وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍۢ
And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allah when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، أيْ: ذَلِكَ النَّبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْنى بِالقُرى قُرى أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وأنْ يَعْنِيَ القُرى عُمُومًا، أيْ: هَذا النَّبَأُ المَقْصُوصُ عَلَيْكَ هو دَيْدَنُ المُدُنِ إذْ كَفَرَتْ، فَدَخَلَ المُدُنُ المُعاصِرَةُ. والضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى القُرى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾: عامِرٌ كَزاغِرٍ وداثِرٍ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ عُمُومِ القُرى. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قائِمُ الجُدْرانِ ومُنْهَدِمٌ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ خُصُوصِ القُرى، وأنَّها قُرى أُولَئِكَ الأُمَمِ المُهْلَكِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُها باقٍ وبَعْضُها عافِي الأثَرِ كالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ والَّذِي حُصِدَ، انْتَهى.
وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، قالَ قَتادَةُ: قائِمُ الأثَرِ ودارِسُهُ، جَعَلَ حَصْدَ الزَّرْعِ كِنايَةً عَنِ الفَناءِ قالَ الشّاعِرُ:
؎والنّاسُ في قَسْمِ المَنِيَّةِ بَيْنَهم كالزَّرْعِ مِنهُ قائِمٌ وحَصِيدُ
. وقالَ الضَّحّاكُ: (قائِمٌ): لَمْ يُخْسَفْ، و(حَصِيدٌ): قَدْ خُسِفَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: (قائِمٌ): لَمْ يَهْلَكْ بَعْدُ، و(حَصِيدٌ): قَدْ أُهْلِكَ. وقِيلَ: قائِمٌ أيْ: باقٍ نَسْلُهُ، وحَصِيدٌ أيْ: مُنْقَطِعٌ نَسْلُهُ. وهَذا يَتَمَشّى عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى. وقَدْ قِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وما (ظَلَمْناهم)، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ.
وقالَ الأخْفَشُ: حَصِيدٌ أيْ: مَحْصُودٌ، وجَمْعُهُ حَصْدى وحِصادٌ، مِثْلَ: مَرْضى ومِراضٌ، وبابُ فَعْلى جَمْعًا لِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أنْ يَكُونَ فِيمَن يَعْقِلُ نَحْوَ: قَتِيلٍ وقَتْلى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، انْتَهى.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِنها قائِمٌ﴾ ابْتِداءٌ، وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في نَقُصُّهُ، و(حَصِيدٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومِنها حَصِيدٌ، انْتَهى.
وما ذَكَرَهُ تَجَوُّزٌ، أيْ: نَقُصُّهُ عَلَيْكَ وحالُ القُرى ذَلِكَ، والحالُ أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ وضَرْبِ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ، أيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضَ أنْباءِ القُرى وهي عَلى هَذِهِ الحالِ يُشاهِدُونَ فِعْلَ اللَّهِ بِها. وما ظَلَمْناهم، أيْ: بِإهْلاكِنا إيّاهم، بَلْ وضَعْنا عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الإيمانِ، وارْتِكابِ ما بِهِ أُهْلِكُوا.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما أغْنَتْ﴾: نَفْيٌ، أيْ: لَمْ تَرُدَّ عَنْهم مِن بَأْسِ اللَّهِ شَيْئًا ولا أجْدَتْ، (يَدْعُونَ): حِكايَةُ حالٍ، أيِ: الَّتِي كانُوا يَدْعُونَ، أيْ: يَعْبُدُونَ، أوْ يَدْعُونَها اللّاتَ والعُزّى وهُبَلَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا مَنصُوبٌ بِما أغْنَتْ، انْتَهى.
وهَذا بِناءٌ عَلى أنَّ لَمّا ظَرْفٌ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. و﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] هو: عَذابُهُ ونِقْمَتُهُ.
﴿وما زادُوهُمْ﴾ عُومِلَ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ في الإسْنادِ إلى واوِ الضَّمِيرِ الَّذِي هو لِمَن يَعْقِلُ، …