Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 21–30 of 123

21

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

ولَمّا ثَبَتَ أنَّهم لا سَمْعَ ولا بَصَرَ، ثَبَتَ أنَّهم لا شَيْءَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: بِتَضْيِيعِ الفِطْرَةِ الأُولى الَّتِي [هِيَ] سُهُولَةُ الِانْقِيادِ لِلْخَيْرِ وصُعُوبَةُ الِانْقِيادِ لِلشَّرِّ؛ ولَمّا كانَ العاجِزُ رُبَّما نَفَعَهُ مَن كانَ يَخْدِمُهُ فَيُكْسِبُهُ قُوَّةً بَعْدَ الضَّعْفِ ونَشاطًا بَعْدَ العَجْزِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عائِدًا إلى نَفْيِ النَّفْعِ مِمَّنْ عَذَرَهم أوَّلًا عَلى أحْسَنِ وجْهٍ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا جُبِلُوا عَلَيْهِ فَصارُوا لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ مِمّا ادَّعَوْا كَوْنَهم آلِهَةً، ولا شَكَّ أنَّ مَن خَسِرَ نَفْسَهُ ومَن خَسِرَها مِن أجْلِهِ بِادِّعاءِ أنَّهُ شَرِيكٌ لِخالِقِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ كانَ أخْسَرَ النّاسِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لا جَرَمَ﴾ أيْ: لا شَكَّ ﴿أنَّهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ بالَغُوا في إنْكارِ الآخِرَةِ ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ جَدِيرًا بِالمُبالَغَةِ في وصْفِهِمْ بِالخَسارَةِ، أعادَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الأخْسَرُونَ﴾ أيِ الأكْثَرُونَ خُسْرانًا مِن كُلِّ مَن يُمْكِنُ وصْفُهُ بِالخُسْرانِ؛ والإعْجازُ: الِامْتِناعُ مِنَ المُرادِ بِما لا يُمْكِنُ مَعَهُ إيقاعُهُ؛ والمُضاعَفَةُ: الزِّيادَةُ عَلى المِقْدارِ بِمِثْلِهِ أوْ أكْثَرَ؛ والِاسْتِطاعَةُ: قُوَّةٌ يَنْطاعُ بِها الجَوارِحُ لِلْفِعْلِ؛ وأمّا ”لا جَرَمَ“ فَقَدِ اضْطَرَبَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ في تَفْسِيرِها، قالَ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الحاجِبِيَّةِ والبُرْهانِ لِلسَّفاقِسِيِّ في إعْرابِهِ ما حاصِلُهُ: والغالِبُ بَعْدَ ”لا جَرَمَ“ الفَتْحُ، أيْ في ”أنْ“، فَ: ”لا“ إمّا رَدُّ الكَلامِ السّابِقِ - عَلى ما هو مَذْهَبُ الخَلِيلِ - أوْ زائِدَةٌ كَما في ”لا أُقْسِمُ“ لِأنَّ في «جَرَمَ» مَعْنى القَسَمِ، وهي فِعْلٌ ماضٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ مُرَكَّبَةٌ مَعَ ”لا“، وجَعَلَها سِيبَوَيْهِ فِعْلًا بِمَعْنى حَقَّ، فَ ”أنْ“ ”فاعِلُهُ“، وقِيلَ: ”جَرَمَ“ بِمَعْنى حَقَّ، وهو اسْمُ «لا» و”أنَّهُمْ“ خَبَرُهُ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا صَدَّ ولا مَنعَ؛ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّها غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ، ولا نَفْيَ لِما قِيلَ مِن أنَّ لَهم أصْنامًا تَنْفَعُهُمْ، وجَرَمَ - فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى كَسَبَ وفاعِلُهُ مُضْمَرٌ مُعَبَّرٌ بِهِ عَنْ فِعْلِهِمْ، و”إنَّهم“ مَفْعُولُهُ؛ وقالَ الفَراهِيُّ: كَلِمَةٌ كانَتْ في الأصْلِ بِمَعْنى لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، لِأنَّهُ يَرْوِي عَنِ العَرَبِ ”لا جُرْمَ“ - يَعْنِي بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ، والفِعْلُ - يَعْنِي هَكَذا، والفِعْلُ - يَعْنِي مُحَرَّكًا، يَشْتَرِكانِ في المَصادِرِ كالرُّشْدِ والرَّعْدِ والبُخْلِ؛ والجَرَمُ: القَطْعُ، أيْ لا قَطْعَ مِن هَذا كَما أنَّهُ لا بُدَّ بِمَعْنى لا قَطْعَ، فَكَثُرَتْ وجَرَتْ عَلى ذَلِكَ حَتّى صارَتْ بِمَعْنى القَسَمِ، فَلِذَلِكَ يُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، فَيُقالُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، ولا جَرَمَ أنَّكَ قائِمٌ، فَمَن فَتَحَ فَلِلنَّظَرِ إلى أصْلِ ”لا جَرَمَ“ كَما نَقُولُ: لا بُدَّ أنْ نَفْعَلَ كَذا وأنَّكَ تَفْعَلُ، أيْ: مِن أنْ ومِن أنَّكَ تَفْعَلُ، ومَن كَسَرَ فَلِمَعْنى القَسَمِ العارِضِ فِي: ”لا جَرَمَ“ - انْتَهى. فَتَفْسِيرُهُ لَها بِالقَطْعِ نُظِرَ مِنهُ إلى أنَّ مادَّةَ ”جَرَمَ“ بِخُصُوصِها دائِرَةٌ عَلى القَطْعِ، والأصْنَعُ تَفْسِيرُها بِالظَّنِّ نَظَرًا إلى ما تَدُورُ عَلَيْهِ المادَّةُ مِن حَيْثُ هي - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - مِن جَرَمَ [وجَمَرَ] ورَجَمَ ورَمَجَ ومَجَرَ ومَرَجَ، وإنَّما جَعَلْتُها كَذَلِكَ …

22

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ

Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.

ولَمّا ثَبَتَ أنَّهم لا سَمْعَ ولا بَصَرَ، ثَبَتَ أنَّهم لا شَيْءَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: بِتَضْيِيعِ الفِطْرَةِ الأُولى الَّتِي [هِيَ] سُهُولَةُ الِانْقِيادِ لِلْخَيْرِ وصُعُوبَةُ الِانْقِيادِ لِلشَّرِّ؛ ولَمّا كانَ العاجِزُ رُبَّما نَفَعَهُ مَن كانَ يَخْدِمُهُ فَيُكْسِبُهُ قُوَّةً بَعْدَ الضَّعْفِ ونَشاطًا بَعْدَ العَجْزِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عائِدًا إلى نَفْيِ النَّفْعِ مِمَّنْ عَذَرَهم أوَّلًا عَلى أحْسَنِ وجْهٍ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا جُبِلُوا عَلَيْهِ فَصارُوا لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ مِمّا ادَّعَوْا كَوْنَهم آلِهَةً، ولا شَكَّ أنَّ مَن خَسِرَ نَفْسَهُ ومَن خَسِرَها مِن أجْلِهِ بِادِّعاءِ أنَّهُ شَرِيكٌ لِخالِقِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ كانَ أخْسَرَ النّاسِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لا جَرَمَ﴾ أيْ: لا شَكَّ ﴿أنَّهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ بالَغُوا في إنْكارِ الآخِرَةِ ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ جَدِيرًا بِالمُبالَغَةِ في وصْفِهِمْ بِالخَسارَةِ، أعادَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الأخْسَرُونَ﴾ أيِ الأكْثَرُونَ خُسْرانًا مِن كُلِّ مَن يُمْكِنُ وصْفُهُ بِالخُسْرانِ؛ والإعْجازُ: الِامْتِناعُ مِنَ المُرادِ بِما لا يُمْكِنُ مَعَهُ إيقاعُهُ؛ والمُضاعَفَةُ: الزِّيادَةُ عَلى المِقْدارِ بِمِثْلِهِ أوْ أكْثَرَ؛ والِاسْتِطاعَةُ: قُوَّةٌ يَنْطاعُ بِها الجَوارِحُ لِلْفِعْلِ؛ وأمّا ”لا جَرَمَ“ فَقَدِ اضْطَرَبَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ في تَفْسِيرِها، قالَ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الحاجِبِيَّةِ والبُرْهانِ لِلسَّفاقِسِيِّ في إعْرابِهِ ما حاصِلُهُ: والغالِبُ بَعْدَ ”لا جَرَمَ“ الفَتْحُ، أيْ في ”أنْ“، فَ: ”لا“ إمّا رَدُّ الكَلامِ السّابِقِ - عَلى ما هو مَذْهَبُ الخَلِيلِ - أوْ زائِدَةٌ كَما في ”لا أُقْسِمُ“ لِأنَّ في «جَرَمَ» مَعْنى القَسَمِ، وهي فِعْلٌ ماضٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ مُرَكَّبَةٌ مَعَ ”لا“، وجَعَلَها سِيبَوَيْهِ فِعْلًا بِمَعْنى حَقَّ، فَ ”أنْ“ ”فاعِلُهُ“، وقِيلَ: ”جَرَمَ“ بِمَعْنى حَقَّ، وهو اسْمُ «لا» و”أنَّهُمْ“ خَبَرُهُ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا صَدَّ ولا مَنعَ؛ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّها غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ، ولا نَفْيَ لِما قِيلَ مِن أنَّ لَهم أصْنامًا تَنْفَعُهُمْ، وجَرَمَ - فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى كَسَبَ وفاعِلُهُ مُضْمَرٌ مُعَبَّرٌ بِهِ عَنْ فِعْلِهِمْ، و”إنَّهم“ مَفْعُولُهُ؛ وقالَ الفَراهِيُّ: كَلِمَةٌ كانَتْ في الأصْلِ بِمَعْنى لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، لِأنَّهُ يَرْوِي عَنِ العَرَبِ ”لا جُرْمَ“ - يَعْنِي بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ، والفِعْلُ - يَعْنِي هَكَذا، والفِعْلُ - يَعْنِي مُحَرَّكًا، يَشْتَرِكانِ في المَصادِرِ كالرُّشْدِ والرَّعْدِ والبُخْلِ؛ والجَرَمُ: القَطْعُ، أيْ لا قَطْعَ مِن هَذا كَما أنَّهُ لا بُدَّ بِمَعْنى لا قَطْعَ، فَكَثُرَتْ وجَرَتْ عَلى ذَلِكَ حَتّى صارَتْ بِمَعْنى القَسَمِ، فَلِذَلِكَ يُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، فَيُقالُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، ولا جَرَمَ أنَّكَ قائِمٌ، فَمَن فَتَحَ فَلِلنَّظَرِ إلى أصْلِ ”لا جَرَمَ“ كَما نَقُولُ: لا بُدَّ أنْ نَفْعَلَ كَذا وأنَّكَ تَفْعَلُ، أيْ: مِن أنْ ومِن أنَّكَ تَفْعَلُ، ومَن كَسَرَ فَلِمَعْنى القَسَمِ العارِضِ فِي: ”لا جَرَمَ“ - انْتَهى. فَتَفْسِيرُهُ لَها بِالقَطْعِ نُظِرَ مِنهُ إلى أنَّ مادَّةَ ”جَرَمَ“ بِخُصُوصِها دائِرَةٌ عَلى القَطْعِ، والأصْنَعُ تَفْسِيرُها بِالظَّنِّ نَظَرًا إلى ما تَدُورُ عَلَيْهِ المادَّةُ مِن حَيْثُ هي - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - مِن جَرَمَ [وجَمَرَ] ورَجَمَ ورَمَجَ ومَجَرَ ومَرَجَ، وإنَّما جَعَلْتُها كَذَلِكَ …

23

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.

ولَمّا تَوَعَّدَ الكافِرِينَ وأخْبَرَ عَنْ مَآلِهِمْ بِسَبَبِهِ، كانَ مَوْضِعَ أنْ يُسْألَ عَنْ حالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ولَمّا كانَ الحاصِلُ ما مَضى مِن وصْفِ الكافِرِينَ بَعْدَ مُطْلَقِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الإعْراضَ عَنْ رَبِّهِمْ والنُّفْرَةَ عَنِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ جَلافَةً وغِلْظَةً، وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِالإقْبالِ \ عَلَيْهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿وأخْبَتُوا﴾ أيْ: خَشَعُوا مُتَوَجِّهِينَ مُنْقَطِعِينَ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ فَشَكَرُوهُ فَوَفَّقَهم لِاسْتِطاعَةِ السَّمْعِ والأبْصارِ.

ولَمّا ذَكَرَ وصْفَهم ذَكَرَ جَزاءَهم [عَلَيْهِ] بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ولَمّا كانُوا مُخْتَصِّينَ بِها أوَّلَ أوْ بِالخُلُودِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، أعادَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿هم فِيها﴾ أيْ: خاصَّةً لا في غَيْرِها ﴿خالِدُونَ﴾

24

۞ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?

ولَمّا اسْتَوْفى أوْصافَ الحِزْبَيْنِ وجَزاءَهُمْ، ضَرَبَ لِلْكُلِّ مَثَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ﴾ أيِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وهو مِن بابِ [اللَّفِّ] والنَّشْرِ المُرَتَّبِ، فَإنَّ الكافِرَ ذُكِرَ فِيما قَبْلُ أوَّلًا ﴿كالأعْمى﴾ أيِ العامِّ العَمى في بَصَرِهِ وبَصِيرَتِهِ ﴿والأصَمِّ﴾ في سَمْعِهِ كَذَلِكَ، فَهَذا لِلْكافِرِينَ ﴿والبَصِيرِ﴾ بِعَيْنِهِ وقَلْبِهِ ﴿والسَّمِيعِ﴾ عَلى أتَمِّ أحْوالِهِما، وهَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي أفْرادِ المَثَلِ طِباقٌ أيْضًا ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ أيِ الفَرِيقانِ ﴿مَثَلا﴾ أيْ: مِن جِهَةِ المَثَلِ. ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا لِمَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ: لا يَسْتَوِيانِ مَثَلًا فَلا يَسْتَوِيانِ مَمْثُولًا، حَسُنَ تَسَبُّبُ الإنْكارِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: يَحْصُلُ لَكم أدْنى تَذَكُّرٍ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ فَتَعْلَمُوا صِدْقَ ما وُصِفُوا بِهِ بِما تَرَوْنَهُ مِن أحْوالِهِمْ، وذَلِكَ ما قُدِّمَ في حَقِّ الكُفّارِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠] الآيَةَ. والإخْباتُ: الخُشُوعُ المُسْتَمِرُّ عَلى اسْتِواءٍ فِيهِ، وأصْلُهُ الِاسْتِواءُ مِنَ الخَبْتِ، وهو الأرَضُ المُسْتَوِيَةُ الواسِعَةُ، ولَعَلَّهُ وصَلَهُ بِ: «إلى» في مَوْضِعِ اللّامِ إشارَةً إلى الإخْلاصِ؛ أيْ: إخْباتًا يَنْتَهِي إلى رَبِّهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُحْجَبَ عَنْهُ؛ والمَثَلُ قَوْلٌ سائِرٌ يُشَبَّهُ فِيهِ حالُ الثّانِي بِحالِ الأوَّلِ، والأمْثالُ لا تُغَيَّرُ عَنْ صُورَتِها.

25

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى أوْضَحِ المَسالِكِ، وخُتِمَ بِالحَثِّ عَلى التَّذَكُّرِ، وكانَ تَقْدِيمُ ذِكْرِ كِتابِ مُوسى مُحَرِّكًا لِتَوَقُّعِ ذِكْرِ نَبَئِهِ ونَبَأِ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، عُطِفَ - مَقْرُونًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ عَلى العامِلِ الَّذِي قَدَّرْتُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] وهو أحْسَنُ وأقْرَبُ - قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم عَلى لِسانِهِ؛ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ القِصَصِ تَقْرِيرًا لِمَضْمُونِ هَذا المَثَلِ وتَثْبِيتًا وتَسْلِيَةً وتَأْيِيدًا وتَعْزِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ لِئَلّا يَضِيقَ صَدْرُهُ بِشَيْءٍ مِمّا أُمِرَ بِإبْلاغِهِ حِرْصًا عَلى إيمانِ أحَدٍ وإنْ كانَ أقْرَبَ الخَلائِقِ إلَيْهِ وأعَزَّهم عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ [الأعراف: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] ويَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] فَوَضَحَ أنَّ هَذِهِ القِصَصَ لِهَذا المَعْنى سِيقَتْ، وأنَّ سِياقَها في الأعْرافِ وغَيْرِها كانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ وأنَّ تَضَمُّنَ هَذا الغَرَضِ بَيانُ إهْلاكِ مَن كانُوا أشَدَّ مِنَ العَرَبِ قُوَّةً وأكْثَرَ جَمْعًا وأمْكَنَ أمْرًا وأقْوى عِنادًا وأعْظَمَ فَسادًا وأحَدَّ شَوْكَةً وما اتَّفَقَ في دِيارِهِمْ مِنَ الطّامّاتِ والأهْوالِ المُفْظِعاتِ تَحْذِيرًا مِن مِثْلِ حالِهِمْ بِارْتِكابِ أفْعالِهِمْ، فَفَرْقٌ بَيْنَ ما يُساقُ لِلشَّيْءِ وما يَلْزَمُ مِنهُ الشَّيْءُ، ولِهَذا الغَرَضِ المَقْصُودِ هُنا طُوِّلَتْ قِصَّةُ نُوحٍ في هَذِهِ السُّورَةِ ما لَمْ يُطَوَّلْهُ في غَيْرِها، وصُدِّرَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي﴾ أيْ: قائِلًا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالكَسْرِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ: مُلْتَبِسًا بِأنِّي ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: مُخَوِّفٌ بَلِيغُ التَّحْذِيرِ، أُبَيِّنُ ما أُرْسِلْتُ بِهِ غايَةَ البَيانِ، وذَكَرَ فِيها أنَّهُ طالَتْ مُجادَلَتُهُ لَهم وأنَّهُ لَمّا وضَحَ لَهُ أمْرُ اللَّهِ تَعَوَّذَ مِنَ السُّؤالِ فِيهِ وفي كُلِّ ما يُشْبِهُهُ، وخُلِّلَتْ قِصَّتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ٣٥] خِطابًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ وخُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] وذُكِرَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما ضُمِّنَتْهُ مِن أنَّهُ بُشِّرَ الوَلَدَ بِما لَمْ يَجْرِ بِمِثْلِهِ عادَةٌ فَلَمْ يَتَرَدَّدْ فِيهِ، وأنَّهُ جادَلَ الرُّسُلَ في قَوْمِ ابْنِ أخِيهِ لُوطٍ، وأنَّهُ لَمّا تَحَقَّقَ حَتْمُ الأمْرِ وبَتَّ الحُكْمِ سَلَّمَ لِرَبِّهِ مَعَ كَوْنِهِ حَلِيمًا أوّاهًا مُنِيبًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُومِئُ إلَيْهِ سِياقُ القَصَصِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ أرْسَلْناكَ لِتُبَلِّغَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ مِنَ الإنْذارِ وإنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ، وعِزَّتِنا لَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا مُنْذِرِينَ فَدَعَوْا إلى ما أُمِرْتَ بِالدَّعْوَةِ إلَيْهِ وأنْذَرُوهم ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ مِن بَأْسِنا امْتِثالًا لِأمْرِنا وما تَرَكُوا شَيْئًا مِنهُ خَوْفًا مِن إعْراضٍ ولا رَجاءٍ في إقْبالٍ عَلى أنَّ أُمَمَهم قالُوا لَهم ما قالَتْ لَكَ أُمَّتُكَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ [هود: ٣١] - الآيَةَ. وقَدْ كانَ في …

26

أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍۢ

That you not worship except Allah. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."

والمَقْصُودُ مِنَ الرِّسالَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ﴾ أيْ: نَذِيرٌ لِأجْلِ أنْ ﴿لا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: شَيْئًا أصْلًا ﴿إلا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ و[مَعْنى النِّذارَةِ] قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ وعِظَمَ العَذابِ المُحَذَّرِ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ وإذا كانَ اليَوْمُ مُؤْلِمًا فَما الظَّنُّ بِما فِيهِ مِنَ العَذابِ! فَهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ مِثْلَ: نَهارُهُ صائِمٌ، ولَمْ يَذْكُرْ بِشارَةً كَما تَقَدَّمَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢] إرْشادًا إلى ما سِيقَتْ لَهُ القِصَّةُ مِن تَقْرِيرِ مَعْنى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] ولِذَلِكَ صَرَّحَ بِالألَمِ بِخِلافِ الأعْرافِ، وكَذا ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أوَّلَ هَذِهِ مِن عَذابِ يَوْمٍ كَبِيرٍ، وهُما مُتَقارِبانِ؛ ثُمَّ ساقَ سُبْحانَهُ جَوابَ قَوْمِهِ عَلى وجْهٍ هو في غايَةِ التَّسْلِيَةِ والمُناسَبَةِ لِلسِّياقِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا النُّصْحِ العَظِيمِ أنْ قالَ؛ ولَمّا كانَ هَذا بَعْدَ أنْ تَبِعَهُ بَعْضُهم قالَ: ﴿المَلأُ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الجِدالَ مَعَ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ الأشْرافُ زِيادَةً في التَّسْلِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وبَيَّنَ أنَّهُمُ أقارِبُ أعِزَّةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في غايَةِ القُوَّةِ لِما يُرِيدُونَ مُحاوَلَةَ القِيامِ بِهِ ﴿ما نَراكَ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا بَشَرًا﴾ أيْ آدَمِيًّا ﴿مِثْلَنا﴾ أيْ: في مُطْلَقِ البَشَرِيَّةِ، لَسْتَ بِمَلَكٍ تَصْلُحُ لِما لا تَصْلُحُ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ، وهَذا قَوْلُ البَراهِمَةِ، وهو مَنعُ نُبُوَّةِ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، وهو قَوْلُ مَن يَحْسُدُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ ويَعْمى عَنْ جَلِيِّ حِكْمَتِهِ فَيَمْنَعُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ بَشَرًا ويَجْعَلُ الإلَهَ حَجَرًا.

ولَمّا كانَتِ العَظَمَةُ عِنْدَهم مُنْحَصِرَةً في عَظَمَةِ الأتْباعِ قالُوا: ﴿وما نَراكَ﴾ ولَمّا نَفَوُا الرُّؤْيَةَ عَنْهُ فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي، بَيَّنُوا أنَّ مُرادَهم رُؤْيَةُ مَنِ اتَّبَعَهُ فَقالُوا: ﴿اتَّبَعَكَ﴾ أيْ تَكَلَّفَ اتِّباعَكَ ﴿إلا الَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿أراذِلُنا﴾ أيْ: كالحائِكِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ مِنّا رَذْلٌ غَيْرُهُمْ، وهو جَمْعُ أرْذُلٍ كَأكْلُبٍ جَمْعِ رَذْلٍ كَكَلْبٍ، والرَّذْلُ: الخَسِيسُ الدَّنِيءُ، وهَذا يَنْتِجُ أنَّهُ لَمْ يَتْبَعْكَ أحَدٌ لَهُ قَدْرٌ؛ قالُوا: و”اتَّبَعَكَ“ عامِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ وهو ظَرْفٌ أيِ اتَّبَعُوكَ بَدِيهَةً مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ، فاتِّباعُهم لا يَدُلُّ عَلى سَدادٍ لِما اتَّبَعُوهُ مِن وجْهَيْنِ: رَذالَتُهم في أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُفَكِّرُوا فِيهِ، لَكِنْ يُضْعِفُهُ إيرادُ الِاتِّباعِ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى عِلاجٍ ومُجاذَبَةٍ، فالأحْسَنُ إسْنادُهُ - كَما قالُوهُ أيْضًا - إلى أراذِلٍ. أيْ أنَّهم بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ ناظِرُهم عِنْدَ أوَّلِ وُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَيْهِمْ أنَّهم سَفَلَةٌ أسْقاطٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ”بادِيَ رَأْيِكَ“ أيْ أنَّكَ تَظُنُّ أنَّهُمُ اتَّبَعُوكَ، ولَمْ يَتَّبِعُوكَ.

ولَمّا كانُوا لا يَعِظُونَ إلّا بِالتَّوَسُّعِ في الدُّنْيا، قالُوا: ﴿وما نَرى لَكُمْ﴾ أيْ: لَكَ ولِمَن تَبِعَكَ ﴿عَلَيْنا﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مِن فَضْلٍ﴾ أيْ: شَرَفٍ ولا مالٍ، وهَذا - مَعَ ما مَضى مِن قَوْلِهِمْ - قَوْلَ مَن يَعْرِفُ الحَقَّ بِالرِّجالِ ولا يَعْرِفُ الرِّجالَ بِالحَقِّ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلى كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا بِعَظَمَةِ …

27

فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ

So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion. And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."

والمَقْصُودُ مِنَ الرِّسالَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ﴾ أيْ: نَذِيرٌ لِأجْلِ أنْ ﴿لا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: شَيْئًا أصْلًا ﴿إلا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ و[مَعْنى النِّذارَةِ] قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ وعِظَمَ العَذابِ المُحَذَّرِ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ وإذا كانَ اليَوْمُ مُؤْلِمًا فَما الظَّنُّ بِما فِيهِ مِنَ العَذابِ! فَهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ مِثْلَ: نَهارُهُ صائِمٌ، ولَمْ يَذْكُرْ بِشارَةً كَما تَقَدَّمَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢] إرْشادًا إلى ما سِيقَتْ لَهُ القِصَّةُ مِن تَقْرِيرِ مَعْنى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] ولِذَلِكَ صَرَّحَ بِالألَمِ بِخِلافِ الأعْرافِ، وكَذا ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أوَّلَ هَذِهِ مِن عَذابِ يَوْمٍ كَبِيرٍ، وهُما مُتَقارِبانِ؛ ثُمَّ ساقَ سُبْحانَهُ جَوابَ قَوْمِهِ عَلى وجْهٍ هو في غايَةِ التَّسْلِيَةِ والمُناسَبَةِ لِلسِّياقِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا النُّصْحِ العَظِيمِ أنْ قالَ؛ ولَمّا كانَ هَذا بَعْدَ أنْ تَبِعَهُ بَعْضُهم قالَ: ﴿المَلأُ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الجِدالَ مَعَ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ الأشْرافُ زِيادَةً في التَّسْلِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وبَيَّنَ أنَّهُمُ أقارِبُ أعِزَّةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في غايَةِ القُوَّةِ لِما يُرِيدُونَ مُحاوَلَةَ القِيامِ بِهِ ﴿ما نَراكَ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا بَشَرًا﴾ أيْ آدَمِيًّا ﴿مِثْلَنا﴾ أيْ: في مُطْلَقِ البَشَرِيَّةِ، لَسْتَ بِمَلَكٍ تَصْلُحُ لِما لا تَصْلُحُ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ، وهَذا قَوْلُ البَراهِمَةِ، وهو مَنعُ نُبُوَّةِ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، وهو قَوْلُ مَن يَحْسُدُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ ويَعْمى عَنْ جَلِيِّ حِكْمَتِهِ فَيَمْنَعُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ بَشَرًا ويَجْعَلُ الإلَهَ حَجَرًا.

ولَمّا كانَتِ العَظَمَةُ عِنْدَهم مُنْحَصِرَةً في عَظَمَةِ الأتْباعِ قالُوا: ﴿وما نَراكَ﴾ ولَمّا نَفَوُا الرُّؤْيَةَ عَنْهُ فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي، بَيَّنُوا أنَّ مُرادَهم رُؤْيَةُ مَنِ اتَّبَعَهُ فَقالُوا: ﴿اتَّبَعَكَ﴾ أيْ تَكَلَّفَ اتِّباعَكَ ﴿إلا الَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿أراذِلُنا﴾ أيْ: كالحائِكِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ مِنّا رَذْلٌ غَيْرُهُمْ، وهو جَمْعُ أرْذُلٍ كَأكْلُبٍ جَمْعِ رَذْلٍ كَكَلْبٍ، والرَّذْلُ: الخَسِيسُ الدَّنِيءُ، وهَذا يَنْتِجُ أنَّهُ لَمْ يَتْبَعْكَ أحَدٌ لَهُ قَدْرٌ؛ قالُوا: و”اتَّبَعَكَ“ عامِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ وهو ظَرْفٌ أيِ اتَّبَعُوكَ بَدِيهَةً مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ، فاتِّباعُهم لا يَدُلُّ عَلى سَدادٍ لِما اتَّبَعُوهُ مِن وجْهَيْنِ: رَذالَتُهم في أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُفَكِّرُوا فِيهِ، لَكِنْ يُضْعِفُهُ إيرادُ الِاتِّباعِ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى عِلاجٍ ومُجاذَبَةٍ، فالأحْسَنُ إسْنادُهُ - كَما قالُوهُ أيْضًا - إلى أراذِلٍ. أيْ أنَّهم بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ ناظِرُهم عِنْدَ أوَّلِ وُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَيْهِمْ أنَّهم سَفَلَةٌ أسْقاطٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ”بادِيَ رَأْيِكَ“ أيْ أنَّكَ تَظُنُّ أنَّهُمُ اتَّبَعُوكَ، ولَمْ يَتَّبِعُوكَ.

ولَمّا كانُوا لا يَعِظُونَ إلّا بِالتَّوَسُّعِ في الدُّنْيا، قالُوا: ﴿وما نَرى لَكُمْ﴾ أيْ: لَكَ ولِمَن تَبِعَكَ ﴿عَلَيْنا﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مِن فَضْلٍ﴾ أيْ: شَرَفٍ ولا مالٍ، وهَذا - مَعَ ما مَضى مِن قَوْلِهِمْ - قَوْلَ مَن يَعْرِفُ الحَقَّ بِالرِّجالِ ولا يَعْرِفُ الرِّجالَ بِالحَقِّ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلى كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا بِعَظَمَةِ …

28

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ

He said, "O my people have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?

ولَمّا كانَ خِتامُ جَوابِهِمْ أشَدَّهُ، بَدَأ في جَوابِهِ بِرَدِّهِ مُبَيِّنًا لِضَلالاتِهِمْ مُغْضِيًا عَنْ شَناعاتِهِمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ومَحَبَّةً لِنَجاتِهِمْ، فَقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ وشَرَعَ يُكَرِّرُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كُلَّ قَلِيلٍ تَذْكِيرًا لَهم أنَّهُ مِنهم لِتَعْطِفَهُمُ الأرْحامُ وتَرُدَّهُمُ القَراباتُ عَنْ حَسَدٍ أوِ اتِّهامِهِ إلى قَبُولِ ما يُلْقِي إلَيْهِمْ مِنَ الكَلامِ، وأشارَ بِأداةِ البُعْدِ - مَعَ قُرْبِهِمْ - إلى مُباعَدَتِهِمْ فِيما يَقْتَضِي غايَةَ القُرْبِ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ﴾ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ مِنكم والتَّقْدِيرِ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ ساطِعٍ، وزادَ تَرْغِيبًا فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّي﴾ أيِ الَّذِي أوْجَدَنِي وأحْسَنَ إلَيَّ بِالرِّسالَةِ وغَيْرِها يَشْهَدُ بِصِحَّةِ دَعْوايَ [شَهادَةً] لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها عِنْدَ المُنْصِفِ شُبْهَةٌ فَكَيْفَ بِالظَّنِّ! ﴿وآتانِي﴾ فَضْلًا مِنهُ عَلَيَّ لا لِمَعْنًى فِيَّ أزِيدُ عَلَيْكم بِهِ، بَلْ ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ: إكْرامًا بِالرِّسالَةِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وعَظَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِهِ﴾ فِيها فَضْلٌ عَظِيمُ النُّورِ واضِحُ الظُّهُورِ.

ولَمّا كانَتِ البَيِّنَةُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وحَّدَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَخْصِيصِي بِها أنْ أظْلَمَتْ، ووَقَعَ ظَلامُها ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: فَعَمِيتُمْ أنْتُمْ عَنْها لِضَعْفِ عُقُولِكم ولَمْ يَقَعْ عَلَيْكم شَيْءٌ مِن نُورِها، وذَلِكَ أنَّ الدَّلِيلَ إذا كانَ أعْمى عادَ ضَرَرُهُ عَلى التّابِعِ بِالحَيْرَةِ والضَّلالِ، وهو مَعْنى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَةً ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ مَعَ تَسْمِيَتِهِ لَها بَيِّنَةً - إشارَةً إلى أنَّها لَمْ تَعُمَّ ولا خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ لِقُوَّةِ نُورِها وشَدَّةِ ظُهُورِها، وإنَّما هم مُعانِدُونَ في نَفْيِهِمْ لِفَضْلِهِ وفَضْلِ مَن تَبِعَهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ واسْمِ الفاعِلِ إشارَةً إلى أنَّ أفْعالَهم أفْعالٌ مِن كَراهَتِهِ لَها ثابِتَةٌ مُسْتَحْكَمَةٌ، وكَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِالقِتالِ كَما كانَ نَبِيُّنا ﷺ في أوَّلِ الأمْرِ، والآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ أنَّهم مُعانِدُونَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الجِهادِ وغَيْرِهِ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَأْمُورُونَ بِالمُجادَلَةِ لِلْمُعانِدِينَ إلى أنْ يُلْزِمُوهُمُ الحُجَّةَ، وهي لا تُفِيدُ إلّا الإلْزامَ في الظّاهِرِ مَعَ الإنْكارِ والكَراهَةِ في الباطِنِ، والدَّعْوَةِ إلى سَبِيلِ اللَّهِ بِالحِكْمَةِ لِلْكامِلِينَ، وبِالمَوْعِظَةِ والخَطابَةِ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِي لا يُعانِدُونَ ويُحْسِنُونَ الظَّنَّ في الدّاعِي، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ البَيِّنَةَ لَمْ تَنْفَعْكم لِشَكاسَةٍ واعْوِجاجٍ في طِباعِكُمْ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا المَوْعِظَةُ وهي لا تُفِيدُ [إلّا] مَعَ حُسْنِ الظَّنِّ، وأمّا مَعَ الكَراهَةِ فَلا يَنْفَعُكُمُ النُّصْحُ، فَلا فائِدَةَ في المُجادَلَةِ إلّا الإلْزامُ، وهو مَعَ الكَراهَةِ غَيْرُ نافِعٍ لَكم.

29

وَيَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ

And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allah. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.

ولَمّا كانَ نَفْيُ ذَلِكَ عامًّا لِلْفَضْلِ الدُّنْيَوِيِّ، وكانَ الِاتِّصافُ بِقِلَّةِ ما في اليَدِ إنَّما يَكُونُ ضارًّا إذا كانَ صاحِبُهُ يَسْألُ غَيْرَهُ، نَفى عَنْهُ هَذا اللّازِمَ العائِبَ فَقالَ مُجِيبًا عَنْ نَفْيِهِمُ الفَضْلَ عَنْهُ وعَنْ أتْباعِهِ بِأنَّهُ قَدْ يُرِيدُ مِنهم عَلى ذَلِكَ ثَوابًا دُنْيَوِيًّا: ﴿ويا قَوْمِ﴾ اسْتِعْطافًا لَهم ﴿لا أسْألُكُمْ﴾ أيْ: في وقْتٍ \ مِنَ الأوْقاتِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيِ الإنْذارِ كَما يَأْخُذُ مِنكم مَن يُنْذِرُكم أمْرَ مَن يُرِيدُ مِنكم مَن يُنْذِرُكم أمْرَ مَن يُرِيدُ بِكم بَعْضَ ما تَكْرَهُونَ فِي أُمُورِ دُنْياكم حَتّى تَكُونَ عاقِبَةُ ذَلِكَ أنْ تَتَّهِمُونِي ﴿مالا إنْ﴾ أيْ: ما ﴿أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ فَبِيَدِهِ الخَزائِنُ كُلُّها، ونَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّهُ لا غَرَضَ لَهُ مِن عَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ يُنَفِّرُ المَدْعُوَّ عَنْهُ فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ، وفِيهِ تَلْقِينٌ لِلْجَوابِ عَنْ قَوْلِ قُرَيْشٍ: لَوْلا أُلْقِي إلَيْهِ كَنْزٌ - كَما سَيَأْتِي بِأبْيَنَ مِن ذَلِكَ عَقِبَ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [يوسف: ١٠٤] لِأنَّ هَذِهِ القِصَصَ كالشَّيْءِ الواحِدِ مُتَتابِعَةً في بَيانِ حَقِّيَّةِ هَذا القُرْآنِ والتَّأْسِيَةِ في الِاقْتِداءِ بِالرُّسُلِ في الصَّبْرِ عَلى أداءِ جَمِيعِ الرِّسالَةِ مَعَ ما يَلْزَمُ ذَلِكَ مِن جَلِيلِ العِبَرِ وبَدِيعِ الحِكَمِ، فَلَمّا اتَّحَدَ الغَرَضُ مِنها مَعَ تَوالِيها اتَّحَدَتْ مُتَفَرِّقاتُها.

ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ بِرَذالَةِ المُتَّبِعِ مِمّا يُنَفِّرُ أهْلَ الدُّنْيا عَنْ ذَلِكَ التّابِعِ، بَيَّنَ لَهم أنَّ شَأْنَهُ غَيْرُ شَأْنِهِمْ وأنَّهُ رَقِيقٌ عَلى مَن آمَنَ بِهِ رَفِيقٌ بِهِ رَحِيمٌ لَهُ وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا في الدُّنْيا مَحْرُومًا مِنها خَوْفًا مِنَ اللَّهِ الَّذِي اتَّبَعُوهُ فِيهِ فَقالَ: ﴿وما أنا﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ بِالإيمانِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِإنْكارِهِمْ ﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بَعْدَ إيجادِهِمْ وتَرْتِيبِهِمْ لِهِدايَتِهِمْ، فَلَوْ طَرَدْتُهم لَشَكَوْنِي إلَيْهِ فَلا أرى لَكم وجْهًا في الإشارَةِ إلى طَرْدِهِمْ ولا في شَيْءٍ مِمّا أجَبْتُمُونِي بِهِ ﴿ولَكِنِّي أراكُمْ﴾ أيْ: أعْلَمُكم عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ ﴿قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [أيْ] تَفْعَلُونَ أفْعالَ أهْلِ الجَهْلِ فَتُكَذِّبُونَ الصّادِقَ وتُعَيِّرُونَ المُؤْمِنِينَ بِما لا يَعْنِيهِمْ وتَنْسَوْنَ لِقاءَ اللَّهِ وتُوقِعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواقِعِها، وفي تَعْبِيرِهِ بِ: ”تَجْهَلُونَ“ دُونَ ”جاهِلِينَ“ إشارَةً إلى أنَّ الجَهْلَ مُتَجَدِّدٌ لَهم وهو غَيْرُ عادَتِهِمُ اسْتِعْطافًا لَهم إلى الحِلْمِ،

30

وَيَٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

And O my people, who would protect me from Allah if I drove them away? Then will you not be reminded?

ثُمَّ عَطَفَ إلى صَرِيحِ الِاسْتِعْطافِ في سِياقٍ مُحَذِّرٍ مِن سَطَواتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ويا قَوْمِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أعَزُّ النّاسِ عَلَيَّ ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ ولَوْ لَمْ يَشْكُونِي إلَيْهِ لِاطِّلاعِهِ عَلى ما دَقَّ وجَلَّ: ولَمّا تَمَّ الجَوابُ عَنِ ازْدِرائِهِمْ، سَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارَ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ ما قالَهُ لَهم بِما يَجِدُونَهُ في أنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: ولَوْ أدْنى تَذَكُّرٍ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ - فَتَعْلَمُوا أنَّ مَن طَرَدَ صَدِيقًا لَكم عادَيْتُمُوهُ وقَصَدْتُمُوهُ بِالأذى، فَتَرْجِعُوا عَمّا طَرَأ لَكم مِن جَهْلٍ إلى عادَتِكم مِنَ الحِلْمِ الباعِثِ عَلى التَّأمُّلِ المُوَقِّفِ عَلى الحَقِّ؛ والطَّرْدُ: إبْعادُ الشَّيْءِ عَلى جِهَةِ الهَوانِ؛ والقَوْمُ: الجَماعَةُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالأمْرِ، اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ؛ والتَّذْكِيرُ: طَلَبُ مَعْنًى قَدْ كانَ حاضِرًا لِلنَّفْسِ، والتَّفَكُّرُ طَلَبُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.