Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 81–90 of 129

81

فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّۭا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ

Those who remained behind rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allah and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allah and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intensive in heat" - if they would but understand.

﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما ظَهَرَ مِنَ النِّفاقِ والهُزْءِ مِنَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ذَكَرَ حالَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ وتَخَلَّفُوا عَنِ الجِهادِ، واعْتَذَرُوا بِأعْذارٍ وعِلَلٍ كاذِبَةٍ، حَتّى أذِنَ لَهم، فَكَشَفَ اللَّهُ لِلرَّسُولِ ﷺ عَنْ أحْوالِهِمْ وأعْلَمَهُ بِسُوءِ فِعالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، أيْ: عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وكانَ الرَّسُولُ قَدْ خَلَّفَهم بِالمَدِينَةِ لَمّا اعْتَذَرُوا، فَأذِنَ لَهم. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي التَّوْبِيخَ والوَعِيدَ. ولَفْظَةُ (المُخَلَّفُونَ) تَقْتَضِي الذَّمَّ والتَّحْقِيرَ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٩٣]، وهي أمْكَنُ مِن لَفْظَةِ المُتَخَلِّفِينَ، إذْ هم مَفْعُولٌ بِهِمْ ذَلِكَ، ولَمْ يَفْرَحْ إلّا مُنافِقٌ، فَخَرَجَ مِن ذَلِكَ الثَّلاثَةُ وأصْحابُ العُذْرِ. ولَفْظُ المُقْعَدِ يَكُونُ لِلزَّمانِ والمَكانِ والمَصْدَرِ، وهو هُنا لِلْمَصْدَرِ، أيْ: بِقُعُودِهِمْ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الإقامَةِ بِالمَدِينَةِ. وانْتَصَبَ (خِلافَ) عَلى الظَّرْفِ، أيْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يُقالُ: فُلانٌ أقامَ خِلافَ الحَيِّ، أيْ بَعْدَهم، إذا ظَعَنُوا ولَمْ يَظْعَنْ مَعَهم. قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عَمْرٍو. قالَ الشّاعِرُ:

؎عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما نَشَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا

ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلافَ الَّذِي مَضى ∗∗∗ تَأهَّبْ لِأُخْرى مِثْلِها وكَأنْ قَدِ

ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي حَيْوَةَ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ”خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ“ . وقالَ قُطْرُبٌ، ومُؤَرِّجٌ، والزَّجّاجُ، والطَّبَرِيُّ: انْتَصَبَ (خِلافَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، أيْ: لِمُخالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، لِأنَّهم خالَفُوهُ حَيْثُ نَهَضَ لِلْجِهادِ وقَعَدُوا. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (خُلْفَ) بِضَمِّ الخاءِ، وما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِّواياتُ مِن أنَّهُ أمَرَهم بِالنَّفْرِ فَغَضِبُوا وخالَفُوا وقَعَدُوا مُسْتَأْذِنِينَ وغَيْرَ مُسْتَأْذِنِينَ، وكَراهَتُهم لِلْجِهادِ هي لِكَوْنِهِمْ لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا، ولا يَدْفَعُونَ بِزَعْمِهِمْ عَنْهم عِقابًا. وفي قَوْلِهِ: (فَرِحَ) (وكَرِهُوا) مُقابَلَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، لِأنَّ الفَرَحَ مِن ثَمَراتِ المَحَبَّةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ وبِتَحَمُّلِهِمُ المَشاقَّ العَظِيمَةَ، أيْ: كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَذَلُوا أمْوالَهم وأنْفُسَهم في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وآثَرُوا ذَلِكَ عَلى الدَّعَةِ والخَفْضِ، وكَرِهَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ، وكَيْفَ لا يَكْرَهُونَهُ وما فِيهِمْ ما في المُؤْمِنِينَ مِن باعِثِ الإيمانِ. والفَرَحُ بِالقُعُودِ يَتَضَمَّنُ الكَراهَةَ لِلْخُرُوجِ، وكَأنَّ الفَرَحَ بِالقُعُودِ هو لِمِثْلِ الإقامَةِ بِبَلَدِهِ لِأجْلِ الأُلْفَةِ والإيناسِ بِالأهْلِ والوَلَدِ، وكَراهَةُ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ لِأنَّهُ تَعْرِيضٌ بِالنَّفْسِ والمالِ لِلْقَتْلِ والتَّلَفِ. واسْتَعْذَرُوا بِشِدَّةِ الحَرِّ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى …

82

فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًۭا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًۭا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما ظَهَرَ مِنَ النِّفاقِ والهُزْءِ مِنَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ذَكَرَ حالَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ وتَخَلَّفُوا عَنِ الجِهادِ، واعْتَذَرُوا بِأعْذارٍ وعِلَلٍ كاذِبَةٍ، حَتّى أذِنَ لَهم، فَكَشَفَ اللَّهُ لِلرَّسُولِ ﷺ عَنْ أحْوالِهِمْ وأعْلَمَهُ بِسُوءِ فِعالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، أيْ: عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وكانَ الرَّسُولُ قَدْ خَلَّفَهم بِالمَدِينَةِ لَمّا اعْتَذَرُوا، فَأذِنَ لَهم. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي التَّوْبِيخَ والوَعِيدَ. ولَفْظَةُ (المُخَلَّفُونَ) تَقْتَضِي الذَّمَّ والتَّحْقِيرَ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٩٣]، وهي أمْكَنُ مِن لَفْظَةِ المُتَخَلِّفِينَ، إذْ هم مَفْعُولٌ بِهِمْ ذَلِكَ، ولَمْ يَفْرَحْ إلّا مُنافِقٌ، فَخَرَجَ مِن ذَلِكَ الثَّلاثَةُ وأصْحابُ العُذْرِ. ولَفْظُ المُقْعَدِ يَكُونُ لِلزَّمانِ والمَكانِ والمَصْدَرِ، وهو هُنا لِلْمَصْدَرِ، أيْ: بِقُعُودِهِمْ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الإقامَةِ بِالمَدِينَةِ. وانْتَصَبَ (خِلافَ) عَلى الظَّرْفِ، أيْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يُقالُ: فُلانٌ أقامَ خِلافَ الحَيِّ، أيْ بَعْدَهم، إذا ظَعَنُوا ولَمْ يَظْعَنْ مَعَهم. قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عَمْرٍو. قالَ الشّاعِرُ:

؎عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما نَشَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا

ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلافَ الَّذِي مَضى ∗∗∗ تَأهَّبْ لِأُخْرى مِثْلِها وكَأنْ قَدِ

ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي حَيْوَةَ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ”خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ“ . وقالَ قُطْرُبٌ، ومُؤَرِّجٌ، والزَّجّاجُ، والطَّبَرِيُّ: انْتَصَبَ (خِلافَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، أيْ: لِمُخالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، لِأنَّهم خالَفُوهُ حَيْثُ نَهَضَ لِلْجِهادِ وقَعَدُوا. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (خُلْفَ) بِضَمِّ الخاءِ، وما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِّواياتُ مِن أنَّهُ أمَرَهم بِالنَّفْرِ فَغَضِبُوا وخالَفُوا وقَعَدُوا مُسْتَأْذِنِينَ وغَيْرَ مُسْتَأْذِنِينَ، وكَراهَتُهم لِلْجِهادِ هي لِكَوْنِهِمْ لا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابًا، ولا يَدْفَعُونَ بِزَعْمِهِمْ عَنْهم عِقابًا. وفي قَوْلِهِ: (فَرِحَ) (وكَرِهُوا) مُقابَلَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، لِأنَّ الفَرَحَ مِن ثَمَراتِ المَحَبَّةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ وبِتَحَمُّلِهِمُ المَشاقَّ العَظِيمَةَ، أيْ: كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَذَلُوا أمْوالَهم وأنْفُسَهم في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وآثَرُوا ذَلِكَ عَلى الدَّعَةِ والخَفْضِ، وكَرِهَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ، وكَيْفَ لا يَكْرَهُونَهُ وما فِيهِمْ ما في المُؤْمِنِينَ مِن باعِثِ الإيمانِ. والفَرَحُ بِالقُعُودِ يَتَضَمَّنُ الكَراهَةَ لِلْخُرُوجِ، وكَأنَّ الفَرَحَ بِالقُعُودِ هو لِمِثْلِ الإقامَةِ بِبَلَدِهِ لِأجْلِ الأُلْفَةِ والإيناسِ بِالأهْلِ والوَلَدِ، وكَراهَةُ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ لِأنَّهُ تَعْرِيضٌ بِالنَّفْسِ والمالِ لِلْقَتْلِ والتَّلَفِ. واسْتَعْذَرُوا بِشِدَّةِ الحَرِّ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى …

83

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًۭا وَلَن تُقَٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَٰلِفِينَ

If Allah should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."

﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ مِن سَفَرِكَ هَذا وهو غَزْوَةُ تَبُوكَ. قِيلَ: ودُخُولُ ”إنْ“ هُنا، وهي لِلْمُمْكِنِ وُقُوعُهُ غالِبًا - إشارَةٌ إلى أنَّهُ ﷺ لا يَعْلَمُ بِمُسْتَقْبَلاتِ أمْرِهِ مِن أجَلٍ وغَيْرِهِ، إلّا أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] قالَ نَحْوَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ.

﴿إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ مِنهم مَن ماتَ، ومِنهم مَن تابَ ونَدِمَ، ومِنهم مَن تَخَلَّفَ لِعُذْرٍ صَحِيحٍ. فالطّائِفَةُ هُنا الَّذِينَ خَلَصُوا في النِّفاقِ وثَبَتُوا عَلَيْهِ، هَكَذا قِيلَ. وإذا كانَ الضَّمِيرُ في (مِنهم) عائِدًا عَلى المُخَلَّفِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ذِكْرَ الطّائِفَةِ هو لِأجْلِ أنَّ مِنهم مَن ماتَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الطّائِفَةُ قَدْ حُتِّمَ عَلَيْها بِالمُوافاةِ عَلى النِّفاقِ، وعُيِّنُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإلّا فَكَيْفَ يَتَرَتَّبُ عَلى أنْ لا يُصَلِّيَ عَلى مَوْتاهم إنْ لَمْ يُعَيِّنْهم. وقَوْلُهُ: ﴿وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] نَصٌّ في مُوافاتِهِمْ. ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَيَّنَهم لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكانَتِ الصَّحابَةُ إذا رَأوْا حُذَيْفَةَ تَأخَّرَ عَنِ الصَّلاةِ عَلى جِنازَةِ رَجُلٍ تَأخَّرُوا هم عَنْها. ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ يَوْمًا: بَقِيَ مِنَ المُنافِقِينَ كَذا وكَذا. وقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أنْشُدُكَ اللَّهَ أنا مِنهم ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ، لا أمَّنْتُ مِنها أحَدًا بَعْدَكَ. وأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ﴾ هو عُقُوبَةٌ لَهم وإظْهارٌ لِدَناءَةِ مَنزِلَتِهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ، وهَذا هو المَقْصُودُ في قِصَّةِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في الِامْتِناعِ مِن أخْذِ صَدَقَتِهِ، ولا خِزْيَ أعْظَمَ مِن أنْ يَكُونَ إنْسانٌ قَدْ رَفَضَهُ الشَّرْعُ ورَدَّهُ كالجَمَلِ الأجْرَبِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ يَعْنِي إلى غَزْوَةٍ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَ إسْقاطُهم مِن دِيوانِ الغُزاةِ عُقُوبَةً لَهم عَلى تَخَلُّفِهِمُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَدْعُهم إلَيْهِ إلّا النِّفاقُ، بِخِلافِ غَيْرِهِمْ مِنَ المُخَلَّفِينَ. انْتَهى. وانْتَقَلَ بِالنَّفْيِ مِنَ الشّاقِّ عَلَيْهِمْ وهو الخُرُوجُ إلى الغَزاةِ، إلى الأشَقِّ وهو قِتالُ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ عِظَمُ الجِهادِ وثَمَرَةُ الخُرُوجِ ومَوْضِعُ بارِقَةِ السُّيُوفِ الَّتِي تَحْتَها الجَنَّةُ، ثُمَّ عَلَّلَ انْتِفاءَ الخُرُوجِ والقِتالِ بِكَوْنِهِمْ رَضُوا بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ، ورِضاهم ناشِئٌ عَنْ نِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ وخِداعِهِمْ وعِصْيانِهِمْ أمْرَ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] وقالُوا هم: ﴿لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١]، فَعَلَّلَ بِالمُسَبَّبِ وهو الرِّضا النّاشِئُ عَنِ السَّبَبِ وهو النِّفاقُ. و﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هي الخَرْجَةُ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ. و(مَرَّةٍ) مَصْدَرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَّلَ خَرْجَةٍ دُعِيتُمْ إلَيْها؛ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ أوَّلَ خَرْجَةٍ …

84

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًۭا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ فَٰسِقُونَ

And do not pray [the funeral prayer, O Muhammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allah and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.

﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾: النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ عَلى المُنافِقِينَ إذا ماتُوا - عُقُوبَةٌ ثانِيَةٌ وخِزْيٌ مُتَأبَّدٌ عَلَيْهِمْ. وكانَ فِيما رُوِيَ يُصَلِّي عَلى المُنافِقِينَ إذا ماتُوا، ويَقُومُ عَلى قُبُورِهِمْ بِسَبَبِ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإسْلامِ، فَإنَّهم كانُوا يَتَلَفَّظُونَ بِكَلِمَتِيِ الشَّهادَةِ، ويُصَلُّونَ، ويَصُومُونَ، فَبَنى الأمْرَ عَلى ما ظَهَرَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ، ولَمْ يَزَلْ عَلى ذَلِكَ حَتّى وقَعَتْ واقِعَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وطَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ في قِصَّتِهِ، فَتَظافَرَتِ الرِّواياتُ أنَّهُ صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ. ورَوى أنَسٌ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جاءَهُ جِبْرِيلُ فَجَذَبَهُ بِثَوْبِهِ وتَلا عَلَيْهِ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾، فانْصَرَفَ ولَمْ يُصَلِّ. وذَكَرُوا مُحاوَرَةَ عُمَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ جاءَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ. و(ماتَ) صِفَةٌ لِـ (أحَدٍ)، فَقُدِّمَ الوَصْفُ بِالمَجْرُورِ ثُمَّ بِالجُمْلَةِ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ المَوْتَ غَيْرُ مَوْجُودٍ لا مَحالَةَ. نَهاهُ اللَّهُ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ، والقِيامِ عَلى قَبْرِهِ وهو الوُقُوفُ عِنْدَ قَبْرِهِ حَتّى يُفْرَغَ مِن دَفْنِهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَتَوَلَّوْا دَفْنَهُ وقَبْرَهُ، فالقَبْرُ مَصْدَرٌ. كانَ ﷺ إذا دُفِنَ المَيِّتُ وقَفَ عَلى قَبْرِهِ ودَعا لَهُ، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ في حَقِّ المُنافِقِينَ، فَلَمْ يُصَلِّ بَعْدُ عَلى مُنافِقٍ، ولا قامَ عَلى قَبْرِهِ.

﴿إنَّهم كَفَرُوا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْمَنعِ مِنَ الصَّلاةِ والقِيامِ بِما يَقْتَضِي الِامْتِناعَ مِن ذَلِكَ، وهو الكُفْرُ والمُوافاةُ عَلَيْهِ.

85

وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

And let not their wealth and their children impress you. Allah only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾: تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، وأُعِيدَ ذَلِكَ لِأنَّ تَجَدُّدَ النُّزُولِ لَهُ شَأْنٌ في تَقْرِيرِ ما نَزَلَ لَهُ وتَأْكِيدِهِ، وإرادَةِ أنْ يَكُونَ عَلى بالٍ مِنَ المُخاطَبِ لا يَنْساهُ ولا يَسْهُو عَنْهُ، وأنْ يَعْتَقِدَ أنَّ العَمَلَ بِهِ مُهِمٌّ يَفْتَقِرُ إلى فَضْلِ عِنايَةٍ بِهِ، لا سِيَّما إذا تَراخى ما بَيْنَ النُّزُولَيْنِ، فَأشْبَهَ الشَّيْءَ الَّذِي أهَمَّ صاحِبَهُ، فَهو يَرْجِعُ إلَيْهِ في أثْناءِ حَدِيثِهِ، ويَتَخَلَّصُ إلَيْهِ. وإنَّما أُعِيدَ هَذا المَعْنى لِقُوَّتِهِ فِيما يَجِبُ أنْ يُحْذَرَ مِنهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ووَجْهُ تَكْرِيرِها تَوْكِيدُ هَذا المَعْنى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ظاهِرُهُ أنَّهُ تَكْرِيرٌ ولَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، لِأنَّ الآيَتَيْنِ في فَرِيقَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ، ولَوْ كانَ تَكْرِيرًا لَكانَ مَعَ تَباعُدِ الآيَتَيْنِ لِفائِدَةِ التَّأْكِيدِ والتَّذْكِيرِ. وقِيلَ: أرادَ بِالأُولى لا تُعَظِّمُهم في حالِ حَياتِهِمْ بِسَبَبِ كَثْرَةِ المالِ والوَلَدِ، وبِالثّانِيَةِ لا تُعَظِّمُهم بَعْدَ وفاتِهِمْ لِمانِعِ الكُفْرِ والنِّفاقِ. وقَدْ تَغايَرَتِ الآيَتانِ في ألْفاظٍ، هُنا ”ولا“، وهُناكَ ”فَلا“، ومُناسَبَةُ الفاءِ أنَّهُ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]، أيْ: لِلْإنْفاقِ، فَهم مُعْجَبُونَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، فَنَهاهُ عَنِ الإعْجابِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ. ومُناسَبَةُ الواوِ أنَّهُ نَهْيٌ عُطِفَ عَلى نَهْيٍ قَبْلَهُ: (ولا تُصَلِّ)، (ولا تَقُمْ)، (ولا تُعْجِبْكَ) فَناسَبَتِ الواوُ، وهُنا (وأوْلادُهم)، وهُناكَ (ولا أوْلادُهم)، فَذِكْرُ ”لا“ مُشْعِرٌ بِالنَّهْيِ عَنِ الإعْجابِ بِكُلٍّ واحِدٍ واحِدٍ عَلى انْفِرادِهِ. ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ المَجْمُوعِ، وهُنا سَقَطَتْ، فَكانَ نَهْيًا عَنْ إعْجابِ المَجْمُوعِ. ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الإعْجابِ بِكُلٍّ واحِدٍ واحِدٍ. فَدَلَّتِ الآيَتانِ بِمَنطُوقِهِما ومَفْهُومِهِما عَلى النَّهْيِ عَنِ الإعْجابِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ مُجْتَمِعَيْنِ ومُنْفَرِدَيْنِ. وهُنا ”أنْ يُعَذِّبَهم“، وهُناكَ (لِيُعَذِّبَهم)، فَأتى بِاللّامِ مُشْعِرَةً بِالتَّعْلِيلِ. ومَفْعُولُ (يُرِيدُ) مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ ابْتِلاءَهم بِالأمْوالِ والأوْلادِ لِتَعْذِيبِهِمْ. وأتى بِـ ”أنْ“ لِأنَّ مَصَبَّ الإرادَةِ هو التَّعْذِيبُ، أيْ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ تَعْذِيبَهم. فَقَدِ اخْتَلَفَ مُتَعَلَّقُ الفِعْلِ في الآيَتَيْنِ، هَذا الظّاهِرُ، وإنْ كانَ يُحْتَمَلُ زِيادَةُ اللّامِ والتَّعْلِيلُ بِـ ”أنْ“، وهُناكَ (الدُّنْيا)، وهُنا (في الحَياةِ الدُّنْيا)، فَأُثْبِتَ (في الحَياةِ) عَلى الأصْلِ، وحُذِفَتْ هُنا تَنْبِيهًا عَلى خِسَّةِ الدُّنْيا، وأنَّها لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى حَياةً، ولا سِيَّما حِينَ تَقَدَّمَها ذِكْرُ مَوْتِ المُنافِقِينَ، فَناسَبَ أنْ لا تُسَمّى حَياةً.

86

وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And when a surah was revealed [enjoining them] to believe in Allah and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ السُّورَةَ هُنا كُلُّ سُورَةٍ كانَ فِيها الأمْرُ بِالإيمانِ والجِهادِ. وقِيلَ: بَراءَةٌ لِأنَّ فِيها الأمْرَ بِهِما. وقِيلَ: بَعْضُ سُورَةٍ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ سُورَةٌ، كَما يُطْلَقُ عَلى بَعْضِ القُرْآنِ قُرْآنٌ وكِتابٌ. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ تَقَدَّمَ أنَّهم كانُوا اسْتَأْذَنُوا الرَّسُولَ في القُعُودِ - فِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم كانُوا مَتى تَنْزِلُ سُورَةً فِيها الأمْرُ بِالإيمانِ والجِهادِ اسْتَأْذَنُوا، ولَيْسَتْ هُنا ”إذا“ تُفِيدُ التَّعْلِيقَ فَقَطْ، بَلِ انْجَرَّ مَعَها مَعْنى التَّكْرارِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ فِيها بِحُكْمِ الوَضْعِ أنَّهُ بِحُكْمٍ غالِبِ الِاسْتِعْمالِ، لا الوَضْعِ. وهي مَسْألَةُ خِلافٍ في النَّحْوِ، ومِمّا وُجِدَ مَعَها التَّكْرارُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إذا وجَدْتُ أُوارَ النّارِ في كَبِدِي أقْبَلْتُ نَحْوَ سِقاءِ القَوْمِ أبْتَرِدُ

ألا تَرى أنَّ المَعْنى مَتى وجَدْتُ. (أنْ آمِنُوا) يُحْتَمَلُ أنَّ ”أنْ“ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً؛ لِأنَّ قَبْلَها شَرْطُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: بِأنْ آمِنُوا، أيْ: بِالإيمانِ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ: آمِنُوا بِقُلُوبِكم كَما آمَنتُمْ بِألْسِنَتِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَعْناهُ: الِاسْتِدامَةُ، والطَّوْلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: الغِنى. وقِيلَ: القُوَّةُ والقُدْرَةُ. وقالَ الأصَمُّ: أُولُو الطَّوْلِ الكُبَراءُ والرُّؤَساءُ. وأُولُو الأمْرِ مِنهم، أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وأضْرابِهِمْ. وأخُصُّ أُولُو الطَّوْلِ لِأنَّهُمُ القادِرُونَ عَلى التَّنْفِيرِ والجِهادِ، ومَن لا مالَ لَهُ ولا قُدْرَةَ لا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِئْذانِ، والِاسْتِئْذانُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الحَرَكَةِ أقْبَحُ وأفْحَشُ. والمَعْنى: اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم في القُعُودِ، وفي (اسْتَأْذَنَكَ) التِفاتٌ، إذْ هو خُرُوجٌ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ وهو قَوْلُهُ: (رَسُولِهِ)، إلى ضَمِيرِ الخِطابِ.

﴿وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ الزَّمْنى، وأهْلِ العُذْرِ، ومَن تُرِكَ لِحِراسَةِ المَدِينَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ تَهْجِينٌ لَهم، ومُبالَغَةٌ في الذَّمِّ. والخَوالِفُ النِّساءُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ كابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وشَمِرِ بْنِ عَطِيَّةَ، وابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وذَلِكَ أبْلَغُ في الذَّمِّ كَما قالَ:

؎وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي ∗∗∗ أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ

؎فَإنْ تَكُنِ النِّساءُ مُخَبَّآتٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِكُلِّ مُحْصَنَةٍ هِداءُ

وقالَ آخَرُ:

؎كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا ∗∗∗ وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ

فَكَوْنُهم رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا قاعِدِينَ مَعَ النِّساءِ في المَدِينَةِ أبْلَغَ ذَمٍّ لَهم وتَهْجِينٍ، لِأنَّهم نَزَّلُوا أنْفُسَهم مَنزِلَةَ النِّساءِ العَجَزَةِ اللَّواتِي لا مُدافَعَةَ عِنْدَهُنَّ ولا غِنًى. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الخَوالِفُ مَن لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ النَّحّاسُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ خالِفَةً، وهَذا جَمْعُهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، والمُرادُ أخِسّاءُ النّاسِ وأخْلافُهم. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَوالِفُ جَمْعُ خالِفٍ، فَهو جارٍ مَجْرى فَوارِسَ …

87

رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ السُّورَةَ هُنا كُلُّ سُورَةٍ كانَ فِيها الأمْرُ بِالإيمانِ والجِهادِ. وقِيلَ: بَراءَةٌ لِأنَّ فِيها الأمْرَ بِهِما. وقِيلَ: بَعْضُ سُورَةٍ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ سُورَةٌ، كَما يُطْلَقُ عَلى بَعْضِ القُرْآنِ قُرْآنٌ وكِتابٌ. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ تَقَدَّمَ أنَّهم كانُوا اسْتَأْذَنُوا الرَّسُولَ في القُعُودِ - فِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم كانُوا مَتى تَنْزِلُ سُورَةً فِيها الأمْرُ بِالإيمانِ والجِهادِ اسْتَأْذَنُوا، ولَيْسَتْ هُنا ”إذا“ تُفِيدُ التَّعْلِيقَ فَقَطْ، بَلِ انْجَرَّ مَعَها مَعْنى التَّكْرارِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ فِيها بِحُكْمِ الوَضْعِ أنَّهُ بِحُكْمٍ غالِبِ الِاسْتِعْمالِ، لا الوَضْعِ. وهي مَسْألَةُ خِلافٍ في النَّحْوِ، ومِمّا وُجِدَ مَعَها التَّكْرارُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إذا وجَدْتُ أُوارَ النّارِ في كَبِدِي أقْبَلْتُ نَحْوَ سِقاءِ القَوْمِ أبْتَرِدُ

ألا تَرى أنَّ المَعْنى مَتى وجَدْتُ. (أنْ آمِنُوا) يُحْتَمَلُ أنَّ ”أنْ“ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً؛ لِأنَّ قَبْلَها شَرْطُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: بِأنْ آمِنُوا، أيْ: بِالإيمانِ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ: آمِنُوا بِقُلُوبِكم كَما آمَنتُمْ بِألْسِنَتِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَعْناهُ: الِاسْتِدامَةُ، والطَّوْلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: الغِنى. وقِيلَ: القُوَّةُ والقُدْرَةُ. وقالَ الأصَمُّ: أُولُو الطَّوْلِ الكُبَراءُ والرُّؤَساءُ. وأُولُو الأمْرِ مِنهم، أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وأضْرابِهِمْ. وأخُصُّ أُولُو الطَّوْلِ لِأنَّهُمُ القادِرُونَ عَلى التَّنْفِيرِ والجِهادِ، ومَن لا مالَ لَهُ ولا قُدْرَةَ لا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِئْذانِ، والِاسْتِئْذانُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الحَرَكَةِ أقْبَحُ وأفْحَشُ. والمَعْنى: اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم في القُعُودِ، وفي (اسْتَأْذَنَكَ) التِفاتٌ، إذْ هو خُرُوجٌ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ وهو قَوْلُهُ: (رَسُولِهِ)، إلى ضَمِيرِ الخِطابِ.

﴿وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ الزَّمْنى، وأهْلِ العُذْرِ، ومَن تُرِكَ لِحِراسَةِ المَدِينَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ تَهْجِينٌ لَهم، ومُبالَغَةٌ في الذَّمِّ. والخَوالِفُ النِّساءُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ كابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وشَمِرِ بْنِ عَطِيَّةَ، وابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وذَلِكَ أبْلَغُ في الذَّمِّ كَما قالَ:

؎وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي ∗∗∗ أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ

؎فَإنْ تَكُنِ النِّساءُ مُخَبَّآتٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِكُلِّ مُحْصَنَةٍ هِداءُ

وقالَ آخَرُ:

؎كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا ∗∗∗ وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ

فَكَوْنُهم رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا قاعِدِينَ مَعَ النِّساءِ في المَدِينَةِ أبْلَغَ ذَمٍّ لَهم وتَهْجِينٍ، لِأنَّهم نَزَّلُوا أنْفُسَهم مَنزِلَةَ النِّساءِ العَجَزَةِ اللَّواتِي لا مُدافَعَةَ عِنْدَهُنَّ ولا غِنًى. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الخَوالِفُ مَن لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ النَّحّاسُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ خالِفَةً، وهَذا جَمْعُهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، والمُرادُ أخِسّاءُ النّاسِ وأخْلافُهم. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَوالِفُ جَمْعُ خالِفٍ، فَهو جارٍ مَجْرى فَوارِسَ …

88

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good, and it is those who are the successful.

﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ السُّورَةَ هُنا كُلُّ سُورَةٍ كانَ فِيها الأمْرُ بِالإيمانِ والجِهادِ. وقِيلَ: بَراءَةٌ لِأنَّ فِيها الأمْرَ بِهِما. وقِيلَ: بَعْضُ سُورَةٍ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ سُورَةٌ، كَما يُطْلَقُ عَلى بَعْضِ القُرْآنِ قُرْآنٌ وكِتابٌ. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ تَقَدَّمَ أنَّهم كانُوا اسْتَأْذَنُوا الرَّسُولَ في القُعُودِ - فِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم كانُوا مَتى تَنْزِلُ سُورَةً فِيها الأمْرُ بِالإيمانِ والجِهادِ اسْتَأْذَنُوا، ولَيْسَتْ هُنا ”إذا“ تُفِيدُ التَّعْلِيقَ فَقَطْ، بَلِ انْجَرَّ مَعَها مَعْنى التَّكْرارِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ فِيها بِحُكْمِ الوَضْعِ أنَّهُ بِحُكْمٍ غالِبِ الِاسْتِعْمالِ، لا الوَضْعِ. وهي مَسْألَةُ خِلافٍ في النَّحْوِ، ومِمّا وُجِدَ مَعَها التَّكْرارُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إذا وجَدْتُ أُوارَ النّارِ في كَبِدِي أقْبَلْتُ نَحْوَ سِقاءِ القَوْمِ أبْتَرِدُ

ألا تَرى أنَّ المَعْنى مَتى وجَدْتُ. (أنْ آمِنُوا) يُحْتَمَلُ أنَّ ”أنْ“ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً؛ لِأنَّ قَبْلَها شَرْطُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: بِأنْ آمِنُوا، أيْ: بِالإيمانِ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ: آمِنُوا بِقُلُوبِكم كَما آمَنتُمْ بِألْسِنَتِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَعْناهُ: الِاسْتِدامَةُ، والطَّوْلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: الغِنى. وقِيلَ: القُوَّةُ والقُدْرَةُ. وقالَ الأصَمُّ: أُولُو الطَّوْلِ الكُبَراءُ والرُّؤَساءُ. وأُولُو الأمْرِ مِنهم، أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وأضْرابِهِمْ. وأخُصُّ أُولُو الطَّوْلِ لِأنَّهُمُ القادِرُونَ عَلى التَّنْفِيرِ والجِهادِ، ومَن لا مالَ لَهُ ولا قُدْرَةَ لا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِئْذانِ، والِاسْتِئْذانُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الحَرَكَةِ أقْبَحُ وأفْحَشُ. والمَعْنى: اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم في القُعُودِ، وفي (اسْتَأْذَنَكَ) التِفاتٌ، إذْ هو خُرُوجٌ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ وهو قَوْلُهُ: (رَسُولِهِ)، إلى ضَمِيرِ الخِطابِ.

﴿وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ الزَّمْنى، وأهْلِ العُذْرِ، ومَن تُرِكَ لِحِراسَةِ المَدِينَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ تَهْجِينٌ لَهم، ومُبالَغَةٌ في الذَّمِّ. والخَوالِفُ النِّساءُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ كابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وشَمِرِ بْنِ عَطِيَّةَ، وابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وذَلِكَ أبْلَغُ في الذَّمِّ كَما قالَ:

؎وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي ∗∗∗ أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ

؎فَإنْ تَكُنِ النِّساءُ مُخَبَّآتٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِكُلِّ مُحْصَنَةٍ هِداءُ

وقالَ آخَرُ:

؎كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا ∗∗∗ وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ

فَكَوْنُهم رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا قاعِدِينَ مَعَ النِّساءِ في المَدِينَةِ أبْلَغَ ذَمٍّ لَهم وتَهْجِينٍ، لِأنَّهم نَزَّلُوا أنْفُسَهم مَنزِلَةَ النِّساءِ العَجَزَةِ اللَّواتِي لا مُدافَعَةَ عِنْدَهُنَّ ولا غِنًى. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الخَوالِفُ مَن لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ النَّحّاسُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ خالِفَةً، وهَذا جَمْعُهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، والمُرادُ أخِسّاءُ النّاسِ وأخْلافُهم. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَوالِفُ جَمْعُ خالِفٍ، فَهو جارٍ مَجْرى فَوارِسَ …

89

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ السُّورَةَ هُنا كُلُّ سُورَةٍ كانَ فِيها الأمْرُ بِالإيمانِ والجِهادِ. وقِيلَ: بَراءَةٌ لِأنَّ فِيها الأمْرَ بِهِما. وقِيلَ: بَعْضُ سُورَةٍ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ سُورَةٌ، كَما يُطْلَقُ عَلى بَعْضِ القُرْآنِ قُرْآنٌ وكِتابٌ. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ تَقَدَّمَ أنَّهم كانُوا اسْتَأْذَنُوا الرَّسُولَ في القُعُودِ - فِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم كانُوا مَتى تَنْزِلُ سُورَةً فِيها الأمْرُ بِالإيمانِ والجِهادِ اسْتَأْذَنُوا، ولَيْسَتْ هُنا ”إذا“ تُفِيدُ التَّعْلِيقَ فَقَطْ، بَلِ انْجَرَّ مَعَها مَعْنى التَّكْرارِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ فِيها بِحُكْمِ الوَضْعِ أنَّهُ بِحُكْمٍ غالِبِ الِاسْتِعْمالِ، لا الوَضْعِ. وهي مَسْألَةُ خِلافٍ في النَّحْوِ، ومِمّا وُجِدَ مَعَها التَّكْرارُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إذا وجَدْتُ أُوارَ النّارِ في كَبِدِي أقْبَلْتُ نَحْوَ سِقاءِ القَوْمِ أبْتَرِدُ

ألا تَرى أنَّ المَعْنى مَتى وجَدْتُ. (أنْ آمِنُوا) يُحْتَمَلُ أنَّ ”أنْ“ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً؛ لِأنَّ قَبْلَها شَرْطُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: بِأنْ آمِنُوا، أيْ: بِالإيمانِ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ: آمِنُوا بِقُلُوبِكم كَما آمَنتُمْ بِألْسِنَتِكم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَعْناهُ: الِاسْتِدامَةُ، والطَّوْلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: الغِنى. وقِيلَ: القُوَّةُ والقُدْرَةُ. وقالَ الأصَمُّ: أُولُو الطَّوْلِ الكُبَراءُ والرُّؤَساءُ. وأُولُو الأمْرِ مِنهم، أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وأضْرابِهِمْ. وأخُصُّ أُولُو الطَّوْلِ لِأنَّهُمُ القادِرُونَ عَلى التَّنْفِيرِ والجِهادِ، ومَن لا مالَ لَهُ ولا قُدْرَةَ لا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِئْذانِ، والِاسْتِئْذانُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الحَرَكَةِ أقْبَحُ وأفْحَشُ. والمَعْنى: اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم في القُعُودِ، وفي (اسْتَأْذَنَكَ) التِفاتٌ، إذْ هو خُرُوجٌ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ وهو قَوْلُهُ: (رَسُولِهِ)، إلى ضَمِيرِ الخِطابِ.

﴿وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ الزَّمْنى، وأهْلِ العُذْرِ، ومَن تُرِكَ لِحِراسَةِ المَدِينَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ تَهْجِينٌ لَهم، ومُبالَغَةٌ في الذَّمِّ. والخَوالِفُ النِّساءُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ كابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وشَمِرِ بْنِ عَطِيَّةَ، وابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وذَلِكَ أبْلَغُ في الذَّمِّ كَما قالَ:

؎وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي ∗∗∗ أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ

؎فَإنْ تَكُنِ النِّساءُ مُخَبَّآتٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِكُلِّ مُحْصَنَةٍ هِداءُ

وقالَ آخَرُ:

؎كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا ∗∗∗ وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ

فَكَوْنُهم رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا قاعِدِينَ مَعَ النِّساءِ في المَدِينَةِ أبْلَغَ ذَمٍّ لَهم وتَهْجِينٍ، لِأنَّهم نَزَّلُوا أنْفُسَهم مَنزِلَةَ النِّساءِ العَجَزَةِ اللَّواتِي لا مُدافَعَةَ عِنْدَهُنَّ ولا غِنًى. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الخَوالِفُ مَن لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ النَّحّاسُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ خالِفَةً، وهَذا جَمْعُهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، والمُرادُ أخِسّاءُ النّاسِ وأخْلافُهم. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَوالِفُ جَمْعُ خالِفٍ، فَهو جارٍ مَجْرى فَوارِسَ …

90

وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied to Allah and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهم وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: ولَمّا ذَكَرَ أحْوالَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ بِالمَدِينَةِ شَرَحَ أحْوالَ المُنافِقِينَ مِنَ الأعْرابِ. قَرَأ الجُمْهُورُ: (المُعَذِّرُونَ) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الذّالِ، فاحْتَمَلَ وزْنَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ”فَعَّلَ“ بِتَضْعِيفِ العَيْنِ، ومَعْناهُ: تَكَلَّفَ العُذْرَ ولا عُذْرَ لَهُ، ويُقالُ: عَذَّرَ في الأمْرِ قَصَّرَ فِيهِ وتَوانى، وحَقِيقَتُهُ أنْ يُوهِمَ أنَّ لَهُ عُذْرًا فِيما يَفْعَلُ ولا عُذْرَ لَهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ وزْنُهُ ”افْتَعَلَ“، وأصْلُهُ اعْتَذَرَ كاخْتَصَمَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ. ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ، فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: (المُعْتَذِرُونَ) بِالتّاءِ مِنِ اعْتَذَرَ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ وزْنَهُ افْتَعَلَ: الأخْفَشُ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ، والزَّجّاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والضَّحّاكُ، والأعْرَجُ، وأبُو صالِحٍ، وعِيسى بْنُ هِلالٍ، ويَعْقُوبُ، والكِسائِيُّ، في رِوايَةٍ: (المُعَذِّرُونَ) مِن أعْذَرَ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ: (المُعَّذِّرُونَ) بِتَشْدِيدِ العَيْنِ والذّالِ، مِن تَعَذَّرَ بِمَعْنى اعْتَذَرَ. قالَ أبُو حاتِمٍ: أرادَ المُتَعَذِّرِينَ، والتّاءُ لا تُدْغَمُ في العَيْنِ لِبُعْدِ المَخارِجِ، وهي غَلَطٌ مِنهُ أوْ عَلَيْهِ. واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ المُعَذِّرِينَ، أهُمُ مُؤْمِنُونَ أمْ كافِرُونَ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: هم مُؤْمِنُونَ، وأعْذارُهم صادِقَةٌ. وقالَ قَتادَةُ وفِرْقَةٌ: هم كافِرُونَ وأعْذارُهم كَذِبٌ. وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ المُعْذِرِينَ ولَعَنَ المُعَذِّرِينَ. قِيلَ: هم أسَدٌ وغَطَفانُ، قالُوا: إنَّ لَنا عِيالًا وإنَّ بِنا جَهْدًا، فَأذِنَ لَهم في التَّخَلُّفِ. وقِيلَ: هم رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، قالُوا: إنْ غَزَوْنا مَعَكَ غارَتْ أعْرابُ طَيٍّ عَلى أهالِينا ومَواشِينا، فَقالَ ﷺ: ”سَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكم وعَنْ مُجاهِدٍ: نَفَرٌ مِن غِفارٍ اعْتَذَرُوا فَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَفَرٌ مِن غِفارٍ، مِنهم خُفافُ بْنُ إيماءَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم مُؤْمِنُونَ، والظّاهِرُ أنَّ هَؤُلاءِ الجائِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ التَّقْسِيمَ يَقْتَضِي ذَلِكَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَلَوْ كانَ الجَمِيعُ كُفّارًا لَمْ يَكُنْ لِوَصْفِ الَّذِينَ قَعَدُوا بِالكَذِبِ اخْتِصاصٌ، وكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: سَيُصِيبُهم عَذابٌ ألِيمٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا كُفّارًا كَما قالَ قَتادَةُ، فانْقَسَمُوا إلى جاءَ مُعْتَذِرٌ وإلى قاعِدٍ، واسْتُؤْنِفَ إخْبارٌ بِما يُصِيبُ الكافِرِينَ. ويَكُونُ الضَّمِيرُ في“ مِنهم " عائِدًا عَلى الأعْرابِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: سَيُصِيبُ الَّذِينَ يُوافُونَ عَلى الكُفْرِ مِن هَؤُلاءِ عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَذَبُوا) بِالتَّخْفِيفِ، أيْ: في إيمانِهِمْ فَأظْهَرُوا ضِدَّ ما أخْفَوْهُ. وقَرَأ أُبَيٌّ، والحَسَنُ في المَشْهُورِ عَنْهُ، ونُوحٌ، وإسْماعِيلُ: (كَذَّبُوا) بِالتَّشْدِيدِ، أيْ: لَمْ يُصَدِّقُوهُ تَعالى ولا رَسُولَهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ أمْرَهُ، والتَّشْدِيدُ أبْلَغُ في الذَّمِّ.

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.