Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 21–30 of 123

21

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢١ ] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: سَعادَتَها وراحَتَها، أوْ بِتَسْلِيمِها لِعِبادَةِ الأوْثانِ وتَرْكِها ما خُلِقَتْ لَهُ مِن عِبادَتِهِ تَعالى، وهَذا الخُسْرانُ في النَّفْسِ أعْظَمُ خَسارَةً، كَما قِيلَ:

؎إذا كانَ رَأْسُ المالِ عُمْرَكَ فاحْتَرِسْ عَلَيْهِ مِنَ الإنْفاقِ في غَيْرِ واجِبٍ

﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ غابَ عَنْهُمُ الآلِهَةُ وشَفاعَتُها، ولَمْ تُجْدِهِمْ شَيْئًا.

22

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ

Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٢ ] ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾

﴿لا جَرَمَ﴾ أيْ حَقًّا، أوْ لا مَحالَةَ ﴿أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾

23

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٣ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ أيْ خَشَعُوا لَهُ وحْدَهُ، ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

24

۞ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٤ ] ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾

﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ﴾ أيِ الكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ مَثَلٌ لِلْكافِرِ ﴿والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ مَثَلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ أيِ الفَرِيقانِ ﴿مَثَلا﴾ أيْ حالًا وصِفَةً ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ بِضَرْبِ الأمْثالِ وتَدَبُّرِها.

ثُمَّ قَصَّ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ ﷺ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما يَثْبُتُ فِيهِ فُؤادُهُ، لِيَتَسَلّى بِما يُشاهِدُهُ مِن مُعاناةِ الرُّسُلِ قَبْلَهُ مِن أُمَمِهِمْ، ومَقاساتِهِمُ الشَّدائِدَ مِن جِهَتِهِمْ، ولِيُعْلِمَ قَوْمَهُ أنَّ رِسالَتَهُ كَرِسالَةِ مَن تَقَدَّمَهُ، وأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِيهِمْ مَعْرُوفَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

25

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٥ ] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ وكانَتِ امْتَلَأتِ الأرْضُ مِن شِرْكِهِمْ وشُرُورِهِمْ ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ بِأنِّي، وقُرِئَ بِالكَسْرِ. أيْ: فَقالَ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ، أُبَيِّنُ لَكم مُوجِباتِ العَذابِ، ووَجْهَ الخَلاصِ مِنهُ.

26

أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍۢ

That you not worship except Allah. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٦ ] ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾

﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ (الباءُ) مُقَدَّرَةٌ هُنا لِلتَّعْدِيَةِ، و(لا) ناهِيَةٌ. أيْ أرْسَلْناهُ مُتَلَبِّسًا بِالنَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ إنْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ أيْ مُؤْلِمٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

27

فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ

So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion. And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٧ ] ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾

﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ السّادَةُ والكُبَراءُ، ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ أيْ: لَسْتَ بِمَلَكٍ، ولَكِنَّكَ بَشَرٌ، فَكَيْفَ أُوحِيَ إلَيْكَ مِن دُونِنا.

قالَ القاشانِيُّ: أيْ فَقالَ الأشْرافُ المَلِيئُونَ بِأُمُورِ الدُّنْيا، القادِرُونَ عَلَيْها، الَّذِينَ حُجِبُوا بِعَقْلِهِمْ ومَعْقُولِهِمْ عَنِ الحَقِّ ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ لِكَوْنِهِمْ ظاهِرِيِّينَ، واقِفِينَ عَلى حَدِّ العَقْلِ المَشُوبِ بِالوَهْمِ، المُتَحَيِّرِ بِالهَوى، الَّذِي هو عَقْلُ المَعاشِ، لا يَرَوْنَ لِأحَدٍ طَوْرًا وراءَ ما بَلَغُوا إلَيْهِ مِنَ العَقْلِ، غَيْرَ مُطَّلِعِينَ عَلى مَراتِبِ الِاسْتِعْداداتِ والكَمالاتِ، طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ، ورُتْبَةً فَوْقَ رُتْبَةٍ، إلى ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَلَمْ يَشْعُرُوا بِمَقامِ النُّبُوَّةِ ومَعْناها.

﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ أيْ فُقَراؤُنا الأدْنَوْنَ مِنّا؛ إذِ المَرْتَبَةُ الرِّفْعَةُ عِنْدَهم بِالمالِ والجاهِ لَيْسَ إلّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ أيْ بَدِيهَةَ الرَّأْيِ؛ لِأنَّهم ضِعافُ العُقُولِ، عاجِزُونَ عَنْ كَسْبِ المَعاشِ، ونَحْنُ أصْحابُ فِكْرٍ ونَظَرٍ. قالُوا ذَلِكَ لِاحْتِجابِهِمْ بِعَقْلِهِمُ القاصِرِ عَنْ إدْراكِ الحَقِيقَةِ والفَضِيلَةِ المَعْنَوِيَّةِ؛ لِقِصَرِ تَصَرُّفِهِ عَلى كَسْبِ المَعاشِ، والوُقُوفِ عَلى حَدِّهِ. وأمّا أتْباعُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهم أصْحابُ هِمَمٍ بَعِيدَةٍ، وعُقُولٍ حائِمَةٍ حَوْلَ القُدْسِ، غَيْرِ مُلْتَفِتَةٍ إلى ما يَلْتَفِتُ غَيْرُهم إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ اسْتَنْزَلُوا عُقُولَهم واسْتَحْقَرُوها.

تَنْبِيهٌ:

(بادِيَ) قَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِالهَمْزَةِ، والباقُونَ بِالياءِ.

فَأمّا الأوَّلُ فَمَعْناهُ أوَّلُ الرَّأْيِ. بِمَعْنى أنَّهُ صَدَرَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ وتَأمُّلٍ، أوَّلَ وهْلَةٍ.

وأمّا الثّانِي: فَيُحْتَمَلُ أنَّ أصْلَهُ ما تَقَدَّمَ، فَقُلِبَتِ الياءُ عَنِ الهَمْزَةِ تَخْفِيفًا، ويُحْتَمَلُ أنَّها أصْلِيَّةٌ مِن بَدا يَبْدُو، كَعَلا يَعْلُو. والمَعْنى: ظاهِرُ الرَّأْيِ دُونَ باطِنِهِ، ولَوْ تُؤَمِّلَ لَعُرِفَ باطِنُهُ، وهو في المَعْنى كالأوَّلِ. وعَلى كِلَيْهِما، هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. والعامِلُ فِيهِ إمّا (نَراكَ) أوِ (اتَّبَعَكَ).

قالَ النّاصِرُ: زَعَمَ هَؤُلاءِ أنْ يَحُجُّوا نُوحًا بِمَنِ اتَّبَعَهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُتَّبِعِينَ آراءَهُ لَيْسُوا قُدْوَةً ولا أُسْوَةً.

والثّانِي: أنَّهم مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَرَوَّوْا في اتِّباعِهِ، ولا أمْعَنُوا الفِكْرَةَ في صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ، وإنَّما بادَرُوا إلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ فِكْرَةٍ ولا رَوِيَّةٍ، وغَرَضُ هَؤُلاءِ ألّا تَقُومَ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ بِأنَّ مِنهم مَن صَدَّقَهُ وآمَنَ بِهِ -انْتَهى-.

أيْ وكِلا الوَجْهَيْنِ يُبَرْهِنانِ عَلى جَهْلِهِمْ وقِصَرِ عَقْلِهِمْ، أمّا الأوَّلُ فَلا خَفاءَ في أنَّهُ لَيْسَ بِعارٍ عَلى الحَقِّ رَذالَةُ مَنِ اتَّبَعَهُ، بَلْ أتْباعُهُ هُمُ الأشْرافُ، ولَوْ كانُوا فُقَراءَ، والَّذِينَ يَأْبَوْنَهُ هُمُ الأدْنَوْنَ، ولَوْ كانُوا أغْنِياءَ. وفي الغالِبِ، ما يَتَّبِعُ الحَقَّ إلّا ضَعَفَةُ الخَلْقِ، كَما يَغْلِبُ عَلى …

28

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ

He said, "O my people have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٨ ] ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾

﴿قالَ﴾ أيْ نُوحٌ ﴿يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ بُرْهانٍ ﴿مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً﴾ أيْ هِدايَةً خاصَّةً كَشْفِيَّةً ﴿مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ فَوْقَ طَوْرِ العَقْلِ مِنَ العُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ، ومَقامِ النُّبُوَّةِ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ لِاحْتِجابِكم بِالظّاهِرِ عَنِ الباطِنِ، وبِالخَلِيقَةِ عَنِ الحَقِيقَةِ ﴿أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ يَعْنِي أنُكْرِهُكم عَلى قَبُولِها، ونَقْسِرُكم عَلى الِاهْتِداءِ بِها، وأنْتُمْ تَكْرَهُونَها ولا تَخْتارُونَها، و﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فالِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ لا نُقَدِّرُ عَلى ذَلِكَ، والَّذِي في وُسْعِنا دَعْوَتُكم إلى اللَّهِ، لا أنْ نَضْطَرَّكم إلَيْها، فَإنْ شِئْتُمْ تَلَقِّيها فَزَكُّوا نُفُوسَكُمْ، واتْرُكُوا إنْكارَكُمْ، وفي طَيِّ جَوابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَثٌّ عَلى تَدَبُّرِها، ورَدٌّ عَنِ الإعْراضِ عَنْها، بِأُسْلُوبٍ فائِقٍ.

29

وَيَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ

And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allah. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٩ ] ﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى تَبْلِيغِ التَّوْحِيدِ ﴿مالا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيِ الغَرَضُ عِنْدَكم مِن كُلِّ أمْرٍ، مَحْصُورٌ في حُصُولِ المَعاشِ، وأنا لا أطْلُبُ ذَلِكَ مِنكُمْ، فَتَنَبَّهُوا لِغَرَضِي، وأنْتُمْ عُقَلاءُ بِزَعْمِكم.

ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنْ لا وجْهَ لِكَراهَةِ دَعْوَتِهِ؛ إذْ لا تَنْقُصُهم مِن دُنْياهم شَيْئًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا خِسَّةُ أتْباعِهِ، ولا تَرْتَفِعُ إلّا بِطَرْدِهِمْ، قالَ ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِأنَّهم أهْلُ القُرْبَةِ والمَنزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ، وطَرْدُهم قَدْ يَكُونُ مانِعًا لَهم مِنَ الإيمانِ أوْ لِأمْثالِهِمْ. ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا عَدُوٌّ لِلَّهِ مُناوِئٌ لِأوْلِيائِهِ. ولَوْ كانَ طَرْدُهم سَبَبَ إيمانِكم ولَمْ يَرْتَدُّوا، أخافُ مِن طَرْدِهِمْ شِكايَتَهُمْ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَيُخاصِمُونَ طارِدَهم عِنْدَهُ. أوِ المَعْنى: إنَّهم يُلاقُونَهُ ويَفُوزُونَ بِقُرْبِهِ، فَكَيْفَ أطْرُدُهُمْ؟

ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ خِسَّتَهم لَيْسَتْ مانِعَةً مِنَ الإيمانِ؛ إذْ لا تُلْحِقُهُمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أيْ فَتَخافُونَ لُحُوقَ خِسَّتِهِمْ، لِمُشارَكَتِكم إيّاهم في الإيمانِ مِن جَهْلِكم؛ إذِ الخَسِيسُ لا تُتْرَكُ مُشارَكَتُهُ في كُلِّ شَيْءٍ. أوْ تَجْهَلُونَ ما يَصْلُحُ بِهِ المَرْءُ لِلِقاءِ اللَّهِ، ولا تَعْرِفُونَ اللَّهَ ولا لِقاءَهُ، لِذَهابِ عُقُولِكم في الدُّنْيا. أوْ تَسْفَهُونَ وتُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ، وتَدْعُونَهم أراذِلَ، أوْ تَجْهَلُونَ أنَّهم خَيْرٌ مِنكُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]

ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ طَرْدَهم يَسْتَوْجِبُ عِقابَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ:

30

وَيَٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

And O my people, who would protect me from Allah if I drove them away? Then will you not be reminded?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٠ ] ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾

﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ أيْ: فَإنْ أفادَكم طَرْدُهم تَعَزُّزَكُمْ، فَإنِّي أسْتَوْجِبُ قَهْرَهُ بِطَرْدِهِمْ، ومَن يَدْفَعُهُ عَنِّي؟ وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ الطَّرْدَ ظُلْمٌ مُوجِبٌ لِحُلُولِ السُّخْطِ قَطْعًا، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ إشْعارًا بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَلُوحُ بِهِ مِن كَرامَتِهِمْ بِإيمانِهِمْ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَّعِظُونَ فَتَنْزَجِرُوا عَمّا تَقُولُونَ؟

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُهُمْ: ثَمَرَةُ ذَلِكَ وُجُوبُ تَعْظِيمِ المُؤْمِنِ، وتَحْرِيمِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ، وإنْ كانَ فَقِيرًا عادِمًا لِلْجاهِ، مُتَعَلِّقًا بِالحِرَفِ الوَضِيعَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى كَلامَ نُوحٍ وتَجْهِيلَهُ لِلرُّؤَساءِ، لِما طَلَبُوا طَرْدَ مَن عَدُّوهُ مِنَ الأراذِلِ. وهي نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢]

ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، أُوثِرَ بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ فَلا يَدَّعِي ما لَيْسَ لَهُ، بِقَوْلِهِ:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.