Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 21–30 of 129

21

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍۢ وَجَنَّٰتٍۢ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌۭ مُّقِيمٌ

Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ جَزاءَ أُولَئِكَ الخُلُودُ في النّارِ، بَيَّنَ ما لِهَؤُلاءِ، فَقالَ مُفَسِّرًا لِفَوْزِهِمْ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْهِمْ بِهِدايَتِهِمْ واجْتِبائِهِمْ. وناهِيكَ بِهَذِهِ البِشارَةِ الدّالَّةِ عَلى عُلُوِّ مَقامِهِمْ؛ لِأنَّها بِلا واسِطَةٍ، وكَوْنُ البِشارَةِ عَلى قَدْرِ المُبَشِّرِ دالٌّ أنَّ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لا نِهايَةَ لَها ولا يُحاطُ بِمَعْرِفَةِ مِقْدارِها ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ أيْ: عَظِيمَةٍ، وزادَها عِظَمًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾ وذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا نَجاةَ بِدُونِ العَفْوِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّ الرَّحْمَةَ كَما أثْمَرَتِ العَفْوَ الَّذِي هو أدْنى المَنازِلِ أسْعَدَتْ بِأعْلاها فَقالَ: ﴿ورِضْوانٍ﴾ أيْ: بِأنْ يَكُونَ راضِيًا عَنِ اللَّهِ لِلرِّضى بِقَضاءِ اللَّهِ وذَلِكَ يَكُونُ إذا قَصَرَ نَظَرَهُ عَلى اللَّهِ؛ فَإنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ أبَدًا بِقَضاءٍ مِن أقَضِيَتِهِ كَما أنَّ اللَّهَ - الَّذِي هو راحِمُهُ - لا يَتَغَيَّرُ، ومَن كانَ نَظَرُهُ لِطَلَبِ حَظٍّ لَهُ كانَ أبَدًا في تَغَيُّرٍ مِنَ الفَرَحِ إلى الحُزْنِ ومِنَ السُّرُورِ إلى الغَمِّ ومِنَ الرّاحَةِ إلى الجِراحَةِ ومِنَ اللَّذَّةِ إلى الألَمِ، فَثَبَتَ أنَّ الرَّحْمَةَ التّامَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا لِلرّاضِي بِقَضاءِ اللَّهِ ويَكُونُ اللَّهُ راضِيًا عَنْهُ فَتَكُونُ نَفْسُهُ راضِيَةً مَرْضِيَّةً، ولِهَذا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِ: ”مِنهُ“ وهَذانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الجَنَّةَ الرُّوحانِيَّةَ المُنْعَمَ بِها في الدُّنْيا، أتْبَعَهُ بَيانَ الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ البَدَنِيَّةِ الخاصَّةِ بِالدّارِ الَّتِي فِيها القَرارُ فَقالَ: ﴿وجَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ كَثِيرَةِ الأشْجارِ والثِّمارِ ﴿لَهم فِيها نَعِيمٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ جِدًّا خالِصٌ عَنْ كَدَرٍ ما، ودَلَّ عَلى الخُلُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُقِيمٌ﴾

22

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allah has with Him a great reward.

ثُمَّ صَرَّحَ بِخُلُودِهِمْ فِيها بِلَفْظِ الخُلُودِ لِيَكُونَ أقَرَّ لِلنَّفْسِ فَقالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وحَقَّقَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ المَدْحَ لِذَلِكَ مُؤْذِنًا بِالمَزِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ والقُدْرَةُ الكامِلَةُ ﴿عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وناهِيكَ بِما يَصِفُهُ العَظِيمُ دالًّا بِالعِظَمِ، وخَصَّ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِهَذا الثَّوابِ المُعَبَّرِ عَنْ دَوامِهِ بِهَذِهِ العِباراتِ الثَّلاثِ المَقْرُونَةِ بِالتَّعْظِيمِ والِاسْمِ الأعْظَمِ، فَكانَ أعْظَمَ الثَّوابِ؛ لِأنَّ إيمانَهم أعْظَمُ الإيمانِ.

23

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَٰنِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

ولَمّا فَرَغَ مِنَ العاطِفَةِ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ، شَرَعَ في العاطِفَةِ بِالأنْسابِ والأمْوالِ، وقَدَّمَ الأوَّلَ إشارَةً إلى أنَّ المُجانَسَةَ في الأفْعالِ مُقَدَّمَةٌ عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ، ولَمّا كانَ مَحَطُّ المُوالاةِ المُناصَرَةَ، وكانَتِ النُّصْرَةُ بِالآباءِ والإخْوانِ أعْظَمَ مِنَ النُّصْرَةِ بِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ مَرْجِعَها إلى كَثْرَةِ الأعْوانِ والأخْدانِ، اقْتَصَرَ عَلَيْها فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ بِالإيمانِ بِرَبِّهِمْ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ مِنَ الأنْدادِ الظّاهِرَةِ! صَدِّقُوا ادِّعاءَكم ذَلِكَ بِأنْ ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ أيْ: تَتَعَمَّدُوا وتَتَكَلَّفُوا أنْ تَأْخُذُوا ﴿آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾ أيْ: عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ الطِّباعُ وتَقْوِيَةُ الأطْماعِ فَتُلْقُوا إلَيْهِمْ أسْرارَكم وتُؤْثِرُوا رِضاهم والمَقامُ عِنْدَهم ﴿إنِ اسْتَحَبُّوا﴾ أيْ: طَلَبُوا وأوْجَدُوا أنْ أحَبُّوا ﴿الكُفْرَ﴾ وهو تَغْطِيَةُ الحَقِّ والتَّكْذِيبُ ﴿عَلى الإيمانِ﴾ نَبَّهَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْعالِ عَلى أنَّ الإيمانَ لِكَثْرَةِ مَحاسِنِهِ وظُهُورِ دَلائِلِهِ مَعْشُوقٌ بِالطَّبْعِ، فَلا يَتْرُكُهُ أحَدٌ إلّا بِنَوْعِ مُعالَجَةٍ ومُكابَرَةٍ لِعَقْلِهِ ومُجاهَدَةٍ.

ولَمّا كانَ أعَزُّ الأشْياءِ الدِّينَ، وكانَ لا يُنالُ إلّا بِالهِدايَةِ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ سَلْبُها عَنِ الظّالِمِ، ورَهَّبَهم مِنَ انْتِزاعِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ أيْ: يَتَكَلَّفُ أنْ يَفْعَلَ في أمْرِهِمْ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مَعَ قَرِيبِهِ ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ ما أعْلَمَكُمُ اللَّهُ في أمْرِهِمْ مِمّا أعْلَمَ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ: المُبْعَدُونَ عَنِ الحَضَراتِ الرَّبّانِيَّةِ ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لِوَضْعِهِمُ المُوالاةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الزَّواجِرِ، وهَذا رُجُوعٌ بِالِاحْتِراسِ إلى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] - الآيَةَ. الوالِيَةِ لِبَيانِ المُؤْمِنِينَ حَقًّا وإشارَةً إلى أنَّهُ يُضِلُّهم ولا يَهْدِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الخَبَرِ بِأنَّهُ لا يَهْدِي الظّالِمِينَ.

24

قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌۭ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Say, [O Muhammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allah and His Messenger and jihad in His cause, then wait until Allah executes His command. And Allah does not guide the defiantly disobedient people."

ولَمّا كانَتِ الأنْفُسُ مُخْتَلِفَةَ الهِمَمِ مُتَبايِنَةَ السَّجايا والشِّيَمِ، كانَ هَذا غَيْرَ كافٍ في التَّهْدِيدِ لِكُلِّها، فَأتْبَعَهُ تَهْدِيدًا أشَدَّ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ النُّفُوسِ فَقالَ مُنْتَقِلًا مِن أُسْلُوبِ الإقْبالِ إلى مَقامِ الإعْراضِ المُؤْذِنِ بِزَواجِرِ الغَضَبِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: يا أعْظَمَ الخَلْقِ شَفَقَةً ورِفْقًا ونَصِيحَةً لِمَن لَمْ يُزْعِمْهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الزَّواجِرِ أنَّهُ يَجِبُ تَحَمُّلُ جَمِيعِ هَذِهِ المَضارِّ في الدُّنْيا لِيَبْقى الدِّينُ سالِمًا ولا يَنْثَلِمَ ﴿إنْ كانَ آباؤُكُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ أنْتُمْ أشَدُّ شَيْءٍ تَوْقِيرًا لَهم ﴿وأبْناؤُكُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم أعَزُّ النّاسِ لَدَيْكم وأحَبُّهم إلَيْكم ﴿وإخْوانُكُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم مِن أُصُولِكم فَهم كَأنْفُسِكم ﴿وأزْواجُكُمْ﴾ أيِ: اللّاتِي هُنَّ سَكَنٌ لَكم ﴿وعَشِيرَتُكُمْ﴾ أيِ: الَّتِي بِها تَمامُ الرّاحَةِ وقِيامُ العِزِّ والمَنَعَةِ وهم أهْلُ الإنْسانِ الأدْنَوْنَ الَّذِينَ يُعاشِرُونَهُ.

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ ما هو مُقَدَّمٌ عَلى المالِ عِنْدَ أُولِي الهِمَمِ العَوالِ قالَ: ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ أيِ اكْتَسَبْتُمُوها بِالمُعالَجَةِ مِنَ الأسْفارِ وغَيْرِها لِمَعاشِكم ﴿وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ أيْ: لِفَواتِ أوْقاتِ نِفاقِها بِسَبَبِ اشْتِغالِكم بِما نَدَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ فَيُفَوِّتُ - عَلى ما تَتَوَهَّمُونَ - ما بِهِ قَوامُكم ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ أيْ: لِأنَّها مَجْمَعٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ، ولَقَدْ رَتَّبَها سُبْحانَهُ أحْسَنَ تَرْتِيبٍ، فَإنَّ الأبَ أحَبُّ المَذْكُورِينَ لِما هُنا مِن شائِبَةِ النُّصْرَةِ، وبَعْدَهُ الِابْنُ ثُمَّ الأخُ ثُمَّ الزَّوْجُ ثُمَّ العَشِيرُ الجامِعُ لِلذُّكُورِ والإناثِ ثُمَّ المالُ المَوْجُودُ في اليَدِ ثُمَّ المُتَوَقَّعُ رِبْحُهُ بِالمَتْجَرِ، وخَتَمَ بِالمَسْكَنِ لِأنَّهُ الغايَةُ الَّتِي كَلُّ ما تَقَدَّمَ أسْبابٌ لِلِاسْتِرْواحِ فِيهِ والتَّجَمُّلِ بِهِ ﴿أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ، ومَتى شاءَ سَلَبَكُمُوهُ ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي أتاكم بِما بِهِ حِفْظُ هَذِهِ النِّعَمِ في الدّارَيْنِ ﴿وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ أيِ: لِرَدِّ الشّارِدِ مِن عِبادِهِ إلَيْهِ وجَمْعِهِمْ عَلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أيِ: انْتَظِرُوا مُتَرَبِّصِينَ - تَهْدِيدٌ بَلِيغٌ ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿بِأمْرِهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا تَبْلُغُهُ أوْصافُكم ولا تَحْتَمِلُهُ قُواكم.

ولَمّا كانَ مَن آثَرَ حُبَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى حُبِّهِ تَعالى، كانَ مارِقًا مِن دِينِهِ راجِعًا إلى دِينِ مَن آثَرَهُ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَيُصِيبُكم بِقارِعَةٍ لا تُطِيقُونَها ولا تَهْتَدُونَ إلى دَفْعِها بِنَوْعِ حِلْيَةٍ؛ لِأنَّكُمُ اخْتَرْتُمْ لِأنْفُسِكم مُنابَذَةَ الهِدايَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مَطْبُوعٌ في الفِسْقِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيْ: لا يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قُلُوبِ ﴿الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اسْتَعْمَلُوا ما عِنْدَهم مِن قُوَّةِ القِيامِ فِيما يُرِيدُونَ مِنَ الفَسادِ حَتّى صارَ الفِسْقُ - وهو الخُرُوجُ مِمّا حَقُّهُ المُكْثُ فِيهِ والتَّقَيُّدُ بِهِ وهو هُنا الطّاعَةُ - خُلُقًا مِن أخْلاقِهِمْ ولازِمًا مِن لَوازِمِهِمْ، بَلْ يَكِلُهم إلى نُفُوسِهِمْ فَيَخْسَرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ.

25

لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍۢ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًۭٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ

Allah has already given you victory in many regions and [even] on the day of Hunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with its vastness; then you turned back, fleeing.

ولَمّا كانَ في بَعْضِ النُّفُوسِ مِنَ الغُرُورِ بِالكَثْرَةِ ما يُكْسِبُها سَكْرَةً تُغْفِلُها عَنْ بَعْضِ مَواقِعِ القُدْرَةِ، ساقَ قِصَّةَ حُنَيْنٍ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ الَّذِي أبْهَمَهُ مِنَ التَّهْدِيدِ جَوابًا لِسائِلٍ كانَ كَأنَّهُ قالَ: ما ذاكَ الأمْرُ الَّذِي يُتَرَبَّصُ لِإتْيانِهِ ويُخْشى مِن عَظِيمِ شَأْنِهِ؟ فَقِيلَ: الذُّلُّ والهَوانُ والِافْتِقارُ والِانْكِسارُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: بِأنْ يُسَلِّطَ القَدِيرُ عَلَيْكم - وإنْ كُنْتُمْ كَثِيرًا - أقْوِياءَ غَيْرَكم وإنْ كانُوا قَلِيلًا ضُعَفاءَ كَما سَلَّطَكم - وقَدْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ - حَتّى صِرْتُمْ إلى ما صِرْتُمْ إلَيْهِ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْلى مَعَ شِدَّةِ ضَعْفِكم ﴿فِي مَواطِنَ﴾ أيْ: مَقاماتٍ ومَواقِفَ وأماكِنَ تُوَطِّنُونَ فِيها أنْفُسَكم عَلى لِقاءِ عَدُوِّكم ﴿كَثِيرَةٍ﴾ أيْ: مِنَ الغَزَواتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لَكم كَبَدْرٍ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وقَيْنُقاعَ والحُدَيْبِيَةِ وخَيْبَرَ وغَيْرِها مِن مُخاصَماتِ الكُفّارِ، وكُنْتُمْ مِنَ الذِّلَّةِ والقِلَّةِ والِانْكِسارِ بِحالٍ لا يُتَخَيَّلُ مَعَها نَصْرُكم وظُهُورُكم عَلى جَمِيعِ الكُفّارِ وأنْتُمْ فِيهِمْ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، وما وكَلَكم إلى مُناصَرَةِ مَن تَقَدَّمَ أمْرُهُ لَكم بِمُقاطَعَتِهِمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ ورَجَّحَ الدِّينَ عَلى الدُّنْيا آتاهُ اللَّهُ الدِّينَ والدُّنْيا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ وإنْ عاداهُ النّاسُ أجْمَعُونَ، ودَلَّ بِما بَعْدَها مِن قِصَّةِ حُنَيْنٍ عَلى أنَّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلى الدُّنْيا فاتَهُ الدِّينُ والدُّنْيا إلّا أنْ يَتَدارَكَهُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ فَيَرْجِعَ بِهِ. فَقالَ تَعالى:﴿ويَوْمَ﴾ أيْ: ونَصَرَكم بَعْدَ أنْ قَوّاكم وكَثَّرَكم هو وحْدَهُ، لا كَثْرَتُكم وقُوَّتُكم يَوْمَ ﴿حُنَيْنٍ﴾ وهو وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ إلى جانِبِ ذِي المَجازِ، وهو إلى مَكَّةَ أقْرَبُ، وراءَ عَرَفاتٍ إلى الشَّمالِ.

ولَمّا كانَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ الأنْصارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ قالَ حِينَ التَقى الجَمْعانِ وأعْجَبَتْهُ كَثْرَةُ النّاسِ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ! فَساءَ النَّبِيَّ ﷺ كَلامُهُ وأنْ يَعْتَمِدَ إلّا عَلى اللَّهِ، وكانَ الإعْجابُ سُمًّا قاتِلًا لِلْأسْبابِ، أدَّبَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الغَزْوَةِ بِذِكْرِ سُوءِ أثَرِهِ لِنَحْذَرَهُ، ثُمَّ عادَ سُبْحانَهُ بِالإنْعامِ لِكَوْنِ الَّذِي قالَهُ شَخْصًا واحِدًا كَرِهَ غَيْرُهُ مَقالَتَهُ. فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ أيْ: فَقَطَعْتُمْ لِذَلِكَ أنَّهُ لا يَغْلِبُها غالِبٌ، وأسْنَدَ سُبْحانَهُ الفِعْلَ لِلْجَمْعِ إشارَةً إلى أنَّهم لِعُلُوِّ مَقامِهِمْ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ مِنهم مَن يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ أيْ: مِنَ الإغْناءِ ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ﴾ أيِ: الواسِعَةُ ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: مَعَ اتِّساعِها فَصِرْتُمْ لا تَرَوْنَ أنَّ فِيها مَكانًا يُحَصِّنُكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ لِفَرْطِ الرُّعْبِ، فَما ضاقَ في الحَقِيقَةِ إلّا ما كانَ مِنَ الآمالِ الَّتِي سَكَنَتْ إلى الأمْوالِ والرِّجالِ، ولَعَلَّ عَطْفَهُ - لِتَوَلِّيهِمْ بِأداةِ التَّراخِي في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ﴾ أيْ: تَوْلِيَةً كَثِيرَةً ظُهُورَكُمُ الكُفّارَ، وحَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُدْبِرِينَ﴾ أيِ: انْهِزامًا مَعَ أنَّ الفِرارَ كانَ حِينَ اللِّقاءِ لَمْ يَتَأخَّرْ - إشارَةً إلى ما كانَ عِنْدَهم مِنَ اسْتِعْبادِهِ اعْتِمادًا عَلى القُوَّةِ والكَثْرَةِ

26

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ

Then Allah sent down His tranquillity upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers angels whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

﴿ثُمَّ أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿سَكِينَتَهُ﴾ أيْ: رَحْمَتَهُ، وهي الأمْرُ الَّذِي يُسَكِّنُ القُلُوبَ عَنْ أنْ تَتَأثَّرَ بِما يَدْهَمُها مِنَ البَلاءِ مِنَ الوُثُوقِ بِهِ سُبْحانَهُ ومُشاهَدَةِ جَنابِهِ الأقْدَسِ والغَناءِ عَنْ غَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ المَقامُ لِلرِّسالَةِ، وكانَ تَأْيِيدُ مُدَّعِيها مِن أماراتِ صِدْقِهِ في دَعْوى أنَّهُ رَسُولٌ، وأنَّ مُرْسِلَهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ لا سِيَّما إنْ كانَ تَأْيِيدُهُ عَلى وجْهٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ، عَبَّرَ بِهِ دُونَ وصْفِ النُّبُوَّةِ فَقالَ: ﴿عَلى رَسُولِهِ﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى ما كانَ بِهِ مِنَ السَّكِينَةِ الَّتِي لَمْ يَحُزْ مِثْلَها أحَدٌ، ثَبَّتَ بِها الثَّلاثِينَ ألْفًا أوْ عِشْرِينَ ألْفًا أوْ أرْبَعَةَ آلافٍ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ في عَشْرَةِ أنْفُسٍ أوْ مِائَةٍ أوْ ثَلاثِمِائَةٍ - عَلى الِاخْتِلافِ أيْضًا، لَمْ يَكُنْ ثَباتُهم إلّا بِهِ، ثُمَّ لَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إلّا تَقَدُّمًا حَتّى أنْ كانَ العَبّاسُ عَمُّهُ وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ ابْنُ عَمِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَيَكُفّانِ بَغْلَتَهُ عَنْ بَعْضِ التَّقَدُّمِ، ولَعَلَّ العَطْفَ بِ: ”ثُمَّ“ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ ذَلِكَ الثَّباتِ واسْتِبْعادِ أنْ يَقَعَ مِثْلُهُ في مَجارِي العاداتِ ﴿وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أمّا مَن كانَ مِنهم ثابِتًا فَزِيادَةً عَلى ما كانَ لَهُ مِن ذَلِكَ، وأمّا غَيْرُهُ فَأُعْطِيَ ما لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ ﷺ قالَ لِعَمِّهِ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ بَعْدَما فَرَّ النّاسُ: نادِ فِيهِمْ يا عَبّاسُ! فَنادى وكانَ صِيتًا: يا عِبادَ اللَّهِ! يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ! يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ! فَكَرُّوا عُنُقًا واحِدًا يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ! ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُجَرَّدِ التَّبَرُّكِ كَما في ذِكْرِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وزِيادَةً في تَعْظِيمِ الِامْتِنانِ بِهِ لِأنَّ النُّفُوسَ إلى ما أعْطى مِنهُ الرَّسُولُ أمْيَلُ والقُلُوبُ لَهُ أقْبَلُ لِاعْتِقادِ جَلالِهِ وعَظَمَتِهِ وكَمالِهِ ﴿وأنْـزَلَ﴾ أيْ: مِنَ السَّماءِ ﴿جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿وعَذَّبَ﴾ أيْ: بِالقَتْلِ والأسْرِ والهَزِيمَةِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَبَّرَ بِالفِعْلِ لِأنَّ فِيهِمْ مَن آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ ما عُذِّبَ بِهِ مَن أوْجَدَ مُطْلَقَ هَذا الوَصْفِ عَظِيمًا، أتْبَعَهُ بَيانَ جَزاءِ العَرِيقِ في ذَلِكَ تَرْهِيبًا لِمَن آثَرَ حُبَّ شَيْءٍ مِمّا مَضى عَلى حُبِّ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وذَلِكَ﴾ أيِ: العَذابُ الَّذِي مِنهُ ما عُذِّبَ بِهِ هَؤُلاءِ وغَيْرُهُ ﴿جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في وصْفِ الكُفْرِ الَّذِينَ آثَرُوا حُبَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الآباءِ وغَيْرِهِمْ عَلى اللَّهِ فَثَبَتُوا عَلى تَقْلِيدِ الآباءِ في الباطِلِ بَعْدَما رَأوْا مِنَ الدَّلائِلِ ما بَهَرَ الشَّمْسَ ولَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِن لَبْسٍ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ كُفْرُهم راسِخًا فَكانَ ذَلِكَ صَلاحًا لَهم لِأنَّهُ قادَهم إلى الإسْلامِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ المَنصُورَ مَن نَصَرَهُ اللَّهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وأنَّ القِلَّةَ والكَثْرَةَ والقُوَّةَ والضَّعْفَ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ سَواءٌ، فَلا تَغْتَرُّوا بِما ألْزَمَكم مِنَ النِّعَمِ؛ فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى نَزْعِها، لا يَسْتَحِقُّ أحَدٌ عَلَيْهِ شَيْئًا، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّ قَضائِهِ، وفي ذَلِكَ إعْلامٌ بِأنَّهُ لا يَرْتَدُّ بَعْدَ إيمانِهِ إلّا مَن …

27

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then Allah will accept repentance after that for whom He wills; and Allah is Forgiving and Merciful.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ العَذابَ جَزاءُ الكافِرِينَ، بَيَّنَ أنَّهُ يَتُوبُ عَلى مَن يُرِيدُ مِنهُمْ، وهم كُلُّ مَن عَلِمَ مِنهُ قابِلِيَّةً لِلْإيمانِ وإنْ كانَ شَدِيدًا في وصْفِ الكُفْرانِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى: ﴿وعَذَّبَ﴾ [التوبة: ٢٦] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ عِلْمًا وقُدْرَةً، ولَمّا لَمْ يَكُنِ أحَدٌ تَسْتَغْرِقُ تَوْبَتُهُ زَمانَ البُعْدِ أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ: العَذابِ العَظِيمِ ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ: فَيَهْدِيهِ إلى الإسْلامِ ويَغْفِرُ لَهُ جَمِيعَ ما سَلَفَ مِنَ الآثامِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: مَحّاءٌ لِلْخَطايا عَظِيمُ الإكْرامِ لِمَن تابَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الوَقْعَةَ لِحِكْمَتِهِ الَّتِي اقْتَضَتْ رَبْطَ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها - سَبَبًا لِإسْلامِ مَن حَضَرَها مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُؤَلَّفَةِ بِما قَسَّمَ فِيهِمْ ﷺ مِن غَنائِمِ هَوازِنَ وبِما رَأوْا مِن عِزِّ الإسْلامِ وعُلُوِّهِ، فَكانَ في ذَلِكَ تَرْغِيبٌ لَهم بِالمالِ، وتَرْهِيبٌ بِسَطَواتِ القِتالِ، ولِإسْلامِ وفْدِ هَوازِنَ بِما حَصَلَ لَهم مِنَ القَهْرِ وما شاهَدُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن عَظِيمِ النَّصْرِ، ولِإسْلامِ غَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ بِسَبَبِ عِلْمِ كُلٍّ مِنهم بِهَذِهِ الوَقْعَةِ أنَّهم أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا، كُلُّ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنهُ سُبْحانَهُ لَهم ورِفْقًا لَهُمْ، وقَدْ كانَ جَمِيعُ ذَلِكَ كَما أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَأسْلَمَ الطُّلَقاءُ وحَسُنَ إسْلامُهُمْ، وقَدِمَ وفْدُهَوازِنَ وسَألُوا النَّبِيَّ ﷺ جَبْرَهم بِرَدِّ ما أُخِذَ لَهم فَقالَ لَهُمْ: إنِّي اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ، فَلَمّا أبْطَأْتُمْ قَسَّمْتُ بَيْنَ النّاسِ فَيْئَهُمْ، فاخْتارُوا المالَ أوِ السَّبْيَ! فاخْتارُوا السَّبْيَ فَشَفَعَ لَهم عِنْدَ النّاسِ فَأجابُوهُ فَرَدَّ إلَيْهِمْ أبْناءَهم ونِساءَهم رَحْمَةً مِنهُ لَهُمْ، وذَلَّ العَرَبُ لِذَلِكَ فَدَخَلُوا في الدِّينِ أفْواجًا. وخَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلى ما هو الأنْسَبُ لِسِياقِ التَّوْبَةِ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ ما عَدَلَ إلى خَتْمِ الأُولى بِ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٥] إلّا لِما قَرَّرَتْهُ مِن جَعْلِ أمْ في ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ [التوبة: ١٦] مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

28

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًۭ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Haram after this, their [final] year. And if you fear privation, Allah will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allah is Knowing and Wise.

ولَمّا تَقَدَّمَ في الأمْرِ والنَّواهِي وبَيانِ الحِكَمِ المُرَغِّبَةِ والمُرَهِّبَةِ ما لَمْ يُبْقِ لِمَن عِنْدُهُ أدْنى تَمَسُّكٍ بِالدِّينِ شَيْئًا مِنَ الِالتِفاتِ إلى المُفْسِدِينَ، بَيَّنَ أنَّ العِلَّةَ في مُدافَعَتِهِمْ وشَدِيدِ مُقاطَعَتِهِمْ أنَّهم نَجَسٌ وأنَّ المَواضِعَ - الَّتِي ظَهَرَتْ فِيها أنْوارُ عَظَمَتِهِ وجَلالَتِهِ وأشْرَقَتْ عَلَيْها شُمُوسُ نَبُّوتِهِ ورِسالَتِهِ، ولَمَعَتْ فِيها بُرُوقُ كِبْرِهِ وجالَتْ صَوارِمُ نَهْيِهِ وأمْرِهِ - مَواضِعُ القُدْسِ ومُواطِنُ الأُنْسِ، مَن دَنا إلَيْها مِن غَيْرِ أهْلِها احْتَرَقَ بِنارِها، وبَهَرَتْ بَصَرَهُ أشِعَّةُ أنْوارِها، فَقالَ مُسْتَخْلِصًا مِمّا تَقَدَّمَ ومُسْتَنْتِجًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ بِالإيمانِ وهم مِمَّنْ يَسْتَقْبِحُ الكَذِبَ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ﴾ أيِ: العَرِيقُونَ في الشِّرْكِ بِدَلِيلِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِ.

ولَمّا كانُوا مُتَّصِفِينَ بِهِ، وكانُوا لا يَغْتَسِلُونَ - ولا يَغْسِلُونَ - ثِيابَهم مِنَ النَّجاسَةِ، بُولِغَ في وصْفِهِمْ بِها بِأنْ جُعِلُوا عَيْنَها فَقالَ: ﴿نَجَسٌ﴾ أيْ: وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّكم أبْعَدُ النّاسِ عَنِ النَّجَسِ حِسًّا ومَعْنًى، فَيَجِبُ أنْ يُقْذَرُوا وأنْ يُبْعَدُوا ويُحْذَرُوا كَما يُفْعَلُ بِالشَّيْءِ النَّجِسِ لِما اشْتَمَلُوا عَلَيْهِ مِن خِلالِ الشَّرِّ واتَّصَفُوا بِهِ مِن خِصالِ السُّوءِ، وأمّا أبْدانُهم فاتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى طَهارَتِها؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ مِن أوانِيهِمْ ولَمْ يَنْهَ عَنْ مُؤاكَلَتِهِمْ ولا أمَرَ بِالغَسْلِ مِنها ولَوْ كانَتْ نَجِسَةً ما طَهَّرَها الإسْلامُ. ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إبْعادُهُمْ، قالَ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ، وهَذا نَهْيٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِن ذَلِكَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِنَهْيِهِمْ مُبالَغَةً فِيهِ ﴿المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ أيِ: الَّذِي أخْرَجُوكم مِنهُ وأنْتُمْ أطْهَرُ النّاسِ، واسْتَغْرَقَ الزَّمانَ فَأسْقَطَ الجارَّ ونَبَّهَهم عَلى حُسْنِ الزَّمانِ واتِّساعِ الخَيْرِ فِيهِ بِالتَّعْبِيرِ بِالعامِّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ﴾ وحَقَّقَ الأمْرَ وأزالَ اللَّبْسَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا﴾ وهو آخِرُ سِنَةِ تِسْعٍ سَنَةِ الوُفُودِ مَرْجِعَهُ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَعَبَّرَ بِقُرْبانِهِ لا بِإتْيانِهِ بَعْدَ التَّقْدِيمِ إلَيْهِمْ بِأنْ لا يُقْبَلَ مِن مُشْرِكٍ إلّا الإسْلامُ أوِ القَتْلُ إشارَةً إلى إخْراجِ المُشْرِكِينَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ وأنَّها لا يَجْتَمِعُ بِها دَيْنانِ لِأنَّها كُلَّها مَحَلُّ النُّبُوَّةِ العَرَبِيَّةِ ومَوْطِنُ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ، فَمَن كانَ فِيها - ولَوْ في أقْصاها - فَقَدْ قارَبَ جَمِيعَ ما فِيها، وتَكُونُ حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَرَمِ كَأفْنِيَةِ الدُّورِ ورِحابِ المَساجِدِ؛ وفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرْسَلَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أمِيرًا عَلى الحَجِّ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِن تَبُوكَ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِبَراءَةَ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَأذَّنَ مَعَنا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ في أهْلِ مِنًى بِبَراءَةَ وأنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ». وهَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ؛ فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ التَّوْراةِ بِأنْ لا يُبْقُوا في جَمِيعِ بِلادِ بَيْتِ المَقْدِسِ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ بِخِلافِ غَيْرِها مِنَ البِلادِ الَّتِي يَفْتَحُها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، مِنها ما قالَ المُتَرْجِمُ في أواخِرِ …

29

قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ

Fight those who do not believe in Allah or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allah and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah willingly while they are humbled.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ تَعَجُّبٍ يَكُونُ سَبَبًا لِأنْ يُقالَ: مِن أيْنَ يَكُونُ ذَلِكَ الغِنى؟ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا﴾ أيْ: أهْلَ الأمْوالِ والغِنى ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ إيمانًا هو عَلى ما أخْبَرَتْ بِهِ عَنْهُ رُسُلُهُ، ولَوْ آمَنُوا هَذا الإيمانَ ما كَذَّبُوا رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ، وأيْضًا فالنَّصارى مُثَلِّثَةٌ وبَعْضُ اليَهُودِ مُثَنِّيَةٌ ﴿ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: كَذَلِكَ، وأقَلُّ ذَلِكَ أنَّهم لا يَقُولُونَ بِحَشْرِ الأجْسادِ ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿ورَسُولُهُ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ وأكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ وتَبْدِيلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿ولا يَدِينُونَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ويُقِيمُونَ، اشْتَقَّ مِنَ الدِّينِ فِعْلًا ثُمَّ أضافَهُ إلى صِفَتِهِ إغْراقًا في اتِّخاذِهِ بِذَلِكَ الوَصْفِ فَقالَ: ﴿دِينَ الحَقِّ﴾ أيِ: الَّذِي أخَذَتْ عَلَيْهِمْ رُسُلَهُمُ العُهُودَ والمَواثِيقَ بِاتِّباعِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ المَوْصُولَ مَعَ صِلَتِهِ فَقالَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ ودَلَّ عَلى اسْتِهانَتِهِ سُبْحانَهُ بِهِمْ وبَراءَتِهِ مِنهم بِأنْ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ومَن أُلْحِقَ بِهِمْ ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ أيْ: وهي ما قُرِّرَ عَلَيْهِمْ في نَظَرِ سُكْناهم في بِلادِ الإسْلامِ آمِنِينَ، فِعْلُهُ مِن جَزى يَجْزِي.

إذا قَضى ما عَلَيْهِ ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أيْ: قاهِرَةٍ إنْ كانَتْ يَدُ الآخِذِ أوْ مَقْهُورَةً إنْ كانَتْ يَدَ المُعْطِي، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ أعْطى بِيَدِهِ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ فَفي ذَلِكَ غِنًى لا يُشْبِهُ ما كُنْتُمْ فِيهِ مِن قِتالِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ لِتَغْنَمَ ما في يَدِهِ مِن ذَلِكَ المالِ الحَقِيرِ ولا ما كُنْتُمْ تَعُدُّونَهُ غِنًى مِنَ المَتاجِرِ الَّتِي لا يَبْلُغُ أكْبَرُها وأصْغَرُها ما أرْشَدْناكم إلَيْهِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ العِزِّ المُمْكِنِ مِنَ الإصْلاحِ والطّاعَةِ وسَتَرَوْنَ، وعَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ السَّطْوَةِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْها الذُّلُّ والقَهْرُ؛ لِأنَّها الآلَةُ الباطِشَةُ، فالمَعْنى: عَنْ يَدٍ قاهِرَةٍ لَهُمْ، أيْ: عَنْ قَهْرٍ مِنكم لَهم وسَطْوَةٍ بِأفْعالِهِمُ الَّتِي أصْغَرَتْهم عَظَمَتُها وأذَلَّتْهم شِدَّتُها، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِكُلِّ مَن أعْطى شَيْئًا كُرْهًا عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ: أعْطاهُ عَنْ يَدٍ. انْتَهى.

وعَبَّرَ بِ: ”عَنْ“ الَّتِي هي لِلْمُجاوَزَةِ؛ لِأنَّ الإعْطاءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ البَطْشِ المُذِلِّ، هَذا إذا أُرِيدَ بِاليَدِ يَدُ الآخِذِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِها يَدُ المُعْطِي، وتَكُونُ كِنايَةً عَنِ النَّفْسِ لِأنَّ مَقْصُودَ الجِزْيَةِ المالُ، واليَدُ أعْظَمُ أسْبابِهِ، فالمَعْنى: حَتّى يُعْطِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الجِزْيَةَ عَنْ نَفْسِهِ.

30

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Jews say, "Ezra is the son of Allah "; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allah." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved [before them]. May Allah destroy them; how are they deluded?

ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْمِيمَ أتى بِها نَكِرَةً لِتُفِيدَ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدَ هَذا ما نَقَلَ العُلَماءُ عَنِ الرُّواةِ لِفُتُوحِ البِلادِ مِنهُمُ الحافِظُ أبُو الرَّبِيعِ بْنُ سالِمٍ الكَلاعِيُّ، قالَ في كِتابِهِ: الِاكْتِفاءُ في وقْعَةِ جَلُولاءَ مِن بِلادِ فارِسَ: قالُوا: قالَ بَعْضُهُمْ: فَكانَ الفَلّاحُونَ لِلطُّرُقِ والجُسُورِ والأسْواقِ والحَرْثِ والدَّلالَةُ مَعَ الجَزْيِ عَنْ أيْدِيهِمْ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِمْ، وكانَتِ الدَّهاقِينُ لِلْجِزْيَةِ عَنْ أيْدِيهِمْ والعِمارَةِ، وإنَّما أخَذُوا الجِزْيَةَ مِنَ المَجُوسِ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ وأخَذَها مِنهم لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ في الأصْلِ، قالَ الشّافِعِيُّ في بابِ المُجْمَلِ والمُفَسَّرِ مِن كِتابِ اخْتِلافِ الحَدِيثِ: والمَجُوسُ أهْلُ كِتابٍ غَيْرِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وقَدْ نَسُوا كِتابَهم وبَدَّلُوهُ، فَأذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ؛ أخْبَرَنا سُفْيانُ عَنْ أبِي سَعْدٍ سَعِيدِ بْنِ مَرْزُبانَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ قالَ: قالَ فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الأشْجَعِيُّ: عَلامَ تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنَ المَجُوسِ ولَيْسُوا بِأهْلِ كِتابٍ؟ فَقامَ إلَيْهِ المُسْتَوْرِدُ فَأخَذَ بِلَبَبِهِ فَقالَ: يا عَدُوَّ اللَّهِ! تَطْعَنُ عَلى أبِي بَكْرٍ وعَلى عُمَرَ وعَلِيٍّ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ - يَعْنِي عَلِيًّا - وقَدْ أخَذُوا مِنهُمُ الجِزْيَةَ، فَذَهَبَ بِهِ إلى القَصْرِ فَخَرَجَ عَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِما فَقالَ: البَدا! البَدا! فَجَلَسا في ظِلِّ القَصْرِ فَقالَ عَلِيٌّ: أنا أعْلَمُ النّاسِ بِالمَجُوسِ، كانَ لَهم عِلْمٌ يَعْلَمُونَهُ وكِتابٌ يَدْرُسُونَهُ، وإنَّ مَلِكَهم سَكِرَ فَوَقَعَ عَلى ابْنَتِهِ أوْ أُخْتِهِ فاطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَلَمّا صَحا جاءُوا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ الحَدَّ فامْتَنَعَ عَلَيْهِمْ فَدَعا أهْلَ مَمْلَكَتِهِ فَقالَ: تَعْلَمُونَ دِينًا خَيْرًا مِن دِينِ آدَمَ وقَدْ كانَ آدَمُ يَنْكِحُ بَنِيهِ مِن بَناتِهِ، فَأنا عَلى دِينِ آدَمَ، فَبايَعُوهُ وقاتَلُوا الَّذِينَ خالَفُوهم حَتّى قَتَلُوهم فَأصْبَحُوا وقَدْ أُسْرِيَ عَلى كِتابِهِمْ فَرُفِعَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ وذَهَبَ العِلْمُ الَّذِي في صُدُورِهِمْ، وهم أهْلُ كِتابٍ وقَدْ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِنهُمُ الجِزْيَةَ. ولَمّا أمَرَ بِقِتالِهِمْ ووَصَفَهم بِما هو السَّبَبُ الباعِثُ عَلى ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ بَعْضَ أقْوالِهِمُ المُبِيحَةِ لِقِتالِهِمُ المُوجِبَةِ لِنَكالِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَتِ﴾ أيْ: قائِلُو أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم كَفَرُوا بِما وصَفْناهم بِهِ وقالَتِ ﴿اليَهُودُ﴾ مِنهم كَذِبًا وبُهْتانًا ﴿عُزَيْرٌ﴾ تَنْوِينُ عاصِمٍ والكِسائِيِّ لَهُ مُوَضِّحٌ لِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً، والباقُونَ مَنَعُوهُ نَظَرًا إلى عُجْمَتِهِ مَعَ العَلَمِيَّةِ ولَيْسَ فِيهِ تَصْغِيرٌ، والخَبَرُ في القِراءَةِ قَوْلُهُمْ: ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ العُلُوُّ المُطْلَقُ فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وعُزَيْرٌ هَذا هو المُسَمّى عِنْدَهم في سِفْرِ الأنْبِياءِ مَلاخْيا، ويُسَمّى أيْضًا العازِرَ وهو الأصْلُ والعُزَيْرُ تَعْرِيبُهُ، وأمّا الَّذِي جَمَعَ لَهم هَذِهِ التَّوْراةَ الَّتِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَقالَ السَّمَوْألُ بْنُ يَحْيى المَغْرِبِيُّ الَّذِي كانَ يَهُودِيًّا فَأسْلَمَ: إنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ اسْمُهُ عِزْرا، وإنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ في كِتابِهِ: غايَةُ المَقْصُودِ في الرَّدِّ عَلى النَّصارى واليَهُودِ، وهو كِتابٌ حَسَنٌ جِدًّا، وكانالسَّمَوْألُ هَذا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِشَرِيعَةِ …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.