Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 21–30 of 123

21

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا.

وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .

﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ.

والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ …

22

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ

Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا.

وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .

﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ.

والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ …

23

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا.

وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .

﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ.

والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ …

24

۞ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا.

وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .

﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ.

والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ …

25

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا.

وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .

﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ.

والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ …

26

أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍۢ

That you not worship except Allah. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا.

وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .

﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ.

والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ …

27

فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ

So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion. And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا.

وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .

﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ.

والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ …

28

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ

He said, "O my people have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾: لَمّا حَكى شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي قَوْلُهم: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هود: ٢٧] ذَكَرَ أنَّ المُساواةَ في البَشَرِيَّةِ لا تَمْنَعُ مِن حُصُولِ المُفارَقَةِ في صِفَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الطَّرِيقَ الدّالَّ عَلى إمْكانِهِ عَلى جِهَةِ التَّعْلِيقِ والإمْكانِ، وهو مُتَيَقِّنٌ أنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، وما يَجِبُ لَهُ وما يَمْتَنِعُ، ولَكِنَّهُ أبْرَزَهُ عَلى سَبِيلِ العَرْضِ لَهم والِاسْتِدْراجِ لِلْإقْرارِ بِالحَقِّ، وقِيامِ الحُجَّةِ عَلى الخَصْمِ، ولَوْ قالَ: عَلى أنِّي عَلى حَقٍّ مِن رَبِّي لَقالُوا لَهُ: كَذَبْتَ، كَقَوْلِهِ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] الآيَةَ فَقالَ فِيها: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر: ٢٨] . والبَيِّنَةُ: البُرْهانُ، والشّاهِدُ بِصِحَّةِ دَعْواهُ، ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّحْمَةُ والنُّبُوَّةُ، مُقاتِلٌ: الهِدايَةُ، غَيْرُهُما: التَّوْفِيقُ والنُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. والظّاهِرُ أنَّ البَيِّنَةَ غَيْرُ الرَّحْمَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالبَيِّنَةِ: المُعْجِزَةُ، وبِالرَّحْمَةِ: النُّبُوَّةُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَيِّنَةُ: هي الرَّحْمَةُ، ومِن عِنْدِهِ تَأْكِيدٌ وفائِدَتُهُ: رَفْعُ الِاشْتِراكِ ولَوْ بِالِاسْتِعارَةِ، ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى البَيِّنَةِ، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الذَّمُّ لَهم مِن أنَّهُ أتى بِالمُعْجِزَةِ الجَلِيَّةِ الواضِحَةِ، وأنَّها عَلى وُضُوحِها واسْتِنارَتِها خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى سَلَبَهم عِلْمَها ومَنعَهم مَعْرِفَتَها. فَإنْ كانَتِ الرَّحْمَةُ هي البَيِّنَةُ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ مُفْرَدًا ظاهِرٌ، وإنْ كانَتْ غَيْرَها كَما اخْتَرْناهُ.

فَقَوْلُهُ: ﴿وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾، اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَقُّهُ أنْ يُقالَ: فَعُمِّيَتا. (قُلْتُ): الوَجْهُ أنْ يُقَدَّرَ فَعُمِّيَتْ بَعْدَ البَيِّنَةِ، وأنْ يَكُونَ حَذْفُهُ لِلِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِهِ، فَتَلَخَّصَ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ: إمّا عَلى البَيِّنَةِ، وإمّا عَلى الرَّحْمَةِ، وإمّا عَلَيْهِما بِاعْتِبارِ أنَّهُما واحِدٌ. ويَقُولُ لِلسَّحابِ: العَماءُ لِأنَّهُ يُخْفِي ما فِيهِ، كَما يُقالُ لَهُ: الغَمامُ لِأنَّهُ يَغُمُّهُ.

وقِيلَ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، فَعَمِيتُمْ أنْتُمْ عَنْها كَما تَقُولُ العَرَبُ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: تَرى الثَّوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا يُقْلَبُ، هَذا لَيْسَ فِيهِ إشْكالٌ، وفي القُرْآنِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] انْتَهى.

والقَلْبُ عِنْدَ أصْحابِنا مُطْلَقًا لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ فَلَيْسَ مِن بابِ القَلْبِ بَلْ مِن بابِ الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ.

وأمّا الآيَةُ فَأخْلَفَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ولَكانَ يُضِيفُ إلى أيِّهِما شِئْتَ فَلَيْسَ مِن بابِ القَلْبِ، ولَوْ كانَ: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ مِن بابِ القَلْبِ لَكانَ التَّعَدِّي بِعْنَ دُونَ عَلى.

ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: عَمِيتُ عَنْ كَذا، ولا تَقُولُ عَمِيتُ عَلى كَذا ؟ وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: فَعُمِّيَتْ بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: أُبْهِمَتْ عَلَيْكم وأُخْفِيَتَ، وباقِي …

29

وَيَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ

And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allah. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ.

وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم.

وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ.

ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ.

﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ …

30

وَيَٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

And O my people, who would protect me from Allah if I drove them away? Then will you not be reminded?

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ.

وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم.

وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ.

ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ.

﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.