُولانِ بِمَحْضِ القُدْرَةِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ آخَرَ قَرِيبٍ أوْ بَعِيدٍ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ قُدْرَتَهُ في دَرَجاتٍ مِنَ العَظَمَةِ لا تَتَناهى، وهَذا زِيادَةُ تَفْصِيلٍ لِما ذُكِرَ في سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أمْرِ العَرْشِ لِأنَّ هَذِهِ سُورَةُ التَّفْصِيلِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى مُعَلِّقًا بِ: ”خَلَقَ“: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أيْ: [أنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ لَكم سَكَنًا كامِلًا بِمَهْدِهِ وسَقْفِهِ مِن أكْلِهِ وشُرْبِهِ وكُلِّ ما تَحْتاجُونَهُ فِيهِ وما يُصْلِحُكم وما يُفْسِدُكم ومَكَّنَكم مِن جَمِيعِ ذَلِكَ و] الحِكْمَةُ في خَلْقِ ذَلِكَ أنَّهُ يُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ، ودَلَّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ بِسَوْقِهِ مَساقَ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿أيُّكُمْ﴾ أيْ: أيُّها العِبادُ ﴿أحْسَنُ عَمَلا﴾ عَلى أنَّهُ فَعَلَ هَذِهِ الأفْعالَ الهائِلَةَ لِأجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي هم لَها مُسْتَهِينُونَ وبِها مُسْتَهْزِئُونَ، وعَلَّقَ فِعْلَ البَلْوى عَنْ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ»»، وقالَ: ««يَدُ اللَّهِ مَلْأى لا تُغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وقالَ: أرَأيْتُمْ ما أنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ فَإنَّهُ لَمْ يَغِضْ ما في يَدِهِ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، وبِيَدِهِ المِيزانُ يَخْفِضُ ويَرْفَعُ»». وفي الآيَةِ حَثٌّ عَلى مَحاسِنِ الأعْمالِ والتَّرَقِّي دائِمًا في مَراتِبِ الكَمالِ مِنَ العِلْمِ الَّذِي هو عَمَلُ القَلْبِ [والعَمَلِ] الظّاهِرِ الَّذِي هو وظِيفَةُ الأرْكانِ.

ولَمّا ثَبَتَ - بِيَدِهِ الخَلْقُ الَّذِي هم [بِهِ] مُعْتَرِفُونَ - القُدْرَةُ عَلى إعادَتِهِ، وثَبَتَ بِالِابْتِلاءِ أنَّهُ لا تَتِمُّ الحِكْمَةُ في خَلْقِ المُكَلَّفِينَ إلّا بِإعادَتِهِمْ لِيُجازِيَ كُلًّا مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ بِفِعالِهِ [وأنَّهم ما خُلِقُوا إلّا لِذَلِكَ]. عَجِبَ مِن إنْكارِهِمْ لَهُ وأكَّدَهُ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ قُلْتَ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ما خَلَقْتُ هَذا الخَلْقَ العَظِيمَ إلّا لِابْتِلائِهِمْ ﴿إنَّكم مَبْعُوثُونَ﴾ أيْ: مَوْجُودُونَ، [بَعْثُكُمْ] ثابِتٌ قَطْعًا لا بُدَّ مِنهُ.

ولَمّا كانَ زَمَنُ البَعْثِ بَعْضَ الزَّمَنِ قالَ: ﴿مِن بَعْدِ المَوْتِ﴾ الَّذِي هو في غايَةِ الِابْتِداءِ ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ أكَّدَهُ دَلالَةً عَلى العِلْمِ بِالعَواقِبِ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ ”الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ“ أيْ: …

8

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍۢ مَّعْدُودَةٍۢ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say, "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ ومَضى مِنَ الأقْوالِ مَظِنَّةً لِمُعاجَلَتِهِمْ بِالأخْذِ، \ وكانَ الواقِعُ أنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم بِالإمْهالِ فَضْلًا مِنهُ وكَرَمًا، حَكى مَقالَتَهم في مُقابَلَةِ رَحْمَتِهِ لَهم فَقالَ: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يَفُوتُها شَيْءٌ ﴿عَنْهُمُ﴾ أيِ الكُفّارِ ﴿العَذابَ﴾ أيِ المُتَوَعَّدَ بِهِ ﴿إلى أُمَّةٍ﴾ أيْ: مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ لَيْسَ فِيها كَدَرٌ ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ: مَحْصُورَةِ الأيّامِ أيْ قَصِيرَةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَنا حَتّى تُعَدَّ الأنْفاسُ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ أيِ العَذابَ عَنِ الوُقُوعِ اسْتِعْجالًا لَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً، وهو تَهْدِيدٌ لَهم بِأنَّهُ آتِيهِمْ عَنْ قَرِيبٍ فَلْيَعْتَدُّوا لِذَلِكَ.

ولَمّا كانَ العاقِلُ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْألَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلى الدَّفْعِ، أعْرَضَ عَنْ جَوابِهِمْ وذَكَرَ لَهم أنَّهم عاجِزُونَ عَنْ دِفاعِهِ عِنْدَ إيقاعِهِ إعْلامًا بِأنَّهم عَكَسُوا في السُّؤالِ، وتَحْقِيقًا لِأنَّ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لاحِقٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِشَدِيدِ إنْكارِهِمْ: ﴿ألا يَوْمَ﴾ وهو مَنصُوبٌ بِخَبَرِ ”لَيْسَ“ الدّالِّ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ الخَبَرِ ﴿يَأْتِيهِمْ لَيْسَ﴾ أيِ العَذابُ ﴿مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ [وقَدَّمَ الماضِيَ مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا ومُبالَغَةً في التَّهْدِيدِ فَقالَ]: ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: أدْرَكَهم إذْ ذاكَ عَلى سَبِيلِ الإحاطَةِ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمْ وسَيِّءِ طَبائِعِهِمْ، وقَدَّمَ الظَّرْفَ إشارَةً إلى شِدَّةِ إقْبالِهِمْ عَلى الهُزْءِ بِهِ حَتّى كَأنَّهم لا يَهْزَؤُونَ بِغَيْرِهِ فَقالَ: ﴿بِهِ﴾ ولَمّا كانَ اسْتِعْجالُهُمُ اسْتِهْزاءً، وضَعَ مَوْضِعَ يَسْتَعْجِلُونَ قَوْلَهُ: ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ الهُزْءَ بِهِ إيجادًا عَظِيمًا حَتّى كَأنَّهم يَطْلُبُونَ ذَلِكَ.

9

وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ ثُمَّ نَزَعْنَٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌۭ كَفُورٌۭ

And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.

ولَمّا كانَ قَوْلُهم ذَلِكَ ناشِئًا عَنْ طَبْعِ الإنْسانِ عَلى الوُقُوفِ مَعَ الحالَةِ الرّاهِنَةِ والعَمى عَنِ الِاسْتِضاءَةِ بِنُورِ العَقْلِ فِيما يُزِيلُها في العاقِبَةِ، بَيَّنَ ذَلِكَ [لِيُعْلَمَ أنَّ طَبْعَهُ مُنافٍ لِما تَضَمَّنَهُ مَقْصُودُ السُّورَةِ مِنَ الإحْكامِ الَّذِي هو ثَمَرَةُ العِلْمِ. وبِعِلْمِ ذَلِكَ يُعْلَمُ مِقْدارُ نِعْمَتِهِ عَلى مَن حَفِظَهُ عَلى ما فَطَرَهُ عَلَيْهِ مِن أحْسَنِ تَقْوِيمٍ] بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ طَبْعُهُ كَذَلِكَ: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الإنْسانَ﴾ أيْ: هَذا النَّوْعَ المُسْتَأْنِسَ بِنَفْسِهِ؛ ولَمّا كانَ مِن أقْبَحِ الخِلالِ اسْتَمْلاكُ المُسْتَعارِ. وكانَتِ النِّعَمُ عَوارِيَ مِنَ اللَّهِ يَمْنَحُها مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، قَدَّمَ الصِّلَةَ دَلِيلًا عَلى العارِيَةِ فَقالَ: ﴿مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً فَضْلًا مِنّا عَلَيْهِ لا بِحَوْلِهِ ولا بِقُوَّتِهِ [مِن جِهَةٍ لا يَرْجُوها بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ أداةُ الشَّكِّ] ومَكَّنّاهُ مِنَ التَّلَذُّذِ بِها تَمْكِينَ الذّائِقِ مِنَ المَذُوقِ ﴿ثُمَّ نَـزَعْناها﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وإنْ كَرِهَ ذَلِكَ ﴿مِنهُ﴾ أخْذًا لِحَقِّنا ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ اليَأْسِ مِن أنْ يَعُودَ لَهُ مِثْلُها ﴿كَفُورٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ السَّتْرِ لِما سَلَفَهُ لَهُ مِنَ الإكْرامِ لِأنَّ شَأْنَهُ ذَلِكَ وخُلُقَهُ إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ

10

وَلَئِنْ أَذَقْنَٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌۭ فَخُورٌ

But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -

﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ﴾ مِن فَضْلِنا.

ولَمّا كانَ اسْتَمْلاكُهُ العارِيَةَ طَبْعًا لَهُ، لا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا بِمَعُونَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ اللَّهِ. دَلَّ عَلَيْهِ بِما أفْهَمَ أنَّهُ لَوْ كانَ طُولَ عُمْرِهِ في الضُّرِّ ثُمَّ نالَ حالَةً يَرْضاها عَقِبَ زَمَنِ الضُّرِّ سَواءٌ بادَرَ إلى اعْتِقادِ أنَّها هي الحالَةُ الأصْلِيَّةُ لَهُ وأنَّها لا تُفارِقُهُ أصْلًا ولا يَشُوبُها نَوْعُ ضَرَرٍ ولا يُخالِطُ صَفْوَها شَيْءٌ مِن كَدَرٍ فَقالَ دالًّا عَلى اتِّصالِ زَمَنِ الضُّرِّ بِالقَوْلِ بِنَزْعِ الخافِضِ مِنَ الظَّرْفِ: ﴿بَعْدَ ضَرّاءَ﴾ أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ مُضِرٍّ بِبَدَنِهِ، ولَمْ يُسْنِدِ المَسَّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما فَعَلَ في النَّعْماءِ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ فَقالَ: ﴿مَسَّتْهُ﴾ أيْ: بِما كَسَبَتْ يَداهُ ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِالضَّرّاءِ خِفَّةً وطَيْشًا ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ﴾ أيْ: كُلُّ ما يَسُوءُنِي ﴿عَنِّي﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْإنْسانِ، المَعْنى أنَّ الإنْسانَ. فَهي كُلِّيَّةٌ مَشْهُورَةٌ بِمُسْتَغْرَقٍ، أيْ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ أيْ: خارِجٌ عَنِ الحَدِّ في فَرَحِهِ شَدِيدُ الإفْراطِ في فَخْرِهِ عَلى غَيْرِهِ بِكُلِّ نِعْمَةٍ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِها. [لا يَمْلِكُ ضُرَّ نَفْسِهِ ومَنعَها مِن ذَلِكَ] فَلِذا اتَّصَلَ [بِها] قَوْلُهُ مُسْتَثْنِيًا مِنَ الإنْسانِ المُرادِ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ في وقْتِ الشَّدائِدِ وزَوالِ النِّعَمِ رَجاءً لِمَوْلاهم وحُسْنَ ظَنٍّ بِهِ بِسَبَبِ إيمانِهِمُ المُوجِبِ لِتَقَيُّدِهِمْ بِالشَّرْعِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [أيْ] مِن أقْوالِ الشُّكْرِ وأفْعالِهِ عِنْدَ حُلُولِ النِّعَمِ، فَهم دائِمًا مَشْغُولُونَ بِمَوْلاهم شُكْرًا وصَبْرًا، [وهُمُ الَّذِينَ أتَمَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ نِعَمَهُ، وخَلَقَهم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. وهم أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ لِعَظِيمِ جِهادِهِمْ لِنُفُوسِهِمْ فِيما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ وغَيْرِها وشَياطِينِهِمْ.]

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ! أنْتَجَ السِّياقُ مَدْحَهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو المَراتِبِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ إذا وقَعَتْ مِنهم هَفْوَةٌ ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ عَلى صَبْرِهِمْ وشُكْرِهِمْ؛ والذَّوْقُ: تَناوُلُ الشَّيْءِ بِالفَمِ لِإدْراكِ الطَّعْمِ كَما أنَّ الشَّمَّ مُلابَسَةُ الشَّيْءِ الأنْفَ لِإدْراكِ الرّائِحَةِ؛ والنَّزْعُ: رَفْعُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ مِمّا كانَ مُشابِكًا لَهُ كالقَلْعِ \ والقَشْطِ؛ واليَأْسُ: القَطْعُ بِأنَّ الشَّيْءَ لا يَكُونُ، وهو ضِدُّ الرَّجاءِ، ويَئُوسٌ: كَثِيرُ اليَأْسِ، وهو ذَمٌّ لِأنَّهُ لِلْجَهْلِ بِسِعَةِ الرَّحْمَةِ المُوجِبَةِ لِقُوَّةِ الأمَلِ في كُلِّ ما يَجُوزُ في الحِكْمَةِ فِعْلُهُ؛ والنَّعْماءُ: إنْعامٌ يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى صاحِبِهِ، كَما أنَّ الضَّرّاءَ مَضَرَّةٌ تَظْهَرُ الحالُ بِها، لِأنَّها أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ مِن حَمْراءَ وعَوْراءَ مَعَ ما في مَفْهُومِها مِنَ المُبالَغَةِ؛ والسَّيِّئَةُ: ما يَسُوءُ مِن جِهَةِ نُفُورِ طَبْعٍ أوْ عَقْلٍ، وهي هُنا المَرَضُ والفَقْرُ ونَحْوَهُ؛ والفَرَحُ: انْفِتاحُ القَلْبِ بِما يُلْتَذُّ بِهِ؛ وعِبارَةُ البَغَوِيِّ: هو لَذَّةٌ في القَلْبِ بِنَيْلِ المُشْتَهى وهو أعْظَمُ مِن مَلاذِّ الحَواسِّ؛ والفَخْرُ: التَّطاوُلُ بِتَعْدِيدِ المَناقِبِ؛ والصَّبْرُ: حَبْسُ [النَّفْسِ] عَنِ المُشْتَهى مِنَ المَحارِمِ ونَحْوِها، والصَّبْرُ عَلى مُرِّ الحَقِّ يُؤَدِّي إلى الفَوْزِ في الآخِرَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن جَمالٍ في الدُّنْيا؛ والكَبِيرُ واحِدٌ …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.