Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 11–20 of 123

11

إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ

Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.

﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ﴾ مِن فَضْلِنا.

ولَمّا كانَ اسْتَمْلاكُهُ العارِيَةَ طَبْعًا لَهُ، لا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا بِمَعُونَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ اللَّهِ. دَلَّ عَلَيْهِ بِما أفْهَمَ أنَّهُ لَوْ كانَ طُولَ عُمْرِهِ في الضُّرِّ ثُمَّ نالَ حالَةً يَرْضاها عَقِبَ زَمَنِ الضُّرِّ سَواءٌ بادَرَ إلى اعْتِقادِ أنَّها هي الحالَةُ الأصْلِيَّةُ لَهُ وأنَّها لا تُفارِقُهُ أصْلًا ولا يَشُوبُها نَوْعُ ضَرَرٍ ولا يُخالِطُ صَفْوَها شَيْءٌ مِن كَدَرٍ فَقالَ دالًّا عَلى اتِّصالِ زَمَنِ الضُّرِّ بِالقَوْلِ بِنَزْعِ الخافِضِ مِنَ الظَّرْفِ: ﴿بَعْدَ ضَرّاءَ﴾ أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ مُضِرٍّ بِبَدَنِهِ، ولَمْ يُسْنِدِ المَسَّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما فَعَلَ في النَّعْماءِ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ فَقالَ: ﴿مَسَّتْهُ﴾ أيْ: بِما كَسَبَتْ يَداهُ ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِالضَّرّاءِ خِفَّةً وطَيْشًا ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ﴾ أيْ: كُلُّ ما يَسُوءُنِي ﴿عَنِّي﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْإنْسانِ، المَعْنى أنَّ الإنْسانَ. فَهي كُلِّيَّةٌ مَشْهُورَةٌ بِمُسْتَغْرَقٍ، أيْ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ أيْ: خارِجٌ عَنِ الحَدِّ في فَرَحِهِ شَدِيدُ الإفْراطِ في فَخْرِهِ عَلى غَيْرِهِ بِكُلِّ نِعْمَةٍ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِها. [لا يَمْلِكُ ضُرَّ نَفْسِهِ ومَنعَها مِن ذَلِكَ] فَلِذا اتَّصَلَ [بِها] قَوْلُهُ مُسْتَثْنِيًا مِنَ الإنْسانِ المُرادِ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ في وقْتِ الشَّدائِدِ وزَوالِ النِّعَمِ رَجاءً لِمَوْلاهم وحُسْنَ ظَنٍّ بِهِ بِسَبَبِ إيمانِهِمُ المُوجِبِ لِتَقَيُّدِهِمْ بِالشَّرْعِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [أيْ] مِن أقْوالِ الشُّكْرِ وأفْعالِهِ عِنْدَ حُلُولِ النِّعَمِ، فَهم دائِمًا مَشْغُولُونَ بِمَوْلاهم شُكْرًا وصَبْرًا، [وهُمُ الَّذِينَ أتَمَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ نِعَمَهُ، وخَلَقَهم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. وهم أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ لِعَظِيمِ جِهادِهِمْ لِنُفُوسِهِمْ فِيما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ وغَيْرِها وشَياطِينِهِمْ.]

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ! أنْتَجَ السِّياقُ مَدْحَهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو المَراتِبِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ إذا وقَعَتْ مِنهم هَفْوَةٌ ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ عَلى صَبْرِهِمْ وشُكْرِهِمْ؛ والذَّوْقُ: تَناوُلُ الشَّيْءِ بِالفَمِ لِإدْراكِ الطَّعْمِ كَما أنَّ الشَّمَّ مُلابَسَةُ الشَّيْءِ الأنْفَ لِإدْراكِ الرّائِحَةِ؛ والنَّزْعُ: رَفْعُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ مِمّا كانَ مُشابِكًا لَهُ كالقَلْعِ \ والقَشْطِ؛ واليَأْسُ: القَطْعُ بِأنَّ الشَّيْءَ لا يَكُونُ، وهو ضِدُّ الرَّجاءِ، ويَئُوسٌ: كَثِيرُ اليَأْسِ، وهو ذَمٌّ لِأنَّهُ لِلْجَهْلِ بِسِعَةِ الرَّحْمَةِ المُوجِبَةِ لِقُوَّةِ الأمَلِ في كُلِّ ما يَجُوزُ في الحِكْمَةِ فِعْلُهُ؛ والنَّعْماءُ: إنْعامٌ يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى صاحِبِهِ، كَما أنَّ الضَّرّاءَ مَضَرَّةٌ تَظْهَرُ الحالُ بِها، لِأنَّها أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ مِن حَمْراءَ وعَوْراءَ مَعَ ما في مَفْهُومِها مِنَ المُبالَغَةِ؛ والسَّيِّئَةُ: ما يَسُوءُ مِن جِهَةِ نُفُورِ طَبْعٍ أوْ عَقْلٍ، وهي هُنا المَرَضُ والفَقْرُ ونَحْوَهُ؛ والفَرَحُ: انْفِتاحُ القَلْبِ بِما يُلْتَذُّ بِهِ؛ وعِبارَةُ البَغَوِيِّ: هو لَذَّةٌ في القَلْبِ بِنَيْلِ المُشْتَهى وهو أعْظَمُ مِن مَلاذِّ الحَواسِّ؛ والفَخْرُ: التَّطاوُلُ بِتَعْدِيدِ المَناقِبِ؛ والصَّبْرُ: حَبْسُ [النَّفْسِ] عَنِ المُشْتَهى مِنَ المَحارِمِ ونَحْوِها، والصَّبْرُ عَلى مُرِّ الحَقِّ يُؤَدِّي إلى الفَوْزِ في الآخِرَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن جَمالٍ في الدُّنْيا؛ والكَبِيرُ واحِدٌ …

12

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌ

Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you, or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allah is Disposer of all things.

ولَمّا اسْتَثْنى سُبْحانَهُ مِنَ الجارِينَ مَعَ الطَّبْعِ الطّائِشِينَ في الهَوى مَن تَحَلّى بِرَزانَةِ الصَّبْرِ النّاشِئِ عَنْ وقارِ العِلْمِ المُثْمِرِ لِصالِحِ العَمَلِ، وكانَ ﷺ رَأْسَ الصّابِرِينَ، وكانَ ما مَضى مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] وتَثَنِّيهِمْ صُدُورَهم أسْبابًا لِضِيقِ صَدْرِهِ ﷺ، فَرُبَّما كانَتْ مَظِنَّةً لِرَجائِهِمْ تَرْكَهُ ﷺ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْهِ مِن عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وتَضْلِيلِ آبائِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ طَمَعًا في إقْبالِهِمْ أوْ خَوْفًا مِن إدْبارِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ما نَراهُ يَذْكُرُ مَن خالَفَ دِينَهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِمِثْلِ الَّذِي يَذْكُرُنا بِهِ مِنَ الشَّرِّ، قالَ تَعالى مُسَبَّبًا عَنْ ذَلِكَ ناهِيًا في صِيغَةِ الخَبَرِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ﴾ أيْ: إشْفاقًا أوْ طَمَعًا ﴿بَعْضَ ما﴾ ولَمّا كانَ المُوحى قَدْ صارَ مَعْلُومًا لَهم وإنْ نازَعُوا فِيهِ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿يُوحى إلَيْكَ﴾ كالإنْذارِ وتَسْفِيهِ أحْلامِ آبائِهِمْ ﴿وضائِقٌ بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ البَعْضِ ﴿صَدْرُكَ﴾ مَخافَةَ رَدِّهِمْ لَهُ إذا بَلَّغْتَهُ لَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ﴾ أيْ: مَخافَةَ أوْ لِأجْلِ أنْ ﴿يَقُولُوا﴾ تَعَنُّتًا ومُغالَبَةً؛ إذْ لَوْ كانُوا مُسْتَرْشِدِينَ لَكَفَتْهم آيَةٌ واحِدَةٌ ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ولِمَ لا ﴿أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ﴾ يَسْتَغْنِي بِهِ ويَتَفَرَّغُ لِما يُرِيدُ، [وبَنَوْهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ مُطْلَقُ حُصُولِهِ]، وكانُوا يَتَهاوَنُونَ بِالقُرْآنِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ الآيَةُ العُظْمى فَكانُوا لا يَعُدُّونَهُ آيَةً عِنادًا ومُكابَرَةً ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ أيْ: لِيُؤَيِّدَ كَلامَهُ ولِيَشْهَدَ لَهُ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِمِثْلِ أقْوالِهِمْ هَذِهِ ويَثْقُلُ عَلَيْهِ أنْ يُلْقِيَ إلَيْهِمْ ما لا يَقْبَلُونَهُ ويَضْحَكُونَ مِنهُ فَحَرَّكَهُ اللَّهُ بِهَذا لِأداءِ الرِّسالَةِ كائِنًا فِيها ما كانَ، فَكانَ المَعْنى: فَإذا تَقَرَّرَ أنَّ الإنْسانَ مَطْبُوعٌ عَلى نَحْوِ هَذا مِنَ التَّقَلُّباتِ، فَلا تَكُنْ مَوْضِعَ رَجائِهِمْ في أنْ تَكُونَ تارِكًا ما يَغِيظُهم مِمّا نَأْمُرُكَ بِهِ، [بَلْ كُنْ] مِنَ الصّابِرِينَ؛ قالَ أهْلُ السِّيَرِ: فَلَمّا بادى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمَهُ بِالإسْلامِ وصَدَعَ بِهِ كَما أمَرَهُ اللَّهُ لَمْ يَبْعُدْ [مِنهُ] قَوْمُهُ ولَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ حَتّى ذَكَرَ آلِهَتَهم وعابَها، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ أعْظَمُوهُ وناكَرُوهُ وأجْمَعُوا خِلافَهُ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ائْتِنا بِكِتابٍ لَيْسَ فِيهِ سَبُّ آلِهَتِنا».

ولَمّا أفْهَمَ هَذا السِّياقُ الإنْكارَ لِما يَفْتُرُ عَنِ الإنْذارِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ [لَهُ]: هَذا الرَّجاءُ المَرْجُوُّ مُنْكَرٌ، والمَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ الرِّسالَةِ النِّذارَةُ لِأنَّها هي الشّاقَّةُ عَلى النُّفُوسِ، وأمّا البِشارَةُ فَكُلُّ مَن قامَ يَقْدِرُ عَلى إبْلاغِها فَلِذا قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ فَبَلِّغْهم ما أُرْسِلْتَ بِهِ فَيَقُولُونَ لَكَ ما يُقَدِّرُهُ اللَّهُ لَهم فَلا يَهُمَّنَّكَ [فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ] وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ تَتَوَصَّلُ إلى رَدِّهِمْ إلى الطّاعَةِ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ بَلِ الوَكِيلُ اللَّهُ الفاعِلُ لِما يَشاءُ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ.

ولَمّا كانَ \ السِّياقُ لِإحاطَتِهِ سُبْحانَهُ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنهم …

13

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَٰتٍۢ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten surahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allah, if you should be truthful."

ولَمّا كانَ ذَوُو الهِمَمِ العَوالِ، لا يُصَوِّبُونَ إلى الكُنُوزِ والأمْوالِ، وكانَ المُلْكُ إنَّما يُرادُ لِتَطْيِيبِ النَّفْسِ بِتَثْبِيتِ الأمْرِ. وكانَ فِيما يَشْهَدُ بِهِ إعْجازُ القُرْآنِ بِبَدِيعِ نَظْمِهِ وباهِرِ حِكَمِهِ وحُكْمِهِ [و] زاجِرِ غَرائِبِهِ ووافِرِ عِلْمِهِ ما يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ، وكانَ في كُلِّ آيَةٍ مِنهُ ما يُبَيِّنُ لِلْفَهْمِ سَفْسافَ قَدْحِهِمْ في الرِّسالَةِ، كانَ مَوْضِعَ الإنْكارِ لَهُ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَقُولُونَ ذَلِكَ تَعَنُّتًا مِنهم واقْتِراحًا وإعْراضًا عَنْ مُعْجِزِ القُرْآنِ فَأعْرِضْ عَنْهُ فَإنَّهُ لا يَضُرُّ في وجْهِ الدَّلِيلِ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ [أيْ مُكَرِّرِينَ] ﴿افْتَراهُ﴾ فَكانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: نَعَمْ، إنَّهم لَيَقُولُونَ ذَلِكَ فَيَقْدَحُونَ في الدَّلِيلِ فَماذا يُقالُ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لَهم عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ ﴿فَأْتُوا﴾ يا مَعاشِرَ العَرَبِ فَإنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ واللِّسانِ والمَوْلِدِ والزَّمَنِ وفِيكم مَن يَزِيدُ عَلِيَّ بِالكِتابَةِ والقِراءَةِ ومُخالَطَةِ العُلَماءِ والتَّعَلُّمِ مِنَ الحُكَماءِ ونَظْمِ الشِّعْرِ واصْطِناعِ الخُطَبِ [و] النَّثْرِ وتَكَلُّفِ الأمْثالِ وكُلِّ ما يُكْسِبُ الشَّرَفَ والفَخْرَ ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ أيْ: قِطَعٍ، كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها تُحِيطُ بِمَعْنًى تامٍّ يُسْتَدَلُّ فِيها عَلَيْهِ ﴿مِثْلِهِ﴾ أيْ: تَكُونُ العَشْرُ مِثْلَ جَمِيعِ القُرْآنِ في طُولِهِ وفي مِثْلِ احْتِوائِهِ عَلى أسالِيبِ البَلاغَةِ وأفانِينِ العُذُوبَةِ والمَتانَةِ والفُحُولَةِ والرَّشاقَةِ حالَ كَوْنِها ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ أيْ: أنَّكم قَدْ عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ أيْ قِطْعَةٍ واحِدَةٍ آيَةٍ أوْ آياتٍ مِن مِثْلِهِ فِيما هو عَلَيْهِ مِنَ البَلاغَةِ والإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ والحِكَمِ والأحْكامِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والأمْثالِ وادَّعَيْتُمْ مُكابَرَةً أنَّهُ مُفْتَرًى فارِغٌ عَنِ الحِكَمِ فَأْتُوا بِعَشْرٍ مِثْلِهِ في مُجَرَّدِ البَلاغَةِ غَيْرَ مُلْزَمِينَ بِحَقائِقِ المَعانِي وصِحَّةِ المَبانِي - ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ عَنِ المُبَرِّدِ، وقَدْ مَضى في البَقَرَةِ عِنْدَ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] عَنِ الجاحِظِ وغَيْرِهِ ما يُؤَيِّدُهُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وشَأْنُ مَن يُرِيدُ تَعْجِيزَ شَخْصٍ أنْ يُطالِبَهُ أوَّلًا بِأنْ يَفْعَلَ أمْثالًا مِمّا يَفْعَلُ هُوَ، ثُمَّ إذا تَبَيَّنَ عَجْزُهُ قالَ: افْعَلْ مَثَلًا واحِدًا - انْتَهى. فَكَأنَّهم تُحُدُّوا أوَّلًا بِجَمِيعِ القُرْآنِ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] أيْ: في التَّحَتُّمِ والتَّطْبِيقِ عَلى الوَقائِعِ وما يَحْدُثُ] ويَتَجَدَّدُ شَيْئًا في إثْرِ شَيْءٍ، ثُمَّ قَطَعَ بَعْدَ عَجْزِهِمْ بِدَوامِ عَجْزِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] - الآيَةَ. تَبْكِيتًا لَهم وإخْزاءً وبَعْثًا عَلى ذَلِكَ وإغْراءً، ثُمَّ تُحُدُّوا فِي سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ مِثْلَ جَمِيعِ القُرْآنِ غَيْرَ مُعْتَنِينَ فِيها بِالتَّفْصِيلِ إلى السُّوَرِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ واسْتِهانَةً بِأمْرِهِمْ، فَلَمّا عَجَزُوا [تُحُدُّوا بِعَشْرٍ مُفْتَراةٍ، ولَمّا خَفَّفَ عَنْهُمُ التَّقَيُّدَ بِصِدْقِ المَعْنى وحَقِيقَةِ المَبانِي، ألْزَمَهم بِما خَفَّفَهُ عَنْهم في يُونُسَ مِنَ التَّفْصِيلِ ولَمْ يُخْلِهِمْ مِنَ التَّخْفِيفِ إشارَةً إلى هَوانِ أمْرِهِمْ واحْتِقارِ شَأْنِهِمْ بِأنْ جَعَلَها إلى عَشْرٍ فَقَطْ، فَلَمّا عَجَزُوا] أُعِيدَ في المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ لِأجْلِ أهْلِ الكِتابِ تَحَدِّيهِمْ بِسُورَةٍ، …

14

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

And if they do not respond to you - then know that the Qur'an was revealed with the knowledge of Allah and that there is no deity except Him. Then, would you [not] be Muslims?

ولَمّا كانَ أدْنى دَرَجاتِ الِافْتِراءِ إتْيانُ الإنْسانِ بِكَلامٍ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ عِلْمِهِ، وكانَ عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى أنَّهم لَمْ يَصِلُوا إلى شَيْءٍ مِن كَلامِهِ تَعالى بِغَيْرِ عِلْمِهِ ولا وجَدُوا مُكافِئًا لَهُ يَأْتِيهِمْ بِمِثْلِهِ، ثَبَتَ قَطْعًا أنَّ هَذا القُرْآنَ غَيْرُ مُفْتَرًى، فَقالَ تَعالى مُخاطِبًا لِلْجَمِيعِ [بِخِلافِ ما في القَصَصِ] إشارَةً إلى وُضُوحِ الأمْرِ [لا سِيَّما في الِافْتِراءِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ] وأنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ وصَلُوا مِن ذُلِّ التَّبْكِيتِ بِالتَّحَدِّي مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وزُورِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ في ذَلِكَ المِضْمارِ كَرَّةً في أثَرِ كَرَّةٍ إلى حَدٍّ مِنَ العَجْزِ لا يَقْدِرُونَ مَعَهُ عَلى النُّطْقِ في ذَلِكَ بِبِنْتِ شَفَةٍ: ﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيْ: يَطْلُبُوا إجابَتَكم ويُوجِدُوها ﴿فاعْلَمُوا﴾ أيُّها النّاسُ كافَّةً ﴿أنَّما أُنْـزِلَ﴾ أيْ: [ما] وقَعَ إنْزالُ هَذا القُرْآنِ خاصَّةً [إلّا مُلْتَبِسًا] ﴿بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا بِمُقْتَضى أنَّ مُحَمَّدًا واحِدٌ مِنهم تَمْنَعُ العادَةُ أنْ يَعْثُرَ دُونَ جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ عَلى ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ رَبُّهُ مِن كَلامِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مُخْتَرِعًا لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”يَسْتَجِيبُوا“ لِ ”مَن“ ”مَنِ اسْتَطَعْتُمْ“ و”لَكم“ لِلْمُشْرِكِينَ، وكَذا في قَوْلِهِ: فاعْلَمُوا و”أنْتُمْ“ ﴿وأنْ﴾ أيْ: واعْلَمُوا أنْ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَإنَّهُ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ لَكافَأهُ في الإتْيانِ بِمِثْلِ كَلامِهِ وفِيهِ تَهْدِيدٌ وإقْناطٌ مِن أنْ يُجِيرَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ آلِهَتُهم.

ولَمّا كانَ هَذا دَلِيلًا قَطْعِيًّا عَلى ثُبُوتِ القُرْآنِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ أتَمَّ انْقِيادٍ.

15

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ

Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein, and they therein will not be deprived.

ولَمّا كانَ في هَذا مِنَ الحَثِّ عَلى الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ والدُّخُولِ فِيهِ والوَعِيدِ عَلى التَّقاعُسِ عَنْهُ ما مِن حَقِّ السّامِعِ أنْ يُبادِرَ إلَيْهِ، وكانَ حَقُّ المُسْلِمِ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا لِسُوءِ عاقِبَتِها، وكانَ أعْظَمُ المَوانِعِ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ التَّصْدِيقِ اسْتِيلاءَ أحْوالِ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ تَعَنَّتُوا بِالكَنْزِ، أشارَ إلى عَواقِبِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ﴾ أيْ: بِقَصْدِهِ وأعْمالِهِ مِنَ الإحْسانِ إلى النّاسِ وغَيْرِهِ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: ورَضِيَ بِها مَعَ دَناءَتِها مِنَ الآخِرَةِ عَلى عُلُوِّها وشَرَفِها ﴿وزِينَتَها﴾ فَأخْلَدَ إلَيْها لِحُضُورِها ونَسِيَ ما يُوجِبُ الإعْراضَ عَنْها مِن فَنائِها [وكَدَرِها] ﴿نُوَفِّ﴾ مُوَصِّلِينَ ﴿إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَزاءَها ﴿فِيها﴾ أيِ الدُّنْيا بِالجاهِ والمالِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وهم فِيها﴾ أيْ: في الأعْمالِ أوِ الدُّنْيا ﴿لا يُبْخَسُونَ﴾ أيْ: لا يُنْقَصُ شَيْءٌ مِن جَزائِهِمْ فِيها، وأمّا أبْدانُهم وأرْواحُهم وأدْيانُهم فَكُلُّها بَخْسٌ في الدّارَيْنِ مَعًا، وفي الجُمْلَتَيْنِ بَيانُ سَبَبِ حَبْسِ العَذابِ عَنْهم في مُدَّةِ إمْهالِهِمْ مَعَ سُوءِ أعْمالِهِمْ.

16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein, and worthless is what they used to do.

ولَمّا بَيَّنَ حالَهم في الدُّنْيا، بَيَّنَ حالَهم في الأُخْرى مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ إلى أنَّهم أهْلُ البُعْدِ واللَّعْنَةِ والطَّرْدِ في قَوْلِهِ نَتِيجَةً لِما قَبْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ﴾ أيْ: شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ ﴿فِي الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ أيْ: لِسُوءِ أعْمالِهِمْ واسْتِيفائِهِمْ جَزاءَها في الدُّنْيا ﴿وحَبِطَ﴾ [أيْ بَطَلَ وفَسَدَ] ﴿ما صَنَعُوا فِيها﴾ أيْ مَصْنُوعُهم أوْ صُنْعُهم أيْ لِبِنائِهِ عَلى غَيْرِ أساسٍ؛ ولَمّا كانَ تَقْيِيدُ الحُبُوطِ بِالآخِرَةِ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ شَيْءٌ في نَفْسِهِ قالَ: ﴿وباطِلٌ﴾ أيْ: ثابِتُ البُطْلانِ في كُلٍّ مِنَ الدّارَيْنِ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مَعْمُولُهم أوْ عَمَلُهم وإنْ دَأبُوا فِيهِ دَأْبَ مَن هو مَطْبُوعٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ صُورَةٌ لا مَعْنى لَها لِبِنائِهِ عَلى غَيْرِ أساسٍ؛ والزِّينَةُ: تَحْسِينُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ مِن لُبْسَةٍ أوْ حِلْيَةٍ أوْ هَيْئَةٍ؛ والتَّوْفِيَةُ: تَأْدِيَةُ الحَقِّ عَلى تَمامٍ؛ وحُبُوطُ العَمَلِ: بُطْلانُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبِطَ بَطْنُهُ - إذا فَسَدَ بِالمَأْكَلِ الرَّدِيءِ.

17

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

So is one who [stands] upon a clear evidence from his Lord [like the aforementioned]? And a witness from Him follows it, and before it was the Scripture of Moses to lead and as mercy. Those [believers in the former revelations] believe in the Qur'an. But whoever disbelieves in it from the [various] factions - the Fire is his promised destination. So be not in doubt about it. Indeed, it is the truth from your Lord, but most of the people do not believe.

ولَمّا اتَّضَحَتِ الحُجَجُ وانْتَهَضَتِ الدَّلائِلُ فَأغْرَقَتْهم عَوالِي اللُّجَجِ، كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ الإنْكارِ عَلى مَن يُسَوِّي بَيْنَ المُهْتَدِي والمُعْتَدِي، فَكَيْفَ يُفَضَّلُ إمّا بِاعْتِبارِ النَّظَرِ إلى الرِّئاسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ غَفْلَةً مِن حَقائِقِ الأُمُورِ أوْ عِنادًا كَمَن قالَ مِنَ اليَهُودِ \ لِلْمُشْرِكِينَ: أنْتُمْ أهْدى مِنهُمْ، فَقالَ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ وحُجَّةٍ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ بِما آتاهُ مِن نُورِ البَصِيرَةِ وصَفاءِ العَقْلِ فَهو يُرِيدُ الآخِرَةَ ويَبْنِي أفْعالَهُ عَلى أساسٍ ثابِتٍ ﴿ويَتْلُوهُ﴾ أيْ: ويَتَّبِعُ هَذِهِ البَيِّنَةَ ﴿شاهِدٌ﴾ هو القُرْآنُ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِن رَبِّهِ، أوْ تَأيَّدَ ذَلِكَ البُرْهانُ بِرِسالَةِ رَسُولٍ عَرَبِيٍّ بِكَلامٍ مُعْجِزٍ وكانَ ”مِن قَبْلِهِ“ أيْ: هَذا الشّاهِدِ مُؤَيِّدًا لَهُ ﴿كِتابُ مُوسى﴾ أيْ: شاهِدٌ [أيْضًا] وهو التَّوْراةُ حالَ كَوْنِهِ ﴿إمامًا﴾ يَحِقُّ الِاقْتِداءُ بِهِ ﴿ورَحْمَةً﴾ أيْ: لِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ. ولَمّا كانَ الجَوابُ ظاهِرًا حَذَفَهُ، وتَقْدِيرُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ: كَمَن هو عَلى الضَّلالَةِ فَهو يُرِيدُ الدُّنْيا فَهو يَفْعَلُ مِنَ المَكارِمِ ما لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى أساسٍ صَحِيحٍ، فَيَكُونُ في دارِ البَقاءِ والسَّعادَةِ هَباءً مَنثُورًا؛ ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي عَلى البَيِّنَةِ عَظِيمًا، ولَمْ يَكُنْ يُرادُ بِهِ واحِدًا بِعَيْنِهِ، اسْتَأْنَفَ البَيانَ لِعُلُوِّ مَقامِهِ بِأداةِ الجَمْعِ بِشارَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ بِكَثْرَةِ أُمَّتِهِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ بِكَوْنِهِمْ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وتَأيَّدَ هُداهم بِشاهِدٍ مِن قَبْلِهِ وشاهِدٍ مِن بَعْدِهِ مُصَدِّقٍ لَهُ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِهَذا القُرْآنِ الَّذِي هو الشّاهِدُ ولا يَنْسُبُونَ الآتِيَ بِهِ إلى أنَّهُ افْتَراهُ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أيْ: بِهَذا الشّاهِدِ ﴿مِنَ الأحْزابِ﴾ مِن جَمِيعِ الفِرَقِ وأهْلِ المِلَلِ سَواءً، سَوّى بَيْنِ الفَرِيقَيْنِ جَهْلًا أوْ عِنادًا ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: وعِيدُهُ ومَوْضِعُ وعِيدِهِ يَصْلى سَعِيرَها ويُقاسِي زَمْهَرِيرَها.

ولَمّا عَمَّ بِوَعِيدِ النّارِ، اشْتَدَّ تَشَوُّفُ النَّفْسِ لِما سُبِّبَ عَنْهُ فَقَرُبَ إزالَةُ ما حَمَلَتْ مِن ذَلِكَ بِالإيجازِ، فاقْتَضى الأمْرُ حَذْفَ نُونِ ”تَكُنْ“ فَقِيلَ: ﴿فَلا تَكُ﴾ أيْ: أيُّها المُخاطَبُ الأعْظَمُ ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ أيْ: شَكٍّ عَظِيمٍ [ووَهْمٍ] ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ ولا يَضِيقُ صَدْرُكَ عَنْ إبْلاغِهِ، أوْ مِنَ الوَعْدِ الَّذِي هو النّارُ والخَيْبَةُ وإنْ أنْعَمْنا عَلى المُتَوَعَّدِ بِذَلِكَ ونَعَّمْناهُ في الدُّنْيا؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ القُرْآنَ أوِ المَوْعِدَ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلُ، وزادَ في التَّرْغِيبِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ عَلَيْكَ.

ولَمّا كانَ كَوْنُهُ حَقًّا سَبَبًا يَعْلَقُ الأمَلُ بِإيمانِ كُلِّ مَن سَمِعَهُ، قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في حَيِّزِ الِاضْطِرابِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِأنَّهُ حَقٌّ لا لِكَوْنِ الرَّيْبِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ بَلْ لِما عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَّيْنِ ويَؤُولُونَ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ المُعَدِّ لَهم مِمَّنْ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ ولا يُنْسَبُ الظُّلْمُ إلَيْهِ، والقَصْدُ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ الحَثُّ عَلى ما حَثَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] مِنَ الإقْبالِ عَلى الدِّينِ الحَقِّ عَلى وجْهٍ مُبَيِّنٍ لِسَخافَةِ عُقُولِ المُمْتَرِينَ ورَكاكَةِ آرائِهِمْ.

18

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

And who is more unjust than he who invents a lie about Allah? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allah is upon the wrongdoers.

ولَمّا كانَ الكافِرُونَ قَدْ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِما أحْدَثُوهُ مِنَ الدِّينِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وما نَسَبُوا إلَيْهِ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الِافْتِراءِ، أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ أنِ اخْتَلَقَ مُتَكَبِّرًا ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿كَذِبًا﴾ الآيَةَ. وهو مَوْضِعُ ضَمِيرٍ لَوْ أتى بِهِ لَقِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ ظُلْمًا مِنهُمْ، ومَن أظْلَمُ مِنهم أيْ هم أظْلَمُ الظّالِمِينَ، فَأتى بِهَذا الظّاهِرِ بَيانًا لِما كَفَرُوا بِهِ؛ لِأنَّهُ إذا عُلِّقَ الحُكْمُ بِالوَصْفِ دَلَّ عَلى أنَّهُ عِلَّتُهُ.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم أظْلَمُ، أتْبَعَهُ جَزاءَهم بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿أُولَئِكَ﴾ المُسْتَحِقُّو البُعْدِ؛ ولَمّا كانَ نَفْسُ العَرَضِ مَخُوفًا، بَنى لِلْمَجْهُولِ قَوْلَهُ: ﴿يُعْرَضُونَ﴾ [أيْ] لِذَلِكَ ولِدَلالَةٍ عَلى أنَّهم عَلى صِفَةِ الهَوانِ ومُسْتَسْلِمُونَ لِكُلِّ عارِضٍ، فَعَرْضُهم في غايَةِ السُّهُولَةِ ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَشْكُرُوهُ، العالِمُ بِالخَفايا فَيُفْتَضَحُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِما قابَلُوا بِهِ إحْسانَهُ مِنَ اللَّوْمِ ﴿ويَقُولُ﴾ [عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ] ﴿الأشْهادُ﴾ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالكُتُبِ الشّاهِدِ بَعْضُها لِبَعْضٍ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] والمَلائِكَةُ الَّذِينَ \ شَهِدُوا أعْمالَهم ومِن أعْضائِهِمْ حِينَ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴿هَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ بِأداةِ القُرْبِ إلى تَحْقِيرِهِمْ ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا﴾ مُتَكَبِّرِينَ ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ في ادِّعاءِ الشَّرِيكِ والوَلَدِ والتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ وغَيْرِ ذَلِكَ [بِما عَراهم مِن إحْسانِهِ وطُولِ حِلْمِهِ]، وفي الإتْيانِ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ غايَةُ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ، فَتَكَرَّرَتْ بِهَذا القَوْلِ فَضِيحَتُهم عِنْدَ جِنْسِهِمْ وبُعْدُهم عَنْ كُلِّ مَن سَمِعَ هَذا الكَلامَ؛ لِأنَّهُ لا أبْعَدَ عَنِ القُلُوبِ مِنَ الكاذِبِ فَكَيْفَ بِالمُجْتَرِئِ بِالكَذِبِ عَلى الرُّؤَساءِ فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ الَّذِي رَبّاهم وكُلٌّ مِن أهْلِ المَوْقِفِ مُرْتَقِبٌ بِرَّهُ خائِفٌ مِنَ انْتِقامِهِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم بَعْدَ هَذا العَذابِ العَظِيمِ بِهَذِهِ الفَضِيحَةِ؟ فَقِيلَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ وهي طَرْدُ المَلِكِ الأعْظَمِ وإبْعادُهُ، وانْظُرْ إلى تَهْوِيلِ الأمْرِ بِاسْمِ الذّاتِ ما أشَدَّهُ ﴿عَلى الظّالِمِينَ﴾ فَكَيْفَ بِأظْلَمِ الظّالِمِينَ،

19

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ

Who averted [people] from the way of Allah and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.

ثُمَّ فَصَّلَ ظُلْمَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ أيْ: يُعْرِضُونَ في أنْفُسِهِمْ ويَمْنَعُونَ غَيْرَهم ﴿عَنْ سَبِيلِ﴾ أيْ دِينِ ﴿اللَّهِ﴾ أيِ [المَلِكِ] الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ مَعَ أنَّهُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ ﴿ويَبْغُونَها﴾ أيْ: يُرِيدُونَ بِطَرِيقِ الدِّينِ الواسِعَةِ السَّهْلَةِ ﴿عِوَجًا﴾ بِإلْقاءِ الشُّبَهاتِ والطَّعْنِ في الدَّلائِلِ مَعَ كَوْنِها في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ.

ولَمّا كانَ النَّظَرُ شَدِيدًا إلى بَيانِ كَذِبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، بُولِغَ في تَأْكِيدِ قَوْلِهِ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ: بِضَمائِرِهِمْ وظَواهِرِهِمْ؛ ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم بِالآخِرَةِ شَدِيدًا، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿بِالآخِرَةِ﴾ وأعادَ الضَّمِيرَ تَأْكِيدًا لِتَعْيِينِهِمْ وإثْباتِ غايَةِ الفَسادِ لِبَواطِنِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِمَزِيدِ الكُفْرِ [فَقالَ]: ﴿هم كافِرُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ؛ والعَرْضُ: إظْهارُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يُرى لِلتَّوْقِيفِ عَلى حالَةٍ؛ والصَّدُّ: المَنعُ بِالإغْراءِ الصّارِفِ عَنِ الأمْرِ؛ والبُغْيَةُ: طَلَبُ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وهي إرادَةُ وِجْدانِ المَعْنى بِما يُطْمَعُ فِيهِ؛ والعِوَجُ: العُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، وهو في المَعْنى كالدِّينِ بِالكَسْرِ، وفي غَيْرِهِ كالعَوْدِ بِالفَتْحِ فَرْقًا بَيْنَ ما يُرى وما لا يُرى، جَعَلُوا السَّهْلَ لِلسَّهْلِ والصَّعْبَ لِلصَّعْبِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في النَّجْوى: ««يُدْنى المُؤْمِنُ مِن رَبِّهِ حَتّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهُ: تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا؟ يَقُولُ: أعْرِفُ رَبِّ أعْرِفُ - مَرَّتَيْنِ، ويَقُولُ: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُّنْيا وأغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ، ثُمَّ يَطْوِي صَحِيفَةَ حَسَناتِهِ، وأمّا الآخَرُونَ أوِ الكُفّارُ فَيُنادى عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]»

20

أُو۟لَٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ

Those were not causing failure [to Allah] on earth, nor did they have besides Allah any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.

ولَمّا هَدَّدَهم بِأُمُورِ الآخِرَةِ، أشارَ إلى بَيانِ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ في الدّارَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ عَنْ حَضْرَةِ الرَّحْمَةِ ﴿لَمْ يَكُونُوا﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿مُعْجِزِينَ﴾ وأشارَ إلى عَجْزِهِمْ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى بُلُوغِ العالَمِ العُلْوِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: ما كانَ الإعْجازُ - وهو الِامْتِناعُ مِن مُرادِ اللَّهِ - لَهم ولا هو في قُدْرَتِهِمْ، لِأنَّ قَدْرَهُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ.

ولَمّا نَفى التَّعَذُّرَ بِأنْفُسِهِمْ، نَفاهُ مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ فَقالَ: ﴿وما كانَ لَهُمْ﴾ ولَمّا كانَتِ الرُّتَبُ الَّتِي [هِيَ] دُونَ عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ مُتَكاثِرَةً جِدًّا، بَيَّنَ أنَّهم مَعْزُولُونَ عَنْ كُلٍّ مِنها بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ مَعَهم ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مِن تَوَلِّي المَصالِحِ والحِمايَةِ مِنَ المَصائِبِ، ومَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى الِامْتِناعِ وهو حَيٌّ لَمْ يَمْتَنِعْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يُفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿يُضاعَفُ﴾ أيْ: يُفْعَلُ فِيهِ فِعْلَ مَن يُناظِرُ آخَرَ في الزِّيادَةِ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَرْجِعَ وُجُودُ المُضاعَفَةِ مُطْلَقًا ﴿لَهُمُ العَذابُ﴾ [أيْ] بِما كانُوا يُضاعِفُونَ المَعاصِيَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ سَبَبَ المُضاعَفَةِ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهم سَمْعًا وبَصَرًا فَضَيَّعُوهُما بِتَصامِّهِمْ عَنِ الحَقِّ وتَعامِيهِمْ عَنْهُ، فَكَأنَّ لا فَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ فاقِدِهِما فَقالَ: ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: بِما لَهم مِن فَسادِ الجِبِلّاتِ ﴿يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أيْ: يَقْدِرُونَ لِما غَلَبَ عَلى فِطَرِهِمُ الأُولى السَّلِيمَةِ بِانْقِيادِهِمْ لِلْهَوى مِنَ التَّخَلُّقِ \ بِنَقائِصِ الشَّهَواتِ عَلى أنْ تُوجَدَ طاعَتُهُ لَهم فَما كانُوا يَسْمَعُونَ ﴿وما كانُوا﴾ يَسْتَطِيعُونَ الإبْصارَ فَما كانُوا ﴿يُبْصِرُونَ﴾ حَتّى يُعْرِضُوا عَنِ الشَّهَواتِ فَتُوجَدُ اسْتِطاعَتُهم لِلسَّمْعِ [والإبْصارِ]، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ وأنَّ شِدَّةَ إعْراضِهِمْ عَنْهُ وصَلَتْ إلى حَدٍّ صارَتْ فِيهِ تُوصَفُ بِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ كَما يَقُولُ الإنْسانُ لَمّا تَشْتَدُّ كَراهَتُهُ لَهُ: هَذا مِمّا لا أسْتَطِيعُ أنْ أسْمَعَهُ، وتَكُونُ المُضاعَفَةُ بِالكُفْرِ والصَّدِّ، ونَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ أعْرَقُ في العَيْبِ وأدَلُّ عَلى النَّقْصِ وأنْكَأُ مِن نَفْيِ السَّمْعِ لِأنَّهم قَدْ يَحْمِلُونَهُ عَلى الإجابَةِ، وأمّا نَفْيُ البَصَرِ فَغَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ النَّقْصِ سَواءٌ كانَ لِلْعَيْنِ أوْ لِلْقَلْبِ، هَذا إنْ لَمْ تُخَرَّجِ الآيَةُ عَلى الِاحْتِباكِ، وإنْ خُرِّجَتْ عَلَيْهِ اسْتَوى الأمْرانِ، وصارَ نَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ أوَّلًا دالًّا عَلى نَفْيِها ثانِيًا، ونَفْيُ الإبْصارِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ السَّمْعِ أوَّلًا.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.