Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 31–40 of 123

31

وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌۭ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allah will never grant them any good. Allah is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers."

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ.

وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم.

وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ.

ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ.

﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ …

32

قَالُوا۟ يَٰنُوحُ قَدْ جَٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

They said, "O Noah, you have disputed us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ.

وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم.

وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ.

ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ.

﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ …

33

قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

He said, "Allah will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ.

وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم.

وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ.

ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ.

﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ …

34

وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - If Allah should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ.

وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم.

وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ.

ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ.

﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ …

35

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُجْرِمُونَ

Or do they say [about Prophet Muhammad], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ.

وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم.

وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ.

ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ.

﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ …

36

وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: (وأُوحِيَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. أنَّهُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إنَّهُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَلى إجْراءِ أوْحى مَجْرى قالَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ: أيْأسَهُ اللَّهُ مِن إيمانِهِمْ، وأنَّهُ صارَ كالمُسْتَحِيلِ عَقْلًا بِإخْبارِهِ تَعالى عَنْهم.

ومَعْنى ﴿إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ أيْ: مَن وُجِدَ مِنهُ ما كانَ يَتَوَقَّعُ مِن إيمانِهِ، ونَهاهُ تَعالى عَنِ ابْتِآسِهِ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو حُزْنُهُ عَلَيْهِمْ في اسْتِكانَةٍ. وابْتَأسَ: افْتَعَلَ مِنَ البُؤْسِ، ويُقالُ: ابْتَأسَ الرَّجُلُ: إذا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎وكَمْ مِن خَلِيلٍ أوْ حَمِيمٍ رُزِئْتُهُ فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلُ

وقالَ آخَرُ:

؎ما يَقْسِمُ اللَّهُ اقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ∗∗∗ مِنهُ وأقْعُدْ كَرِيمًا ناعِمَ البالِ

وقالَ آخَرُ:

؎فارِسُ الخَيْلِ إذا ما ولْوَلَتْ ∗∗∗ رَبَّةُ الخِدْرِ بِصَوْتٍ مُبْتَئِسٍ

وقالَ آخَرُ:

؎فِي مَأْتَمٍ كَنِعاجِ صا رَةَ يَبْتَئِسْنَ ∗∗∗ بِما لَقِينا صارَةُ: مَوْضِعٌ

.

﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِن تَكْذِيبِكَ وإيذائِكَ ومُعاداتِكَ، فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهم. (واصْنَعِ): عَطْفٌ عَلى ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ . (بِأعْيُنِنا): بِمَرْأًى مِنّا وكِلاءَةٍ وحِفْظٍ، فَلا تَزِيغُ صَنْعَتُهُ عَنِ الصَّوابِ فِيها، ولا يَحُولُ بَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَهُ أحَدٌ. والجَمْعُ هُنا كالمُفْرَدِ فَيَقُولُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وجُمِعَتْ هُنا: لِتَكْثِيرِ الكِلاءَةِ والحِفْظِ ودَيْمُومَتِها.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بِأعْيُنّا مُدْغَمَةً. (ووَحْيِنا): نُوحِي إلَيْكَ ونُلْهِمُكَ كَيْفَ تَصْنَعُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ، فَأوْحى اللَّهُ أنْ يَصْنَعَها مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (بِأعْيُنِنا) أيْ: بِمَلائِكَتِنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ هُنا لِلْجَمْعِ حَقِيقَةً. وقَوْلُ مَن قالَ: مَعْنى ووَحْيِنا: بِأمْرِنا لَكَ أوْ بِعِلْمِنا، ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: واصْنَعِ الفُلْكَ، مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ: «كانَ زانَ سَفِينَةِ نُوحٍ جِبْرِيلُ»، والزّانُ: القَيِّمُ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ.

والَّذِينَ ظَلَمُوا: قَوْمُ نُوحٍ، تَقَدَّمَ إلى نُوحٍ أنْ لا يَشْفَعَ فِيهِمْ فَيَطْلُبَ إمْهالَهم، وعَلَّلَ مَنعَ مُخاطَبَتِهِ بِأنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، ونَهاهُ عَنْ سُؤالِ الإيجابِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] وقِيلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: واعِلَةُ زَوْجَتُهُ وكَنْعانُ ابْنُهُ.

﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾: حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، …

37

وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ

And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: (وأُوحِيَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. أنَّهُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إنَّهُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَلى إجْراءِ أوْحى مَجْرى قالَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ: أيْأسَهُ اللَّهُ مِن إيمانِهِمْ، وأنَّهُ صارَ كالمُسْتَحِيلِ عَقْلًا بِإخْبارِهِ تَعالى عَنْهم.

ومَعْنى ﴿إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ أيْ: مَن وُجِدَ مِنهُ ما كانَ يَتَوَقَّعُ مِن إيمانِهِ، ونَهاهُ تَعالى عَنِ ابْتِآسِهِ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو حُزْنُهُ عَلَيْهِمْ في اسْتِكانَةٍ. وابْتَأسَ: افْتَعَلَ مِنَ البُؤْسِ، ويُقالُ: ابْتَأسَ الرَّجُلُ: إذا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎وكَمْ مِن خَلِيلٍ أوْ حَمِيمٍ رُزِئْتُهُ فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلُ

وقالَ آخَرُ:

؎ما يَقْسِمُ اللَّهُ اقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ∗∗∗ مِنهُ وأقْعُدْ كَرِيمًا ناعِمَ البالِ

وقالَ آخَرُ:

؎فارِسُ الخَيْلِ إذا ما ولْوَلَتْ ∗∗∗ رَبَّةُ الخِدْرِ بِصَوْتٍ مُبْتَئِسٍ

وقالَ آخَرُ:

؎فِي مَأْتَمٍ كَنِعاجِ صا رَةَ يَبْتَئِسْنَ ∗∗∗ بِما لَقِينا صارَةُ: مَوْضِعٌ

.

﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِن تَكْذِيبِكَ وإيذائِكَ ومُعاداتِكَ، فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهم. (واصْنَعِ): عَطْفٌ عَلى ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ . (بِأعْيُنِنا): بِمَرْأًى مِنّا وكِلاءَةٍ وحِفْظٍ، فَلا تَزِيغُ صَنْعَتُهُ عَنِ الصَّوابِ فِيها، ولا يَحُولُ بَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَهُ أحَدٌ. والجَمْعُ هُنا كالمُفْرَدِ فَيَقُولُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وجُمِعَتْ هُنا: لِتَكْثِيرِ الكِلاءَةِ والحِفْظِ ودَيْمُومَتِها.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بِأعْيُنّا مُدْغَمَةً. (ووَحْيِنا): نُوحِي إلَيْكَ ونُلْهِمُكَ كَيْفَ تَصْنَعُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ، فَأوْحى اللَّهُ أنْ يَصْنَعَها مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (بِأعْيُنِنا) أيْ: بِمَلائِكَتِنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ هُنا لِلْجَمْعِ حَقِيقَةً. وقَوْلُ مَن قالَ: مَعْنى ووَحْيِنا: بِأمْرِنا لَكَ أوْ بِعِلْمِنا، ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: واصْنَعِ الفُلْكَ، مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ: «كانَ زانَ سَفِينَةِ نُوحٍ جِبْرِيلُ»، والزّانُ: القَيِّمُ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ.

والَّذِينَ ظَلَمُوا: قَوْمُ نُوحٍ، تَقَدَّمَ إلى نُوحٍ أنْ لا يَشْفَعَ فِيهِمْ فَيَطْلُبَ إمْهالَهم، وعَلَّلَ مَنعَ مُخاطَبَتِهِ بِأنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، ونَهاهُ عَنْ سُؤالِ الإيجابِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] وقِيلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: واعِلَةُ زَوْجَتُهُ وكَنْعانُ ابْنُهُ.

﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾: حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، …

38

وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ

And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: (وأُوحِيَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. أنَّهُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إنَّهُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَلى إجْراءِ أوْحى مَجْرى قالَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ: أيْأسَهُ اللَّهُ مِن إيمانِهِمْ، وأنَّهُ صارَ كالمُسْتَحِيلِ عَقْلًا بِإخْبارِهِ تَعالى عَنْهم.

ومَعْنى ﴿إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ أيْ: مَن وُجِدَ مِنهُ ما كانَ يَتَوَقَّعُ مِن إيمانِهِ، ونَهاهُ تَعالى عَنِ ابْتِآسِهِ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو حُزْنُهُ عَلَيْهِمْ في اسْتِكانَةٍ. وابْتَأسَ: افْتَعَلَ مِنَ البُؤْسِ، ويُقالُ: ابْتَأسَ الرَّجُلُ: إذا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎وكَمْ مِن خَلِيلٍ أوْ حَمِيمٍ رُزِئْتُهُ فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلُ

وقالَ آخَرُ:

؎ما يَقْسِمُ اللَّهُ اقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ∗∗∗ مِنهُ وأقْعُدْ كَرِيمًا ناعِمَ البالِ

وقالَ آخَرُ:

؎فارِسُ الخَيْلِ إذا ما ولْوَلَتْ ∗∗∗ رَبَّةُ الخِدْرِ بِصَوْتٍ مُبْتَئِسٍ

وقالَ آخَرُ:

؎فِي مَأْتَمٍ كَنِعاجِ صا رَةَ يَبْتَئِسْنَ ∗∗∗ بِما لَقِينا صارَةُ: مَوْضِعٌ

.

﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِن تَكْذِيبِكَ وإيذائِكَ ومُعاداتِكَ، فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهم. (واصْنَعِ): عَطْفٌ عَلى ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ . (بِأعْيُنِنا): بِمَرْأًى مِنّا وكِلاءَةٍ وحِفْظٍ، فَلا تَزِيغُ صَنْعَتُهُ عَنِ الصَّوابِ فِيها، ولا يَحُولُ بَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَهُ أحَدٌ. والجَمْعُ هُنا كالمُفْرَدِ فَيَقُولُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وجُمِعَتْ هُنا: لِتَكْثِيرِ الكِلاءَةِ والحِفْظِ ودَيْمُومَتِها.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بِأعْيُنّا مُدْغَمَةً. (ووَحْيِنا): نُوحِي إلَيْكَ ونُلْهِمُكَ كَيْفَ تَصْنَعُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ، فَأوْحى اللَّهُ أنْ يَصْنَعَها مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (بِأعْيُنِنا) أيْ: بِمَلائِكَتِنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ هُنا لِلْجَمْعِ حَقِيقَةً. وقَوْلُ مَن قالَ: مَعْنى ووَحْيِنا: بِأمْرِنا لَكَ أوْ بِعِلْمِنا، ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: واصْنَعِ الفُلْكَ، مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ: «كانَ زانَ سَفِينَةِ نُوحٍ جِبْرِيلُ»، والزّانُ: القَيِّمُ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ.

والَّذِينَ ظَلَمُوا: قَوْمُ نُوحٍ، تَقَدَّمَ إلى نُوحٍ أنْ لا يَشْفَعَ فِيهِمْ فَيَطْلُبَ إمْهالَهم، وعَلَّلَ مَنعَ مُخاطَبَتِهِ بِأنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، ونَهاهُ عَنْ سُؤالِ الإيجابِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] وقِيلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: واعِلَةُ زَوْجَتُهُ وكَنْعانُ ابْنُهُ.

﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾: حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، …

39

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ

And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: (وأُوحِيَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. أنَّهُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إنَّهُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَلى إجْراءِ أوْحى مَجْرى قالَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ: أيْأسَهُ اللَّهُ مِن إيمانِهِمْ، وأنَّهُ صارَ كالمُسْتَحِيلِ عَقْلًا بِإخْبارِهِ تَعالى عَنْهم.

ومَعْنى ﴿إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ أيْ: مَن وُجِدَ مِنهُ ما كانَ يَتَوَقَّعُ مِن إيمانِهِ، ونَهاهُ تَعالى عَنِ ابْتِآسِهِ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو حُزْنُهُ عَلَيْهِمْ في اسْتِكانَةٍ. وابْتَأسَ: افْتَعَلَ مِنَ البُؤْسِ، ويُقالُ: ابْتَأسَ الرَّجُلُ: إذا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎وكَمْ مِن خَلِيلٍ أوْ حَمِيمٍ رُزِئْتُهُ فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلُ

وقالَ آخَرُ:

؎ما يَقْسِمُ اللَّهُ اقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ∗∗∗ مِنهُ وأقْعُدْ كَرِيمًا ناعِمَ البالِ

وقالَ آخَرُ:

؎فارِسُ الخَيْلِ إذا ما ولْوَلَتْ ∗∗∗ رَبَّةُ الخِدْرِ بِصَوْتٍ مُبْتَئِسٍ

وقالَ آخَرُ:

؎فِي مَأْتَمٍ كَنِعاجِ صا رَةَ يَبْتَئِسْنَ ∗∗∗ بِما لَقِينا صارَةُ: مَوْضِعٌ

.

﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِن تَكْذِيبِكَ وإيذائِكَ ومُعاداتِكَ، فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهم. (واصْنَعِ): عَطْفٌ عَلى ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ . (بِأعْيُنِنا): بِمَرْأًى مِنّا وكِلاءَةٍ وحِفْظٍ، فَلا تَزِيغُ صَنْعَتُهُ عَنِ الصَّوابِ فِيها، ولا يَحُولُ بَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَهُ أحَدٌ. والجَمْعُ هُنا كالمُفْرَدِ فَيَقُولُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وجُمِعَتْ هُنا: لِتَكْثِيرِ الكِلاءَةِ والحِفْظِ ودَيْمُومَتِها.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بِأعْيُنّا مُدْغَمَةً. (ووَحْيِنا): نُوحِي إلَيْكَ ونُلْهِمُكَ كَيْفَ تَصْنَعُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ، فَأوْحى اللَّهُ أنْ يَصْنَعَها مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (بِأعْيُنِنا) أيْ: بِمَلائِكَتِنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ هُنا لِلْجَمْعِ حَقِيقَةً. وقَوْلُ مَن قالَ: مَعْنى ووَحْيِنا: بِأمْرِنا لَكَ أوْ بِعِلْمِنا، ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: واصْنَعِ الفُلْكَ، مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ: «كانَ زانَ سَفِينَةِ نُوحٍ جِبْرِيلُ»، والزّانُ: القَيِّمُ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ.

والَّذِينَ ظَلَمُوا: قَوْمُ نُوحٍ، تَقَدَّمَ إلى نُوحٍ أنْ لا يَشْفَعَ فِيهِمْ فَيَطْلُبَ إمْهالَهم، وعَلَّلَ مَنعَ مُخاطَبَتِهِ بِأنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، ونَهاهُ عَنْ سُؤالِ الإيجابِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] وقِيلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: واعِلَةُ زَوْجَتُهُ وكَنْعانُ ابْنُهُ.

﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾: حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، …

40

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ

[So it was], until when Our command came and the oven overflowed, We said, "Load upon the ship of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: (وأُوحِيَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. أنَّهُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إنَّهُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَلى إجْراءِ أوْحى مَجْرى قالَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ: أيْأسَهُ اللَّهُ مِن إيمانِهِمْ، وأنَّهُ صارَ كالمُسْتَحِيلِ عَقْلًا بِإخْبارِهِ تَعالى عَنْهم.

ومَعْنى ﴿إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ أيْ: مَن وُجِدَ مِنهُ ما كانَ يَتَوَقَّعُ مِن إيمانِهِ، ونَهاهُ تَعالى عَنِ ابْتِآسِهِ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو حُزْنُهُ عَلَيْهِمْ في اسْتِكانَةٍ. وابْتَأسَ: افْتَعَلَ مِنَ البُؤْسِ، ويُقالُ: ابْتَأسَ الرَّجُلُ: إذا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎وكَمْ مِن خَلِيلٍ أوْ حَمِيمٍ رُزِئْتُهُ فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلُ

وقالَ آخَرُ:

؎ما يَقْسِمُ اللَّهُ اقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ∗∗∗ مِنهُ وأقْعُدْ كَرِيمًا ناعِمَ البالِ

وقالَ آخَرُ:

؎فارِسُ الخَيْلِ إذا ما ولْوَلَتْ ∗∗∗ رَبَّةُ الخِدْرِ بِصَوْتٍ مُبْتَئِسٍ

وقالَ آخَرُ:

؎فِي مَأْتَمٍ كَنِعاجِ صا رَةَ يَبْتَئِسْنَ ∗∗∗ بِما لَقِينا صارَةُ: مَوْضِعٌ

.

﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِن تَكْذِيبِكَ وإيذائِكَ ومُعاداتِكَ، فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهم. (واصْنَعِ): عَطْفٌ عَلى ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ . (بِأعْيُنِنا): بِمَرْأًى مِنّا وكِلاءَةٍ وحِفْظٍ، فَلا تَزِيغُ صَنْعَتُهُ عَنِ الصَّوابِ فِيها، ولا يَحُولُ بَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَهُ أحَدٌ. والجَمْعُ هُنا كالمُفْرَدِ فَيَقُولُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وجُمِعَتْ هُنا: لِتَكْثِيرِ الكِلاءَةِ والحِفْظِ ودَيْمُومَتِها.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بِأعْيُنّا مُدْغَمَةً. (ووَحْيِنا): نُوحِي إلَيْكَ ونُلْهِمُكَ كَيْفَ تَصْنَعُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ، فَأوْحى اللَّهُ أنْ يَصْنَعَها مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (بِأعْيُنِنا) أيْ: بِمَلائِكَتِنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ هُنا لِلْجَمْعِ حَقِيقَةً. وقَوْلُ مَن قالَ: مَعْنى ووَحْيِنا: بِأمْرِنا لَكَ أوْ بِعِلْمِنا، ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: واصْنَعِ الفُلْكَ، مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ: «كانَ زانَ سَفِينَةِ نُوحٍ جِبْرِيلُ»، والزّانُ: القَيِّمُ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ.

والَّذِينَ ظَلَمُوا: قَوْمُ نُوحٍ، تَقَدَّمَ إلى نُوحٍ أنْ لا يَشْفَعَ فِيهِمْ فَيَطْلُبَ إمْهالَهم، وعَلَّلَ مَنعَ مُخاطَبَتِهِ بِأنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، ونَهاهُ عَنْ سُؤالِ الإيجابِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] وقِيلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: واعِلَةُ زَوْجَتُهُ وكَنْعانُ ابْنُهُ.

﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾: حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.