Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 91–100 of 129

91

لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍۢ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

There is not upon the weak or upon the ill or upon those who do not find anything to spend any discomfort when they are sincere to Allah and His Messenger. There is not upon the doers of good any cause [for blame]. And Allah is Forgiving and Merciful.

﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن تَخَلَّفَ عَنِ الجِهادِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ ذَكَرَ حالَ مَن لَهُ عُذْرٌ في تَرْكِهِ، والضُّعَفاءُ جَمْعُ ضَعِيفٍ وهو الهَرِمُ، ومَن خُلِقَ في أصْلِ البِنْيَةِ شَدِيدَ المَخافَةِ والضُّئُولَةِ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ الجِهادُ. والمَرِيضُ مَن عَرَضَ لَهُ المَرَضُ، أوْ كانَ زَمِنًا ويَدْخُلُ فِيهِ العَمى والعَرَجُ، و﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ هُمُ الفُقَراءُ، قِيلَ: هم مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وبَنُو عُذْرَةَ، ونَفى الحَرَجَ عَنْهم في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، ونَفْيُ الحَرَجِ لا يَتَضَمَّنُ المَنعَ مِنَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ، فَلَوْ خَرَجَ أحَدُ هَؤُلاءِ لِيُعِينَ المُجاهِدِينَ بِما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن حِفْظِ مَتاعِهِمْ أوْ تَكْثِيرِ سَوادِهِمْ ولا يَكُونُ كَلًّا عَلَيْهِمْ، كانَ لَهُ في ذَلِكَ ثَوابٌ جَزِيلٌ. «فَقَدْ كانَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ أعْرَجَ وهو مِن أتْقِياءِ الأنْصارِ، وهو في أوَّلِ الجَيْشِ، وقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ اللَّهَ قَدْ عَذَرَكَ“ فَقالَ: واللَّهِ لَأحْفِرَنَّ بِعَرْجَتِي هَذِهِ في الجَنَّةِ» . وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ أعْمى، فَخَرَجَ إلى أُحُدٍ وطَلَبَ أنْ يُعْطى اللِّواءَ فَأخَذَهُ، فَأُصِيبَتْ يَدُهُ الَّتِي فِيها اللِّواءُ فَأمْسَكَهُ بِاليَدِ الأُخْرى، فَضُرِبَتْ فَأمْسَكَهُ بِصَدْرِهِ. وقَرَأ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وشَرَطَ في انْتِفاءِ الحَرَجِ النُّصْحَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وهو أنْ يَكُونَ نِيّاتُهم وأقْوالُهم سِرًّا وجَهْرًا خالِصَةً لِلَّهِ مِنَ الغِشِّ، ساعِيَةً في إيصالِ الخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، داعِيَةً لَهم بِالنَّصْرِ والتَّمْكِينِ. فَفي سُنَنِ أبِي داوُدَ: «”لَقَدْ تَرَكْتُمْ بَعْدَكم قَوْمًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا ولا أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلّا هم مَعَكم فِيهِ“ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنا وهم بِالمَدِينَةِ ؟ قالَ: ”حَبَسَهُمُ العُذْرُ“» . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”إذا نَصَحُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ“ بِنَصْبِ الجَلالَةِ والمَعْطُوفِ.

﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾، أيْ: مِن لائِمَةٍ تُناطُ بِهِمْ أوْ عُقُوبَةٍ. ولَفْظُ (المُحْسِنِينَ) عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ هَؤُلاءِ المَعْذُورُونَ النّاصِحُونَ غَيْرَهم، وقِيلَ: المُحْسِنِينَ هُنا المَعْذُورُونَ النّاصِحُونَ، ويَبْعُدُ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى نَفْيِ القِياسِ وأنَّ المُحْسِنَ هو المُسْلِمُ؛ لِانْتِفاءِ جَمِيعِ السَّبِيلِ، فَلا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ التَّكالِيفِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَيَكُونُ يَخُصُّ هَذا العامَّ الدّالَّ عَلى بَراءَةِ الذِّمَّةِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: (المُحْسِنِينَ) هُمُ الَّذِينَ أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في أقْوالِهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ الرَّجاءُ فَقالَ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: ”واللَّهُ لِأهْلِ الإساءَةِ غَفُورٌ رَحِيمٌ“ عَلى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ. قِيلَ: وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ فِيهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ، يُسَمّى التَّمْلِيحَ، وهو أنْ يُشارَ في فَحْوى الكَلامِ إلى مَثَلٍ سائِرٍ، …

92

وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ

Nor [is there blame] upon those who, when they came to you that you might give them mounts, you said, "I can find nothing for you to ride upon." They turned back while their eyes overflowed with tears out of grief that they could not find something to spend [for the cause of Allah].

﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن تَخَلَّفَ عَنِ الجِهادِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ ذَكَرَ حالَ مَن لَهُ عُذْرٌ في تَرْكِهِ، والضُّعَفاءُ جَمْعُ ضَعِيفٍ وهو الهَرِمُ، ومَن خُلِقَ في أصْلِ البِنْيَةِ شَدِيدَ المَخافَةِ والضُّئُولَةِ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ الجِهادُ. والمَرِيضُ مَن عَرَضَ لَهُ المَرَضُ، أوْ كانَ زَمِنًا ويَدْخُلُ فِيهِ العَمى والعَرَجُ، و﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ هُمُ الفُقَراءُ، قِيلَ: هم مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وبَنُو عُذْرَةَ، ونَفى الحَرَجَ عَنْهم في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، ونَفْيُ الحَرَجِ لا يَتَضَمَّنُ المَنعَ مِنَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ، فَلَوْ خَرَجَ أحَدُ هَؤُلاءِ لِيُعِينَ المُجاهِدِينَ بِما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن حِفْظِ مَتاعِهِمْ أوْ تَكْثِيرِ سَوادِهِمْ ولا يَكُونُ كَلًّا عَلَيْهِمْ، كانَ لَهُ في ذَلِكَ ثَوابٌ جَزِيلٌ. «فَقَدْ كانَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ أعْرَجَ وهو مِن أتْقِياءِ الأنْصارِ، وهو في أوَّلِ الجَيْشِ، وقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ اللَّهَ قَدْ عَذَرَكَ“ فَقالَ: واللَّهِ لَأحْفِرَنَّ بِعَرْجَتِي هَذِهِ في الجَنَّةِ» . وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ أعْمى، فَخَرَجَ إلى أُحُدٍ وطَلَبَ أنْ يُعْطى اللِّواءَ فَأخَذَهُ، فَأُصِيبَتْ يَدُهُ الَّتِي فِيها اللِّواءُ فَأمْسَكَهُ بِاليَدِ الأُخْرى، فَضُرِبَتْ فَأمْسَكَهُ بِصَدْرِهِ. وقَرَأ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وشَرَطَ في انْتِفاءِ الحَرَجِ النُّصْحَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وهو أنْ يَكُونَ نِيّاتُهم وأقْوالُهم سِرًّا وجَهْرًا خالِصَةً لِلَّهِ مِنَ الغِشِّ، ساعِيَةً في إيصالِ الخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، داعِيَةً لَهم بِالنَّصْرِ والتَّمْكِينِ. فَفي سُنَنِ أبِي داوُدَ: «”لَقَدْ تَرَكْتُمْ بَعْدَكم قَوْمًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا ولا أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلّا هم مَعَكم فِيهِ“ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنا وهم بِالمَدِينَةِ ؟ قالَ: ”حَبَسَهُمُ العُذْرُ“» . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”إذا نَصَحُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ“ بِنَصْبِ الجَلالَةِ والمَعْطُوفِ.

﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾، أيْ: مِن لائِمَةٍ تُناطُ بِهِمْ أوْ عُقُوبَةٍ. ولَفْظُ (المُحْسِنِينَ) عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ هَؤُلاءِ المَعْذُورُونَ النّاصِحُونَ غَيْرَهم، وقِيلَ: المُحْسِنِينَ هُنا المَعْذُورُونَ النّاصِحُونَ، ويَبْعُدُ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى نَفْيِ القِياسِ وأنَّ المُحْسِنَ هو المُسْلِمُ؛ لِانْتِفاءِ جَمِيعِ السَّبِيلِ، فَلا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ التَّكالِيفِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَيَكُونُ يَخُصُّ هَذا العامَّ الدّالَّ عَلى بَراءَةِ الذِّمَّةِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: (المُحْسِنِينَ) هُمُ الَّذِينَ أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في أقْوالِهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ الرَّجاءُ فَقالَ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: ”واللَّهُ لِأهْلِ الإساءَةِ غَفُورٌ رَحِيمٌ“ عَلى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ. قِيلَ: وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ فِيهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ، يُسَمّى التَّمْلِيحَ، وهو أنْ يُشارَ في فَحْوى الكَلامِ إلى مَثَلٍ سائِرٍ، …

93

۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ ۚ رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allah has sealed over their hearts, so they do not know.

﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥] ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧] ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٨] ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩] ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢] ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤] ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦] ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩] ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٠] ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى …

94

يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

They will make excuses to you when you have returned to them. Say, "Make no excuse - never will we believe you. Allah has already informed us of your news. And Allah will observe your deeds, and [so will] His Messenger; then you will be taken back to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥] ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧] ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٨] ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩] ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢] ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤] ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦] ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩] ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٠] ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى …

95

سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌۭ ۖ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

They will swear by Allah to you when you return to them that you would leave them alone. So leave them alone; indeed they are evil; and their refuge is Hell as recompense for what they had been earning.

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهم يَصْدُرُ مِنهُمُ الِاعْتِذارُ أخْبَرَ أنَّهم سَيُؤَكِّدُونَ ذَلِكَ الِاعْتِذارَ الكاذِبَ بِالحَلِفِ، وأنَّ سَبَبَ الحَلِفِ هو طِلْبَتُهم أنْ يُعْرِضُوا عَنْهم فَلا يَلُومُوهم ولا يُوَبِّخُوهم، فَأعْرِضُوا عَنْهم، أيْ: فَأجِيبُوا إلى طِلْبَتِهِمْ. وعَلَّلَ الإعْراضُ عَنْهم بِأنَّهم رِجْسٌ، أيْ مُسْتَقْذَرُونَ بِما انْطَوَوْا عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ، فَتَجِبُ مُباعَدَتُهم واجْتِنابُهم؛ كَما قالَ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فَمَن كانَ رِجْسًا لا تَنْفَعُ فِيهِ المُعاتَبَةُ، ولا يُمْكِنُ تَطْهِيرُ الرِّجْسِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ الحَلِفِ مَخافَتَهم أنْ يُعْرِضُوا عَنْهم فَلا يُقْبِلُوا عَلَيْهِمْ ولا يُوادُّوهم، فَأمَرَ تَعالى بِالإعْراضِ عَنْهم وعَدَمِ تَوَلِّيهِمْ، وبَيَّنَ العِلَّةَ في ذَلِكَ بِرِجْسِيَّتِهِمْ، وبِأنَّ مَآلَ أمْرِهِمْ إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لا تُكَلِّمُوهم. وفي الخَبَرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَدِمَ مِن تَبُوكَ، قالَ: لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم.

قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَ قَدِ اعْتَذَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ واسْتَأْذَنُوهُ في القُعُودِ قَبْلَ مَسِيرِهِ، فَأذِنَ، فَخَرَجُوا، وقالَ أحَدُهم: ما هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ، فَلَمّا خَرَجَ الرَّسُولُ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، فانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقالَ لِلْمُنافِقِينَ في مَجْلِسٍ مِنهم: نَزَلَ فِيكم قُرْآنٌ فَقالُوا لَهُ: وما ذَلِكَ ؟ قالَ: لا أحْفَظُ، إلّا أنِّي سَمِعْتُ وصْفَكم فِيهِ بِالرِّجْسِ، فَقالَ لَهم مَخْشِيٌّ: لَوَدِدْتُ أنْ أُجْلَدَ مِائَةً ولا أكُونُ مَعَكم، فَخَرَجَ حَتّى لَحِقَ بِالرَّسُولِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: ”ما جاءَ بِكَ“ ؟ فَقالَ لَهُ: وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْفَعُهُ الرِّيحُ، وأنا في الكِنِّ. فَرُوِيَ أنَّهُ مِمَّنْ تابَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أمْرٌ بِانْتِهارِهِمْ وعُقُوبَتِهِمْ بِالإعْراضِ والوَصْمِ بِالنِّفاقِ، وهَذا مَعَ إجْمالٍ لا مَعَ تَعْيِينٍ مُصَرِّحٍ مِنَ اللَّهِ ولا مِن رَسُولِهِ، بَلْ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَيْدانُ المَقالَةِ مَبْسُوطًا. وقَوْلُهُ: (رِجْسٌ) أيْ: نَتَنٌ وقَذَرٌ. وناهِيكَ بِهَذا الوَصْفِ مَحَطَّةً دُنْيَوِيَّةً، ثُمَّ عَطَفَ لِمَحَطَّةِ الآخِرَةِ. ومِن حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: أنَّهم جاءُوا يَعْتَذِرُونَ ويَحْلِفُونَ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ، فَقَبِلَ مِنهم عَلانِيَتَهم وبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهم، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ.

﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ حَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بَعْدَها، وحَلَفَ ابْنُ أبِي سَرْحٍ لَنَكُونُنَّ مَعَهُ عَلى عَدُوِّهِ، وطَلَبَ مِنَ الرَّسُولِ أنْ يَرْضى عَنْهُ، فَنَزَلَتْ، وهُنا حُذِفَ المَحْلُوفُ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أُثْبِتَ كَقَوْلِهِ: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها﴾ [القلم: ١٧] وقَوْلِهِ: (وأقْسَمُوا بِاللَّهِ) فَلا فَرْقَ بَيْنَ حَذْفِهِ وإثْباتِهِ في انْعِقادِ ذَلِكَ يَمِينًا. وغَرَضُهم في الحَلِفِ رِضا الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ لِنَفْعِهِمْ في دُنْياهم، لا أنَّ مَقْصِدَهم وجْهُ …

96

يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

They swear to you so that you might be satisfied with them. But if you should be satisfied with them - indeed, Allah is not satisfied with a defiantly disobedient people.

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهم يَصْدُرُ مِنهُمُ الِاعْتِذارُ أخْبَرَ أنَّهم سَيُؤَكِّدُونَ ذَلِكَ الِاعْتِذارَ الكاذِبَ بِالحَلِفِ، وأنَّ سَبَبَ الحَلِفِ هو طِلْبَتُهم أنْ يُعْرِضُوا عَنْهم فَلا يَلُومُوهم ولا يُوَبِّخُوهم، فَأعْرِضُوا عَنْهم، أيْ: فَأجِيبُوا إلى طِلْبَتِهِمْ. وعَلَّلَ الإعْراضُ عَنْهم بِأنَّهم رِجْسٌ، أيْ مُسْتَقْذَرُونَ بِما انْطَوَوْا عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ، فَتَجِبُ مُباعَدَتُهم واجْتِنابُهم؛ كَما قالَ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فَمَن كانَ رِجْسًا لا تَنْفَعُ فِيهِ المُعاتَبَةُ، ولا يُمْكِنُ تَطْهِيرُ الرِّجْسِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ الحَلِفِ مَخافَتَهم أنْ يُعْرِضُوا عَنْهم فَلا يُقْبِلُوا عَلَيْهِمْ ولا يُوادُّوهم، فَأمَرَ تَعالى بِالإعْراضِ عَنْهم وعَدَمِ تَوَلِّيهِمْ، وبَيَّنَ العِلَّةَ في ذَلِكَ بِرِجْسِيَّتِهِمْ، وبِأنَّ مَآلَ أمْرِهِمْ إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لا تُكَلِّمُوهم. وفي الخَبَرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَدِمَ مِن تَبُوكَ، قالَ: لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم.

قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَ قَدِ اعْتَذَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ واسْتَأْذَنُوهُ في القُعُودِ قَبْلَ مَسِيرِهِ، فَأذِنَ، فَخَرَجُوا، وقالَ أحَدُهم: ما هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ، فَلَمّا خَرَجَ الرَّسُولُ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، فانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقالَ لِلْمُنافِقِينَ في مَجْلِسٍ مِنهم: نَزَلَ فِيكم قُرْآنٌ فَقالُوا لَهُ: وما ذَلِكَ ؟ قالَ: لا أحْفَظُ، إلّا أنِّي سَمِعْتُ وصْفَكم فِيهِ بِالرِّجْسِ، فَقالَ لَهم مَخْشِيٌّ: لَوَدِدْتُ أنْ أُجْلَدَ مِائَةً ولا أكُونُ مَعَكم، فَخَرَجَ حَتّى لَحِقَ بِالرَّسُولِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: ”ما جاءَ بِكَ“ ؟ فَقالَ لَهُ: وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْفَعُهُ الرِّيحُ، وأنا في الكِنِّ. فَرُوِيَ أنَّهُ مِمَّنْ تابَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أمْرٌ بِانْتِهارِهِمْ وعُقُوبَتِهِمْ بِالإعْراضِ والوَصْمِ بِالنِّفاقِ، وهَذا مَعَ إجْمالٍ لا مَعَ تَعْيِينٍ مُصَرِّحٍ مِنَ اللَّهِ ولا مِن رَسُولِهِ، بَلْ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَيْدانُ المَقالَةِ مَبْسُوطًا. وقَوْلُهُ: (رِجْسٌ) أيْ: نَتَنٌ وقَذَرٌ. وناهِيكَ بِهَذا الوَصْفِ مَحَطَّةً دُنْيَوِيَّةً، ثُمَّ عَطَفَ لِمَحَطَّةِ الآخِرَةِ. ومِن حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: أنَّهم جاءُوا يَعْتَذِرُونَ ويَحْلِفُونَ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ، فَقَبِلَ مِنهم عَلانِيَتَهم وبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهم، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ.

﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ حَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بَعْدَها، وحَلَفَ ابْنُ أبِي سَرْحٍ لَنَكُونُنَّ مَعَهُ عَلى عَدُوِّهِ، وطَلَبَ مِنَ الرَّسُولِ أنْ يَرْضى عَنْهُ، فَنَزَلَتْ، وهُنا حُذِفَ المَحْلُوفُ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أُثْبِتَ كَقَوْلِهِ: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها﴾ [القلم: ١٧] وقَوْلِهِ: (وأقْسَمُوا بِاللَّهِ) فَلا فَرْقَ بَيْنَ حَذْفِهِ وإثْباتِهِ في انْعِقادِ ذَلِكَ يَمِينًا. وغَرَضُهم في الحَلِفِ رِضا الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ لِنَفْعِهِمْ في دُنْياهم، لا أنَّ مَقْصِدَهم وجْهُ …

97

ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًۭا وَنِفَاقًۭا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

The bedouins are stronger in disbelief and hypocrisy and more likely not to know the limits of what [laws] Allah has revealed to His Messenger. And Allah is Knowing and Wise.

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهم يَصْدُرُ مِنهُمُ الِاعْتِذارُ أخْبَرَ أنَّهم سَيُؤَكِّدُونَ ذَلِكَ الِاعْتِذارَ الكاذِبَ بِالحَلِفِ، وأنَّ سَبَبَ الحَلِفِ هو طِلْبَتُهم أنْ يُعْرِضُوا عَنْهم فَلا يَلُومُوهم ولا يُوَبِّخُوهم، فَأعْرِضُوا عَنْهم، أيْ: فَأجِيبُوا إلى طِلْبَتِهِمْ. وعَلَّلَ الإعْراضُ عَنْهم بِأنَّهم رِجْسٌ، أيْ مُسْتَقْذَرُونَ بِما انْطَوَوْا عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ، فَتَجِبُ مُباعَدَتُهم واجْتِنابُهم؛ كَما قالَ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فَمَن كانَ رِجْسًا لا تَنْفَعُ فِيهِ المُعاتَبَةُ، ولا يُمْكِنُ تَطْهِيرُ الرِّجْسِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ الحَلِفِ مَخافَتَهم أنْ يُعْرِضُوا عَنْهم فَلا يُقْبِلُوا عَلَيْهِمْ ولا يُوادُّوهم، فَأمَرَ تَعالى بِالإعْراضِ عَنْهم وعَدَمِ تَوَلِّيهِمْ، وبَيَّنَ العِلَّةَ في ذَلِكَ بِرِجْسِيَّتِهِمْ، وبِأنَّ مَآلَ أمْرِهِمْ إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لا تُكَلِّمُوهم. وفي الخَبَرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَدِمَ مِن تَبُوكَ، قالَ: لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم.

قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَ قَدِ اعْتَذَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ واسْتَأْذَنُوهُ في القُعُودِ قَبْلَ مَسِيرِهِ، فَأذِنَ، فَخَرَجُوا، وقالَ أحَدُهم: ما هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ، فَلَمّا خَرَجَ الرَّسُولُ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، فانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقالَ لِلْمُنافِقِينَ في مَجْلِسٍ مِنهم: نَزَلَ فِيكم قُرْآنٌ فَقالُوا لَهُ: وما ذَلِكَ ؟ قالَ: لا أحْفَظُ، إلّا أنِّي سَمِعْتُ وصْفَكم فِيهِ بِالرِّجْسِ، فَقالَ لَهم مَخْشِيٌّ: لَوَدِدْتُ أنْ أُجْلَدَ مِائَةً ولا أكُونُ مَعَكم، فَخَرَجَ حَتّى لَحِقَ بِالرَّسُولِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: ”ما جاءَ بِكَ“ ؟ فَقالَ لَهُ: وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْفَعُهُ الرِّيحُ، وأنا في الكِنِّ. فَرُوِيَ أنَّهُ مِمَّنْ تابَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أمْرٌ بِانْتِهارِهِمْ وعُقُوبَتِهِمْ بِالإعْراضِ والوَصْمِ بِالنِّفاقِ، وهَذا مَعَ إجْمالٍ لا مَعَ تَعْيِينٍ مُصَرِّحٍ مِنَ اللَّهِ ولا مِن رَسُولِهِ، بَلْ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَيْدانُ المَقالَةِ مَبْسُوطًا. وقَوْلُهُ: (رِجْسٌ) أيْ: نَتَنٌ وقَذَرٌ. وناهِيكَ بِهَذا الوَصْفِ مَحَطَّةً دُنْيَوِيَّةً، ثُمَّ عَطَفَ لِمَحَطَّةِ الآخِرَةِ. ومِن حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: أنَّهم جاءُوا يَعْتَذِرُونَ ويَحْلِفُونَ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ، فَقَبِلَ مِنهم عَلانِيَتَهم وبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهم، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ.

﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ حَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بَعْدَها، وحَلَفَ ابْنُ أبِي سَرْحٍ لَنَكُونُنَّ مَعَهُ عَلى عَدُوِّهِ، وطَلَبَ مِنَ الرَّسُولِ أنْ يَرْضى عَنْهُ، فَنَزَلَتْ، وهُنا حُذِفَ المَحْلُوفُ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أُثْبِتَ كَقَوْلِهِ: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها﴾ [القلم: ١٧] وقَوْلِهِ: (وأقْسَمُوا بِاللَّهِ) فَلا فَرْقَ بَيْنَ حَذْفِهِ وإثْباتِهِ في انْعِقادِ ذَلِكَ يَمِينًا. وغَرَضُهم في الحَلِفِ رِضا الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ لِنَفْعِهِمْ في دُنْياهم، لا أنَّ مَقْصِدَهم وجْهُ …

98

وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًۭا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allah is Hearing and Knowing.

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهم يَصْدُرُ مِنهُمُ الِاعْتِذارُ أخْبَرَ أنَّهم سَيُؤَكِّدُونَ ذَلِكَ الِاعْتِذارَ الكاذِبَ بِالحَلِفِ، وأنَّ سَبَبَ الحَلِفِ هو طِلْبَتُهم أنْ يُعْرِضُوا عَنْهم فَلا يَلُومُوهم ولا يُوَبِّخُوهم، فَأعْرِضُوا عَنْهم، أيْ: فَأجِيبُوا إلى طِلْبَتِهِمْ. وعَلَّلَ الإعْراضُ عَنْهم بِأنَّهم رِجْسٌ، أيْ مُسْتَقْذَرُونَ بِما انْطَوَوْا عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ، فَتَجِبُ مُباعَدَتُهم واجْتِنابُهم؛ كَما قالَ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فَمَن كانَ رِجْسًا لا تَنْفَعُ فِيهِ المُعاتَبَةُ، ولا يُمْكِنُ تَطْهِيرُ الرِّجْسِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ الحَلِفِ مَخافَتَهم أنْ يُعْرِضُوا عَنْهم فَلا يُقْبِلُوا عَلَيْهِمْ ولا يُوادُّوهم، فَأمَرَ تَعالى بِالإعْراضِ عَنْهم وعَدَمِ تَوَلِّيهِمْ، وبَيَّنَ العِلَّةَ في ذَلِكَ بِرِجْسِيَّتِهِمْ، وبِأنَّ مَآلَ أمْرِهِمْ إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لا تُكَلِّمُوهم. وفي الخَبَرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَدِمَ مِن تَبُوكَ، قالَ: لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم.

قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَ قَدِ اعْتَذَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ واسْتَأْذَنُوهُ في القُعُودِ قَبْلَ مَسِيرِهِ، فَأذِنَ، فَخَرَجُوا، وقالَ أحَدُهم: ما هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ، فَلَمّا خَرَجَ الرَّسُولُ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، فانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقالَ لِلْمُنافِقِينَ في مَجْلِسٍ مِنهم: نَزَلَ فِيكم قُرْآنٌ فَقالُوا لَهُ: وما ذَلِكَ ؟ قالَ: لا أحْفَظُ، إلّا أنِّي سَمِعْتُ وصْفَكم فِيهِ بِالرِّجْسِ، فَقالَ لَهم مَخْشِيٌّ: لَوَدِدْتُ أنْ أُجْلَدَ مِائَةً ولا أكُونُ مَعَكم، فَخَرَجَ حَتّى لَحِقَ بِالرَّسُولِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: ”ما جاءَ بِكَ“ ؟ فَقالَ لَهُ: وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْفَعُهُ الرِّيحُ، وأنا في الكِنِّ. فَرُوِيَ أنَّهُ مِمَّنْ تابَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أمْرٌ بِانْتِهارِهِمْ وعُقُوبَتِهِمْ بِالإعْراضِ والوَصْمِ بِالنِّفاقِ، وهَذا مَعَ إجْمالٍ لا مَعَ تَعْيِينٍ مُصَرِّحٍ مِنَ اللَّهِ ولا مِن رَسُولِهِ، بَلْ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَيْدانُ المَقالَةِ مَبْسُوطًا. وقَوْلُهُ: (رِجْسٌ) أيْ: نَتَنٌ وقَذَرٌ. وناهِيكَ بِهَذا الوَصْفِ مَحَطَّةً دُنْيَوِيَّةً، ثُمَّ عَطَفَ لِمَحَطَّةِ الآخِرَةِ. ومِن حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: أنَّهم جاءُوا يَعْتَذِرُونَ ويَحْلِفُونَ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ، فَقَبِلَ مِنهم عَلانِيَتَهم وبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهم، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ.

﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ حَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بَعْدَها، وحَلَفَ ابْنُ أبِي سَرْحٍ لَنَكُونُنَّ مَعَهُ عَلى عَدُوِّهِ، وطَلَبَ مِنَ الرَّسُولِ أنْ يَرْضى عَنْهُ، فَنَزَلَتْ، وهُنا حُذِفَ المَحْلُوفُ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أُثْبِتَ كَقَوْلِهِ: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها﴾ [القلم: ١٧] وقَوْلِهِ: (وأقْسَمُوا بِاللَّهِ) فَلا فَرْقَ بَيْنَ حَذْفِهِ وإثْباتِهِ في انْعِقادِ ذَلِكَ يَمِينًا. وغَرَضُهم في الحَلِفِ رِضا الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ لِنَفْعِهِمْ في دُنْياهم، لا أنَّ مَقْصِدَهم وجْهُ …

99

وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ ۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌۭ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

But among the bedouins are some who believe in Allah and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allah and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allah will admit them to His mercy. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهم يَصْدُرُ مِنهُمُ الِاعْتِذارُ أخْبَرَ أنَّهم سَيُؤَكِّدُونَ ذَلِكَ الِاعْتِذارَ الكاذِبَ بِالحَلِفِ، وأنَّ سَبَبَ الحَلِفِ هو طِلْبَتُهم أنْ يُعْرِضُوا عَنْهم فَلا يَلُومُوهم ولا يُوَبِّخُوهم، فَأعْرِضُوا عَنْهم، أيْ: فَأجِيبُوا إلى طِلْبَتِهِمْ. وعَلَّلَ الإعْراضُ عَنْهم بِأنَّهم رِجْسٌ، أيْ مُسْتَقْذَرُونَ بِما انْطَوَوْا عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ، فَتَجِبُ مُباعَدَتُهم واجْتِنابُهم؛ كَما قالَ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فَمَن كانَ رِجْسًا لا تَنْفَعُ فِيهِ المُعاتَبَةُ، ولا يُمْكِنُ تَطْهِيرُ الرِّجْسِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ الحَلِفِ مَخافَتَهم أنْ يُعْرِضُوا عَنْهم فَلا يُقْبِلُوا عَلَيْهِمْ ولا يُوادُّوهم، فَأمَرَ تَعالى بِالإعْراضِ عَنْهم وعَدَمِ تَوَلِّيهِمْ، وبَيَّنَ العِلَّةَ في ذَلِكَ بِرِجْسِيَّتِهِمْ، وبِأنَّ مَآلَ أمْرِهِمْ إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لا تُكَلِّمُوهم. وفي الخَبَرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَدِمَ مِن تَبُوكَ، قالَ: لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم.

قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَ قَدِ اعْتَذَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ واسْتَأْذَنُوهُ في القُعُودِ قَبْلَ مَسِيرِهِ، فَأذِنَ، فَخَرَجُوا، وقالَ أحَدُهم: ما هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ، فَلَمّا خَرَجَ الرَّسُولُ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، فانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقالَ لِلْمُنافِقِينَ في مَجْلِسٍ مِنهم: نَزَلَ فِيكم قُرْآنٌ فَقالُوا لَهُ: وما ذَلِكَ ؟ قالَ: لا أحْفَظُ، إلّا أنِّي سَمِعْتُ وصْفَكم فِيهِ بِالرِّجْسِ، فَقالَ لَهم مَخْشِيٌّ: لَوَدِدْتُ أنْ أُجْلَدَ مِائَةً ولا أكُونُ مَعَكم، فَخَرَجَ حَتّى لَحِقَ بِالرَّسُولِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: ”ما جاءَ بِكَ“ ؟ فَقالَ لَهُ: وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْفَعُهُ الرِّيحُ، وأنا في الكِنِّ. فَرُوِيَ أنَّهُ مِمَّنْ تابَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أمْرٌ بِانْتِهارِهِمْ وعُقُوبَتِهِمْ بِالإعْراضِ والوَصْمِ بِالنِّفاقِ، وهَذا مَعَ إجْمالٍ لا مَعَ تَعْيِينٍ مُصَرِّحٍ مِنَ اللَّهِ ولا مِن رَسُولِهِ، بَلْ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَيْدانُ المَقالَةِ مَبْسُوطًا. وقَوْلُهُ: (رِجْسٌ) أيْ: نَتَنٌ وقَذَرٌ. وناهِيكَ بِهَذا الوَصْفِ مَحَطَّةً دُنْيَوِيَّةً، ثُمَّ عَطَفَ لِمَحَطَّةِ الآخِرَةِ. ومِن حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: أنَّهم جاءُوا يَعْتَذِرُونَ ويَحْلِفُونَ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ، فَقَبِلَ مِنهم عَلانِيَتَهم وبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهم، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ.

﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ حَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بَعْدَها، وحَلَفَ ابْنُ أبِي سَرْحٍ لَنَكُونُنَّ مَعَهُ عَلى عَدُوِّهِ، وطَلَبَ مِنَ الرَّسُولِ أنْ يَرْضى عَنْهُ، فَنَزَلَتْ، وهُنا حُذِفَ المَحْلُوفُ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أُثْبِتَ كَقَوْلِهِ: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها﴾ [القلم: ١٧] وقَوْلِهِ: (وأقْسَمُوا بِاللَّهِ) فَلا فَرْقَ بَيْنَ حَذْفِهِ وإثْباتِهِ في انْعِقادِ ذَلِكَ يَمِينًا. وغَرَضُهم في الحَلِفِ رِضا الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ لِنَفْعِهِمْ في دُنْياهم، لا أنَّ مَقْصِدَهم وجْهُ …

100

وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَٰنٍۢ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

And the first forerunners [in the faith] among the Muhajireen and the Ansar and those who followed them with good conduct - Allah is pleased with them and they are pleased with Him, and He has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.

﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ: السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مَن صَلّى إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: مَن شَهِدَ بَدْرًا، قالَ: وحُوِّلَتِ القِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، بَيْعَةَ الحُدَيْبِيَةِ ما بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ، ومَن فَسَّرَ السّابِقِينَ بِواحِدٍ كَأبِي بَكْرٍ، أوْ عَلِيٍّ، أوْ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، أوْ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، فَقَوْلُهُ بِعِيدٌ مِن لَفْظِ الجَمْعِ، وإنَّما يُناسِبُ ذَلِكَ في أوَّلِ مَن أسْلَمَ. والظّاهِرُ أنَّ السَّبْقَ هو إلى الإسْلامِ والإيمانِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ بِالمَوْتِ أوْ بِالشَّهادَةِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، سَبَقُوا إلى ثَوابِ اللَّهِ وحُسْنِ جَزائِهِ، و﴿مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾، أيْ: ومِنَ الأنْصارِ، وهم أهْلُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ أوَّلًا وكانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ، وأهْلُ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ وكانُوا سَبْعِينَ، والَّذِينَ آمَنُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ أبُو زُرارَةَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فَعَلَّمَهُمُ القُرْآنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ هم جَمِيعُ مَن هاجَرَ إلى أنِ انْقَضَتِ الهِجْرَةُ، لَكانَ قَوْلًا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ، وتَكُونُ ”مِن“ لِبَيانِ الجِنْسِ.

﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ هم سائِرُ الصَّحابَةِ، ويَدْخُلُ في هَذا اللَّفْظِ التّابِعُونَ، وسائِرُ الأُمَّةِ، لَكِنْ بِشَرْطِ الإحْسانِ. وقَدْ لَزِمَ هَذا الِاسْمُ الَّذِي هو التّابِعُونَ مَن رَأى مَن رَأى النَّبِيَّ ﷺ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّهُمُ السّابِقُونَ في الهِجْرَةِ والنَّصْرِ؛ لِأنَّ في لَفْظِ السّابِقَيْنِ إجْمالًا، ووَصْفُهم بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ يُوجِبُ صَرْفَ ذَلِكَ إلى ما اتَّصَفَ بِهِ وهي الهِجْرَةُ والنُّصْرَةُ، والسَّبْقُ إلى الهِجْرَةِ صِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِن حَيْثُ كَوْنِها شاقَّةً عَلى النَّفْسِ ومُخالِفَةً لِلطَّبْعِ، فَمَن أقْدَمَ أوَّلًا صارَ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ فِيها، وكَذَلِكَ السَّبْقُ في النُّصْرَةِ فازُوا بِمَنصِبٍ عَظِيمٍ. انْتَهى مُلَخَّصًا.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى فَضائِلَ الأعْرابِ المُؤْمِنِينَ المُتَصَدِّقِينَ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ؛ بَيَّنَ حالَ هَؤُلاءِ السّابِقِينَ وما أعَدَّ لَهم، وشَتّانَ ما بَيْنَ الإعْدادَيْنِ والثَّناءَيْنِ، هُناكَ قالَ: ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٩]، وهُنا ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، وهُناكَ ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ [التوبة: ٩٩]، وهُنا ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي﴾، وهُناكَ خَتَمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]، وهُنا ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعِيسى الكُوفِيُّ، وسَلامٌ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: (والأنْصارُ) بِرَفْعِ الرّاءِ عَطْفًا عَلى (والسّابِقُونَ)، فَيَكُونُ الأنْصارُ جَمِيعُهم مُنْدَرِجِينَ في هَذا اللَّفْظِ. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وهي الجَرُّ، يَكُونُونَ قِسْمَيْنِ: سابِقٌ أوَّلُ، وغَيْرُ أوَّلَ. ويَكُونُ المُخْبَرُ عَنْهم بِالرِّضا سابَقُوهم، ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ الضَّمِيرُ في القِراءَتَيْنِ عائِدٌ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. والظّاهِرُ أنَّ (السّابِقُونَ) مُبْتَدَأٌ، و(رَضِيَ …

At-Tawba 9:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.