Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 111–120 of 123

111

وَإِنَّ كُلًّۭا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

And indeed, each [of the believers and disbelievers] - your Lord will fully compensate them for their deeds. Indeed, He is Acquainted with what they do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١١ ] ﴿وإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

﴿وإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أيْ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، وسَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ. والتَّنْوِينُ في (كُلًّا) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ، أيْ وإنَّ كُلَّ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ.

تَنْبِيهٌ:

فِي هَذِهِ الآيَةِ قِراءاتٌ: قُرِئَ (إنْ) و(لَما) مُخَفَّفَتَيْنِ ومُشَدَّدَتَيْنِ، وبِتَخْفِيفِ (إنْ) وتَشْدِيدِ (لَمّا)، وبِعَكْسِها، وهَذِهِ الأرْبَعُ قِراءاتٍ كُلُّها مُتَواتِرَةٌ.

فَأمّا الأُولى: فَفِيها إعْمالُ (إنِ) المُخَفَّفَةِ، وهي لُغَةٌ ثابِتَةٌ عَنِ العَرَبِ، واللّامُ في (لِما) لِأمْرِ الِابْتِداءِ، داخِلَةٌ في خَبَرِ (إنْ). و(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (الَّذِينَ) واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ، واللّامُ في (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) جَوابُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ، أيْ: وإنْ كُلًّا لِلَّذِينَ، واللَّهَ لِيُوَفِّيَنَّهم. وإمّا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ وجَوابُها صِفَةُ (ما) أيْ: وإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ، أوْ لَفَرِيقٌ، واللَّهُ لِيُوَفِّيَنَّهم. وقِيلَ: اللّامُ الأُولى مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، ولَمّا اجْتَمَعَ اللّامانِ، واتَّفَقا في اللَّفْظِ، فُصِلَ بَيْنَهُما بِـ (ما) فَهي زائِدَةٌ لِإصْلاحِ اللَّفْظِ. وقِيلَ: اللّامُ المَذْكُورَةُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. وقِيلَ: إنَّها جَوابُ القَسَمِ كُرِّرَتْ تَأْكِيدًا.

وأمّا الثّانِيَةُ: وهي تَشْدِيدُهُما، فَـ (إنَّ) عَلى حالِها، وما بَعْدَها مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و(لَمّا) بِمَعْنى (إلّا) أوْ جازِمَةٌ بِمَعْنى (لَمْ) ومَجْزُومُها مَحْذُوفٌ، أيْ لَمّا يُمْهَلُوا، أوْ لَمّا يُوَفُّوا أعْمالَهم إلى الآنِ، وسَيُوَفَّوْنَها.

وأمّا الثّالِثَةُ: وهي تَخْفِيفُ (إنْ) وتَشْدِيدُ (لَمّا)، فَـ (إنَّ) مُخَفَّفَةٌ عامِلَةٌ كَما تَقَدَّمَ، و(لَمّا) بِمَعْنى (إلّا) أوْ جازِمَةٌ أيْضًا، أوْ (إنْ) نافِيَةٌ بِمَنزِلَةِ (ما) و(لَمّا) بِمَعْنى (إلّا) و(كُلًّا) مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ، أيْ: وما أرى كُلًّا إلّا.

وأمّا الرّابِعَةُ: وهي تَشْدِيدُ (إنَّ) وتَخْفِيفُ (لَمّا) فَواضِحَةٌ، فَـ (إنَّ) هي المُشَدَّدَةُ عَمِلَتْ عَمَلَها.

والكَلامُ في (اللّامِ) و(ما) مِثْلُ ما تَقَدَّمَ أوَّلًا مِنَ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ في (اللّامِ) والثَّلاثَةُ في (ما).

وثَمَّتَ قِراءاتٌ أُخَرُ فَلْتُراجَعْ في (السَّمِينِ) وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

112

فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allah], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٢ ] ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أيْ في القُرْآنِ، و(الكافُ) لِلتَّشْبِيهِ، أوْ بِمَعْنى (عَلى) ﴿ومَن تابَ مَعَكَ﴾ أيْ مِنَ الشِّرْكِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ. ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ أيْ تَجاوَزُوا حُدُودَ اللَّهِ ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ فَيُجازِيكم بِهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَأْمُرُ تَعالى رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ بِالثَّباتِ والدَّوامِ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وذَلِكَ مِن أكْبَرِ العَوْنِ عَلى النَّصْرِ، ويَنْهى عَنِ الطُّغْيانِ، وهو البَغْيُ، فَإنَّهُ مَصْرَعَةٌ، ولَوْ كانَ عَلى مُشْرِكٍ.

113

وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ

And do not incline toward those who do wrong, lest you be touched by the Fire, and you would not have other than Allah any protectors; then you would not be helped.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٣ ] ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾

﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ أنْفُسَهم بِالشِّرْكِ والمَعاصِي، أيْ: لا تَسْكُنُوا إلَيْهِمْ. ولا تَطْمَئِنُّوا إلَيْهِمْ؛ لِما يُفْضِي الرُّكُونُ مِنَ الرِّضا بِشِرْكِهِمْ وتَقْوِيَتِهِمْ، وتَوْهِينِ جانِبِ الحَقِّ. ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ أنْصارٍ يَمْنَعُونَ عَذابَهُ عَنْكم بِرُكُونِكم إلَيْهِمْ. ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ لا تَمْنَعُونَ مِمّا يُرادُ بِكم. والقَصْدُ تَبْعِيدُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوادَّةِ المُشْرِكِينَ المُحادِّينَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والثِّقَةِ بِهِمْ، وهم أعْظَمُ عَقَبَةٍ في الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُنافِي الإيمانَ.

قِيلَ: الآيَةُ أبْلَغُ ما يُتَصَوَّرُ في النَّهْيِ عَنِ الظُّلْمِ، والتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ، لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ الشَّدِيدَ إذا كانَ فِيمَن يَرْكَنُ إلى أهْلِهِ، فَكَيْفَ بِمَن يَنْغَمِسُ في حَمْأتِهِ؟

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ اليَمانِيِّينَ: الآيَةُ صَرِيحَةٌ بِأنَّ الرُّكُونَ إلى الظُّلْمَةِ مُحَرَّمٌ وكَبِيرَةٌ، لِأنَّهُ تَعالى تَوَعَّدَ بِالنّارِ. ولَكِنْ ما هو الرُّكُونُ الَّذِي أرادَهُ تَعالى؟ قُلْنا: في ذَلِكَ وُجُوهٌ؟

فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والأصَمِّ أنَّ المَعْنى: لا تَمِيلُوا إلى الظُّلْمَةِ في شَيْءٍ مِن دِينِكم.

وقِيلَ: تَرْضَوْا بِأعْمالِهِمْ. عَنْ أبِي العالِيَةِ.

وقِيلَ: تَلْحَقُوا بِالمُشْرِكِينَ. -عَنْ قَتادَةَ-.

وقِيلَ: تُداهِنُوا الظَّلَمَةَ -عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ.

وقِيلَ: الدُّخُولُ مَعَهم في ظُلْمِهِمْ، وإظْهارُ الرِّضا بِفِعْلِهِمْ، وإظْهارُ مُوالاتِهِمْ. فَأمّا إذا دَخَلَ عَلَيْهِمْ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ فَيَجُوزُ، لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالرِّفْقِ في مُخالَطَةِ الكُفّارِ، والظَّلَمَةُ أوْلى.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّهْيُ يَتَناوَلُ الِانْحِطاطَ في هَواهُمْ، والِانْقِطاعَ إلَيْهِمْ، ومُصاحَبَتَهم ومُجالَسَتَهم وزِيارَتَهم ومُداهَنَتَهُمْ، والرِّضا بِأعْمالِهِمْ، والتَّشَبُّهَ بِهِمْ، والتَّزَيِّيَ بِزِيِّهِمْ، ومَدَّ العَيْنِ إلى زَهْرَتِهِمْ، وذَكَرَهم بِما فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهم. وتَأمَّلْ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾ فَإنَّ الرُّكُونَ هو المَيْلُ اليَسِيرُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ إلى الَّذِينَ وُجِدَ مِنهُمُ الظُّلْمُ، ولَمْ يَقُلْ: إلى الظّالِمِينَ.

وحُكِيَ أنَّ المُوَفَّقَ صَلّى خَلْفَ الإمامِ، فَقَرَأ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ قِيلَ لَهُ، فَقالَ: هَذا فِيمَن رَكَنَ إلى مَن ظَلَمَ، فَكَيْفَ بِالظّالِمِ؟ انْتَهى.

قالَ اليَمانِيُّ: قَدْ وسِعَ العُلَماءُ في ذَلِكَ وشَدَّدُوا، والحالاتُ تَخْتَلِفُ، والأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، والتَّفْصِيلُ أوْلى، فَإنْ كانَتِ المُخالَطَةُ لِدَفْعِ مُنْكَرٍ، أوِ اسْتِعانَةٍ عَلَيْهِ، أوْ رَجاءِ تَرْكِهِمُ الظُّلْمَ، أوِ اسْتِكْفاءِ شُرُورِهِمْ فَلا حَرَجَ في ذَلِكَ، ورُبَّما وجَبَ، وإنْ كانَ لِإيناسِهِمْ وإقْرارِهِمْ فَلا. انْتَهى.

وأقُولُ: كُلُّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى عُمُومِ الآيَةِ، وأمّا إنْ كانَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، اعْتِمادًا عَلى سِباقِ الآيَةِ وسِياقِها؛ فالمُرادُ مِنها ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا -واللَّهُ أعْلَمُ-.

114

وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ

And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٤ ] ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾

﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أيْ غَدْوَةً وعَشِيَّةً ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ وساعاتٍ مِنهُ، وهي ساعاتُهُ القَرِيبَةُ مِن آخِرِ النَّهارِ. مِن (أزْلَفَهُ) إذا قَرَّبَهُ، وازْدَلَفَ إلَيْهِ. وصَلاةُ الغَدْوَةِ: الفَجْرُ، وصَلاةُ العَشِيَّةِ: الظُّهْرُ والعَصْرُ، لِأنَّ ما بَعْدَ الزَّوالِ عَشِيٌّ، وصَلاةُ الزَّلَفِ المَغْرِبِ والعِشاءِ -كَذا في الكَشّافِ-.

والآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فِي جَمْعِهِما لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ جَمْعًا بالِغًا غايَةَ اللُّطْفِ في بَلاغَةِ الإيجازِ. وانْتِصابُ (طَرَفَيِ النَّهارِ) عَلى الظَّرْفِ لِإضافَتِهِ إلَيْهِ. و(زُلَفًا) قَرَأها العامَّةُ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، جَمْعُ زُلْفَةٍ، كَظُلْمَةٍ وظُلَمٍ. وقُرِئَ بِضَمِّهِما، إمّا عَلى أنَّهُ جَمْعُ زُلْفَةٍ أيْضًا، ولَكِنْ ضُمَّتْ عَيْنُهُ إتْباعًا لِفائِهِ؛ أوْ عَلى أنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ كَعُنُقٍ. أوْ جَمْعُ زَلِيفٍ بِمَعْنى زِلْفَةٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ.

وقُرِئَ بِإسْكانِ اللّامِ، إمّا بِالتَّخْفِيفِ، فَيَكُونُ فِيها ما تَقَدَّمَ، أوْ عَلى أنَّ السُّكُونَ عَلى أصْلِهِ، فَهو كَبُسْرَةٍ وبُسْرٍ، مِن غَيْرِ إتْباعٍ.

وقُرِئَ (زُلْفى) كَحُبْلى، بِمَعْنى قَرِيبَةٍ، أوْ عَلى إبْدالِ الألِفِ مِنَ التَّنْوِينِ؛ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. ونَصْبُهُ إمّا عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِعَطْفِهِ عَلى (طَرَفَيِ النَّهارِ) لِأنَّ المُرادَ بِهِ السّاعاتُ، أوْ عَلى عَطْفِهِ عَلى (الصَّلاةِ) فَهو مَفْعُولٌ بِهِ.

والزُّلْفَةُ عِنْدَ ثَعْلَبٍ أوَّلُ ساعاتِ اللَّيْلِ.

وقالَ الأخْفَشُ: مُطْلَقُ ساعاتِ اللَّيْلِ، وأصْلُ مَعْناهُ القُرْبُ. يُقالُ ازْدَلَفْ أيِ اقْتَرَبَ و(مِنَ اللَّيْلِ) صِفَةُ زُلَفًا -كَذا في (العِنايَةِ)-.

﴿إنَّ الحَسَناتِ﴾ أيِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها، بَلْ عُمْدَتُها، ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الصَّلَواتِ ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الَّتِي قَلَّما يَخْلُو مِنها البَشَرُ، أيْ يُكَفِّرْنَها. ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ إقامَةُ الصَّلَواتِ في الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ أيْ ذِكْرى لَهُ تَعالى، وإحْضارٌ لِلْقَلْبِ مَعَهُ، وتَصْفِيَةٌ مِن كُدُوراتِ اللَّهْوِ والنِّسْيانِ لِعَظَمَتِهِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي عالَجْتُ امْرَأةً في أقْصى المَدِينَةِ، وإنِّي أصَبْتُ مِنها ما دُونَ أنْ أمَسَّها، وأنا هَذا، فاقْضِ فِيَّ ما شِئْتَ! فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ تَعالى لَوْ سَتَرْتَ عَلى نَفْسِكَ. قالَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا. فَقامَ الرَّجُلُ فانْطَلَقَ، فَأتْبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا فَدَعاهُ، وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ إلَخْ.

فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا لَهُ خاصَّةً؟ قالَ: «بَلْ لِلنّاسِ كافَّةً»» . أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ.

وفِي رِوايَةٍ «عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ لَهُ ﷺ: «أتْمَمْتَ الوُضُوءَ وصَلَّيْتَ مَعَنا؟» قالَ: نَعَمْ، قالَ: «فَإنَّكَ مِن خَطِيئَتِكَ كَما ولَدَتْكَ أُمُّكَ، فَلا تَعُدْ» . وقَرَأ الآيَةَ.

وفِي رِوايَةٍ: فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» والمُرادُ بِالنُّزُولِ شُمُولُها، بِنُزُولِها المُتَقَدِّمِ، لِما …

115

وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And be patient, for indeed, Allah does not allow to be lost the reward of those who do good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٥ ] ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾

﴿واصْبِرْ﴾ أيْ عَلى مَشاقِّ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ، أوْ عَلى ما يَقُولُونَ، أوْ عَلى الصَّلاةِ كَقَوْلِهِ: ﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] ولا مانِعَ مِن شُمُولِهِ لِلْكُلِّ.

﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ في أعْمالِهِمْ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم مِن غَيْرِ بَخْسٍ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الإضاعَةِ، لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ، وإبْرازِ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ، مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى ما ذُكِرَ مِن بابِ الإحْسانِ. انْتَهى.

وأشارَ الشِّهابُ في (العِنايَةِ) هُنا إلى لَطِيفَةٍ مِنَ البَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ، وهو أنَّ الأوامِرَ بِأفْعالِ الخَيْرِ أُفْرِدَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإنْ كانَتْ عامَّةً في المَعْنى، وفي المَنهِيّاتِ جُمِعَتْ لِلْأُمَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

116

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍۢ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَآ أُتْرِفُوا۟ فِيهِ وَكَانُوا۟ مُجْرِمِينَ

So why were there not among the generations before you those of enduring discrimination forbidding corruption on earth - except a few of those We saved from among them? But those who wronged pursued what luxury they were given therein, and they were criminals.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٦ ] ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾

﴿فَلَوْلا كانَ﴾ أيْ فَهَلّا وُجِدَ ﴿مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ أيْ بِعَمَلِ الشُّرُورِ والمُنْكِراتِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ مِنهم ناهُونَ لَمْ يُؤْخَذِ الباقُونَ ﴿إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. أيْ لَكِنَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنَ القُرُونِ نَهَوْا عَنِ الفَسادِ، وسائِرُهم تارِكُونَ لِلنَّهْيِ.

لَطِيفَةٌ:

(البَقِيَّةُ) إمّا بِمَعْنى الباقِيَةِ، والتَّأْنِيثُ لِمَعْنى الخَصْلَةِ أوِ القِطْعَةِ، أوْ بَقِيَّةٌ مِنَ الرَّأْيِ والعَقْلِ، أوْ بِمَعْنى الفَضِيلَةِ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ كالذَّبِيحَةِ. وأُطْلِقَ عَلى الفَضْلِ (بَقِيَّةٌ) اسْتِعارَةٌ مِنَ البَقِيَّةِ الَّتِي يَصْطَفِيها المَرْءُ لِنَفْسِهِ، ويَدَّخِرُها مِمّا يُنْفِقُهُ، فَإنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِأنْفَسِها. ولِذا قِيلَ: (فِي الزَّوايا خَبايا، وفي الرِّجالِ بَقايا) و(فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ) أيْ مِن خِيارِهِمْ، وجَوَّزَ كَوْنَ (البَقِيَّةِ) مَصْدَرًا بِمَعْنى (البَقْوى)، كالتَّقِيَّةِ بِمَعْنى التَّقْوى، أيْ فَهَلّا كانَ مِنهم ذَوُو إبْقاءٍ عَلى أنْفُسِهِمْ، وصِيانَةٍ لَها مِن سُخْطِهِ تَعالى وعِقابِهِ.

﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أيْ ما صارُوا مُنَعَّمِينَ فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ، حَتّى فَجَأهُمُ العَذابُ، واتِّباعُهُ كِنايَةٌ عَنْ الِاهْتِمامِ بِهِ، وتَرْكِ غَيْرِهِ، كَما هو دَأْبُ التّابِعِ لِلشَّيْءِ.

و﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أعَمُّ مِنَ المُباشِرِينَ بِأنْفُسِهِمْ لِلْفَسادِ، ومِن تارِكِي النَّهْيِ عَنْهُ، وقَصَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الثّانِي، لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِالنَّعْيِ قَبْلَهُ، حَيْثُ قالَ: أرادَ بِـ (الَّذِينَ ظَلَمُوا) تارِكِي النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ، أيْ لَمْ يَهْتَمُّوا بِما هو رُكْنٌ عَظِيمٌ مِن أرْكانِ الدِّينِ وهو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وعَقَدُوا هِمَمَهم بِالشَّهَواتِ، واتَّبَعُوا ما عَرَفُوا فِيهِ التَّنَعُّمَ والتَّتَرُّفَ، مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ والثَّرْوَةِ، وطَلَبِ أسْبابِ العَيْشِ الهَنِيءِ، ورَفَضُوا ما وراءَ ذَلِكَ، ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ.

﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ بِاتِّباعِهِمُ المَذْكُورِ، أوْ كافِرِينَ. قالَ القاضِي: كَأنَّهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ ما كانَ السَّبَبَ لِاسْتِئْصالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وهو فُشُوُّ الظُّلْمِ فِيهِمْ، واتِّباعِهِمْ لِلْهَوى، وتَرْكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ مَعَ الكُفْرِ، وقَدْ أُشِيرَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

117

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ

And your Lord would not have destroyed the cities unjustly while their people were reformers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٧ ] ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾

﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أيْ بِأمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ، ونَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ. و(بِظُلْمٍ) الباءُ فِيهِ إمّا لِلْمُلابَسَةِ، وهو حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أيِ اسْتَحالَ في الحِكْمَةِ أنْ يُهْلِكَ القُرى ظالِمًا لَها، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ، والإيذانِ بِأنَّ إهْلاكَ المُصْلِحِينَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ. أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ. والظُّلْمُ: الشِّرْكُ، أيْ: لا يُهْلِكُ القُرى بِسَبَبِ إشْراكِ أهْلِها وهم مُصْلِحُونَ، يَتَعاطَوْنَ الحَقَّ فِيما بَيْنَهُمْ، ولا يَضُمُّونَ إلى شِرْكِهِمْ فَسادًا آخَرَ، وذَلِكَ لِفَرْطِ رَحْمَتِهِ ومُسامَحَتِهِ في حُقُوقِهِ تَعالى. ولِذا قِيلَ: (يَبْقى المُلْكُ مَعَ الشِّرْكِ، ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ) وهَذا، وإنْ كانَ صَحِيحًا، إلّا أنَّ مَقامَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ إلى التَّوْحِيدِ، ومَحْوِ الشِّرْكِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى الِاسْتِقامَةِ في المُعامَلاتِ ثانِيًا؛ يَقْضِي بِحَمْلِ (الظُّلْمِ) هُنا عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ الشِّرْكِ، وأصْنافِ المَعاصِي. وحَمْلِ الإصْلاحِ عَلى إصْلاحِهِ، والإقْلاعِ عَنْهُ بِكَوْنِ بَعْضِهِمْ مُتَصَدِّينَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وبَعْضُهم مُتَّجِهِينَ إلى الِاتِّعاظِ، غَيْرَ مُصِرِّينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ونَحْوَهُ. كَذا أشارَ لَهُ أبُو السُّعُودِ.

118

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ

And if your Lord had willed, He could have made mankind one community; but they will not cease to differ.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٨ ] ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾

﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ مُجْتَمِعَةً عَلى الحَقِّ والإيمانِ والصَّلاحِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ أيْ في الحَقِّ، مِنهُمُ المُؤْمِنُ بِهِ، ومِنهُمُ الكافِرُ بِهِ.

119

إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Except whom your Lord has given mercy, and for that He created them. But the word of your Lord is to be fulfilled that, "I will surely fill Hell with jinn and men all together."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٩ ] ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾

﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أيْ لَكِنَّ ناسًا رَحِمَهم بِهِدايَتِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ، وتَوْفِيقِهِمْ لِلْكَمالِ، فاتَّفَقُوا في المَذْهَبِ والمَقْصِدِ، ووافَقُوا في السِّيرَةِ والطَّرِيقَةِ، قِبْلَتُهُمُ الحَقُّ، ودِينُهُمُ التَّوْحِيدُ والمَحَبَّةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ أقْوالٌ. أظْهَرُها أنَّهُ لِلِاخْتِلافِ الدّالِّ عَلَيْهِ (مُخْتَلِفِينَ)، فالضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لِلنّاسِ، أيْ لِثَمَرَةِ الِاخْتِلافِ، مِن كَوْنِ فَرِيقٍ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٍ في السَّعِيرِ، خَلَقَهم. واللّامُ لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ، لِأنَّ حِكْمَةَ خَلْقِهِمْ لَيْسَ هَذا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ولِأنَّهُ لَوْ خَلَقَهم لَهُ لَمْ يُعَذِّبْهم عَلَيْهِ. أوِ الإشارَةُ لَهُ ولِلرَّحْمَةِ المَفْهُومَةِ مِن (رَحِمَ) لِتَأْوِيلِها بِـ (أنْ والفِعْلِ) أوْ كَوْنِها بِمَعْنى الخَيْرِ. وتَكُونُ الإشارَةُ لِاثْنَيْنِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] والمُرادُ لِاخْتِلافِ الجَمِيعِ ورَحْمَةِ بَعْضِهِمْ، خَلَقَهم. وهَذا مَعْزُوٌّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وإنْ كانَ الضَّمِيرُ لِـ (مِن) فالإشارَةُ لِلرَّحْمَةِ بِالتَّأْوِيلِ السّابِقِ -كَذا في (العِنايَةِ)-.

وأشارَ القاشانِيُّ إلى بَقاءِ اللّامِ عَلى مَعْناها، وهو التَّعْلِيلُ بِوَجْهٍ آخَرَ، حَيْثُ قالَ: ولِلِاخْتِلافِ خَلَقَهم لِيَسْتَعِدَّ كُلٌّ مِنهم لِشَأْنٍ وعَمَلٍ، ويَخْتارُ بِطَبْعِهِ أمْرًا وصَنْعَةً، ويَسْتَتِبُّ بِهِمْ نِظامُ العالَمِ، ويَسْتَقِيمُ أمْرُ المَعاشِ، فَهم مَحامِلُ لِأمْرِ اللَّهِ، حُمِلَ عَلَيْهِمْ حُمُولَ الأسْبابِ والأرْزاقِ وما يَتَعَيَّشُ بِهِ النّاسُ، ورَتَّبَ بِهِمْ قِوامَ الحَياةِ الدُّنْيا، كَما أنَّ الفِئَةَ المَرْحُومَةَ مَظاهِرٌ لِكَمالِهِ، أظْهَرَ اللَّهُ بِهِمْ صِفاتِهِ وأفْعالَهُ، وجَعَلَهم مُسْتَوْدَعَ حِكَمِهِ ومَعارِفِهِ وأسْرارِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ أُحْكِمَتْ وأُبْرِمَتْ وثُبِّتَتْ وهي هَذِهِ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ والمُرادُ مِنَ " الجِنَّةِ والنّاسِ" عُصاتُهُما، والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، والقَرِينَةُ عَقْلِيَّةٌ لِما عُلِمَ مِنَ الشَّرْعِ أنَّ العَذابَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ، وأنَّ الوَعِيدَ لَيْسَ إلّا لَهُمْ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما قِيلَ. بِـ (أجْمَعِينَ) حِينَئِذٍ ظاهِرٍ، وإنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى العَهْدِ، وأبْقى عَلى إطْلاقِهِ، فَفائِدَةُ التَّأْكِيدِ بَيانُ أنَّ مَلْءَ جَهَنَّمَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ، لا مِن أحَدِهِما فَقَطْ، ويَكُونُ الدّاخِلُوها مِنهُما مَسْكُوتًا عَنْهُ، مَوْكُولًا إلى عِلْمِهِ تَعالى، فانْدَفَعَ ما أوْرَدَ عَلى ظاهِرِها مِنِ اقْتِضائِهِ دُخُولَ جَمِيعِ الفَرِيقَيْنِ جَهَنَّمَ. وبُطْلانُهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ. أمّا عَلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِي فالمُرادُ بِلَفْظِ (أجْمَعِينَ) تَعْمِيمُ الأصْنافِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ الأفْرادِ، كَما إذا قُلْتَ: مَلَأْتُ الجِرابَ مِن جَمِيعِ أصْنافِ الطَّعامِ، فَإنَّهُ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِن كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الأصْنافِ، لا أنْ يَكُونَ فِيهِ جَمِيعُ أفْرادِ الطَّعامِ، كَقَوْلِكَ: امْتَلَأ المَجْلِسُ مِن جَمِيعِ أصْنافِ النّاسِ، لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ في المَجْلِسِ جَمِيعُ أفْرادِ …

120

وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌۭ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

And each [story] We relate to you from the news of the messengers is that by which We make firm your heart. And there has come to you, in this, the truth and an instruction and a reminder for the believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٠ ] ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ نُقَوِّي بِهِ قَلْبَكَ لِتَصْبِرَ عَلى أذى قَوْمِكَ، وتَتَأسّى بِالرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، وتَعْلَمَ أنَّ العاقِبَةَ لَكَ كَما كانَتْ لَهم. و(كُلًّا) مَفْعُولُ (لِنَقُصَّ) و(مِن أنْباءِ) بَيانٌ لَهُ. و(ما نُثَبِّتُ) بَدَلٌ مِن (كُلًّا) أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ.

﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ أيِ السُّورَةِ، أوِ الأنْباءِ المُقْتَصَّةِ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ القَصَصُ الحَقُّ الثّابِتُ ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ عِبْرَةٌ لَهم يَحْتَرِزُونَ بِها عَمّا أهْلَكَ الأُمَمَ، وتَذْكِيرٌ لِما يَجِبُ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ، ويَجْعَلُوهُ طَرِيقَهم وسِيرَتَهم.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.