Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 111–120 of 123

111

وَإِنَّ كُلًّۭا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

And indeed, each [of the believers and disbelievers] - your Lord will fully compensate them for their deeds. Indeed, He is Acquainted with what they do.

﴿وإنَّ كُلا﴾ مِنَ المُخْتَلِفِينَ في الحَقِّ مِن قَوْمِ مُوسى وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هو عَلى الحَقِّ ومِمَّنْ هو عَلى الباطِلِ؛ و”إنَّ“ عِنْدَ نافِعٍ وابْنٍ كَثِيرٍ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ عامِلَةٌ مَعَ [تَخْفِيفِها] مِنَ الثَّقِيلَةِ في قِراءَةِ غَيْرِهِمُ اعْتِبارًا بِأصْلِها ”لَمّا“ هي في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وعاصِمٍ بِالتَّشْدِيدِ الجازِمَةُ حُذِفَ فِعْلُها - قالَ ابْنُ الحاجِبِ: وهو شائِعٌ فَصِيحٌ، وفي قِراءَةِ غَيْرِهِمْ بِالتَّخْفِيفِ مُرَكَّبَةٌ مِن لامِ الِابْتِداءِ و”ما“ المُؤَكَّدَةِ بِنَفْيِ نَقِيضِ ما أثْبَتَهُ الكَلامُ لِيَكُونَ ثُبُوتُهُ مَعَ نَفْيِ نَقِيضِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ.

ولَمّا كانَ الشَّرْطُ في حَذْفِ الفِعْلِ بَعْدَ ”لَمّا“ الجازِمَةِ أنْ يَكُونَ مِمّا يُتَوَقَّعُ بِوُقُوعِ فِعْلٍ قَبْلَها يَدُلُّ عَلَيْهِ، كانَ التَّقْدِيرُ: يَقْضِ بَيْنَهُمْ، وسَيَقْضِي وهُوَ مَعْنى ما قُرِنَ بَعْدَها بِلامِ القَسَمِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِإقامَتِكَ عَلى المِنهاجِ الأعْدَلِ والفَضْلِ مِنَ العِبادِ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ لا يَدْعُ مِنها شَيْئًا لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، والسِّياقُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ”ما“ في ”لَمّا“ في قِراءَةِ التَّخْفِيفِ لِلتَّأْكِيدِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ النّافِيَ إذا زِيدَ في سِياقِ الإثْباتِ كانَ كَأنَّهُ نَفْيُ النَّقِيضِ تَأْكِيدًا لِمُثْبَتٍ.

﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ﴾ قَدَّمَ الظَّرْفَ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ ﴿خَبِيرٌ﴾

112

فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allah], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.

فَإذا عَلِمَتْ أنَّ شَأْنَكَ في أُمَّتِكَ شَأْنُ الرُّسُلِ في أُمَمِهِمْ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِاخْتِلافِ في شَأْنِ الرَّسُولِ والكِتابِ كَما جَرَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ وأنَّ الجَزاءَ بِالأعْمالِ كُلِّها لا بُدَّ مِنهُ ﴿فاسْتَقِمْ﴾ أيْ: أوْجِدِ القَوْمَ بِغايَةِ جُهْدِكَ بِسَبَبِ أنَّكَ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وأنَّ الَّذِي أرْسَلَكَ لا يَغْفُلُ عَنْ شَيْءٍ، ومَنِ اسْتَقامَ اسْتُقِيمَ لَهُ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَقْطُوعِ بِهِ أنَّ الآمِرَ لَهُ ﷺ مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أيْ: كَما اسْتَقامَ إخْوانُكَ مِنَ الأنْبِياءِ في جَمِيعِ الأُصُولِ والفُرُوعِ سَواءٌ كانَ في نَفْسِكَ أوْ في تَبْلِيغِ غَيْرِكَ مُعْتَدِلًا بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ ولا يَضِيقُ صَدْرُكَ مِنَ اسْتِهْزائِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ واقْتِراحِهِمْ لِلْآياتِ وإرادَتِهِمْ أنْ تَتْرُكَ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ مِنَ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ والعَيْبِ لِدِينِهِمْ بَلْ صارِحْهم بِالأمْرِ واتْرُكْهم وأهْواءَهُمْ، نَحْنُ نُدَبِّرُ الأمْرَ كَما نُرِيدُ عَلى حَسَبِ ما نَعْلَمُ.

ولَمّا كانَ الفاصِلُ بَيْنَ [المَعْطُوفِ و] المَعْطُوفِ عَلَيْهِ يَقُومُ مَقامَ تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن﴾ أيْ: ولْيَسْتَقِمْ أيْضًا مَن ﴿تابَ﴾ عَنِ الكُفْرِ مُؤْمِنًا ﴿مَعَكَ﴾ عَلى ما أُمِرُوا تارِكِينَ القَلَقَ مِنَ اسْتِبْطائِهِمْ لِلنُّصْرَةِ كَما رَوى البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ خِبابِ بْنِ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً في ظِلِّ الكَعْبَةِ وقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْنا: ألا تَدْعُو اللَّهَ لَنا، فَقَعَدَ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ فَقالَ: كانَ الرَّجُلُ فِيمَن كانَ قَبْلَكم يُحْفَرُ لَهُ في الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجاءُ بِالمِنشارِ فَيُوضَعُ فَوْقَ رَأْسِهِ فَيَشُقُّ بِاثْنَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ [ويُمْشَطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أوْ عَصَبٍ وما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ] واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذا الأمْرَ حَتّى يَسِيرَ الرّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخافُ إلّا اللَّهَ والذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ ولَكِنَّكم تَسْتَعْجِلُونَ»؛ «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ آيَةٌ أشَدُّ ولا أشَقُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ». والِاسْتِقامَةُ: الِاسْتِمْرارُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ.

ولَمّا كانَتْ وسَطًا بَيْنَ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ وكانَ التَّفْرِيطُ لا يَكادُ يَسْلَمُ مِنهُ إلّا الفَرْدُ النّادِرُ، وهو في الأغْلَبِ يُورِثُ انْكِسارَ النَّفْسِ واحْتِقارَها والخَوْفَ مِنَ اللَّهِ، وكانَ الإفْراطُ يُورِثُ إعْجابًا، ورُبَّما أفْضى بِالإنْسانِ إلى ظَنِّ أنَّهُ شارِعٌ فَيَنْسَلِخُ لِذَلِكَ مِنَ الدِّينِ، طَوى التَّفْرِيطَ ونَهى عَنِ الإفْراطِ فَقالَ: ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ أيْ: تَتَجاوَزُوا الحَدَّ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ أوْ نُهِيتُمْ عَنْهُ بِالزِّيادَةِ إفْراطًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أمَرَكم ونَهاكم لِتَهْذِيبِ نُفُوسِكم لا لِحاجَتِهِ إلى ذَلِكَ ولَنْ تُطِيقُوا أنْ تَقْدِرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. والدِّينُ مَتِينٌ لَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ، فَقَدْ رَضِيَ مِنكم سُبْحانَهُ الِاقْتِصادَ في العَمَلِ مَعَ حُسْنِ المَقاصِدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تُبْطِرْكُمُ النِّعْمَةُ فَتُخْرِجْكم عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ يُمْنَةً أوْ يُسْرَةً.

113

وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ

And do not incline toward those who do wrong, lest you be touched by the Fire, and you would not have other than Allah any protectors; then you would not be helped.

ولَمّا نَهى عَنِ الإفْراطِ وهو الزِّيادَةُ تَصْرِيحًا، فَأفْهَمَ النَّهْيَ عَنِ التَّفْرِيطِ، وهو النَّقْصُ عَنِ المَأْمُورِ تَلْوِيحًا مِن بابِ الأوْلى، عَلى ذَلِكَ مُؤَكَّدًا تَنْزِيلًا لِمَن يُفَرِّطُ أوْ يُفْرِطُ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١١٢] قَدَّمَ الظَّرْفَ لِما تَقَدَّمَ مِن تَأْكِيدِ الإبْصارِ ﴿بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] ومادَّةُ ”طَغى“ واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى مُجاوَزَةِ الحَدِّ مَعَ العُلُوِّ، فالغِطاءُ: ما سُتِرَ بِهِ الشَّيْءُ عالِيًا عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ ساتِرًا لِجَمِيعِهِ إلّا إذا فَضَلَ عَنْهُ فَتَجاوَزَ حَدَّهُ، وغَطّى اللَّيْلُ - إذا غَشى، وكُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَعَ فَهو غاطٍ. وطَغى السَّيْلُ - إذا جاءَ بِماءٍ كَثِيرٍ، والبَحْرُ: هاجَتْ أمْواجُهُ، والطُّغْيانُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في العِصْيانِ، والغائِطُ والغَيْطُ: المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ ما كانَ كَذَلِكَ وكانَتْ أرْضُهُ طَيِّبَةً كانَتْ لا تَزالُ رَيًّا فَيَعْلُو ما نَبَتَ فِيها ويَخْصُبُ فَيَتَجاوَزُ الحَدَّ في ذَلِكَ، ومِنهُ الغُوطَةُ - لِمَوْضِعٍ بِالشّامِ كَثِيرِ الماءِ والشَّجَرِ.

ولَمّا نَهى عَنِ الإفْراطِ في الدِّينِ، أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنِ التَّفْرِيطِ بِالتَّقْصِيرِ فِيهِ بِسُفُولِ الهِمَمِ [عَلى وجْهٍ عامٍّ، وكانَ الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ مِنهُ أوْثَقَ عُرى الإيمانِ، إشارَةً إلى ضِدِّهِ الَّذِي هو أوْثَقُ عُرى الشَّيْطانِ] فَقالَ: ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾ أيْ: شَيْئًا مِن رُكُونٍ، وقالَ: ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: وُجِدَ مِنهُمُ الظُّلْمُ ولَمْ يَقُلِ الظّالِمِينَ، أيْ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ بِأنْ تَثاقَلَ أنْفُسُكم نَحْوَهم لِلْمَيْلِ إلى أعْمالِهِمْ ولَوْ بِالرِّضى بِهِ والتَّشَبُّهِ بِهِمْ والتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ، وحاصِلُ الآيَتَيْنِ: لا تَظْلِمُوا بِأنْفُسِكم ولا تَسْتَحْسِنُوا أفْعالَ الظّالِمِينَ، وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الرُّكُونَ بِالمَيْلِ اليَسِيرِ، وهو حَسَنٌ مِن جِهَةِ المَعْنى لَكِنِّي لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وقالَ الرُّمّانِيُّ - وهو أقْرَبُ-: الرُّكُونُ: السُّكُونُ إلى الشَّيْءِ بِالمَحَبَّةِ والِانْصِبابُ إلَيْهِ، ونَقِيضُهُ النُّفُورُ عَنْهُ. وهو عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي في ﴿تَطْغَوْا﴾ [هود: ١١٢] مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والآيَةُ مُلْتَفِتَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ رُكُونِكم إلَيْهِمْ مَسُّها لَكم فَلا تَقْدِرُوا عَلى التَّخَلُّصِ مِنها بِنَوْعِ حِيلَةٍ مِن أنْفُسِكُمْ؛ [و] مِن إجْلالِ النَّبِيِّ ﷺ إفْرادُهُ بِالخِطابِ في الأمْرِ بِأفْعالِ الخَيْرِ، والإتْيانُ بِضَمِيرِ الجَمْعِ في النَّهْيِ عَنْ أفْعالِ الشَّرِّ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الإمامُ أبُو حَيّانَ.

ولَمّا كانَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ في قَهْرِهِ وتَحْتَ أمْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وما لَكُمْ﴾ ولَمّا كانَ دُونَ رُتْبَتِهِ تَعالى مِنَ الرُّتَبِ والذَّواتِ ما لا يُحْصِيهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، أدْخَلَ الجارَّ تَبْعِيضًا فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: يُخَلِّصُونَكم مِن عَذابِهِ لِما تَقَرَّرَ أنَّ ﴿دُونِ﴾ مِنَ الأدْوَنِ وهو الأقْرَبُ إلى جِهَةِ السُّفْلِ؛ والوَلِيُّ: المُخْتَصُّ بِأنَّ مِن شَأْنِهِ تَوَلِّي \ المَعُونَةِ عِنْدَ الحاجَةِ، وأشارَ إلى أنَّ نَصْرَ مَن لا ناصِرَ لَهُ مِنَ اللَّهِ مُحالٌ بِأداةِ البُعْدِ وبِناءٍ لِلْمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ إذا فاتَكم هَذا وذاكَ فَما أبْعَدَكم مِنَ …

114

وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ

And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.

ولَمّا كانَ العِلْمُ حاصِلًا بِما سَبَقَ مِنَ الحُكْمِ مِن أنَّ الآدَمِيَّ مَحَلُّ العَجْزِ والتَّقْصِيرِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأعْلى مُكَفِّرٍ لِما يُوجِبُهُ العَجْزُ ويَقْضِي بِهِ الفُتُورُ والوَهْنُ مِنَ الصَّغائِرِ وأعَمِّهِ وأجْلَبِهِ لِلِاسْتِقامَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها بَعْدَ الإيمانِ أفْضَلُ العِباداتِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيِ اعْمَلْها عَلى اسْتِواءٍ ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ بِالصُّبْحِ والعَصْرِ كَما كانَ مَفْرُوضًا بِمَكَّةَ في أوَّلِ الأمْرِ قَبْلَ الإسْراءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مَعَ ذَلِكَ الظُّهْرُ لِأنَّها مِنَ الطَّرَفِ الثّانِي ﴿وزُلَفًا﴾ أيْ: طَوائِفَ ودَرَجاتٍ وأوْقاتٍ، جَمْعُ زُلْفَةٍ ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ التَّهَجُّدَ، فَقَدْ كانَ مَفْرُوضًا في أوَّلِ الإسْلامِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ المَغْرِبُ والعِشاءُ مَعَ الوَتْرِ أوِ التَّهَجُّدِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ﴾ أيِ الطّاعاتِ كُلَّها الصَّلاةَ وغَيْرَها المَبْنِيَّةَ عَلى أساسِ الإيمانِ ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الصَّغائِرَ، وأمّا الكَبائِرُ [الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِالفَواحِشِ ونَحْوِهِ] فَقَدْ تَقَدَّمَ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٩٠] أنَّهُ لا يُكَفِّرُها إلّا التَّوْبَةُ لِما فِيها مِنَ الإشْعارِ بِالتَّهاوُنِ بِالدِّينِ، واجْتِنابُها لا يُكَفِّرُ إلّا إذا كانَ عَنْ نِيَّةٍ صالِحَةٍ كَما أفْهَمُهُ صِيغَةُ الِافْتِعالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا﴾ [النساء: ٣١] رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا أصابَ مِنَ امْرَأةٍ قُبْلَةً، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ - الآيَةَ. قالَ الرَّجُلُ: ألِي هَذِهِ؟ قالَ: لِمَن عَمِلَ بِها مِن أُمَّتِي». وهَذا الحَدِيثُ يُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ المَكِّيَّةِ المَدَنِيَّةِ.

ولَمّا تَمَّ هَذا عَلى هَذا الوَجْهِ الأعْلى والتَّرْتِيبِ الأوْلى، قالَ تَعالى مادِحًا لَهُ لِيُعْرَفَ مِقْدارُهُ فَيُلْزَمَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والتَّسْلِيَةِ وتَعْلِيمِ الدّاءِ والدَّواءِ لِلْخَلاصِ مِنَ الشَّقاءِ ﴿ذِكْرى﴾ أيْ: ذِكْرٌ عَظِيمٌ ﴿لِلذّاكِرِينَ﴾ أيْ: لِمَن فِيهِ أهْلِيَّةُ الذِّكْرِ والِانْتِباهِ بِهِ بِحُضُورِ القَلْبِ وصَفاءِ الفِكْرِ ونُفُوذِ الفَهْمِ.

115

وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And be patient, for indeed, Allah does not allow to be lost the reward of those who do good.

ولَمّا كانَ الصَّبْرُ لِلَّهِ عَلى المَكارِهِ أعْلى الطّاعَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿واصْبِرْ﴾ أيْ: لِيَكُنْ مِنكَ صَبْرٌ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي ولا تَتْرُكْ إنْذارَهم بِما أُمِرْتَ بِهِ مَهْما كانَ ولا تَخَفْهُمْ، فَإنَّ العاقِبَةَ لَكَ إذا فَعَلْتَ؛ ولَمّا كانَ مَقامُ الصَّبْرِ صَعْبًا والِاسْتِقامَةُ عَلى المَحْمُودِ مِنهُ خاصَّةً خَطَرًا، وكانَتِ النَّفْسُ - لِما لَها مِنَ الجَزَعِ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ - كالمُنْكَرَةِ، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ﴾ الصَّبْرَ هو الإحْسانُ كُلَّ الإحْسانِ وإنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لا يُضِيعُ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في وصْفِ الإحْسانِ بِحَيْثُ إنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ كَأنَّهم يَرَوْنَهُ، فَلِذَلِكَ يَهُونُ عَلَيْهِمُ الصَّبْرُ، ولِذَلِكَ لِأنَّ الطّاعَةَ كُلْفَةٌ فَلا تَكُونُ إلّا بِالصَّبْرِ، وكُلُّ ما عَداها فَهو هَوى النَّفْسِ لا صَبْرَ فِيهِ، فالدِّينُ كُلُّهُ صَبْرٌ «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ والنّارُ بِالشَّهَواتِ» ولِذا فُضِّلَ ثَوابُ الصّابِرِ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] والصَّبْرُ المَحْمُودُ: حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ الخُرُوجِ إلى ما لا يَجُوزُ مِن تَرْكِ الحَقِّ، ونَقِيضُهُ الجَزَعُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎إنْ تَصْبِرا فالصَّبْرُ خَيْرٌ مَغَبَّةً وإنْ تَجْزَعا فالأمْرُ ما تَرَيانِ

وهُوَ مِنَ الصَّبْرِ الَّذِي هو المُرُّ المَعْرُوفُ لِأنَّهُ تَجَرُّعُ مَرارَةِ الحَقِّ بِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الخُرُوجِ إلى المُشْتَهى مَعَ الزّاجِرِ المُعْتَبَرِ مِنَ الشَّرْعِ والعَقْلِ، فَهو أكْرَهُ شَيْءٍ إلى النَّفْسِ، والمُعِينُ عَلَيْهِ ما في اسْتِشْعارِ لُزُومِ الحَقِّ مِنَ العِزِّ والأجْرِ بِالطّاعَةِ والعِلْمِ بِما يَعْقُبُ مِنَ الخَيْرِ في كُلِّ وجْهٍ وعادَةِ النَّفْسِ لَهُ، وقَدْ غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى الحَقِّ حَتّى لا يَجُوزَ إطْلاقُهُ إلّا فِيهِ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ.

116

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍۢ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَآ أُتْرِفُوا۟ فِيهِ وَكَانُوا۟ مُجْرِمِينَ

So why were there not among the generations before you those of enduring discrimination forbidding corruption on earth - except a few of those We saved from among them? But those who wronged pursued what luxury they were given therein, and they were criminals.

ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ كُلُّهُ مُشِيرًا إلى اسْتِبْعادِ إيمانِ المُعانِدِينَ بِشَيْءٍ مِن تَدْبِيرٍ آدَمِيٍّ كَما تَكادُ القِصَصُ تَنْطِقُ بِهِ، وكَذا الإعْلامُ بِأنَّ عِبادَتَهم إنَّما هي لِلتَّقْلِيدِ وبِاخْتِلافِ قَوْمِ مُوسى في كِتابِهِ الَّذِي هو هُدًى ورَحْمَةٌ، وكُلُّ ذَلِكَ فَطْمًا عَنْ طَلَبِ ما قَدْ يَهْجِسُ في الخاطِرِ مِن تَمَنِّي إجابَتِهِمْ إلى ما يَقْتَرِحُونَ أوِ الكَفِّ عَنْ بَعْضِ ما يَغِيظُ مِنَ الإنْذارِ، وكانَ مِن طَبْعِ البَشَرِ البُعْدُ عَنِ الِانْتِهاءِ عَنِ الخَواطِرِ إلّا بَعْدَ التَّجْرِبَةِ، كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْجَبَ أنْ يُقالَ: لَوْ أُجِيبُوا إلى سُؤالِهِمْ لَرُبَّما رَجَعُوا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا هم فِيهِ، فَدَعاهم ذَلِكَ إلى الرَّشادِ، فَتَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ يُقالَ دَفْعًا لَهُ: ﴿فَلَوْلا كانَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُناسَبَتُها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ إهْلاكَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ السّالِفَةِ بِما مَضى إلى أنْ خَتَمَ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى الإحْسانِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يَقَعَ في فِكْرِ الِاعْتِراضِ بِأنْ يُقالَ: ما المُوجِبُ لِذَلِكَ؟ فَبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ الهَلاكِ الإعْراضُ عَنْ نَهْيِ مُنْتَهِكِ الحُرُماتِ والمُجْتَرِئِ عَلى هَتْكِ الأسْتارِ الجَلِيلَةِ والرَّتْعِ في الحِمى مَعَ تَمَكُّنِهِمْ بِما أوْدَعَ فِيهِمْ سُبْحانَهُ مِنَ القُوى والقُدْرَةِ عَلى اخْتِيارِ جانِبِ الخَيْرِ والإعْراضِ عَنْ جانِبِ الشَّرِّ فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا﴾ بِصِيغَةٍ تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، وفِيها مَعْنى التَّفَجُّعِ والتَّأسُّفِ لِاعْتِبارِ كُلِّ مَن كانَ عَلى مِثْلِ حالِهِمْ ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ أيِ المُهْلَكِينَ الأشِدّاءِ الكائِنِينَ في زَمانٍ ما.

ولَمّا كانَ المُرادُ القُرُونَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُ إهْلاكِها، وكانَتْ أزْمِنَتُهم بَعْضَ الزَّمانِ الماضِي، أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكم أُولُو﴾ أيْ: أصْحابُ ﴿بَقِيَّةٍ﴾ أيْ: حِفْظٍ وخَيْرٍ ومُراقَبَةٍ لِما يُصْلِحُهُمْ، لِأنَّ مادَّةَ ”بَقِيَ“ تَدُورُ عَلى الجَمْعِ، ويَلْزَمُهُ القُوَّةُ والثَّباتُ والحِفْظُ، مِن قَوْلِهِمُ: ابْقِهِ بِقُوَّتِكَ مالَكَ - وزْنَ ادْعُهُ - أيِ احْفَظْهُ حِفْظَكَ مالَكَ، ويَلْزَمُهُ النَّظَرُ والمُراقَبَةُ: بَقِيتُ الشَّيْءَ - إذا نَظَرْتَ إلَيْهِ ورَصَدْتَهُ، ويَلْزَمُهُ الثَّباتُ: بَقِيَ بَقاءً - إذا دامَ، والخَيْرُ والجَوْدَةُ؛ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الرَّجُلَ يَسْتَبْقِي مِمّا يُخْرِجُهُ أجْوَدَهُ وأفْضَلَهُ، ويُقالُ: فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ قَوْمٍ، أيْ مِن خِيارِهِمْ، وسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَنْهَوْنَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ النَّهْيَ في كُلِّ حِينٍ إشارَةً إلى كَثْرَةِ المُفْسِدِينَ ﴿عَنِ الفَسادِ﴾ [الكائِنِ] ﴿فِي الأرْضِ﴾ و”لَوْلا“ هُنا كالَّتِي في يُونُسَ تَوْبِيخِيَّةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ كَما جَوَّزَهُما الرُّمّانِيُّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَخْصِيصِيَّةً كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ويَكُونُ لِلسّامِعِ لا لِلْمُهْلَكِ، لِأنَّ الآيَةَ لِما تَضَمَّنَتْ إهْلاكَ المُقِرِّ عَلى الفَسادِ كانَ في ذَلِكَ أقْوى حَثٍّ لِغَيْرِهِمْ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ [و] أوْفى تَهْدِيدٍ زاجِرٍ عَنِ ارْتِكابِ مِثْلِ حالِهِمُ المُوقِعِ في أضْعافِ نَكالِهِمْ، وفي تَعْقِيبِ هَذِهِ الآيَةِ لِآيَةِ الصَّبْرِ إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في الذُّرْوَةِ العُلْيا، والآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢]

ولَمّا …

117

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ

And your Lord would not have destroyed the cities unjustly while their people were reformers.

ولَمّا لاحَ بِما مَضى أنَّ العِبْرَةَ في الإهْلاكِ والإنْجاءِ لِلْأكْثَرِ، قَرَّرَهُ وأكَّدَهُ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ﴾ ذُكِرَ سُبْحانَهُ بِالوَصْفِ المُفْهِمِ لِلْإحْسانِ تَثْبِيتًا [لَهُ] وتَأْمِينًا ﴿لِيُهْلِكَ القُرى﴾ أيْ: إهْلاكًا عامًّا ﴿بِظُلْمٍ﴾ أيْ: أيِّ ظُلْمٍ كانَ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أيْ: في حالِ ظُلْمٍ بِأنْ يُوقِعَ إهْلاكَهم في حالِ إصْلاحِهُمُ الَّذِي هم عَرِيقُونَ فِيهِ، فَيَكُونُ الإهْلاكُ في غَيْرِ مَوْقِعِهِ عَلى ما يَتَعارَفُ العِبادُ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ؛ والإهْلاكُ: إيجابُ ما يُبْطِلُ الإحْساسَ، والهَلاكُ: ضَياعُ الشَّيْءِ وهو حُصُولُهُ بِحَيْثُ لا يُدْرى أيْنَ هُوَ؛ والإصْلاحُ: إيجابُ ما يَسْتَقِيمُ بِهِ الأمْرُ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ.

118

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ

And if your Lord had willed, He could have made mankind one community; but they will not cease to differ.

ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذِهِ الآياتِ رُبَّما أوْهَمَ أنَّ إيمانَ مِثْلِ هَؤُلاءِ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ المَشِيئَةِ، نَفى ذَلِكَ الوَهْمَ مُبَيِّنًا انْفِكاكَ المَشِيئَةِ عَنِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِكُلِّ إحْسانٍ يَزِيدُكَ رِفْعَةً ﴿لَجَعَلَ النّاسَ﴾ أيْ: كُلَّهم ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ عَلى الإصْلاحِ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَهم كُلَّهم مُصْلِحِينَ مُتَّفِقِينَ عَلى الإيمانِ فَلا يُهْلِكُهُمْ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، بَلْ شاءَ اخْتِلافَهم والأمْرُ تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ فاخْتَلَفُوا ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ أيْ: ثابِتًا اخْتِلافُهم لِكَوْنِهِمْ عَلى أدْيانٍ شَتّى ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِالتَّأْلِيفِ بَيْنَهم في جَعْلِهِمْ مِن أهْلِ طاعَتِكَ فَإنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ في أُصُولِ الحَقِّ. ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ رُبَّما أوْجَبَ أنْ يُقالَ: لِمْ لَمْ يُقْبِلْ بِقُلُوبِهِمْ إلى الهُدى ويَصْرِفْهم عَنْ مُوجِباتِ الرَّدى إذا كانَ قادِرًا؟ قالَ تَعالى مُجِيبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿ولِذَلِكَ﴾ أيِ الِاخْتِلافِ ﴿خَلَقَهُمْ﴾ [أيِ اخْتَرَعَهم وأوْجَدَهم مِنَ العَدَمِ وقَدَّرَهُمْ]، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا طَبَعَهم سُبْحانَهُ عَلى خَلائِقَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ تَقْتَضِي الِاخْتِلافَ لِتَفاوُتِهِمْ فِيها، جُعِلُوا كَأنَّهم خُلِقُوا لَهُ فَجَرَوْا مَعَ القَضاءِ والقَدَرِ، ولَمْ يُمْكِنْهُمُ الجَرْيُ عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ العُقُولُ في أنَّ الِاتِّفاقَ رَحْمَةٌ والِاخْتِلافَ نِقْمَةٌ، فاسْتَحَقَّ فَرِيقٌ مِنهُمُ النّارَ وفَرِيقٌ الجَنَّةَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مُخالِفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] بَلْ هو مِن شَكْلِهِ؛ أيْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَكَّبَهم عَلى العَجْزِ ومَنَحَهُمُ العُقُولَ مَعَ نَصْبِ الأدِلَّةِ، كانَ ذَلِكَ مُهَيِّئًا لِلْعِبادَةِ فَكانُوا كَأنَّهم ما خُلِقُوا إلّا لَها أيْ ما خَلَقْتُهم إلّا لِيَعْرِفُونِ بِنُفُوذِ أقْضِيَتِي وتَصارِيفِي فِيهِمْ فَيَعْبُدُونَ، أيْ يَخْضَعُوا لِي؛ فَمَن كانَ مِنهم طائِعًا فَهو عابِدٌ حَقِيقَةً، ومَن كانَ عاصِيًا كانَ عابِدًا مَجازًا، أيْ: خاضِعًا لِلْأمْرِ لِنُفُوذِهِ فِيهِ وعَجْزِهِ عَنِ الِامْتِناعِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] - الآيَةَ. فَقَدْ بانَ أنَّ خَلْقَهم لِلْعِبادَةِ فَقَطْ يُنافِي خَلْقَهم لِلِاخْتِلافِ، لِأنَّ جَرْيَهم في قَضائِهِ بِالِاخْتِلافِ عِبادَةٌ وسُجُودٌ لُغَةً، وذَلِكَ أنَّ مادَّتِي عَبَدَ وسَجَدَ تَدُورانِ عَلى الخُضُوعِ والذُّلِّ والِانْقِيادِ، وبِذَلِكَ كانَ الكُلُّ عَبِيدَ اللَّهِ، أوِ الإشارَةُ إلى مَجْمَعِ الِاتِّفاقِ والِاخْتِلافِ لِيَظْهَرَ فَضْلُهُ عَلى مَن ثَبَّتَهم ويَظْهَرُ عَدْلُهُ فِيمَن خَذَلَهم.

ولَمّا كانَ هَذا الِاخْتِلافُ سَبَبَ الكُفْرِ الَّذِي أرْسَلَ رُسُلَهُ بِالقِتالِ عَلَيْهِ، كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما هو بِمُرادِهِ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وتَمَّتْ﴾ أيْ: فَبادَرُوا إلى ما خَلَقَهم لَهم مُعْرِضِينَ عَنْ أوامِرِهِ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم عُقُولُهُمْ، وتَمَّتْ حِينَئِذٍ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِقَهْرِ أعْدائِكَ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ وهي وعِزَّتِي ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [أيْ] الَّتِي تَلْقى المُعَذَّبَ فِيها بِالتَّجَهُّمِ والعَبُوسَةَ ﴿مِنَ الجِنَّةِ﴾ أيْ: قَبِيلُ الجِنِّ، [قَدَّمَهم لِأنَّهم أصْلٌ في الشَّرِّ، ثُمَّ عَمَّ فَقالَ]: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ فَمَشَوْا عَلى ما أرادَ ولَمْ يُمْكِنْهم مَعَ …

119

إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Except whom your Lord has given mercy, and for that He created them. But the word of your Lord is to be fulfilled that, "I will surely fill Hell with jinn and men all together."

ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذِهِ الآياتِ رُبَّما أوْهَمَ أنَّ إيمانَ مِثْلِ هَؤُلاءِ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ المَشِيئَةِ، نَفى ذَلِكَ الوَهْمَ مُبَيِّنًا انْفِكاكَ المَشِيئَةِ عَنِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِكُلِّ إحْسانٍ يَزِيدُكَ رِفْعَةً ﴿لَجَعَلَ النّاسَ﴾ أيْ: كُلَّهم ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ عَلى الإصْلاحِ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَهم كُلَّهم مُصْلِحِينَ مُتَّفِقِينَ عَلى الإيمانِ فَلا يُهْلِكُهُمْ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، بَلْ شاءَ اخْتِلافَهم والأمْرُ تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ فاخْتَلَفُوا ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ أيْ: ثابِتًا اخْتِلافُهم لِكَوْنِهِمْ عَلى أدْيانٍ شَتّى ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِالتَّأْلِيفِ بَيْنَهم في جَعْلِهِمْ مِن أهْلِ طاعَتِكَ فَإنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ في أُصُولِ الحَقِّ. ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ رُبَّما أوْجَبَ أنْ يُقالَ: لِمْ لَمْ يُقْبِلْ بِقُلُوبِهِمْ إلى الهُدى ويَصْرِفْهم عَنْ مُوجِباتِ الرَّدى إذا كانَ قادِرًا؟ قالَ تَعالى مُجِيبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿ولِذَلِكَ﴾ أيِ الِاخْتِلافِ ﴿خَلَقَهُمْ﴾ [أيِ اخْتَرَعَهم وأوْجَدَهم مِنَ العَدَمِ وقَدَّرَهُمْ]، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا طَبَعَهم سُبْحانَهُ عَلى خَلائِقَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ تَقْتَضِي الِاخْتِلافَ لِتَفاوُتِهِمْ فِيها، جُعِلُوا كَأنَّهم خُلِقُوا لَهُ فَجَرَوْا مَعَ القَضاءِ والقَدَرِ، ولَمْ يُمْكِنْهُمُ الجَرْيُ عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ العُقُولُ في أنَّ الِاتِّفاقَ رَحْمَةٌ والِاخْتِلافَ نِقْمَةٌ، فاسْتَحَقَّ فَرِيقٌ مِنهُمُ النّارَ وفَرِيقٌ الجَنَّةَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مُخالِفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] بَلْ هو مِن شَكْلِهِ؛ أيْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَكَّبَهم عَلى العَجْزِ ومَنَحَهُمُ العُقُولَ مَعَ نَصْبِ الأدِلَّةِ، كانَ ذَلِكَ مُهَيِّئًا لِلْعِبادَةِ فَكانُوا كَأنَّهم ما خُلِقُوا إلّا لَها أيْ ما خَلَقْتُهم إلّا لِيَعْرِفُونِ بِنُفُوذِ أقْضِيَتِي وتَصارِيفِي فِيهِمْ فَيَعْبُدُونَ، أيْ يَخْضَعُوا لِي؛ فَمَن كانَ مِنهم طائِعًا فَهو عابِدٌ حَقِيقَةً، ومَن كانَ عاصِيًا كانَ عابِدًا مَجازًا، أيْ: خاضِعًا لِلْأمْرِ لِنُفُوذِهِ فِيهِ وعَجْزِهِ عَنِ الِامْتِناعِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] - الآيَةَ. فَقَدْ بانَ أنَّ خَلْقَهم لِلْعِبادَةِ فَقَطْ يُنافِي خَلْقَهم لِلِاخْتِلافِ، لِأنَّ جَرْيَهم في قَضائِهِ بِالِاخْتِلافِ عِبادَةٌ وسُجُودٌ لُغَةً، وذَلِكَ أنَّ مادَّتِي عَبَدَ وسَجَدَ تَدُورانِ عَلى الخُضُوعِ والذُّلِّ والِانْقِيادِ، وبِذَلِكَ كانَ الكُلُّ عَبِيدَ اللَّهِ، أوِ الإشارَةُ إلى مَجْمَعِ الِاتِّفاقِ والِاخْتِلافِ لِيَظْهَرَ فَضْلُهُ عَلى مَن ثَبَّتَهم ويَظْهَرُ عَدْلُهُ فِيمَن خَذَلَهم.

ولَمّا كانَ هَذا الِاخْتِلافُ سَبَبَ الكُفْرِ الَّذِي أرْسَلَ رُسُلَهُ بِالقِتالِ عَلَيْهِ، كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما هو بِمُرادِهِ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وتَمَّتْ﴾ أيْ: فَبادَرُوا إلى ما خَلَقَهم لَهم مُعْرِضِينَ عَنْ أوامِرِهِ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم عُقُولُهُمْ، وتَمَّتْ حِينَئِذٍ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِقَهْرِ أعْدائِكَ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ وهي وعِزَّتِي ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [أيْ] الَّتِي تَلْقى المُعَذَّبَ فِيها بِالتَّجَهُّمِ والعَبُوسَةَ ﴿مِنَ الجِنَّةِ﴾ أيْ: قَبِيلُ الجِنِّ، [قَدَّمَهم لِأنَّهم أصْلٌ في الشَّرِّ، ثُمَّ عَمَّ فَقالَ]: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ فَمَشَوْا عَلى ما أرادَ ولَمْ يُمْكِنْهم مَعَ …

120

وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌۭ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

And each [story] We relate to you from the news of the messengers is that by which We make firm your heart. And there has come to you, in this, the truth and an instruction and a reminder for the believers.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِما فُعِلَ بِالقُرى الظّالِمَةِ، وحَذَّرَ كُلَّ مَن فَعَلَ أفْعالَهم بِسَطَواتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأمَرَ بِاتِّباعِ أمْرِهِ والإعْراضِ عَنِ اخْتِلافِهِمُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ وأرادَهُ، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ [هود: ١٠٠] قَوْلَهُ: ﴿وكُلا نَقُصُّ﴾ أيْ: ونَقُصُّ ﴿عَلَيْكَ﴾ كُلَّ نَبَأٍ؛ أيْ: خَبَرٍ عَظِيمٍ جِدًّا ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ مَعَ أُمَمِهِمْ: صالِحِيهِمْ وفاسِدِيهِمْ، فَعَمَّ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ، ولَمّا كانَ الَّذِي جَرَّ هَذِهِ \ القِصَصَ ما مَضى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] - الآيَةَ. وكانَ ساكِنُ الصَّدْرِ القَلْبَ، وهو الفُؤادُ الَّذِي بِهِ قِوامُ الإنْسانِ بَلِ الحَيَوانِ، وهو أحَرُّ ما فِيهِ، ولِذا عَبَّرَ عَنْهُ بِما اشْتُقَّ مِنَ الفَأْدِ وهو الحَرْقُ، وكانَ مِن لازِمِ الحَرارَةِ الِاضْطِرابُ والتَّقَلُّبُ الَّذِي اشْتُقَّ مِنهُ القَلْبُ فَيَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ، أبْدَلَ مِن ”كُلًّا“ قَوْلُهُ: ﴿ما نُثَبِّتُ﴾ أيْ: تَثْبِيتًا عَظِيمًا ﴿بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: فَيَسْكُنُ في مَوْضِعِهِ ويَطْمَئِنَّ أوْ يَزْدادَ يَقِينُهُ فَلا يَضِيقُ الصَّدْرُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] ونَحْوِهِ، وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ العامِّ خاصٌّ لِحُصُولِهِ المَقْصُودَ لَهُ، وهو التَّسْلِيَةُ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] لِأنَّ المُشارَكَةَ في الأُمُورِ الصَّعْبَةِ تُهَوِّنُ عَلى الإنْسانِ ما يَلْقى مِنَ الأذى، والإعْلامَ بِعُقُوباتِ المُكَذِّبِينَ فِيها تَأْنِيسٌ لِلْمَكْرُوبِ؛ والتَّثْبِيتُ: تَمْكِينُ إقامَةِ الشَّيْءِ؛ والفُؤادُ: العُضْوُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحْمى بِالغَضَبِ الحالِّ فِيهِ، مِنَ المُفْتَأدِ وهو المُسْتَوِي.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ كُلَّ ما قُصَّ عَلَيْهِ مِن أخْبارِهِمْ يَسْتَلْزِمُ هَذا المَقْصُودَ، بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ كَما يُعَلَّلُ بِهِ غالِبًا مِنَ الأخْبارِ الفارِغَةِ والأحادِيثِ المُزَخْرَفَةِ الباطِلَةِ ولا مِمّا يَنْقُلُهُ المُؤَرِّخُونَ مَشُوبًا بِالتَّحْرِيفِ فَقالَ: ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ أيِ الأخْبارِ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلُ في الثَّباتِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ، وفائِدَةُ الظَّرْفِ التَّأْكِيدُ لِعِظَمِ المَقْصُودِ مِن آيَةِ: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ [هود: ١٢] وصُعُوبَتِهِ.

ولَمّا كانَ الحَقُّ حَقًّا بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ أحَدٍ عَرَّفَهُ ونَكَّرَ ما هو خاصٌّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ فَقالَ: ﴿ومَوْعِظَةٌ﴾ أيْ: مُرَقِّقٍ لِلْقُلُوبِ ﴿وذِكْرى﴾ أيْ: تَذْكِيرٌ عَظِيمٌ جِدًّا ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الِاعْتِبارَ مِن قَصَصِ الرُّسُلِ بِما فِيها مِن حُسْنِ صَبْرِهِمْ عَلى أُمَمِهِمْ واجْتِهادِهِمْ عَلى دُعائِهِمْ إلى عِبادَةِ اللَّهِ بِالحَقِّ وتَذْكِيرِ الخَيْرِ والشَّرِّ وما يَدْعُو إلَيْهِ كُلٌّ مِنهُما مِن عاقِبَةِ النَّفْعِ والضُّرِّ لِلثَّباتِ عَلى ذَلِكَ جَمِيعِهِ اقْتِداءً بِهِمْ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.