Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 91–100 of 129

91

لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍۢ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

There is not upon the weak or upon the ill or upon those who do not find anything to spend any discomfort when they are sincere to Allah and His Messenger. There is not upon the doers of good any cause [for blame]. And Allah is Forgiving and Merciful.

ولَمّا كانَ مِنَ القاعِدِينَ مِن أهْلِ المَدَرِ والوَبَرِ مَن لَهُ عُذْرٌ، اسْتَثْناهم سُبْحانَهُ وساقَ ذَلِكَ مَساقَ النَّتِيجَةِ مِنَ المُقَدِّماتِ الظّاهِرَةِ فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ أيْ: بِنَحْوِ الهَرَمِ ﴿ولا عَلى المَرْضى﴾ أيْ: بِنَحْوِ الحُمّى والرَّمَدِ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ ولَوْ بِدَيْنٍ يُؤَدُّونَهُ في المُسْتَقْبَلِ ﴿ما يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: لِحاجَتِهِمْ وفَقْرِهِمْ ﴿حَرَجٌ﴾ أيْ: إثْمٌ يَمِيلُ بِهِمْ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ويُحْرِجُ دِينَهم.

ولَمّا كانَ رُبَّما كانَ أحَدٌ مِنَ المُنافِقِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ احْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا نَصَحُوا﴾ أيْ: في تَخَلُّفِهِمْ وجَمِيعِ أحْوالِهِمْ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيْ: سِرًّا وعَلانِيَةً، فَإنَّهم حِينَئِذٍ مُحْسِنُونَ في نُصْحِهِمُ الَّذِي مِنهُ تَحَسُّرُهم عَلى القُعُودِ عَلى هَذا الوَجْهِ وعَزْمُهم عَلى الخُرُوجِ مَتى قَدَرُوا، وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ ”ما عَلَيْهِمْ“ لِبَيانِ إحْسانِهِمْ بِنُصْحِهِمْ مَعَ عُذْرِهِمْ ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ إلى ذَمِّهِمْ أوْ لَوْمِهِمْ، والجُمْلَةُ كُلُّها بَيانٌ لِ: ﴿نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ: مَحّاءٌ لِلذُّنُوبِ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: مُحْسِنٌ مُجْمِلٌ إشارَةً إلى أنَّ الإنْسانَ مَحَلُّ التَّقْصِيرِ والعَجْزِ وإنِ اجْتَهَدَ، لا يَسَعُهُ إلّا العَفْوُ؛

92

وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ

Nor [is there blame] upon those who, when they came to you that you might give them mounts, you said, "I can find nothing for you to ride upon." They turned back while their eyes overflowed with tears out of grief that they could not find something to spend [for the cause of Allah].

ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا﴾ وأكَّدَ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ما أتَوْكَ﴾ أيْ: ولَمْ يَأْتُوا بِغَيْرِ قَصْدِكَ راغِبِينَ في الجِهادِ مَعَكَ ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾ وهم لا يَجِدُونَ مَحْمَلًا ﴿قُلْتَ﴾ أيْ: أتَوْكَ قائِلًا أوْ حالَ قَوْلِكَ، ”وقَدْ“ مُضْمَرَةٌ كَما قالُوا في ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] ﴿لا أجِدُ ما﴾ أيْ: شَيْئًا ﴿أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ وأجابَ: ﴿إذا﴾ بِقَوْلِهِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا و”قُلْتَ“ هو الجَوابُ ﴿تَوَلَّوْا﴾ أيْ: عَنْ سَماعِ هَذا القَوْلِ مِنكَ ﴿وأعْيُنُهم تَفِيضُ﴾ أيْ: تَمْتَلِئُ فَتَسِيلُ، وإسْنادُ الفَيْضِ إلَيْها أبْلَغُ مِن حَيْثُ إنَّها جُعِلَتْ كُلُّها دَمْعًا، ثُمَّ بَيَّنَ الفائِضَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ أيْ: دَمْعًا. والأصْلُ: يَفِيضُ دَمْعُها، ثُمَّ عَلَّلَ فَيْضَها بِقَوْلِهِ: ﴿حَزَنًا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ حُزْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ألا يَجِدُوا﴾ أيْ: لِعَدَمِ وِجْدانِهِمْ ﴿ما يُنْفِقُونَ﴾ فَحُزْنُهم في الحَقِيقَةِ عَلى فَواتِ مُرافَقَتِكَ والكَوْنِ في حِزْبِكَ، وهَذِهِ قِصَّةُ البَكّائِينَ صَرَّحَ بِها وإنْ كانُوا داخِلِينَ فِي﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ [التوبة: ٩١] إظْهارًا لِشَرَفِهِمْ وتَقْرِيرًا لِأنَّ النّاصِحَ - وإنِ اجْتَهَدَ - لا غِنى لَهُ عَنِ العَفْوِ حَيْثُ بَيَّنَ أنَّهم - مَعَ اجْتِهادِهِمْ في تَحْصِيلِ الأسْبابِ وتَحَسُّرِهِمْ عِنْدَ فَواتِها بِما أفاضَ أعْيُنَهم - مِمَّنْ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ أوْ مِمَّنْ لا حَرَجَ عَلَيْهِ المَغْفُورِ لَهُ.

93

۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ ۚ رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allah has sealed over their hearts, so they do not know.

ولَمّا نَفى السَّبِيلَ عَمَّنْ وصَفَهُ كَرَّ عَلى ذَمِّ مَنِ انْتَفى عَنْهُ هَذا الوَصْفُ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: بِاللَّوْمِ وغَيْرِهِ ﴿عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ إذْنَكَ في التَّخَلُّفِ عَنْكَ راغِبِينَ فِيهِ ﴿وهم أغْنِياءُ﴾ أيْ: فَلا عُذْرَ لَهم في التَّخَلُّفِ عَنْكَ وعَدَمِ مُواساتِكَ، وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى مُسْتَأْنِفًا: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا﴾ أيْ: كَوْنًا كَأنَّهُ جِبِلَّةٌ لَهم ﴿مَعَ الخَوالِفِ﴾ انْتِفاءُ الضَّعْفِ والمَرَضِ عَنْهم مِن حَيْثُ إنَّهُ عَلَّلَ فِعْلَهم بِرِضاهم بِالتَّخَلُّفِ فَأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّهُ لا عِلَّةَ لَهم سِواهُ، وأفْهَمَ أيْضًا أنَّ كُلَّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مِثْلَهم ولَوْ أنَّهُ ضَعِيفٌ أوْ مَرِيضٌ، وكَرَّرَ ذِكْرَ الخَوالِفِ تَكْرِيرًا لِعَيْبِهِمْ بِرِضاهم بِالكَوْنِ في عِدادِ النِّساءِ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ المَعايِبِ عِنْدَ العَرَبِ، وسَمّى الفاعِلَ لِلطَّبْعِ حَيْثُ حَذَفَهُ مِنَ الأُولى، ولَمّا ذَكَرَهُ عَظُمَ الأمْرُ فاقْتَضى ذَلِكَ عِظَمَ الطَّبْعِ فَنَفى مُطْلَقَ العِلْمِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿رَضُوا﴾ ﴿وطَبَعَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ الكامِلَةُ والعِلْمُ المُحِيطُ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الرِّضى والطَّبْعِ قَوْلَهُ: ﴿فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَهُ فَلِذَلِكَ جَهِلُوا ما في الجِهادِ مِن مَنافِعِ الدّارَيْنِ لَهم فَلِذَلِكَ رَضُوا بِما لا يَرْضى بِهِ عاقِلٌ، وهو أبْلَغُ مِن نَفْيِ الفِقْهِ في الأُولى، وزادَ المُناسَبَةَ حُسْنًا ضَمُّ الأعْرابِ في هَذِهِ الآياتِ إلى أهْلِ الحاضِرَةِ وهم بَعِيدُونَ مِنَ الفِقْهِ جَدِيرُونَ بِعَدَمِ العِلْمِ.

94

يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

They will make excuses to you when you have returned to them. Say, "Make no excuse - never will we believe you. Allah has already informed us of your news. And Allah will observe your deeds, and [so will] His Messenger; then you will be taken back to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ثُمَّ شَرَعَ يُخْبِرُ عَنْ أشْياءَ تَقَعُ مِنهم عِنْدَ الرُّجُوعِ دَلالَةً عَلى أنَّ هَذا كَلامُهُ، وأنَّهُ عالِمٌ بِالمُغَيَّباتِ كُلِّيِّها وجُزْئِيِّها، يَعْلَمُ ما كانَ وما يَكُونُ وما لَمْ يَكُنْ لَوْ كانَ كَيْفَ [كانَ] يَكُونُ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ: ”﴿يَعْتَذِرُونَ﴾“ أيْ: يُثْبِتُونَ الأعْذارَ لِأنْفُسِهِمْ: وأشارَ إلى بُعْدِهِمْ بِالقُلُوبِ بِقَوْلِهِ: ”إلَيْكُمْ“ أيْ عَنِ التَّخَلُّفِ ﴿إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الغَزْوَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ في جَوابِهِمْ؟ فَقالَ لِلرَّأْسِ الَّذِي لا تَأْخُذُهُ في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ: ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ: فَإنَّ أعْذارَكم كاذِبَةٌ، ولِذَلِكَ عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أيْ: نُصَدِّقَكم في شَيْءٍ مِنها، ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ بِما أوْجَبَ لَهُمُ القَطْعَ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ﴾ أيْ: أعْلَمَنا المَلِكُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ إعْلامًا جَلِيلًا.

﴿مِن أخْبارِكُمْ﴾ أيِ الَّتِي ظَنَنْتُمْ جَهْلًا بِاللَّهِ أنَّها تَخْفى فَقَدْ عَلِمْناها؛ ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ﴾ أيْ: لِأنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ دَقَّ، قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ”عَمَلَكُمْ“ أيْ بَعْدَ ذَلِكَ أتَتَبَيَّنُونَ أمْ تَثْبُتُونَ عَلى حالِكم هَذا الخَبِيثِ \ كَما رَأى الَّذِي قَبْلُ ”ورَسُولُهُ“ أيْ: بِما يَعْلَمُهُ بِهِ سُبْحانَهُ وحْيًا أوْ تَفَرُّسًا، ولَمّا كانَ الكَلامُ في المُنافِقِينَ، فَكانَتِ الرُّؤْيَةُ لِنِفاقِهِمُ الَّذِي يَجْتَهِدُونَ في إخْفائِهِ، وكانَ المُؤْمِنُونَ لا اطِّلاعَ لِجَمِيعِهِمْ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُذَكِّرْهم بِخِلافِ مَن يَأْتِي بَعْدُ؛ فَإنَّهم مُؤْمِنُونَ.

ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَهم أنَّهُ لا يَعْلَمُ إلّا ما أوْقَعُوهُ بِالفِعْلِ، نَفى ذَلِكَ بِإظْهارِ وصْفِهِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ مُهَدِّدًا بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِأداةِ التَّراخِي إلى اسْتِبْعادِهِمْ لِقِيامِهِمْ إلى مَعادِهِمْ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ أيْ بِرادٍّ قاهِرٍ لا تَقْدِرُونَ عَلى دِفاعِهِ بَعْدَ اسْتِيفاءِ آجالِكم بِالمَوْتِ وإنْ طالَتْ ثُمَّ البَعْثِ ﴿إلى عالِمِ الغَيْبِ﴾ وهو ما غابَ عَنِ الخَلْقِ ”والشَّهادَةِ“ وهو ما اطَّلَعَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهم. فَصارَ بِحَيْثُ يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ وهَذا تَرْجَمَةٌ عَنِ الَّذِي يَعْلَمُ الشَّيْءَ قَبْلَ كَوْنِهِ ما يَعْلَمُ بَعْدَ كَوْنِهِ ”فَيُنَبِّئُكُمْ“ أيْ: يُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا جَلِيلًا مُسْتَوْعِبًا ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِجِبِلّاتِكم ”تَعْمَلُونَ“ أيْ: مِمّا أبْرَزْتُمُوهُ إلى الخارِجِ ومِمّا كانَ في جِبِلّاتِكُمْ، ولَوْ تَأخَّرْتُمْ لَبَرَزَ، وهو تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ، ووَقَعَ تَرْتِيبُهم لِلِاعْتِذارِ عَلى الأسْهَلِ فالأسْهَلِ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ: الأُولى: مُطْلِقُ الِاعْتِذارِ؛ وقَدْ مَضى ما فِيها؛ الثّانِيَةُ: تَأْكِيدُ ذَلِكَ بِالحَلِفِ لِلْإعْراضِ عَنْهم فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ﴿لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: جَهْدَ إيمانِهِمْ أنَّهم كانُوا مَعْذُورِينَ في التَّخَلُّفِ كَذِبًا مِنهم إرادَةَ أنْ يَقْلِبُوا قُلُوبَكم عَمّا اعْتَقَدْتُمْ فِيهِمْ ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أيْ: إعْراضَ الصَّفْحِ عَنْ مُعاتَبَتِهِمْ ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ إعْراضَ المَقْتِ؛ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم»»؛ ثُمَّ عَلَّلَ وُجُوبَ الإعْراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ أيْ: لا يُطَهِّرُهُمُ العِتابُ فَهو عَبَثٌ.

ولَمّا كانَ مِنَ …

95

سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌۭ ۖ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

They will swear by Allah to you when you return to them that you would leave them alone. So leave them alone; indeed they are evil; and their refuge is Hell as recompense for what they had been earning.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ثُمَّ شَرَعَ يُخْبِرُ عَنْ أشْياءَ تَقَعُ مِنهم عِنْدَ الرُّجُوعِ دَلالَةً عَلى أنَّ هَذا كَلامُهُ، وأنَّهُ عالِمٌ بِالمُغَيَّباتِ كُلِّيِّها وجُزْئِيِّها، يَعْلَمُ ما كانَ وما يَكُونُ وما لَمْ يَكُنْ لَوْ كانَ كَيْفَ [كانَ] يَكُونُ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ: ”﴿يَعْتَذِرُونَ﴾“ أيْ: يُثْبِتُونَ الأعْذارَ لِأنْفُسِهِمْ: وأشارَ إلى بُعْدِهِمْ بِالقُلُوبِ بِقَوْلِهِ: ”إلَيْكُمْ“ أيْ عَنِ التَّخَلُّفِ ﴿إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الغَزْوَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ في جَوابِهِمْ؟ فَقالَ لِلرَّأْسِ الَّذِي لا تَأْخُذُهُ في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ: ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ: فَإنَّ أعْذارَكم كاذِبَةٌ، ولِذَلِكَ عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أيْ: نُصَدِّقَكم في شَيْءٍ مِنها، ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ بِما أوْجَبَ لَهُمُ القَطْعَ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ﴾ أيْ: أعْلَمَنا المَلِكُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ إعْلامًا جَلِيلًا.

﴿مِن أخْبارِكُمْ﴾ أيِ الَّتِي ظَنَنْتُمْ جَهْلًا بِاللَّهِ أنَّها تَخْفى فَقَدْ عَلِمْناها؛ ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ﴾ أيْ: لِأنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ دَقَّ، قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ”عَمَلَكُمْ“ أيْ بَعْدَ ذَلِكَ أتَتَبَيَّنُونَ أمْ تَثْبُتُونَ عَلى حالِكم هَذا الخَبِيثِ \ كَما رَأى الَّذِي قَبْلُ ”ورَسُولُهُ“ أيْ: بِما يَعْلَمُهُ بِهِ سُبْحانَهُ وحْيًا أوْ تَفَرُّسًا، ولَمّا كانَ الكَلامُ في المُنافِقِينَ، فَكانَتِ الرُّؤْيَةُ لِنِفاقِهِمُ الَّذِي يَجْتَهِدُونَ في إخْفائِهِ، وكانَ المُؤْمِنُونَ لا اطِّلاعَ لِجَمِيعِهِمْ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُذَكِّرْهم بِخِلافِ مَن يَأْتِي بَعْدُ؛ فَإنَّهم مُؤْمِنُونَ.

ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَهم أنَّهُ لا يَعْلَمُ إلّا ما أوْقَعُوهُ بِالفِعْلِ، نَفى ذَلِكَ بِإظْهارِ وصْفِهِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ مُهَدِّدًا بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِأداةِ التَّراخِي إلى اسْتِبْعادِهِمْ لِقِيامِهِمْ إلى مَعادِهِمْ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ أيْ بِرادٍّ قاهِرٍ لا تَقْدِرُونَ عَلى دِفاعِهِ بَعْدَ اسْتِيفاءِ آجالِكم بِالمَوْتِ وإنْ طالَتْ ثُمَّ البَعْثِ ﴿إلى عالِمِ الغَيْبِ﴾ وهو ما غابَ عَنِ الخَلْقِ ”والشَّهادَةِ“ وهو ما اطَّلَعَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهم. فَصارَ بِحَيْثُ يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ وهَذا تَرْجَمَةٌ عَنِ الَّذِي يَعْلَمُ الشَّيْءَ قَبْلَ كَوْنِهِ ما يَعْلَمُ بَعْدَ كَوْنِهِ ”فَيُنَبِّئُكُمْ“ أيْ: يُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا جَلِيلًا مُسْتَوْعِبًا ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِجِبِلّاتِكم ”تَعْمَلُونَ“ أيْ: مِمّا أبْرَزْتُمُوهُ إلى الخارِجِ ومِمّا كانَ في جِبِلّاتِكُمْ، ولَوْ تَأخَّرْتُمْ لَبَرَزَ، وهو تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ، ووَقَعَ تَرْتِيبُهم لِلِاعْتِذارِ عَلى الأسْهَلِ فالأسْهَلِ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ: الأُولى: مُطْلِقُ الِاعْتِذارِ؛ وقَدْ مَضى ما فِيها؛ الثّانِيَةُ: تَأْكِيدُ ذَلِكَ بِالحَلِفِ لِلْإعْراضِ عَنْهم فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ﴿لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: جَهْدَ إيمانِهِمْ أنَّهم كانُوا مَعْذُورِينَ في التَّخَلُّفِ كَذِبًا مِنهم إرادَةَ أنْ يَقْلِبُوا قُلُوبَكم عَمّا اعْتَقَدْتُمْ فِيهِمْ ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أيْ: إعْراضَ الصَّفْحِ عَنْ مُعاتَبَتِهِمْ ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ إعْراضَ المَقْتِ؛ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم»»؛ ثُمَّ عَلَّلَ وُجُوبَ الإعْراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ أيْ: لا يُطَهِّرُهُمُ العِتابُ فَهو عَبَثٌ.

ولَمّا كانَ مِنَ …

96

يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

They swear to you so that you might be satisfied with them. But if you should be satisfied with them - indeed, Allah is not satisfied with a defiantly disobedient people.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ثُمَّ شَرَعَ يُخْبِرُ عَنْ أشْياءَ تَقَعُ مِنهم عِنْدَ الرُّجُوعِ دَلالَةً عَلى أنَّ هَذا كَلامُهُ، وأنَّهُ عالِمٌ بِالمُغَيَّباتِ كُلِّيِّها وجُزْئِيِّها، يَعْلَمُ ما كانَ وما يَكُونُ وما لَمْ يَكُنْ لَوْ كانَ كَيْفَ [كانَ] يَكُونُ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ: ”﴿يَعْتَذِرُونَ﴾“ أيْ: يُثْبِتُونَ الأعْذارَ لِأنْفُسِهِمْ: وأشارَ إلى بُعْدِهِمْ بِالقُلُوبِ بِقَوْلِهِ: ”إلَيْكُمْ“ أيْ عَنِ التَّخَلُّفِ ﴿إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الغَزْوَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ في جَوابِهِمْ؟ فَقالَ لِلرَّأْسِ الَّذِي لا تَأْخُذُهُ في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ: ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ: فَإنَّ أعْذارَكم كاذِبَةٌ، ولِذَلِكَ عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أيْ: نُصَدِّقَكم في شَيْءٍ مِنها، ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ بِما أوْجَبَ لَهُمُ القَطْعَ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ﴾ أيْ: أعْلَمَنا المَلِكُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ إعْلامًا جَلِيلًا.

﴿مِن أخْبارِكُمْ﴾ أيِ الَّتِي ظَنَنْتُمْ جَهْلًا بِاللَّهِ أنَّها تَخْفى فَقَدْ عَلِمْناها؛ ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ﴾ أيْ: لِأنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ دَقَّ، قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ”عَمَلَكُمْ“ أيْ بَعْدَ ذَلِكَ أتَتَبَيَّنُونَ أمْ تَثْبُتُونَ عَلى حالِكم هَذا الخَبِيثِ \ كَما رَأى الَّذِي قَبْلُ ”ورَسُولُهُ“ أيْ: بِما يَعْلَمُهُ بِهِ سُبْحانَهُ وحْيًا أوْ تَفَرُّسًا، ولَمّا كانَ الكَلامُ في المُنافِقِينَ، فَكانَتِ الرُّؤْيَةُ لِنِفاقِهِمُ الَّذِي يَجْتَهِدُونَ في إخْفائِهِ، وكانَ المُؤْمِنُونَ لا اطِّلاعَ لِجَمِيعِهِمْ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُذَكِّرْهم بِخِلافِ مَن يَأْتِي بَعْدُ؛ فَإنَّهم مُؤْمِنُونَ.

ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَهم أنَّهُ لا يَعْلَمُ إلّا ما أوْقَعُوهُ بِالفِعْلِ، نَفى ذَلِكَ بِإظْهارِ وصْفِهِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ مُهَدِّدًا بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِأداةِ التَّراخِي إلى اسْتِبْعادِهِمْ لِقِيامِهِمْ إلى مَعادِهِمْ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ أيْ بِرادٍّ قاهِرٍ لا تَقْدِرُونَ عَلى دِفاعِهِ بَعْدَ اسْتِيفاءِ آجالِكم بِالمَوْتِ وإنْ طالَتْ ثُمَّ البَعْثِ ﴿إلى عالِمِ الغَيْبِ﴾ وهو ما غابَ عَنِ الخَلْقِ ”والشَّهادَةِ“ وهو ما اطَّلَعَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهم. فَصارَ بِحَيْثُ يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ وهَذا تَرْجَمَةٌ عَنِ الَّذِي يَعْلَمُ الشَّيْءَ قَبْلَ كَوْنِهِ ما يَعْلَمُ بَعْدَ كَوْنِهِ ”فَيُنَبِّئُكُمْ“ أيْ: يُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا جَلِيلًا مُسْتَوْعِبًا ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِجِبِلّاتِكم ”تَعْمَلُونَ“ أيْ: مِمّا أبْرَزْتُمُوهُ إلى الخارِجِ ومِمّا كانَ في جِبِلّاتِكُمْ، ولَوْ تَأخَّرْتُمْ لَبَرَزَ، وهو تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ، ووَقَعَ تَرْتِيبُهم لِلِاعْتِذارِ عَلى الأسْهَلِ فالأسْهَلِ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ: الأُولى: مُطْلِقُ الِاعْتِذارِ؛ وقَدْ مَضى ما فِيها؛ الثّانِيَةُ: تَأْكِيدُ ذَلِكَ بِالحَلِفِ لِلْإعْراضِ عَنْهم فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ﴿لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: جَهْدَ إيمانِهِمْ أنَّهم كانُوا مَعْذُورِينَ في التَّخَلُّفِ كَذِبًا مِنهم إرادَةَ أنْ يَقْلِبُوا قُلُوبَكم عَمّا اعْتَقَدْتُمْ فِيهِمْ ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أيْ: إعْراضَ الصَّفْحِ عَنْ مُعاتَبَتِهِمْ ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ إعْراضَ المَقْتِ؛ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم»»؛ ثُمَّ عَلَّلَ وُجُوبَ الإعْراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ أيْ: لا يُطَهِّرُهُمُ العِتابُ فَهو عَبَثٌ.

ولَمّا كانَ مِنَ …

97

ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًۭا وَنِفَاقًۭا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

The bedouins are stronger in disbelief and hypocrisy and more likely not to know the limits of what [laws] Allah has revealed to His Messenger. And Allah is Knowing and Wise.

ولَمّا رَتَّبَ سُبْحانَهُ الِاسْتِئْذانَ في العُقُودِ والرِّضى بِما فِيهِ مِنَ الدَّناءَةِ عَلى عَدَمِ الفِقْهِ تارَةً والعِلْمِ أُخْرى وخَتَمَ بِصِنْفِ الأعْرابِ، بَيَّنَ أنَّ الأعْرابَ أوْلى بِذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِمْ أعْرَقَ في هَذا الوَصْفِ وأجْرَأ عَلى الفِسْقِ لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَعْدِنِ العِلْمِ وصَرْفِهِمْ أفْكارَهم في غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ المَخازِي لِتَحْصِيلِ المالِ الَّذِي كَلَّما دارُوا عَلَيْهِ طارَ عَنْهم فَأبْعَدَ، فَهم لا يَزالُونَ في هَمِّهِ قَدْ شَغَلَهم ذَلِكَ عَنْ كُلِّ هَمٍّ وهَمَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا، فَقالَ تَعالى: ”﴿الأعْرابُ﴾“ أيْ أهْلُ البَدْوِ ”﴿أشَدُّ﴾“ أيْ: مِن أهْلِ المَدَرِ ﴿كُفْرًا ونِفاقًا﴾ لِبُعْدِهِمْ عَنْ دارِ الهِجْرَةِ ومَعْدِنِ العِلْمِ وجَفائِهِمْ بِأنَّ مَرائِيَ قُلُوبِهِمْ لَمْ تُصْقَلْ بِأنْوارِ الكِتابِ والسُّنَّةِ ”وأجْدَرُ أنْ“ أيْ: وأحَقُّ بِأنْ ”لا يَعْلَمُوا“ ولَمّا كانَ الإحْجامُ أصْعَبَ مِنَ الإقْدامِ، وأطْرافُ الأشْياءِ المُخْتَلِطَةِ في غايَةِ الإلْباسِ، قالَ: ﴿حُدُودَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وحِكْمَةً بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلى رَسُولِهِ﴾ أيِ الَّذِي أعْلَمَ الخَلْقَ مِنَ القُرْآنِ والشَّرائِعِ والأحْكامِ لِعَدَمِ إقْبالِهِمْ عَلَيْهِ شُغْلًا بِغَيْرِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ الحِكْمَةِ فَهو يَضَعُ الأشْياءَ في أتَمِّ مَحالِّها.

98

وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًۭا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allah is Hearing and Knowing.

ولَمّا أثْبَتَ هَذا الوَصْفَ لِهَذا الصِّنْفِ بَيَّنَ أنَّ أفْرادَهُ انْقَسَمُوا إلى مَن ثَبَتَ عَلى ما هو الألْيَقُ بِحالِهِمْ، وقِسْمٌ نَزَعَ إلى ما هو الألْيَقُ بِأهْلِ المَدَرِ، كَما انْقَسَمَ أهْلُ المَدَرِ إلى مِثْلِ ذَلِكَ، وبَدَأ بِالخَبِيثِ لِأنَّهُ الأصْلُ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ﴾ أيِ المَذْكُورِينَ ﴿مَن يَتَّخِذُ﴾ أيْ يَتَكَلَّفُ غَيْرَ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى مِنَ الأرْيَحِيَّةِ والهِمَمِ العَلِيَّةِ بِأنْ يَعُدَّ ﴿ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ أيْ فَلا يَبْذُلُهُ إلّا كُرْهًا ولا يَرى لَهُ فائِدَةً أُخْرَوِيَّةً بَلْ يَراهُ مِثْلَ الصَّنائِعِ بِالنَّهْبِ ونَحْوِهِ ﴿ويَتَرَبَّصُ﴾ أيْ: يُكَلِّفُ نَفْسَهُ الرَّبْصَ؛ وهو أنْ يَسْكُنَ ويَصْبِرَ ويَنْتَظِرَ ﴿بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ أيِ الدَّواهِيَ الَّتِي تَدُورُ بِصاحِبِها فَلا يَتَخَلَّصُ مِنها، وذَلِكَ لِيَسْتَرِيحَ مِنَ الإنْفاقِ وغَيْرِهِ مِمّا ألْزَمَهُ بِهِ الدِّينُ.

ولَمّا تَرَبَّصُوا هَذا التَّرَبُّصَ، دَعا عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ ما تَرَبَّصُوا فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أيْ: دائِمًا لا تَنْفَكُّ إمّا بِإذْلالِ الإسْلامِ وإمّا بِعَذابِ الِاصْطِلامِ، فَهم فِيما أرادُوهُ بِكم عَلى الدَّوامِ، وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو بِضَمِّ السِّينِ؛ عَلى أنَّ مَعْناهُ الشَّرُّ والضُّرُّ، وقِراءَةُ الباقِينَ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، فَهو ذَمٌّ لِلدّائِرَةِ.

ولَمّا كانَ الِانْتِقامُ مِنَ الأعْداءِ وإيقاعُ البَأْسِ بِهِمْ لا يَتَوَقَّفُ مِنَ القادِرِ غالِبًا إلّا عَلى سَماعِ أخْبارِهِمْ والعِلْمِ بِها، جَرَتْ سُنَّتُهُ تَعالى في خَتْمِ مِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿سَمِيعٌ﴾ [يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ] ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَهو يَعْلَمُ ما يُضْمِرُونَ عَطْفًا عَلى نَحْوِ أنْ يُقالَ: فاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦]

99

وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ ۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌۭ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

But among the bedouins are some who believe in Allah and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allah and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allah will admit them to His mercy. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

ولَمّا افْتَتَحَ الآيَةَ الثّانِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ﴾ أيْ: لا يَزالُ يُجَدِّدُ إيمانُهُ آثارَ الدِّينِ ﴿بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ عَلِمَ أنَّ القِسْمَ الأوَّلَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِذَلِكَ، وإنَّما وقَعَ مِنهُمُ الإقْرارُ بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ إذْعانٍ، والإيمانُ هو الأصْلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإنْفاقُ [عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لِما يُرْجى مِن ثَوابِهِ في اليَوْمِ الآخِرِ الَّذِي لَوْلا هو انْتَفَتِ الحِكْمَةُ] مِن هَذا الخَلْقِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ: ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُثْمِرُهُ الإيمانُ فَقالَ: ﴿ويَتَّخِذُ﴾ أيْ: يَحُثُّ نَفْسَهُ ويُجاهِدُها إنْ عَرَضَتْ لَهُ الوَساوِسُ الشَّيْطانِيَّةُ عَلى أنْ يَعُدَّ ﴿ما يُنْفِقُ﴾ أيْ: فِيما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ﴿قُرُباتٍ﴾ جَمْعَ قُرْبَةٍ لِما تُقَرِّبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ [أيِ] الَّذِي لا أشْرَفَ مِنَ القُرْبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿وصَلَواتِ﴾ أيْ دَعَواتِ ﴿الرَّسُولِ﴾ أيِ الَّذِي وظِيفَتُهُ التَّبْلِيغُ؛ فَهو لا يَقُولُ لَهم شَيْئًا إلّا عَنِ اللَّهِ، وأطْلَقَ القُرْبَةَ والصَّلاةَ عَلى سَبَبِها.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ أفْعالِهِمْ أخْبَرَ عَنْ عاقِبَتِهِمْ ومَآلِهِمْ؛ قالَ مُسْتَأْنِفًا مُحَقِّقًا لِرَجائِهِمْ تَرْغِيبًا في الصَّدَقَةِ بِأبْلَغِ تَأْكِيدٍ لِما لِأعْدائِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿ألا إنَّها﴾ أيْ نَفَقاتِهَمْ ﴿قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ أيْ: كَما أرادُوا؛ ثُمَّ بَيَّنَ ثَمْرَةَ كَوْنِها قُرْبَةً بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ أيْ إكْرامِهِ فَتَكُونُ مُحِيطَةً بِهِمْ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَسَعُ الإنْسانَ إلّا العَفْوُ وإنْ أعْظَمَ الِاجْتِهادَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يُقَدِّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ السَّتْرِ لِقَبائِحِ مَن تابَ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الإكْرامِ، ذَلِكَ وصْفٌ لَهُ ثابِتٌ، يُجَلِّلُهُ كُلَّ مَن يَسْتَأْهِلُهُ.

100

وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَٰنٍۢ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

And the first forerunners [in the faith] among the Muhajireen and the Ansar and those who followed them with good conduct - Allah is pleased with them and they are pleased with Him, and He has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.

ولَمّا ذَكَرَ القِسْمَ الصّالِحَ مِنهم وكانُوا مُتَفاوِتِينَ فَمِنهُمُ السّابِقُ وأكْثَرُهُمُ التّابِعُ اللّاحِقُ، أتْبَعَهُ السّابِقَيْنِ عَلى وجْهٍ شامِلٍ حاصِرٍ لِصِنْفَيِ البادِي والحاضِرِ إشارَةً إلى أنَّهُ - وإنْ أخَّرَهُ - أصْلُهُ فَقَدْ قَدَّمَهُ وصْفُهُ بِحَيْثُ ساوى أهْلَ الكَمالِ في مُطْلَقِ الِانْخِراطِ في مُلْكِهِمْ والفَوْزِ بِدَرَجَتِهِمْ لِإحْسانِهِ في اتِّباعِهِمْ تَرْغِيبًا لِأهْلِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ في اتِّباعِ أهْلِ الرِّضْوانِ والنِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ﴾ ولَمّا دَلَّ عَلى سَبْقِهِمْ بِالعُلُوِّ في مَراتِبِهِ دَلَّ عَلى قَدِيمِ دُخُولِهِمْ فِيهِ فَقالَ: ﴿الأوَّلُونَ﴾ أيْ إلى هَذا الدِّينِ القَيِّمِ ﴿مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ أيْ لِدارِ الكُفْرِ فَضْلًا عَنْ أهْلِها ﴿والأنْصارِ﴾ أيِ الَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ أيِ الفَرِيقَيْنِ ﴿بِإحْسانٍ﴾ أيْ في اتِّباعِهِمْ فَلَمْ يَحُولُوا عَنْ شَيْءٍ مِن طَرِيقِهِمْ ﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿عَنْهُمْ﴾ أيْ بِأفْعالِهِمْ هَذِهِ الَّتِي هي وفْقَ ما أمَرَ [بِهِ] ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ أيْ بِما أتاهم عَنْهُ مِنَ البُشْرى وقَذَفَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ النُّورِ بِلَطِيفِ الوَعْظِ والذِّكْرى ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ أيْ جَزاءً عَلى فِعْلِهِمْ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ ونَبَّهَ عَلى عُمُومِ رِيِّها وكَثْرَةِ مائِها بِنَزْعِ الجارِّ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ فَقالَ: ﴿تَحْتَها الأنْهارُ﴾ أيْ هي كَثِيرَةُ المِياهِ. فَكُلُّ مَوْضِعٍ أرَدْتَهُ نَبَعَ مِنهُ ماءٌ فَجَرى مِنهُ نَهْرٌ؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الماءِ إنَّما هو السُّهُولَةُ في إنْباطِهِ بِقُرْبِهِ ويُسْرِ جَرْيِهِ وانْبِساطِهِ أثْبَتَهُ ابْنُ كَثِيرٍ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ كَسائِرِ المَواضِعِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ هَذا المَوْضِعِ بِالخِلافِ لِأنَّهُ يَخُصُّ هَذِهِ الأُمَّةَ، فَلَعَلَّها تُخَصُّ بِجَنَّةٍ هي أعْظَمُ الجِنانِ رِيًّا وحُسْنًا وزِيًّا.

ولَمّا كانَ أعْظَمُ العُيُوبِ الِانْقِطاعَ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وأكَّدَ المُرادَ مِنَ الخُلُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ مَدْحَ هَذا الَّذِي أعَدَّهُ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي المَكانَةِ خاصَّةً ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

At-Tawba 9:100Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.