Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 81–90 of 129

81

فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّۭا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ

Those who remained behind rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allah and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allah and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intensive in heat" - if they would but understand.

ولَمّا عَلَّلَ سُبْحانَهُ عَدَمَ المَغْفِرَةِ بِفِسْقِهِمْ، وأتى بِالظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إشارَةً إلى اتِّصافِهِمْ بِهِ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ، عَلَّلَ رُسُوخَهم في الفِسْقِ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ أنَّ المُنافِقِينَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ فَهم كالجَسَدِ الواحِدِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ وقَعَ تَخْلِيفُهم بِإذْنِكَ لَهم وكَراهَةِ اللَّهِ لِانْبِعاثِهِمْ ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أيْ: قُعُودِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهَذا المَصْدَرِ لِصَلاحِيَتِهِ لِمَوْضِعِ القُعُودِ لِيَكُونَ بِدَلالَتِهِ عَلى الفَرَحِ أعْظَمَ دَلالَةً عَلى الفَرَحِ بِالمَوْضُوعِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وأظْهَرَ الوَصْفَ بِالتَّخَلُّفِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ زِيادَةً في تَهْجِينِ ما رَضُوا بِهِ لِأنْفُسِهِمْ، وزادَهُ تَهْجِينًا أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿خِلافَ﴾ أيْ: بَعْدَ وخَلْفَ أوْ لِأجْلِ خِلافِ ﴿رَسُولِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي مَن تَخَلَّفَ عَنْ حِزْبِهِ هَلَكَ ﴿وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا﴾

ولَمّا كانَ هَذا في سِياقِ الأمْوالِ تارَةً بِالرِّضى بِنَيْلِها والسُّخْطِ بِحِرْمانِها، وتارَةً بِقَبْضِ اليَدِ عَنْ بَذْلِها، وتارَةً بِالِاسْتِمْتاعِ بِالخِلافِ الَّذِي هو النَّصِيبُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِالمالِ أوِ النَّفْسِ، وتارَةً بِعَيْبِ الباذِلِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شَأْنِها قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرِيقِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ باعِثُ الإيمانِ وداعِي الإيقانِ الَّذِي بَعَثَ المُؤْمِنِينَ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى عَراقَتِهِمْ في الفِسْقِ بِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَفْعَلُ المَعْصِيَةَ ويَحْزَنُ عَلى فِعْلِها وهَؤُلاءِ سُرُّوا بِها مَعَ ما فِيها مِنَ الدَّناءَةِ، وقَدْ يُسَرُّ الإنْسانُ بِالمَعْصِيَةِ ولا يَكْرَهُ أنْ يَكُونَ بَدَلَها أوْ مَعَها طاعَةٌ وهَؤُلاءِ ضَمُّوا إلى سُرُورِهِمْ بِها كَراهِيَةَ الطّاعَةِ، وقَدْ يَكْرَهُ ولا يَنْهى غَيْرَهُ وهَؤُلاءِ جَمَعُوا إلى ذَلِكَ كُلِّهِ نَهْيَ غَيْرِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ ﴿وقالُوا﴾ أيْ: لِغَيْرِهِمْ ﴿لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ بُعْدًا مِنَ الإسْلامِ وعَمًى عَنْ سَيِّدِ الأحْكامِ؛ لِأنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ كانَتْ في شِدَّةِ الحَرِّ.

ولَمّا كانَ هَذا قَوْلَ مَن لَمْ تَخْطُرِ الآخِرَةُ عَلى بالِهِ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَحْذَرَ مَن يُصْغِي إلَيْهِمْ أوْ يُقْبِلُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: يا أعْلَمَ بِخَلْقِنا اسْتِجْهالًا لَهم ﴿نارُ جَهَنَّمَ﴾ أيِ: الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ لِمَن خالَفَ أمْرَهُ ﴿أشَدُّ حَرًّا﴾ ولَفْتُ الكَلامِ إلى الغَيْبَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أعْظَمَ المُرادِ بِهَذا الوَعْظِ ضُعَفاءُ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ طَمَعًا في الحِلْمِ فَقالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانُوا﴾ أيِ: المُنافِقُونَ ﴿يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ بِهِمْ فَهْمٌ يَعْلَمُونَ بِهِ صِدْقَ الرَّسُولِ وقُدْرَةَ مُرْسِلِهِ عَلى ما تَوَعَّدَ بِهِ لَعَلِمُوا ذَلِكَ فَما كانُوا يَفِرُّونَ مِنَ الحَرِّ إلى أشَدَّ حَرًّا مِنهُ؛ لِأنَّ مَن فَرَّ مِن حَرِّ ساعَةٍ إلى حَرِّ الأبَدِ كانَ أجْهَلَ الجُهّالِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما ظَهَرَ مِنَ النِّفاقِ والهُزْءِ مِنَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ المُنافِقِينَ ذَكَرَ حالَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ، يَعْنِي في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ انْتَهى.

فَتَكُونُ الآيَةُ حِينَئِذٍ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَذِهِ أحْوالُ مَن خَرَجَ فَما حالُ …

82

فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًۭا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًۭا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

ولَمّا كانَ غايَةُ السُّرُورِ الضَّحِكَ، وكانَ اللّازِمُ لَهم في الآخِرَةِ البُكاءَ في دارِ الشَّقاءِ الَّذِي هو غايَةُ الحُزْنِ لَهُمْ، فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها، قالَ تَعالى مُهَدِّدًا لَهم مُسَبِّبًا عَنْ قَبِيحِ ما ذُكِرَ مِن فِعْلِهِمْ مُخْبِرًا في صُورَةِ الأمْرِ إيذانًا بِأنَّهُ أمْرٌ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا﴾ أيْ: فَلْيَتَمَتَّعُوا في هَذِهِ الدّارِ بِفَرْحَتِهِمْ بِمَقْعَدِهِمُ التَّمَتُّعَ الَّذِي غايَةُ السُّرُورِ بِهِ الضَّحِكُ - يَسِيرًا، فَإنَّها دارُ قَلْعَةٍ وزَوالٍ وانْزِعاجٍ وارْتِحالٍ ﴿ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ أيْ: في نارِ جَهَنَّمَ الَّتِي أغْفَلُوا ذِكْرَ حَرُورِها وأهْمَلُوا الِاتِّقاءَ مِن شَدِيدِ سَعِيرِها بَدَلَ ذَلِكَ الضَّحِكِ القَلِيلِ كَما اسْتَبْدَلُوا حَرَّها العَظِيمَ بِحَرِّ الشَّمْسِ الحَقِيرِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِنَ الفَرَحِ بِالمَعاصِي والسُّرُورِ بِالشَّهَواتِ والِانْهِماكِ في اللَّذّاتِ.

83

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًۭا وَلَن تُقَٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَٰلِفِينَ

If Allah should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."

ولَمّا كانَ المَسْرُورُ بِشَيْءٍ الكارِهُ لِضِدِّهِ النّاهِي عَنْهُ لا يَفْعَلُ الضِّدَّ إلّا تَكَلُّفًا ولا قَلْبَ لَهُ إلَيْهِ وكانَ هَذا الدِّينُ مَبْنِيًّا عَلى العِزَّةِ والغِنى، أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مُسَبِّبًا عَنْ فَرَحِهِمْ بِالتَّخَلُّفِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها فَلَهُ الغِنى المُطْلَقُ عَنْ سَفَرِكَ هَذا ﴿إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: وهُمُ الَّذِينَ يَمُدُّ اللَّهُ في أعْمارِهِمْ إلى أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِمْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أهْلَكَ سُبْحانَهُ في غَيْبَتِهِ بَعْضَهُمْ، فَأرَدْتَ الخُرُوجَ إلى سَفَرٍ آخَرَ ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ تَأْذَنَ لَهم ﴿لِلْخُرُوجِ﴾ أيْ: مَعَكَ في سَفَرِكَ ذَلِكَ ﴿فَقُلْ﴾ عُقُوبَةً لَهم وغِنًى عَنْهم وعِزَّةً عَلَيْهِمْ ناهِيًا لَهم بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِيَكُونَ صِدْقُكَ فِيهِ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ وبُرْهانًا مِن بَراهِينِ الرِّسالَةِ ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ أيْ: في سَفَرٍ مِنَ الأسْفارِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أغْنانِي عَنْكم وأحْوَجَكم إلَيَّ ﴿ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ لِأنَّكم جَعَلْتُمْ أنْفُسَكم في عِدادِ رَبّاتِ الحِجالِ ولا تَصْلُحُونَ لِقِتالٍ؛ والتَّقْيِيدُ بِالمَعِيَّةِ كَما يُؤْذِنُ بِاسْتِثْقالِهِمْ يُخْرِجُ ما كانَ بَعْدَهُ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِن سَفَرِهِمْ وقِتالِهِمْ.

ولَمّا أخْزاهم سُبْحانَهُ بِما أخْزَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ﴾ أيْ: عَنِ التَّشَرُّفِ بِمُصاحَبَتِي، ولَمّا كانَتِ الأوَّلِيّاتُ أدُلَّ عَلى تَمَكُّنِ الغَرائِزِ مِنَ الإيمانِ والكُفْرانِ وغَيْرِها قالَ: ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ومَن فاتَنا يَكْفِيهِ أنّا نَفُوتُهُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: فَعَلَّلَ بِالمُسَبِّبِ وهو الرِّضى النّاشِئُ عَنِ السَّبَبِ وهو النِّفاقُ. انْتَهى.

ولَمّا أنْهى الحَكَمَ والعِلَّةَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِهَذا الوَصْفِ الَّذِي مِن جُمْلَةِ مَعانِيهِ: الفاسِدُ؛ فَهم لا يَصْلُحُونَ لِجِهادٍ ولا يُلْفَوْنَ أبَدًا في مُواطِنِ الأمْجادِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، أوِ النِّساءُ والصِّبْيانُ أوْ أدْنِياءُ النّاسِ أوِ المُخالِفُونَ أوِ المَرْضى والزَّمْنى أوْ أهْلُ الفَسادِ، والأوْلى الحَمْلُ عَلى الجَمِيعِ، أيْ: لِأنَّ المُرادَ تَبْكِيتُهم وتَوْبِيخُهُمْ،

84

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًۭا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ فَٰسِقُونَ

And do not pray [the funeral prayer, O Muhammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allah and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.

ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ الكَلامَ في الِاسْتِغْفارِ وتَعْلِيلِهِ إلى أنْ خَتَمَ بِإهانَةِ المُتَخَلِّفِينَ، وكانَ القَتْلُ المُسَبَّبَ عَنِ الجِهادِ سَبَبًا لِتَرْكِ الصَّلاةِ عَلى الشَّهِيدِ تَشْرِيفًا لَهُ، جُعِلَ المَوْتُ الواقِعُ في القُعُودِ المَرْضِيِّ بِهِ عَنِ الجِهادِ سَبَبًا لِتَرْكِ الصَّلاةِ إهانَةً لِذَلِكَ القاعِدِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما أفْهَمَتْ جُمْلَةُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآيَةَ. مِن نَحْوِ: فَلا تَسْتَغْفِرْ لَهم أصْلًا: ﴿ولا تُصَلِّ﴾ أيِ: الصَّلاةَ الَّتِي شُرِعَتْ لِتَشْرِيفِ المُصَلّى عَلَيْهِ والشَّفاعَةِ فِيهِ ﴿عَلى أحَدٍ مِنهُمْ﴾ ثُمَّ وصَفَ الأحَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ماتَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أبَدًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ لا بِالمَوْتِ ﴿ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ أيْ: لِأنَّ قِيامَكَ رَحْمَةٌ وهم غَيْرُ أهْلٍ لَها، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها ولَمّا كانَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ مانِعًا مِنَ الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ بِجَمِيعِ مَعانِيها لَمْ يَحْتَجْ إلى التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ الجارِّ فَقِيلَ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي هو أعْظَمُ النّاسِ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ بِما لَهُ مِن نَصائِحِهِمْ بِالرِّسالَةِ، والمَعْنى أنَّهم لِعِظَمِ ما ارْتَكَبُوا مِن ذَلِكَ لَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ فاسْتَمَرُّوا عَلى الضَّلالَةِ حَتّى ماتُوا عَلى صِفَةٍ مِن وقْعِ النَّهْيِ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهُمُ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٨٠] وذَلِكَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: مُعَبِّرًا بِالماضِي والمَعْنى عَلى المُضارِعِ تَحْقِيقًا لِلْخَبَرِ وأنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ: ﴿وماتُوا وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم بِضَمائِرِهِمْ وظَواهِرِهِمْ ﴿فاسِقُونَ﴾ أيْ: غَرِيقُونَ في الفِسْقِ.

85

وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

And let not their wealth and their children impress you. Allah only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

ولَمّا كانَ ابْنُ أُبَيٍّ سَبَبَ النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُمْ، وكانَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِن خِيارِ المُؤْمِنِينَ وخُلَّصِ المُحْسِنِينَ وكانَ لِبَعْضِ المُنافِقِينَ أبْناءٌ مِثْلُهُ، وكانَ مِن طَبْعِ البَشَرِ أنْ يَذْكُرَ في كَثِيرٍ مِن مَقالِهِ غَلَطًا ما يَنْدَمُ عَلَيْهِ، وكانَ شَدِيدَ الوُقُوفِ لِما حَفَّ بِهِ مِنَ العَلائِقِ البَدَنِيَّةِ وشَمَلَهُ مِنَ العَوائِقِ بِالأوْهامِ النَّفْسانِيَّةِ مَعَ أوْهامِهِ وعَوائِقِهِ قاصِرًا عَلى قُيُودِهِ وعَلائِقِهِ، فَكانَ لِإعادَةِ الكَلامِ وتَكْرِيرِهِ وتَرْدِيدِهِ ومَزِيدِ تَقْرِيرِهِ تَأْكِيدٌ في النُّفُوسِ وتَعْزِيَةٌ وتَثْبِيتٌ في القُلُوبِ، كَرَّرَ آيَةَ الإعْجابِ لِهَذِهِ الأسْبابِ لِأنْ يَكُونَ حُكْمُها عَلى بالٍ مِنَ المُخاطَبِ لا يَنْساهُ لِاعْتِقادِ أنَّ العَمَلَ بِهِ مُهِمٌّ جِدًّا يَفْتَقِرُ إلى فَضْلِ عِنايَةٍ، وأنَّ ذَلِكَ شَبِيهٌ بِما أوْهَمَ صاحِبَهُ فَهو يَتَكَلَّمُ فِيهِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى غَيْرِهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ في أثْناءِ حَدِيثِهِ لِشِدَّةِ اهْتِمامِهِ بِهِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، ولا يَرْجِعُ إلَيْهِ إلّا عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِن حُسْنِ الرَّبْطِ وبَراعَةِ التَّناسُبِ، وعَطَفَها بِالواوِ دُونَ الفاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُسَبَّبًا عَمّا قَبْلَهُ كَما سَبَقَ في الآيَةِ الأُولى، أيْ: لا تَسْتَغْفِرْ لَهم ولا تُصَلِّ عَلَيْهِمْ ولا يُعْجِبْكَ قَوْلُهُمْ: مُسْتَعْطِفِينَ لَكَ في طَلَبِ مَحَبَّتِكَ وإنْ زَخْرَفُوهُ وأكَّدُوهُ بِالأيْمانِ الَّتِي اتَّخَذُوها جُنَّةً ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ وأسْنَدَ النَّهْيَ إلَيْها إبْلاغًا فِيهِ.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ هُنا ما اقْتَضى تَأْكِيدَ النَّفْيِ مِمّا مَضى في الآيَةِ الأُولى، لَمْ يُعِدِ النّافِيَ ولا أثْبَتَ اللّامَ ولا الحَياةَ فَقالَ: ﴿وأوْلادُهُمْ﴾ أيْ: وإنْ أظْهَرُوا أنَّهم يُجاهِدُونَ بِها مَعَكَ ويَتَقَرَّبُونَ بِها إلى اللَّهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ بِهِمْ ذَلِكَ فَلا يُيَسِّرُهُ لَهم لِما عَلِمَ مِن مُباعَدَتِهِمْ لِلْخَيْرِ وعَدَمِ قابِلِيَّتِهِمْ لَهُ فَلا يَحْمِلْكَ الإعْجابُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ تَأْلِيفًا لِأمْثالِهِمْ لِلْمُساعَدَةِ بِأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِن أوْلادِهِمْ؛ فَإنَّهم إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ لَمْ يَضُرَّهم تَرْكُ ذَلِكَ وإلّا فَبُعْدًا لَهم وسُحْقًا ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أيْ: بِعِزِّهِ وعَظَمَتِهِ وعِلْمِهِ وإحاطَتِهِ ﴿أنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أيْ: تَعْذِيبَهم ﴿بِها﴾ فالفِعْلُ واقِعٌ بِخِلافِهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿فِي الدُّنْيا﴾ أيْ: بِجَمْعِها ومُحِبَّةِ الإخْلادِ إلَيْها وإلى الأوْلادِ إنْ كانُوا مِثْلَهم في الِاعْتِقادِ وإلّا كانُوا زِيادَةَ عَذابٍ لَهم في الدّارَيْنِ ﴿وتَزْهَقَ﴾ أيْ: تَخْرُجَ بِغايَةِ العُسْرِ ﴿أنْفُسُهم وهُمْ﴾ لِاغْتِرارِهِمْ بِها ﴿كافِرُونَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ خِطابَ الرَّأْسِ بِغايَةِ العُسْرِ ﴿أنْفُسُهم وهُمْ﴾ لِاغْتِرارِهِمْ بِها ﴿كافِرُونَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ خِطابَ الرَّأْسِ بِشَيْءٍ أوْقَعُ في قُلُوبِ أصْحابِهِ فَلِذَلِكَ وقَعَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ غَيْرُهُ مِن أتْباعِهِ وجَماعَتِهِ وأشْياعِهِ مِمَّنْ قَدْ يَجْنَحُ إلى الأسْبابِ ويَقِفُ عِنْدَهُ كَما هو طَبْعُ النُّفُوسِ في تَأمُّلِ ما شَهِدَ ونِسْيانِ ما غابَ وعَهِدَ تَدْرِيبًا لَهم عَلى الحُبِّ في اللَّهِ والبُغْضِ فِيهِ لِأنَّهُ مِن أدَقِّ أبْوابِ الدِّينِ فَهْمًا وأجَلِّها قَدْرًا، وعَلَيْهِ تُبْتَنى غالِبُ أبْوابِهِ، ومِنهُ تُجْتَنى أكْثَرُ ثَمَراتِهِ وآدابِهِ، …

86

وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And when a surah was revealed [enjoining them] to believe in Allah and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

ولَمّا افْتُتِحَتْ قِصَّتُهم بِأنَّ المُتَّقِينَ لا يَتَوَقَّفُونَ في الِانْتِدابِ إلى الجِهادِ عَلى أمْرٍ جَدِيدٍ ولا اسْتِئْذانٍ، بَلْ يَكْتَفُونَ بِما سَبَقَ مِن عُمُومِ الحَثِّ عَلَيْهِ والنَّدْبِ إلَيْهِ فَيُبادِرُونَ إلَيْهِ الطَّرْفَ ولا يُحاذِرُونَ الحَتْفَ، وأنَّ مِنَ المُنافِقِينَ مَن يَسْتَأْذِنُ في الجِهادِ جاعِلًا اسْتِئْذانَهُ فِيهِ بابًا لِلِاسْتِئْذانِ في التَّخَلُّفِ عَنْهُ، ومِنهم مَن يُصَرِّحُ بِالِاسْتِئْذانِ في العُقُودِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَسَتُّرٍ، وعَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ الإعْجابِ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ ثُمَّ مَرَّ في ذِكْرِ أقْسامِهِمْ وما لَزِمَهم مِن فَضائِحِهِمْ وآثامِهِمْ، إلى أنْ خَتَمَ القِصَّةَ بِأنَّ أمْوالَهم إنَّما هي لِفِتْنَتِهِمْ لا لِرَحْمَتِهِمْ، ولِمِحْنَتِهِمْ لا لِمِنحَتِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ مِن أنَّهم لا يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى جِهادٍ، ولا يَتَوَسَّلُونَ إلى دارِ المَعادِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما أفْهَمَهُ السِّياقُ مِن نَحْوِ أنْ يُقالَ لِأنَّهم لا يَفْعَلُونَ بِها خَيْرًا ولا يَكْسِبُونَ أجْرًا، أوْ بانِيًا حالًا مِنَ الكافِ في ”تُعْجِبُكَ“: ﴿وإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ: وقَعَ إنْزالُ قِطْعَةٍ مِنَ القُرْآنِ.

ولَمّا كانَ الإنْزالُ يَدُلُّ عَلى المُنْزِلِ حَتْمًا، فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿وجاهِدُوا﴾ أيْ: أوْقِعُوا الجِهادَ ﴿مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ مَن لا عُذْرَ لَهُ وهم ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ أيْ: أهْلُ الفَضْلِ مِنَ الأمْوالِ والسِّعَةِ والثَّرْوَةِ في غالِبِ الأحْوالِ ﴿مِنهُمْ﴾ وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّ الذَّمَّ لَهم ألْزَمُ ولا سِيَّما بَعْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى خَبَرِ ”أنَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٠] هَذا مَعَ ما تَضَمَّنَ اسْتِئْذانُهم مِن رَذائِلِ الأخْلاقِ ودَنايا الهِمَمِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ذَرْنا﴾ أيِ: اتْرُكْنا ولَوْ عَلى حالَةٍ سَيِّئَةٍ ﴿نَكُنْ﴾ أيْ: بِما يُوافِقُ جِبِلّاتِنا ﴿مَعَ القاعِدِينَ﴾ أيْ: بِالعُذْرِ المُتَضَمَّنِ -لاسِيَّما مَعَ التَّعْبِيرِ بِ: ”ذَرْنا“ الَّذِي مادَّتُهُ تَدُورُ عَلى ما يُكْرَهُ دُونَ ”دَعْنا“ - لِما اسْتَأْنَفَ بِهِ أوْ بُيِّنَ مِن قَوْلِهِ:

87

رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا﴾ أيْ: كَوْنًا كَأنَّهُ جِبِلَّةٌ لَهم ﴿مَعَ الخَوالِفِ﴾ أيِ: النِّساءِ ﴿وطُبِعَ﴾ أيْ: وقَعَ الطَّبْعُ المانِعُ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: حَتّى رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالتَّخَلُّفِ عَنْ سَبَبِ السَّعادَةِ مَعَ الكَوْنِ في عِدادِ المُخَدَّراتِ بِما هو عارٌ في الدُّنْيا ونارٌ في العُقْبى.

ولَمّا أبْهَمَ فاعِلَ الطَّبْعِ، نَفى دَقِيقَ العِلْمِ فَقالَ: ﴿فَهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ هَذا الطَّبْعِ ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لا فِقْهَ لَهم يَعْرِفُونَ بِهِ ما في الجِهادِ مِنَ العِزِّ والسَّعادَةِ في الدّارَيْنِ، وما في التَّخَلُّفِ مِنَ الشَّقاءِ والعارِ فَلِذَلِكَ لا يُجاهِدُونَ، فَلا شَيْءَ أضَرُّ مِن هَذِهِ الأمْوالِ والأوْلادِ الَّتِي أبْعَدَتْ عَنِ المَمادِحِ وألْزَمَتِ المَذامَّ والقَوادِحَ، فَقَدِ اكْتَنَفَتْ آيَةَ الأمْوالِ في أوَّلِ القِصَّةِ وآخِرِها ما يَدُلُّ عَلى مَضْمُونِها.

88

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good, and it is those who are the successful.

ولَمّا افْتَتَحَ القِصَّةَ بِمَدْحِ المُتَّقِينَ لِمُسابَقَتِهِمْ إلى الجِهادِ مِن دُونِ اسْتِئْذانٍ خَتَمَها بِذَلِكَ وذَكَرَ ما أُعِدَّ لَهم فَقالَ مُعْلِمًا بِالغِنى عَنْهم بِمَن هو الخَيْرُ المَحْضُ تَبْكِيتًا لَهم وتَقْرِيعًا: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ﴾ أيْ: والَّذِي بَعَثَهُ لِرَدِّ العِبادِ عَنِ الفَسادِ إلى السَّدادِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: إيمانًا عَظِيمًا كائِنًا أوْ كائِنِينَ ﴿مَعَهُ﴾ أيْ: مُصاحِبِينَ لَهُ ذاتًا وحالًا في جَمِيعِ ما أرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ بِهِ ﴿جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: بَذَلُوا كُلًّا مِن ذَلِكَ في حُبِّهِ ﷺ فَتَحَقَّقُوا بِشَرْطِ الإيمانِ و”لَكِنْ“ واقِعَةٌ مَوْقِعَها بَيْنَ مُتَنافِسِينَ لِأنَّ ما مَضى مِن حالِهِمْ كُلِّهِ ناطِقٌ بِأنَّهم لَمْ يُجاهِدُوا.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِبُخْلِهِمْ بِالنَّفْسِ والمالِ، ولِسَلْبِ النَّفْعِ مِن أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، اقْتَصَرَ في مَدْحِ أوْلِيائِهِ عَلى الجِهادِ بِالنَّفْسِ والمالِ ولَمْ يَذْكُرِ السَّبِيلَ وقالَ: ”أُولَئِكَ“ دالًّا عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ نَوَّرْتُ قُلُوبَهم فَهم يَفْقَهُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ﴾ أيْ: لا لِغَيْرِهِمْ ﴿الخَيْراتُ﴾ تَعَرُّضٌ بِذَوِي الأمْوالِ مِنَ المُنافِقِينَ لِأنَّ الخَيْرَ يُطْلَقُ عَلى المالِ وتَحْلِيَتُهُ بِ: ”ال“ عَلى اسْتِغْراقِهِ لِجَمِيعِ مَنافِعِ الدّارَيْنِ، والتَّعْبِيرُ بِأداةِ البُعْدِ إشارَةً إلى عُلُوِّ مَقامِ أوْلِيائِهِ وبُعْدِ مَنالِهِ إلّا بِفَضْلٍ مِنهُ تَعالى، وكَذا التَّعْرِيضُ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿المُفْلِحُونَ﴾ أيِ: الفائِزُونَ بِجَمِيعِ مُرادِهِمْ، لا غَيْرُهُمْ؛

89

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

ثُمَّ بَيَّنَ الإفْلاحَ الأعْظَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿لَهُمْ﴾ أيِ: الآنَ لِيُنَعِّمَهم بِها بَعْدَ مَوْتِهِمْ وانْتِقالِهِمْ مِن هَذِهِ الدّارِ الَّتِي هي مَعْدِنُ الأكْدارِ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ أيْ: دائِمًا ﴿مِن تَحْتِها﴾ أيْ: مَعَ قُرْبِها ﴿الأنْهارُ﴾ ثُمَّ عَرَّضَ بِهَذِهِ الدُّنْيا السَّرِيعَةِ الزَّوالِ فَقالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ ثُمَّ رَغَّبَ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ.

90

وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied to Allah and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

ولَمّا خَتَمَ قِصَصَ أهْلِ المَدَرِ بِذَمِّ أُولِي الطَّوْلِ مِنهم بِتَخَلُّفِهِمْ، وكانَ ذَمُّهم إنَّما هو لِكَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى الخُرُوجِ في ذَلِكَ الوَجْهِ، وقَدَّمَهم لِكَثْرَةِ سَماعِهِمْ لِلْحِكْمَةِ، وكانَ أهْلُ الوَبَرِ أقْدَرَ النّاسِ عَلى السَّفَرِ لِأنَّ مَبْنى أمْرِهِمْ عَلى الحِلِّ والِارْتِحالِ، فَهم أجْدَرُ بِالذَّمِّ لِأنَّهم في غايَةِ الِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ، تَلاهم بِهِمْ فَقالَ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ أيِ: المُبالِغُونَ في إثْباتِ الخَفايا مِنَ الأعْذارِ المانِعَةِ لَهم مِنَ الجِهادِ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ، وحَقِيقَةُ المُعَذِّرِ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ لَهُ عُذْرًا ولا عُذْرَ لَهُ، والعُذْرُ: إيساعُ الحِيلَةِ في وجْهٍ يَدْفَعُ ما ظَهَرَ مِنَ التَّقْصِيرِ ﴿مِنَ الأعْرابِ﴾ قِيلَ: هم رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ مِن بَنِي عامِرٍ، وقِيلَ: أسَدٍ وغَطَفانَ، قِيلَ: رَهْطٌ مِن غِفارٍ ﴿لِيُؤْذَنَ﴾ أيْ: لِيَقَعَ الإذْنُ مِن أيِّ آذِنٍ كانَ في تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الغَزْوِ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: فاعْتَذَرُوا بِما كَذَبُوا فِيهِ وقَعَدُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَكَ، هَكَذا كانَ الأصْلُ فَوَضْعَ مَوْضِعَهُ: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ﴾ أيْ: وهو المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿ورَسُولَهُ﴾ تَنْبِيهًا عَلى وصْفِهِمْ ولِيَكُونَ أظْهَرَ في شُمُولِ الأعْرابِ وغَيْرِهِمْ.

ولَمّا كانَ مِنهُمُ المَحْتُومُ بِكَفْرِهِ وغَيْرُهُ قالَ: ﴿سَيُصِيبُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: حَتَمَ بِكُفْرِهِمْ ﴿مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.