Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 31–40 of 123

31

وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌۭ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allah will never grant them any good. Allah is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers."

ولَمّا كانَ نَفْيُهم لِلْفَضْلِ شامِلًا لِلْأمْوالِ وعِلْمِ الغَيْبِ، أقَرَّهم عَلى ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى خَطَئِهِمْ فِيهِ بِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَيْنَهم قَطُّ ما يَكُونُ سَبَبًا لَهُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ”لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا“؛ ﴿ولا أقُولُ لَكُمْ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ فَأتَفَضَّلُ عَلَيْكم بِها؛ ولَمّا كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يُمَكِّنَ اللَّهُ مَن يَشاءُ مِن خَزائِنِ الأرْزاقِ ونَحْوِها فَيَسُوغُ لَهُ أنْ يُطْلِقَ مِلْكَ ذَلِكَ مَجازًا، ولا يَجُوزَ أنْ يُمَكِّنَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، وهو ما غابَ عَنِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ، لِأنَّهُ خاصَّتُهُ سُبْحانَهُ، قالَ عاطِفًا عَلى: ”أقُولُ“ لا عَلى المَقُولِ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ لا حَقِيقَةً ولا مَجازًا فَأعْلَمُ وقْتَ ما تُوعَدُونَ بِهِ أوْ ما في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِمّا قَدْ يُتَوَهَّمُ بِهِ مِنَ السُّوءِ، وأعْلَمَهم أنَّهُ لا مانِعَ مِن إرْسالِ البَشَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ فَتَكُونُ قُوَّتِي أفْضَلَ مِن قُوَّتِكم أوْ خَلْقِي أعْظَمَ قَدْرًا مِن خَلْقِكم ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الفَضْلِ الصُّورِيِّ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ هو الفَضْلَ، فَلا \ تَكُونُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى أفْضَلِيَّةِ المَلائِكَةِ، وتَقَدَّمَ في الأنْعامِ سِرُّ إسْقاطِهِ ”لَكم“ .

ولَمّا كانَ تَعْرِيضُهم بِنَفْيِ المَلَكِيَّةِ عَنْهُ مِن بابِ الإزْراءِ، أتْبَعَهُ تَأْكِيدَ قَبُولِهِ لِمَن آمَنَ كائِنًا مَن كانَ وإنِ ازْدَرَوْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الَّذِينَ ﴿تَزْدَرِي﴾ أيْ: تَحْتَقِرُ ﴿أعْيُنُكُمْ﴾ أيْ: تُقَصِّرُونَ بِهِ عَنِ الفَضْلِ عِنْدَ نَظَرِكم لَهُ وتَعِيبُونَهُ ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿خَيْرًا﴾ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَكَ لا تَقُولُ ذَلِكَ؟ أجابَ بِما تَقْدِيرُهُ: لِأنِّي أعْلَمَ ضَمائِرَهم ولا أحْكُمُ إلّا عَلى الظّاهِرِ: ﴿اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿أعْلَمُ﴾ أيْ: حَتّى مِنهم ﴿بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، فَمَن كانَ في نَفْسِهِ خَيْرٌ جازاهُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا راجِعًا إلى ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ؛ [ثُمَّ عَلَّلَ كَفَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِإنْكارِهِمْ ظُلْمَهُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ]: ﴿إنِّي إذًا﴾ أيْ: إذا قُلْتُ لَهم ذَلِكَ ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ والخَزائِنُ: أخْبِيَةُ المَتاعِ الفاخِرَةُ، [وخَزائِنُ اللَّهِ مَقْدُوراتُهُ لِأنَّهُ يُوجِدُ مِنها ما يَشاءُ، وفي وصْفِها بِذَلِكَ بَلاغَةٌ]؛ والغَيْبُ: ذَهابُ الشَّيْءِ عَنِ الإدْراكِ، ومِنهُ الشّاهِدُ خِلافَ الغائِبِ، وإذا قِيلَ: عِلْمُ غَيْبٍ، كانَ مَعْناهُ: عِلْمٌ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ؛ والِازْدِراءُ: الِاحْتِقارُ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الزِّرايَةِ، زَرَيْتُ عَلَيْهِ - إذا عِبْتَهُ، وأزْرَيْتُ عَلَيْهِ - إذا قَصَّرْتَ بِهِ؛ والمَلَكُ أصْلُهُ مَأْلَكٌ مِنَ الألُوكَةِ وهي الرِّسالَةُ.

32

قَالُوا۟ يَٰنُوحُ قَدْ جَٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

They said, "O Noah, you have disputed us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."

فَلَمّا اسْتَوْفى نَقْضَ ما أبْرَمُوهُ في زَعْمِهِمْ مِن جَوابِهِمْ عَلى غايَةِ الإنْصافِ واللِّينِ والِاسْتِعْطافِ، اسْتَأْنَفَ الحِكايَةَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ [أيْ] قَوْلَ مَن لَمْ يَجِدْ في رَدِّهِ شُبْهَةً يُبْدِيها ولا مَدْفَعًا يُغِيرُ بِهِ: ﴿يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ أيْ أرَدْتَ فَتْلَنا وصَرْفَنا عَنْ آرائِنا بِالحِجاجِ وأرَدْنا صَرْفَكَ عَنْ رَأْيِكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ ﴿فَأكْثَرْتَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ [وعَنْ تَضَجُّرِنا] أنَّكَ أكْثَرْتَ ﴿جِدالَنا﴾ أيْ: كَلامَنا عَلى صُورَةِ الجِدالِ ﴿فَأْتِنا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ [وعَنْ] تَضَجُّرِنا أنْ نَقُولَ لَكَ: لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنا دَعْواكَ، ائْتِنا ﴿بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إنْ كُنْتَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَكَ ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ [فِي الصِّدْقِ في أنَّهُ يَأْتِينا] فَصَرَّحُوا بِالعِنادِ المُبْعِدِ مِنَ الإنْصافِ والِاتِّصافِ بِالسَّدادِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ ولَمْ يَسْمَحُوا بِأنْ يَقُولُوا لَهُ: يا ابْنَ عَمِّنا، مَرَّةً واحِدَةً كَما كَرَّرَ لَهُمْ: يا قَوْمِ، فَكانَ المَعْنى أنّا غَيْرُ قابِلِينَ لِشَيْءٍ مِمّا تَقُولُ وإنْ أكْثَرْتَ وأطَلْتَ - بِغَيْرِ حُجَّةٍ مِنهم بَلْ عِنادًا وكِبْرًا - فَلا تَتْعَبْ، بَلْ قَصِّرِ الأمْرَ مِمّا تَتَوَعَّدُنا بِهِ، وسَمَّوْهُ وعْدًا سُخْرِيَةً بِهِ، أيْ أنَّ هَذا الَّذِي جَعَلْتَهُ وعِيدًا هو عِنْدَنا وعْدٌ حَسَنٌ سارَ بِاعْتِبارِ أنّا نُحِبُّ حُلُولَهُ، المَعْنى أنَّكَ لَسْتَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ ولا أنْتَ صادِقٌ فِيهِ، فَإنْ كانَ حَقًّا فائْتِنا بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ جَرْيًا عَلى سَنَنِ قَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ [هود: ٣١] ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَتَبَرَّأ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ ورَدَّ ذَلِكَ إلى] مَن هو لَهُ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ شاءَ﴾ إلى أنَّهُ مُخَيَّرٌ في إيقاعِهِ وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ بِهِ إرْشادًا إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ، بَلْ [و] لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ [وإنْ كانَ لا يَقَعُ إلّا ما أخْبَرَ بِهِ]؛ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم عَجْزَهم وخَطَأهم في تَعَرُّضِهِمْ لِلْهَلاكِ فَقالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ لِشَيْءٍ مِمّا يُرِيدُهُ بِكم سُبْحانَهُ؛ والإكْثارُ: الزِّيادَةُ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ؛ والمُجادَلَةُ: المُقابَلَةُ بِما يَفْتِلُ الخَصْمَ عَنْ مَذْهَبِهِ بِحُجَّةٍ أوْ شُبْهَةٍ، وهو مِنَ الجَدَلِ وهو شِدَّةُ الفَتْلِ، والمَطْلُوبُ بِهِ الرُّجُوعُ عَنِ المَذْهَبِ، والمَطْلُوبُ بِالحِجاجِ ظُهُورُ الحُجَّةِ، فَهو قَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا كالمِراءِ، وذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ لِلتَّشْكِيكِ في الحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وحَيْثُ قُيِّدَ الجِدالُ بِ: ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] فالمُرادُ بِهِ إظْهارُ الحَقِّ.

33

قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

He said, "Allah will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.

فَلَمّا اسْتَوْفى نَقْضَ ما أبْرَمُوهُ في زَعْمِهِمْ مِن جَوابِهِمْ عَلى غايَةِ الإنْصافِ واللِّينِ والِاسْتِعْطافِ، اسْتَأْنَفَ الحِكايَةَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ [أيْ] قَوْلَ مَن لَمْ يَجِدْ في رَدِّهِ شُبْهَةً يُبْدِيها ولا مَدْفَعًا يُغِيرُ بِهِ: ﴿يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ أيْ أرَدْتَ فَتْلَنا وصَرْفَنا عَنْ آرائِنا بِالحِجاجِ وأرَدْنا صَرْفَكَ عَنْ رَأْيِكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ ﴿فَأكْثَرْتَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ [وعَنْ تَضَجُّرِنا] أنَّكَ أكْثَرْتَ ﴿جِدالَنا﴾ أيْ: كَلامَنا عَلى صُورَةِ الجِدالِ ﴿فَأْتِنا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ [وعَنْ] تَضَجُّرِنا أنْ نَقُولَ لَكَ: لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنا دَعْواكَ، ائْتِنا ﴿بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إنْ كُنْتَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَكَ ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ [فِي الصِّدْقِ في أنَّهُ يَأْتِينا] فَصَرَّحُوا بِالعِنادِ المُبْعِدِ مِنَ الإنْصافِ والِاتِّصافِ بِالسَّدادِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ ولَمْ يَسْمَحُوا بِأنْ يَقُولُوا لَهُ: يا ابْنَ عَمِّنا، مَرَّةً واحِدَةً كَما كَرَّرَ لَهُمْ: يا قَوْمِ، فَكانَ المَعْنى أنّا غَيْرُ قابِلِينَ لِشَيْءٍ مِمّا تَقُولُ وإنْ أكْثَرْتَ وأطَلْتَ - بِغَيْرِ حُجَّةٍ مِنهم بَلْ عِنادًا وكِبْرًا - فَلا تَتْعَبْ، بَلْ قَصِّرِ الأمْرَ مِمّا تَتَوَعَّدُنا بِهِ، وسَمَّوْهُ وعْدًا سُخْرِيَةً بِهِ، أيْ أنَّ هَذا الَّذِي جَعَلْتَهُ وعِيدًا هو عِنْدَنا وعْدٌ حَسَنٌ سارَ بِاعْتِبارِ أنّا نُحِبُّ حُلُولَهُ، المَعْنى أنَّكَ لَسْتَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ ولا أنْتَ صادِقٌ فِيهِ، فَإنْ كانَ حَقًّا فائْتِنا بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ جَرْيًا عَلى سَنَنِ قَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ [هود: ٣١] ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَتَبَرَّأ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ ورَدَّ ذَلِكَ إلى] مَن هو لَهُ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ شاءَ﴾ إلى أنَّهُ مُخَيَّرٌ في إيقاعِهِ وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ بِهِ إرْشادًا إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ، بَلْ [و] لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ [وإنْ كانَ لا يَقَعُ إلّا ما أخْبَرَ بِهِ]؛ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم عَجْزَهم وخَطَأهم في تَعَرُّضِهِمْ لِلْهَلاكِ فَقالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ لِشَيْءٍ مِمّا يُرِيدُهُ بِكم سُبْحانَهُ؛ والإكْثارُ: الزِّيادَةُ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ؛ والمُجادَلَةُ: المُقابَلَةُ بِما يَفْتِلُ الخَصْمَ عَنْ مَذْهَبِهِ بِحُجَّةٍ أوْ شُبْهَةٍ، وهو مِنَ الجَدَلِ وهو شِدَّةُ الفَتْلِ، والمَطْلُوبُ بِهِ الرُّجُوعُ عَنِ المَذْهَبِ، والمَطْلُوبُ بِالحِجاجِ ظُهُورُ الحُجَّةِ، فَهو قَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا كالمِراءِ، وذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ لِلتَّشْكِيكِ في الحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وحَيْثُ قُيِّدَ الجِدالُ بِ: ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] فالمُرادُ بِهِ إظْهارُ الحَقِّ.

34

وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - If Allah should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم إنَّما هم في قَبْضَتِهِ سُبْحانَهُ، زادَ في بَيانِ عَظَمَتِهِ وأنَّ إرادَتَهُ تَضْمَحِلُّ مَعَها كُلُّ إرادَةٍ في سِياقٍ دالٍّ عَلى أنَّهُ بِذَلِكَ ناصِحٌ لَهم وأنَّ نُصْحَهُ خاصٌّ بِهِمْ، فَقالَ جَوابًا لِما وهِمُوا مِن أنَّ جِدالَهُ لَهم كَلامٌ بِلا طائِلٍ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ وذَكَرَ إرادَتَهُ لِما يُرِيدُ أنْ يَذْكُرَهُ مِن إرادَةِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿إنْ أرَدْتُ﴾ [أيْ جَمَعْتُ إلى فِعْلِ النُّصْحِ إرادَةَ] ﴿أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ بِإعْلامِ مَوْضِعِ الغَيِّ لِيُتَّقى والرُّشْدِ لِيُتَّبَعَ، وجَزاؤُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لا يَنْفَعُكم نُصْحِي ﴿إنْ كانَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أيْ: يُضِلَّكم ويُرْكِبَكم غَيْرَ الصَّوابِ [فَإنَّهُ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ تَغْلِبُ إرادَتِي وفِعْلِي مَعًا] لا يَنْفَعُكم شَيْءٌ إشارَةً إلى أنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ العَذابِ بِقُوَّةٍ فَتَكُونُوا غالِبِينَ، ولا بِطاعَةٍ فَتَكُونُوا مَحْبُوبِينَ مُقَرَّبِينَ إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ إهْلاكَكم بِالإغْواءِ، وإنْ أرَدْتُ أنا نَجاتَكُمْ، ولَمْ يَقُلْ: ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ نَصَحْتُ لَكُمْ، إشارَةً إلى أنِّي لا أمْلِكُ إلّا إرادَتِي لِنُصْحِكُمْ، فَإذا أرَدْتُهُ فَغايَةُ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن فِعْلِي وُقُوعُ النُّصْحِ وإخْلاصُهُ لَكُمْ، وأمّا النَّفْعُ بِهِ فَلا شَيْءَ مِنهُ إلَيَّ، بَلْ هو تابِعٌ لِمُرادِ اللَّهِ، فَإنْ أرادَ غَوايَتَكم حَصَلَتْ لا مَحالَةَ، ولَمْ يَقَعْ ما قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلى النُّصْحِ مِن عَمَلِ المَنصُوحِ بِمُقْتَضاهُ المُسْتَجْلِبِ لِنَفْعِ المُسْتَدْفِعِ لِلضُّرِّ؛ ثُمَّ رَغَّبَهم في إحْسانِهِ ورَهَّبَهم مِنَ انْتِقامِهِ مُعَلِّلًا لِعَدَمِ ما لا يُرِيدُهُ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ أيِ المُوجِدُ لَكُمُ المُدَبِّرُ لِأُمُورِكم فَهو يَتَصَرَّفُ وحْدَهُ لِما يُرِيدُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمِنهُ مَبْدَؤُكُمْ، عَطْفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: بِأيْسَرِ أمْرٍ وأهْوَنِهِ بِالمَوْتِ ثُمَّ البَعْثِ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم كَما هي عادَةُ المُلُوكِ مَعَ عُمّالِهِمْ.

35

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُجْرِمُونَ

Or do they say [about Prophet Muhammad], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."

ولَمّا كانَ مَضْمُونُ هَذِهِ الآيَةِ نَحْوَ مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] فَإنَّ النَّذِيرَ مَن يَنْصَحُ المُنْذَرَ، والوَكِيلَ [هُوَ] المَرْجُوعُ إلَيْهِ في أمْرِ الشَّيْءِ المَوْكُولِ إلَيْهِ، وما قَبْلَها تَعْرِيضٌ بِنِسْبَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الِافْتِراءِ، تَلاهُ بِما تَلا بِهِ ذاكَ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الِافْتِراءِ وإشارَةً إلى أنَّ هَذِهِ القِصَصَ كُلَّها لِلتَّسْلِيَةِ في أمْرِ النِّذارَةِ والتَّأْسِيَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيَقُولُونَ لَكَ مِثْلَ هَذِهِ الأقْوالِ فَقَدْ قالُوها لِنُوحٍ كَما تَرى، ثُمَّ والى عَلَيْهِمْ مِنَ الإنْذارِ ما لَمْ يَطْعَمُوا مَعَهُ في تَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أمَرْناهُ بِهِ أعْجَبَهم أوْ أغْضَبَهُمْ، فَلَكَ بِهِ أُسْوَةٌ وحَسْبُكَ بِهِ قُدْوَةً في أنْ تَعُدَّ كَلامَهم عَدَمًا وتَقْبَلَ عَلى ما أرْسَلْناكَ بِهِ مِن بَذْلِ النَّصِيحَةِ بِالنِّذارَةِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ في القُرْآنِ ﴿افْتَراهُ﴾ إصْرارًا عَلى ما تَقَوَّلُوهُ فَدَمَغَهُ الدَّلِيلُ وأدْحَضَتْهُ الحُجَّةُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ، [إنَّهُمْ] يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لا عَلَيْكَ؛ فَإنَّهُ قَوْلٌ يَقْصِدُونَ بِهِ مُجَرَّدَ العِنادِ وهم يَعْلَمُونَ خِلافَهُ بَعْدَ ما قامَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي وصَلُوا مَعَها إلى عَيْنِ اليَقِينِ فَلا يَهُمَّنَّكَ قَوْلُهم هَذا، فَإنَّهم يَجْعَلُونَهُ وسِيلَةً إلى تَرْكِكَ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ فَلا تَفْعَلْ، بَلْ ﴿قُلْ﴾ في جَوابِ قَوْلِهِمْ هَذا ﴿إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ أيْ: قَطَعْتُ كَذِبَهُ ﴿فَعَلَيَّ﴾ أيْ: خاصًّا بِي ﴿إجْرامِي﴾ أيْ: وبالُهُ وعِقابُهُ دُونَكم وإذا اسْتَعْلى عَلَيَّ الإجْرامُ عُرِفَ ذَلِكَ لِأرْبابِ العُقُولِ وظَهَرَ ظُهُورًا أفْتَضِحُ بِهِ وأنْتُمْ أعْرَفُ النّاسِ بِأنِّي أبْعَدُ مِن ذَلِكَ مِمّا بَيْنَ اجْتِماعِ الضِّدَّيْنِ وارْتِفاعِ النَّقِيضَيْنِ لِما تَعْلَمُونَ مِنِّي مِن طَهارَةِ الشِّيَمِ وعُلُوِّ الهِمَمِ وطِيبِ الذِّكْرِ وشَرِيفِ القَدْرِ وكَرِيمِ الأمْرِ، هَذا لَوْ كُنْتُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ فَكَيْفَ وأنا وأنْتُمْ في العَجْزِ عَنْهُ سَواءٌ ﴿وأنا بَرِيءٌ﴾ أيْ: غايَةَ البَراءَةِ ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أيْ: تُوجِدُونَ إجْرامَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ مِن إجْرامِكم عائِدُ ضَرَرٍ بَعْدَ أنْ أوْضَحْتُهُ لَكم وكَشَفْتُ عَنْكم غِطاءَ الشُّبَهِ، إنَّما ضَرَرُهُ عَلَيْكم فاعْمَلُوا عَلى تَذَكُّرِ هَذا المَعْنى فَإنَّ سَوْقَ جَوابِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْكى لَهم مِن إقامَةِ حُجَّةٍ أُخْرى لِأنَّهم يَعْلَمُونَ مِنهُ أنَّهُ إلْزامٌ لَهم بِالفَضِيحَةِ لِانْقِطاعِهِمْ لَدى مَن لَهُ وعْيٌ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَلِ انْتَبَهَ قَوْمُكَ يا مُحَمَّدُ فَعَلِمُوا قُبْحَ مِثْلِ هَذِهِ الحالِ وأنَّها حالُ المُعانِدِينَ، فَرَجَعُوا تَكَرُّمًا عَنْ رُكُوبِ مِثْلِها \ واسْتِحْياءً ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أيْ: كَذَبَهُ مُتَعَمِّدًا اسْتِمْرارًا عَلى العِنادِ وتَمادِيًا في البِعادِ كَما تَمادى قَوْمُ نُوحٍ فَيَحِلُّ بِهِمْ ما حَلَّ بِهِمْ، أيْ: هَلْ رَجَعُوا بِهَذا المِقْدارِ مِن قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ أمْ هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى ما نَسَبُوكَ إلَيْهِ في أوائِلِ السُّورَةِ مِنَ افْتِرائِهِ فَيَحْتاجُونَ إلى تَكْمِيلِ القِصَّةِ بِما وقَعَ مِن عَذابِهِمْ لِيَخافُوا مِثْلَ مُصابِهِمْ؛ وافْتِراءُ الكَذِبِ: افْتِعالُهُ مِن قِبَلِ النَّفْسِ فَهو أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الكَذِبِ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَقْلِيدًا لِلْغَيْرِ.

36

وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.

ولَمّا فَرَغَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي المَقْصُودُ بِهَذا السِّياقِ كُلِّهِ وإنْ كانَتِ اعْتِراضِيَّةً في هَذِهِ القِصَّةِ، رَجَعَ إلى إكْمالِها بَيانًا لِأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُكاشِفُ قَوْمَهُ بِجَمِيعِ ما أُمِرَ بِهِ وإنْ عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مَوْضِعَ رَجاءٍ لَهم في أنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنهُ وتَحْذِيرًا لِكُلِّ مَن سَمِعَ قِصَّتَهم مِن أنْ يَحِلَّ بِهِ ما حَلَّ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وأُوحِيَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِي لا مُوحِيَ إلّا هو وهو مَلِكُ المُلُوكِ ﴿إلى نُوحٍ﴾ بَعْدَ تِلْكَ الخُطُوبِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ﴾ بِما جِئْتُ بِهِ ﴿مِن قَوْمِكَ إلا مَن﴾ ولَمّا كانَ الَّذِي يُجِيبُ الإنْسانُ إلى ما يَسْألُهُ فِيهِ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ قَبْلَ الإجابَةِ يَتَوَقَّعُ السّائِلُ بِها الإجابَةَ، قالَ: ﴿قَدْ آمَنَ فَلا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ عِلْمِكَ بِأنَّهُ قَدْ تَمَّ شَقاؤُهم أنّا نَقُولُ لَكَ: [لا] ﴿تَبْتَئِسْ﴾ أيْ: يَحْصُلْ لَكَ بُؤْسٌ، أيْ شِدَّةٌ يَعْظُمُ عَلَيْكَ خَطْبُها بِكَثْرَةِ تَأمُّلِكَ في عَواقِبِها ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: بِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ فَإنّا نَأْخُذُ لَكَ بِحَقِّكَ مِنهم قَرِيبًا، وكَأنَّهُ كانَ أعْلَمَهُ أنَّهم [إنْ] لَمْ يُجِيبُوهُ أغْرَقَهم وأنْجاهُ ومَن مَعَهُ في فُلْكٍ يَحْمِلُهم فِيهِ عَلى مَتْنِ الماءِ فَقالَ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ حالَ كَوْنِكَ مَحْفُوظًا ﴿بِأعْيُنِنا﴾ نَحْفَظُكَ أنْ تَزِيغَ في عَمَلِها، وجُمِعَ مُبالَغَةً في الحِفْظِ والرِّعايَةِ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ ﴿ووَحْيِنا﴾ فَنَحْنُ نُلْهِمُكَ أصْلَحَ ما يَكُونُ مِن عَمَلِها وأنْتَ تَعْلَمُ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَتَعاظَمُها شَيْءٌ، فَلا تَهْتَمَّ بِكَوْنِكَ لا تَعْرِفُ صَنْعَتَها؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَهُ مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ - أيْ صَدْرِهِ. وأشارَ إلى شَفَقَتِهِ عَلى قَوْمِهِ وحُبِّهِ لِنَجاتِهِمْ كَما هو حالُ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ مَعَ أُمَّتِهِ فَقالَ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي﴾ أيْ: بِنَوْعِ مُخاطَبَةٍ وإنْ قَلَّتْ ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا الظُّلْمَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ في أنْ أُنْجِيَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ بِأنَّ الحُكْمَ فِيهِمْ [قَدِ] انْبَرَمَ فَقالَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ قَدِ انْبَرَمَ الأمْرُ بِذَلِكَ؛ والِابْتِئاسُ: حُزْنٌ في اسْتِكانَةٍ، لِأنَّ أصْلَ البُؤْسِ الفَقْرُ والمَسْكَنَةُ؛ والوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى إلى النَّفْسِ في خَفاءٍ، وقَدْ يَكُونُ إفْهامًا مِن غَيْرِ كَلامٍ بِإشارَةٍ ونَحْوِها، وقَدْ يَكُونُ بِكَلامٍ خَفِيٍّ؛ والفُلْكُ: السَّفِينَةُ، يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، واحِدُهُ وجَمْعُهُ سَواءٌ، وأصْلُهُ الإدارَةُ مِنَ الفَلْكَةِ.

37

وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ

And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."

ولَمّا فَرَغَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي المَقْصُودُ بِهَذا السِّياقِ كُلِّهِ وإنْ كانَتِ اعْتِراضِيَّةً في هَذِهِ القِصَّةِ، رَجَعَ إلى إكْمالِها بَيانًا لِأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُكاشِفُ قَوْمَهُ بِجَمِيعِ ما أُمِرَ بِهِ وإنْ عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مَوْضِعَ رَجاءٍ لَهم في أنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنهُ وتَحْذِيرًا لِكُلِّ مَن سَمِعَ قِصَّتَهم مِن أنْ يَحِلَّ بِهِ ما حَلَّ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وأُوحِيَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِي لا مُوحِيَ إلّا هو وهو مَلِكُ المُلُوكِ ﴿إلى نُوحٍ﴾ بَعْدَ تِلْكَ الخُطُوبِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ﴾ بِما جِئْتُ بِهِ ﴿مِن قَوْمِكَ إلا مَن﴾ ولَمّا كانَ الَّذِي يُجِيبُ الإنْسانُ إلى ما يَسْألُهُ فِيهِ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ قَبْلَ الإجابَةِ يَتَوَقَّعُ السّائِلُ بِها الإجابَةَ، قالَ: ﴿قَدْ آمَنَ فَلا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ عِلْمِكَ بِأنَّهُ قَدْ تَمَّ شَقاؤُهم أنّا نَقُولُ لَكَ: [لا] ﴿تَبْتَئِسْ﴾ أيْ: يَحْصُلْ لَكَ بُؤْسٌ، أيْ شِدَّةٌ يَعْظُمُ عَلَيْكَ خَطْبُها بِكَثْرَةِ تَأمُّلِكَ في عَواقِبِها ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: بِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ فَإنّا نَأْخُذُ لَكَ بِحَقِّكَ مِنهم قَرِيبًا، وكَأنَّهُ كانَ أعْلَمَهُ أنَّهم [إنْ] لَمْ يُجِيبُوهُ أغْرَقَهم وأنْجاهُ ومَن مَعَهُ في فُلْكٍ يَحْمِلُهم فِيهِ عَلى مَتْنِ الماءِ فَقالَ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ حالَ كَوْنِكَ مَحْفُوظًا ﴿بِأعْيُنِنا﴾ نَحْفَظُكَ أنْ تَزِيغَ في عَمَلِها، وجُمِعَ مُبالَغَةً في الحِفْظِ والرِّعايَةِ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ ﴿ووَحْيِنا﴾ فَنَحْنُ نُلْهِمُكَ أصْلَحَ ما يَكُونُ مِن عَمَلِها وأنْتَ تَعْلَمُ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَتَعاظَمُها شَيْءٌ، فَلا تَهْتَمَّ بِكَوْنِكَ لا تَعْرِفُ صَنْعَتَها؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَهُ مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ - أيْ صَدْرِهِ. وأشارَ إلى شَفَقَتِهِ عَلى قَوْمِهِ وحُبِّهِ لِنَجاتِهِمْ كَما هو حالُ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ مَعَ أُمَّتِهِ فَقالَ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي﴾ أيْ: بِنَوْعِ مُخاطَبَةٍ وإنْ قَلَّتْ ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا الظُّلْمَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ في أنْ أُنْجِيَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ بِأنَّ الحُكْمَ فِيهِمْ [قَدِ] انْبَرَمَ فَقالَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ قَدِ انْبَرَمَ الأمْرُ بِذَلِكَ؛ والِابْتِئاسُ: حُزْنٌ في اسْتِكانَةٍ، لِأنَّ أصْلَ البُؤْسِ الفَقْرُ والمَسْكَنَةُ؛ والوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى إلى النَّفْسِ في خَفاءٍ، وقَدْ يَكُونُ إفْهامًا مِن غَيْرِ كَلامٍ بِإشارَةٍ ونَحْوِها، وقَدْ يَكُونُ بِكَلامٍ خَفِيٍّ؛ والفُلْكُ: السَّفِينَةُ، يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، واحِدُهُ وجَمْعُهُ سَواءٌ، وأصْلُهُ الإدارَةُ مِنَ الفَلْكَةِ.

38

وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ

And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.

ولَمّا أمَرَهُ تَعالى ونَهاهُ، أخْبَرَ أنَّهُ امْتَثَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأيِسَ مِن إيمانِ أحَدٍ مِنهم فَتَرَكَ دُعاءَهم وشَرَعَ يُسَلِّي نَفْسَهُ: ﴿ويَصْنَعُ﴾ أيْ: صَنْعَةَ ماهِرٍ جِدًّا، لَهُ مَلَكَةٌ عَظِيمَةٌ بِذَلِكَ الصُّنْعِ ﴿الفُلْكَ﴾ فَحَلّى فِعْلَهُ حالُ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَتَّ الأمْرَ بِأنَّهُ كانَ يَعْمَلُ ما أمَرَهُ بِهِ سُبْحانَهُ ولَمْ يُخاطِبْهُ فِيهِمْ ولا أسِفَ عَلَيْهِمْ، وأشارَ إلى أنَّهُمُ ازْدادُوا بَغْيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلَّما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ كُلَّما ﴿مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ﴾ أيْ: أشْرافٌ ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ وأجابَ ”كُلَّما“ بِقَوْلِهِ: ﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾ أيْ: ولَمْ يَمْنَعْهم شَرَفُهم مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّهم رَأوْهُ يُعانِي ما لَمْ يَرَوْا قَبْلَهُ مِثْلَهُ لِيَجْرِيَ عَلى الماءِ وهو في البَرِّ وهو عَلى صِفَةٍ مِنَ الهَوْلِ عَظِيمَةٍ فَعَنِ الحَسَنِ أنَّ طُولَها ألْفُ ذِراعٍ ومِائَتا ذِراعٍ وعَرْضُها سِتُّمِائَةٍ، فَقالُوا: يا نُوحُ! ما تَصْنَعُ؟ قالَ: أبْنِي بَيْتًا عَلى الماءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿سَخِرُوا﴾ صِفَةً لِ «مَلَأٌ»، وجَوابُ ”كُلَّما“ ﴿قالَ﴾ ولَمّا أيْأسَهُ اللَّهُ مِن خَيْرِهِمْ، تَرَكَ ما كانَ مِن لِينِهِ لَهم واسْتِعْطافِهِمْ فَعُلِمَ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ اسْتِئْنافًا: \ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ ولَمّا كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ غائِبٌ في عَمَلِهِ كانَ [عِنْدَهُمْ] مَوْضِعًا لِلْخِزْيِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ هو ﷺ عالِمًا بِأنَّ عَمَلَهم سَبَبٌ لِخِزْيِهِمْ بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكانَ المَعْنى: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا - أيْ مِنِّي ومِمَّنْ يُساعِدُنِي - لِظَنِّ أنَّ عَمَلَنا غَيْرُ مُثْمِرٍ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ﴾ أيْ: نُوجِدُ السُّخْرِيَةَ ﴿مِنكُمْ﴾ جَزاءً لَكم ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ مِنّا الآنَ لِأنَّ عَمَلَنا مُنْجٍ وعَمَلَكم لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلى الضَّياعِ بَلْ هو مُوجِبٌ لِما تُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ فَأنْتُمُ المَخْزِيُّونَ دُونِي. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ واقِعًا مَوْقِعَ هَذا الإخْبارِ، حَسُنَ الإتْيانُ بِالفاءِ المُؤْذِنَةِ بِتَسَبُّبِ العِلْمِ المَذْكُورِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يَفْضَحُهُ فَيُذِلَّهُ، وكَأنَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ أيْ: حُلُولَ الدَّيْنِ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وقَدْ مَضى نَحْوَهُ في الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] والسُّخْرِيَةُ: إظْهارُ ما يُخالِفُ الإبِطانَ عَلى جِهَةِ تَفَهُّمِ اسْتِضْعافِ العَقْلِ، مِنَ التَّسْخِيرِ وهو التَّذْلِيلُ اسْتِضْعافًا بِالقَهْرِ، وهي تُفارِقُ اللَّعِبَ بِأنَّ فِيها خَدِيعَةَ اسْتِنْفاضٍ، فَلا تَكُونُ إلّا بِحَيَوانٍ، واللَّعِبُ قَدْ يَكُونُ بِجَمادٍ لِأنَّهُ مُطْلَقُ طَلَبِ الفَرَحِ؛ والخِزْيُ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ والعارُ بِهِ، ونَظِيرُهُ الذُّلُّ والهَوانُ؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ دَأْبَهُ ودَأْبَهم ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: وقْتُ إرادَتِنا لِإهْلاكِهِمْ ﴿وفارَ﴾ أيْ: غَلا وطَفَحَ ﴿التَّنُّورُ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّهُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ فَلا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ، لِأنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَبَثٌ [كَما] قالَهُ أهْلُ الأُصُولِ ﴿قُلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿احْمِلْ﴾ [ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ …

39

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ

And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."

ولَمّا أمَرَهُ تَعالى ونَهاهُ، أخْبَرَ أنَّهُ امْتَثَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأيِسَ مِن إيمانِ أحَدٍ مِنهم فَتَرَكَ دُعاءَهم وشَرَعَ يُسَلِّي نَفْسَهُ: ﴿ويَصْنَعُ﴾ أيْ: صَنْعَةَ ماهِرٍ جِدًّا، لَهُ مَلَكَةٌ عَظِيمَةٌ بِذَلِكَ الصُّنْعِ ﴿الفُلْكَ﴾ فَحَلّى فِعْلَهُ حالُ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَتَّ الأمْرَ بِأنَّهُ كانَ يَعْمَلُ ما أمَرَهُ بِهِ سُبْحانَهُ ولَمْ يُخاطِبْهُ فِيهِمْ ولا أسِفَ عَلَيْهِمْ، وأشارَ إلى أنَّهُمُ ازْدادُوا بَغْيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلَّما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ كُلَّما ﴿مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ﴾ أيْ: أشْرافٌ ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ وأجابَ ”كُلَّما“ بِقَوْلِهِ: ﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾ أيْ: ولَمْ يَمْنَعْهم شَرَفُهم مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّهم رَأوْهُ يُعانِي ما لَمْ يَرَوْا قَبْلَهُ مِثْلَهُ لِيَجْرِيَ عَلى الماءِ وهو في البَرِّ وهو عَلى صِفَةٍ مِنَ الهَوْلِ عَظِيمَةٍ فَعَنِ الحَسَنِ أنَّ طُولَها ألْفُ ذِراعٍ ومِائَتا ذِراعٍ وعَرْضُها سِتُّمِائَةٍ، فَقالُوا: يا نُوحُ! ما تَصْنَعُ؟ قالَ: أبْنِي بَيْتًا عَلى الماءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿سَخِرُوا﴾ صِفَةً لِ «مَلَأٌ»، وجَوابُ ”كُلَّما“ ﴿قالَ﴾ ولَمّا أيْأسَهُ اللَّهُ مِن خَيْرِهِمْ، تَرَكَ ما كانَ مِن لِينِهِ لَهم واسْتِعْطافِهِمْ فَعُلِمَ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ اسْتِئْنافًا: \ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ ولَمّا كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ غائِبٌ في عَمَلِهِ كانَ [عِنْدَهُمْ] مَوْضِعًا لِلْخِزْيِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ هو ﷺ عالِمًا بِأنَّ عَمَلَهم سَبَبٌ لِخِزْيِهِمْ بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكانَ المَعْنى: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا - أيْ مِنِّي ومِمَّنْ يُساعِدُنِي - لِظَنِّ أنَّ عَمَلَنا غَيْرُ مُثْمِرٍ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ﴾ أيْ: نُوجِدُ السُّخْرِيَةَ ﴿مِنكُمْ﴾ جَزاءً لَكم ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ مِنّا الآنَ لِأنَّ عَمَلَنا مُنْجٍ وعَمَلَكم لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلى الضَّياعِ بَلْ هو مُوجِبٌ لِما تُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ فَأنْتُمُ المَخْزِيُّونَ دُونِي. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ واقِعًا مَوْقِعَ هَذا الإخْبارِ، حَسُنَ الإتْيانُ بِالفاءِ المُؤْذِنَةِ بِتَسَبُّبِ العِلْمِ المَذْكُورِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يَفْضَحُهُ فَيُذِلَّهُ، وكَأنَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ أيْ: حُلُولَ الدَّيْنِ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وقَدْ مَضى نَحْوَهُ في الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] والسُّخْرِيَةُ: إظْهارُ ما يُخالِفُ الإبِطانَ عَلى جِهَةِ تَفَهُّمِ اسْتِضْعافِ العَقْلِ، مِنَ التَّسْخِيرِ وهو التَّذْلِيلُ اسْتِضْعافًا بِالقَهْرِ، وهي تُفارِقُ اللَّعِبَ بِأنَّ فِيها خَدِيعَةَ اسْتِنْفاضٍ، فَلا تَكُونُ إلّا بِحَيَوانٍ، واللَّعِبُ قَدْ يَكُونُ بِجَمادٍ لِأنَّهُ مُطْلَقُ طَلَبِ الفَرَحِ؛ والخِزْيُ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ والعارُ بِهِ، ونَظِيرُهُ الذُّلُّ والهَوانُ؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ دَأْبَهُ ودَأْبَهم ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: وقْتُ إرادَتِنا لِإهْلاكِهِمْ ﴿وفارَ﴾ أيْ: غَلا وطَفَحَ ﴿التَّنُّورُ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّهُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ فَلا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ، لِأنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَبَثٌ [كَما] قالَهُ أهْلُ الأُصُولِ ﴿قُلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿احْمِلْ﴾ [ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ …

40

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ

[So it was], until when Our command came and the oven overflowed, We said, "Load upon the ship of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.

ولَمّا أمَرَهُ تَعالى ونَهاهُ، أخْبَرَ أنَّهُ امْتَثَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأيِسَ مِن إيمانِ أحَدٍ مِنهم فَتَرَكَ دُعاءَهم وشَرَعَ يُسَلِّي نَفْسَهُ: ﴿ويَصْنَعُ﴾ أيْ: صَنْعَةَ ماهِرٍ جِدًّا، لَهُ مَلَكَةٌ عَظِيمَةٌ بِذَلِكَ الصُّنْعِ ﴿الفُلْكَ﴾ فَحَلّى فِعْلَهُ حالُ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَتَّ الأمْرَ بِأنَّهُ كانَ يَعْمَلُ ما أمَرَهُ بِهِ سُبْحانَهُ ولَمْ يُخاطِبْهُ فِيهِمْ ولا أسِفَ عَلَيْهِمْ، وأشارَ إلى أنَّهُمُ ازْدادُوا بَغْيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلَّما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ كُلَّما ﴿مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ﴾ أيْ: أشْرافٌ ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ وأجابَ ”كُلَّما“ بِقَوْلِهِ: ﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾ أيْ: ولَمْ يَمْنَعْهم شَرَفُهم مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّهم رَأوْهُ يُعانِي ما لَمْ يَرَوْا قَبْلَهُ مِثْلَهُ لِيَجْرِيَ عَلى الماءِ وهو في البَرِّ وهو عَلى صِفَةٍ مِنَ الهَوْلِ عَظِيمَةٍ فَعَنِ الحَسَنِ أنَّ طُولَها ألْفُ ذِراعٍ ومِائَتا ذِراعٍ وعَرْضُها سِتُّمِائَةٍ، فَقالُوا: يا نُوحُ! ما تَصْنَعُ؟ قالَ: أبْنِي بَيْتًا عَلى الماءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿سَخِرُوا﴾ صِفَةً لِ «مَلَأٌ»، وجَوابُ ”كُلَّما“ ﴿قالَ﴾ ولَمّا أيْأسَهُ اللَّهُ مِن خَيْرِهِمْ، تَرَكَ ما كانَ مِن لِينِهِ لَهم واسْتِعْطافِهِمْ فَعُلِمَ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ اسْتِئْنافًا: \ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ ولَمّا كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ غائِبٌ في عَمَلِهِ كانَ [عِنْدَهُمْ] مَوْضِعًا لِلْخِزْيِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ هو ﷺ عالِمًا بِأنَّ عَمَلَهم سَبَبٌ لِخِزْيِهِمْ بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكانَ المَعْنى: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا - أيْ مِنِّي ومِمَّنْ يُساعِدُنِي - لِظَنِّ أنَّ عَمَلَنا غَيْرُ مُثْمِرٍ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ﴾ أيْ: نُوجِدُ السُّخْرِيَةَ ﴿مِنكُمْ﴾ جَزاءً لَكم ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ مِنّا الآنَ لِأنَّ عَمَلَنا مُنْجٍ وعَمَلَكم لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلى الضَّياعِ بَلْ هو مُوجِبٌ لِما تُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ فَأنْتُمُ المَخْزِيُّونَ دُونِي. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ واقِعًا مَوْقِعَ هَذا الإخْبارِ، حَسُنَ الإتْيانُ بِالفاءِ المُؤْذِنَةِ بِتَسَبُّبِ العِلْمِ المَذْكُورِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يَفْضَحُهُ فَيُذِلَّهُ، وكَأنَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ أيْ: حُلُولَ الدَّيْنِ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وقَدْ مَضى نَحْوَهُ في الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] والسُّخْرِيَةُ: إظْهارُ ما يُخالِفُ الإبِطانَ عَلى جِهَةِ تَفَهُّمِ اسْتِضْعافِ العَقْلِ، مِنَ التَّسْخِيرِ وهو التَّذْلِيلُ اسْتِضْعافًا بِالقَهْرِ، وهي تُفارِقُ اللَّعِبَ بِأنَّ فِيها خَدِيعَةَ اسْتِنْفاضٍ، فَلا تَكُونُ إلّا بِحَيَوانٍ، واللَّعِبُ قَدْ يَكُونُ بِجَمادٍ لِأنَّهُ مُطْلَقُ طَلَبِ الفَرَحِ؛ والخِزْيُ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ والعارُ بِهِ، ونَظِيرُهُ الذُّلُّ والهَوانُ؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ دَأْبَهُ ودَأْبَهم ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: وقْتُ إرادَتِنا لِإهْلاكِهِمْ ﴿وفارَ﴾ أيْ: غَلا وطَفَحَ ﴿التَّنُّورُ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّهُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ فَلا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ، لِأنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَبَثٌ [كَما] قالَهُ أهْلُ الأُصُولِ ﴿قُلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿احْمِلْ﴾ [ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.