Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 71–80 of 129

71

وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakah and obey Allah and His Messenger. Those - Allah will have mercy upon them. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ قُلُوبُهم مُتَّحِدَةٌ في التَّوادُدِ، والتَّحابُبِ، والتَّعاطُفِ بِسَبَبِ ما جَمَعَهم مِن أمْرِ الدِّينِ وضَمَّهم مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أوْصافَهُمُ الحَمِيدَةَ كَما بَيَّنَ أوْصافَ مَن قَبْلَهم مِنَ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ بِما هو مَعْرُوفٌ في الشَّرْعِ غَيْرُ مُنْكَرٍ، ومِن ذَلِكَ تَوْحِيدُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِهِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ عَمّا هو مُنْكَرٌ في الدِّينِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وخَصَّصَ إقامَةَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ بِالذِّكْرِ مِن جُمْلَةِ العِباداتِ؛ لِكَوْنِهِما الرُّكْنَيْنِ العَظِيمَيْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأبْدانِ والأمْوالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى هَذا ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ﴾ في صُنْعِ ما أمَرَهم بِفِعْلِهِ أوْ نَهاهم عَنْ تَرْكِهِ، والإشارَةُ بِـ ( أُولَئِكَ ) إلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، والسِّينُ في ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في إنْجازِ الوَعْدِ ( إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ) لا يُغالَبُ ( حَكِيمٌ ) في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَفْصِيلَ ما يَدْخُلُ تَحْتَ الرَّحْمَةِ إجْمالًا بِاعْتِبارِ الرَّحْمَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ومَعْنى جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ أنَّها تَجْرِي تَحْتَ أشْجارِها وغُرَفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ أيْ مَنازِلَ يَسْكُنُونَ فِيها مِنَ الدُّرِّ والياقُوتِ، و( جَنّاتِ عَدْنٍ ) يُقالُ: عَدَنَ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ، ومِنهُ المَعْدِنُ، قِيلَ: هي أعْلى الجَنَّةِ، وقِيلَ: أوْسَطُها، وقِيلَ: قُصُورٌ مِن ذَهَبٍ لا يَدْخُلُها إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ. وصَفَ الجَنَّةَ بِأوْصافٍ: الأوَّلُ: جَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها، والثّانِي: أنَّهم فِيها خالِدُونَ، والثّالِثُ: طِيبُ مَساكِنِها، والرّابِعُ: أنَّها دارُ عَدْنٍ: أيْ إقامَةٍ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ، هَذا عَلى ما هو مَعْنى عَدْنٍ لُغَةً، وقِيلَ: هو عَلَمٌ، والتَّنْكِيرُ في ( رِضْوانٌ ) لِلتَّحْقِيرِ: أيْ ورِضْوانٌ حَقِيرٌ يُسْتَرُ ( مِنَ ) رِضْوانِ ( اللَّهِ أكْبَرُ ) مِن ذَلِكَ كُلِّهِ الَّذِي أعْطاهُمُ اللَّهُ إيّاهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ النِّعَمِ وإنْ جَلَّتْ وعَظُمَتْ يُماثِلُ رِضْوانَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ أدْنى رِضْوانٍ مِنهُ لا يُساوِيهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، وإنْ كانَتْ عَلى غايَةٍ لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، اللَّهُمَّ ارْضَ عَنّا رِضًا لا يَشُوبُهُ سَخَطٌ، ولا يُكَدِّرُهُ نَكَدٌ، يا مَن بِيَدِهِ الخَيْرُ كُلُّهُ دِقُّهُ وجِلُّهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا وعَدَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ( هو الفَوْزُ العَظِيمُ ) دُونَ كُلِّ فَوْزٍ مِمّا يَعُدُّهُ النّاسُ فَوْزًا.

وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ: يَدْعُونَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، والنَّفَقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وما كانَ مِن طاعَةِ اللَّهِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ والكُفْرِ قالَ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فَرِيضَةٌ مِن فَرائِضِ اللَّهِ، كَتَبَها اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ: إخاؤُهم في اللَّهِ يَتَحابُّونَ بِجَلالِ اللَّهِ …

72

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةًۭ فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍۢ ۚ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allah is greater. It is that which is the great attainment.

قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ قُلُوبُهم مُتَّحِدَةٌ في التَّوادُدِ، والتَّحابُبِ، والتَّعاطُفِ بِسَبَبِ ما جَمَعَهم مِن أمْرِ الدِّينِ وضَمَّهم مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أوْصافَهُمُ الحَمِيدَةَ كَما بَيَّنَ أوْصافَ مَن قَبْلَهم مِنَ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ بِما هو مَعْرُوفٌ في الشَّرْعِ غَيْرُ مُنْكَرٍ، ومِن ذَلِكَ تَوْحِيدُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِهِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ عَمّا هو مُنْكَرٌ في الدِّينِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وخَصَّصَ إقامَةَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ بِالذِّكْرِ مِن جُمْلَةِ العِباداتِ؛ لِكَوْنِهِما الرُّكْنَيْنِ العَظِيمَيْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأبْدانِ والأمْوالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى هَذا ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ﴾ في صُنْعِ ما أمَرَهم بِفِعْلِهِ أوْ نَهاهم عَنْ تَرْكِهِ، والإشارَةُ بِـ ( أُولَئِكَ ) إلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، والسِّينُ في ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في إنْجازِ الوَعْدِ ( إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ) لا يُغالَبُ ( حَكِيمٌ ) في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَفْصِيلَ ما يَدْخُلُ تَحْتَ الرَّحْمَةِ إجْمالًا بِاعْتِبارِ الرَّحْمَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ومَعْنى جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ أنَّها تَجْرِي تَحْتَ أشْجارِها وغُرَفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ أيْ مَنازِلَ يَسْكُنُونَ فِيها مِنَ الدُّرِّ والياقُوتِ، و( جَنّاتِ عَدْنٍ ) يُقالُ: عَدَنَ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ، ومِنهُ المَعْدِنُ، قِيلَ: هي أعْلى الجَنَّةِ، وقِيلَ: أوْسَطُها، وقِيلَ: قُصُورٌ مِن ذَهَبٍ لا يَدْخُلُها إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ. وصَفَ الجَنَّةَ بِأوْصافٍ: الأوَّلُ: جَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها، والثّانِي: أنَّهم فِيها خالِدُونَ، والثّالِثُ: طِيبُ مَساكِنِها، والرّابِعُ: أنَّها دارُ عَدْنٍ: أيْ إقامَةٍ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ، هَذا عَلى ما هو مَعْنى عَدْنٍ لُغَةً، وقِيلَ: هو عَلَمٌ، والتَّنْكِيرُ في ( رِضْوانٌ ) لِلتَّحْقِيرِ: أيْ ورِضْوانٌ حَقِيرٌ يُسْتَرُ ( مِنَ ) رِضْوانِ ( اللَّهِ أكْبَرُ ) مِن ذَلِكَ كُلِّهِ الَّذِي أعْطاهُمُ اللَّهُ إيّاهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ النِّعَمِ وإنْ جَلَّتْ وعَظُمَتْ يُماثِلُ رِضْوانَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ أدْنى رِضْوانٍ مِنهُ لا يُساوِيهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، وإنْ كانَتْ عَلى غايَةٍ لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، اللَّهُمَّ ارْضَ عَنّا رِضًا لا يَشُوبُهُ سَخَطٌ، ولا يُكَدِّرُهُ نَكَدٌ، يا مَن بِيَدِهِ الخَيْرُ كُلُّهُ دِقُّهُ وجِلُّهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا وعَدَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ( هو الفَوْزُ العَظِيمُ ) دُونَ كُلِّ فَوْزٍ مِمّا يَعُدُّهُ النّاسُ فَوْزًا.

وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ: يَدْعُونَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، والنَّفَقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وما كانَ مِن طاعَةِ اللَّهِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ والكُفْرِ قالَ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فَرِيضَةٌ مِن فَرائِضِ اللَّهِ، كَتَبَها اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ: إخاؤُهم في اللَّهِ يَتَحابُّونَ بِجَلالِ اللَّهِ …

73

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

الأمْرُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِهَذا الجِهادِ أمْرٌ لِأُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ، وجِهادُ الكُفّارِ يَكُونُ بِمُقاتَلَتِهِمْ حَتّى يُسْلِمُوا، وجِهادُ المُنافِقِينَ يَكُونُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَخْرُجُوا عَنْهُ ويُؤْمِنُوا بِاللَّهِ.

وقالَ الحَسَنُ: إنَّ جِهادَ المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، واخْتارَهُ قَتادَةُ، .

قِيلَ في تَوْجِيهِهِ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا أكْثَرَ مَن يَفْعَلُ مُوجِباتِ الحُدُودِ.

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ هَذِهِ دَعْوى لا بُرْهانَ عَلَيْها، ولَيْسَ العاصِي بِمُنافِقٍ، إنَّما المُنافِقُ بِما يَكُونُ في قَلْبِهِ مِنَ النِّفاقِ دائِمًا لا بِما تَتَلَبَّسُ بِهِ الجَوارِحُ ظاهِرًا، وأخْبارُ المَحْدُودِينَ تَشْهَدُ بِسِياقَتِها أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الغِلَظُ: نَقِيضُ الرَّأْفَةِ، وهو شِدَّةُ القَلْبِ وخُشُونَةُ الجانِبِ، قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ العَفْوِ والصُّلْحِ والصَّفْحِ.

ثُمَّ ذَكَرَ مِن خِصالِ المُنافِقِينَ أنَّهم يَحْلِفُونَ الأيْمانَ الكاذِبَةَ، فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ .

وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: نَزَلَتْ في الجُلاسِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ، ووَدِيعَةَ بْنِ ثابِتٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كَثُرَ نُزُولُ القُرْآنِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ وذَمِّهِمْ، فَقالا: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا عَلى إخْوانِنا الَّذِينَ هم ساداتُنا وخِيارُنا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَقالَ لَهُ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ: أجَلْ واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ مُصَدَّقٌ، وإنَّكَ لَشَرٌّ مِنَ الحِمارِ، وأخْبَرَ عامِرٌ بِذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وجاءَ الجُلاسُ فَحَلَفَ بِاللَّهِ إنَّ عامِرًا لَكاذِبٌ، وحَلَفَ عامِرٌ لَقَدْ قالَ، وقالَ: اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلى نَبِيِّكَ شَيْئًا فَنَزَلَتْ.

وقِيلَ: إنَّ الَّذِي سَمِعَ ذَلِكَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وقِيلَ: حُذَيْفَةُ، وقِيلَ: بَلْ سَمِعَهُ ولَدُ امْرَأتِهِ: أيِ امْرَأةِ الجُلاسِ، واسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، فَهَمَّ الجُلاسُ بِقَتْلِهِ لِئَلّا يُخْبِرَ بِخَبَرِهِ.

وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ لَمّا قالَ: ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، و﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ، فَجاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَحَلَفَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ.

وقِيلَ: إنَّهُ قَوْلُ جَمِيعِ المُنافِقِينَ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّ القائِلَ واحِدٌ أوِ اثْنانِ فَنِسْبَةُ القَوْلِ إلى جَمِيعِهِمْ هي بِاعْتِبارِ مُوافَقَةِ مَن لَمْ يَقُلْ ولَمْ يَحْلِفْ مِنَ المُنافِقِينَ لِمَن قَدْ قالَ وحَلَفَ.

ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلى المُنافِقِينَ وكَذَّبَهم وبَيَّنَ أنَّهم حَلَفُوا كَذِبًا، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ وهي ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ السّابِقَةِ ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ أيْ كَفَرُوا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ بَعْدَ إظْهارِهِمْ لِلْإسْلامِ، وإنْ كانُوا كُفّارًا في الباطِنِ.

والمَعْنى: أنَّهم فَعَلُوا ما يُوجِبُ كُفْرَهم عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ إسْلامِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قِيلَ: هو هَمُّهم بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ …

74

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟ ۚ وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ ۚ فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ

They swear by Allah that they did not say [anything against the Prophet] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islam and planned that which they were not to attain. And they were not resentful except [for the fact] that Allah and His Messenger had enriched them of His bounty. So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allah will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

الأمْرُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِهَذا الجِهادِ أمْرٌ لِأُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ، وجِهادُ الكُفّارِ يَكُونُ بِمُقاتَلَتِهِمْ حَتّى يُسْلِمُوا، وجِهادُ المُنافِقِينَ يَكُونُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَخْرُجُوا عَنْهُ ويُؤْمِنُوا بِاللَّهِ.

وقالَ الحَسَنُ: إنَّ جِهادَ المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، واخْتارَهُ قَتادَةُ، .

قِيلَ في تَوْجِيهِهِ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا أكْثَرَ مَن يَفْعَلُ مُوجِباتِ الحُدُودِ.

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ هَذِهِ دَعْوى لا بُرْهانَ عَلَيْها، ولَيْسَ العاصِي بِمُنافِقٍ، إنَّما المُنافِقُ بِما يَكُونُ في قَلْبِهِ مِنَ النِّفاقِ دائِمًا لا بِما تَتَلَبَّسُ بِهِ الجَوارِحُ ظاهِرًا، وأخْبارُ المَحْدُودِينَ تَشْهَدُ بِسِياقَتِها أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الغِلَظُ: نَقِيضُ الرَّأْفَةِ، وهو شِدَّةُ القَلْبِ وخُشُونَةُ الجانِبِ، قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ العَفْوِ والصُّلْحِ والصَّفْحِ.

ثُمَّ ذَكَرَ مِن خِصالِ المُنافِقِينَ أنَّهم يَحْلِفُونَ الأيْمانَ الكاذِبَةَ، فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ .

وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: نَزَلَتْ في الجُلاسِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ، ووَدِيعَةَ بْنِ ثابِتٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كَثُرَ نُزُولُ القُرْآنِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ وذَمِّهِمْ، فَقالا: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا عَلى إخْوانِنا الَّذِينَ هم ساداتُنا وخِيارُنا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَقالَ لَهُ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ: أجَلْ واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ مُصَدَّقٌ، وإنَّكَ لَشَرٌّ مِنَ الحِمارِ، وأخْبَرَ عامِرٌ بِذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وجاءَ الجُلاسُ فَحَلَفَ بِاللَّهِ إنَّ عامِرًا لَكاذِبٌ، وحَلَفَ عامِرٌ لَقَدْ قالَ، وقالَ: اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلى نَبِيِّكَ شَيْئًا فَنَزَلَتْ.

وقِيلَ: إنَّ الَّذِي سَمِعَ ذَلِكَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وقِيلَ: حُذَيْفَةُ، وقِيلَ: بَلْ سَمِعَهُ ولَدُ امْرَأتِهِ: أيِ امْرَأةِ الجُلاسِ، واسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، فَهَمَّ الجُلاسُ بِقَتْلِهِ لِئَلّا يُخْبِرَ بِخَبَرِهِ.

وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ لَمّا قالَ: ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، و﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ، فَجاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَحَلَفَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ.

وقِيلَ: إنَّهُ قَوْلُ جَمِيعِ المُنافِقِينَ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّ القائِلَ واحِدٌ أوِ اثْنانِ فَنِسْبَةُ القَوْلِ إلى جَمِيعِهِمْ هي بِاعْتِبارِ مُوافَقَةِ مَن لَمْ يَقُلْ ولَمْ يَحْلِفْ مِنَ المُنافِقِينَ لِمَن قَدْ قالَ وحَلَفَ.

ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلى المُنافِقِينَ وكَذَّبَهم وبَيَّنَ أنَّهم حَلَفُوا كَذِبًا، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ وهي ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ السّابِقَةِ ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ أيْ كَفَرُوا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ بَعْدَ إظْهارِهِمْ لِلْإسْلامِ، وإنْ كانُوا كُفّارًا في الباطِنِ.

والمَعْنى: أنَّهم فَعَلُوا ما يُوجِبُ كُفْرَهم عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ إسْلامِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قِيلَ: هو هَمُّهم بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ …

75

۞ وَمِنْهُم مَّنْ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And among them are those who made a covenant with Allah, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

اللّامُ الأُولى، وهي ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ لامُ القَسَمِ، واللّامُ الثّانِيَةُ، وهي ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لامُ الجَوابِ لِلْقِسْمِ والشَّرْطِ.

ومَعْنى ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لَنُخْرِجُ الصَّدَقَةَ، وهي أعَمُّ مِنَ المَفْرُوضَةِ وغَيْرِها ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الصَّلاحِ، مِنَ المُؤْمِنِينَ القائِمِينَ بِواجِباتِ الدِّينِ التّارِكِينَ لِمُحَرَّماتِهِ.

﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ لَمّا أعْطاهم ما طَلَبُوا مِنَ الرِّزْقِ بَخِلُوا بِهِ: أيْ بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ، فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا بِشَيْءٍ مِنهُ كَما حَلَفُوا بِهِ، ( وتَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وإخْراجِ صَدَقاتِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، والحالُ أنَّ ( وهم مُعْرِضُونَ ) في جَمِيعِ الأوْقاتِ قَبْلَ أنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ ما أعْطاهم مِنَ الرِّزْقِ وبَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ الفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ البُخْلِ الَّذِي وقَعَ مِنهم والإعْراضِ نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ، مُتَمَكِّنًا مِنها، مُسْتَمِرًّا فِيها إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى البُخْلِ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ البُخْلُ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ بُخْلَهم: أيْ جَزاءَ بُخْلِهِمْ.

ومَعْنى ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ النِّفاقَ المُتَمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ إلى تِلْكَ الغايَةِ عاقِبَةَ ما وقَعَ مِنهم مِنَ البُخْلِ، والباءُ في ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ لِما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ، وكَذَلِكَ الباءُ في ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أيْ وبِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .

ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُنافِقُونَ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ أيْ جَمِيعَ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ النِّفاقِ وجَمِيعَ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم، مِنَ الطَّعْنِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى أصْحابِهِ، وعَلى دِينِ الإسْلامِ ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَغِيبَةِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَصْدُرُ عَنِ المُنافِقِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ المَوْصُولُ مَحَلُّهُ النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الذَّمِّ، أوِ الجَرُّ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( سِرَّهم ونَجْواهم )، ومَعْنى ﴿يَلْمِزُونَ﴾ يَعِيبُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، و( المُطَّوِّعِينَ ): أيِ المُتَطَوِّعِينَ، والتَّطَوُّعُ: التَّبَرُّعُ.

والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ المُسْلِمِينَ إذا تَطَوَّعُوا بِشَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ وأخْرَجُوهُ لِلصَّدَقَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ: ما أغْنى اللَّهَ عَنْ هَذا ! ويَقُولُونَ: ما فَعَلُوا هَذا إلّا رِياءً، ولَمْ يَكُنْ لِلَّهِ خالِصًا، و﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَلْمِزُونَ ): أيْ يَعِيبُونَهم في شَأْنِها.

قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُطَّوِّعِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ، ويَلْمِزُونَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى المُؤْمِنِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِنَ …

76

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

But when he gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.

اللّامُ الأُولى، وهي ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ لامُ القَسَمِ، واللّامُ الثّانِيَةُ، وهي ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لامُ الجَوابِ لِلْقِسْمِ والشَّرْطِ.

ومَعْنى ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لَنُخْرِجُ الصَّدَقَةَ، وهي أعَمُّ مِنَ المَفْرُوضَةِ وغَيْرِها ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الصَّلاحِ، مِنَ المُؤْمِنِينَ القائِمِينَ بِواجِباتِ الدِّينِ التّارِكِينَ لِمُحَرَّماتِهِ.

﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ لَمّا أعْطاهم ما طَلَبُوا مِنَ الرِّزْقِ بَخِلُوا بِهِ: أيْ بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ، فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا بِشَيْءٍ مِنهُ كَما حَلَفُوا بِهِ، ( وتَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وإخْراجِ صَدَقاتِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، والحالُ أنَّ ( وهم مُعْرِضُونَ ) في جَمِيعِ الأوْقاتِ قَبْلَ أنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ ما أعْطاهم مِنَ الرِّزْقِ وبَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ الفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ البُخْلِ الَّذِي وقَعَ مِنهم والإعْراضِ نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ، مُتَمَكِّنًا مِنها، مُسْتَمِرًّا فِيها إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى البُخْلِ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ البُخْلُ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ بُخْلَهم: أيْ جَزاءَ بُخْلِهِمْ.

ومَعْنى ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ النِّفاقَ المُتَمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ إلى تِلْكَ الغايَةِ عاقِبَةَ ما وقَعَ مِنهم مِنَ البُخْلِ، والباءُ في ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ لِما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ، وكَذَلِكَ الباءُ في ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أيْ وبِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .

ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُنافِقُونَ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ أيْ جَمِيعَ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ النِّفاقِ وجَمِيعَ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم، مِنَ الطَّعْنِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى أصْحابِهِ، وعَلى دِينِ الإسْلامِ ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَغِيبَةِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَصْدُرُ عَنِ المُنافِقِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ المَوْصُولُ مَحَلُّهُ النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الذَّمِّ، أوِ الجَرُّ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( سِرَّهم ونَجْواهم )، ومَعْنى ﴿يَلْمِزُونَ﴾ يَعِيبُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، و( المُطَّوِّعِينَ ): أيِ المُتَطَوِّعِينَ، والتَّطَوُّعُ: التَّبَرُّعُ.

والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ المُسْلِمِينَ إذا تَطَوَّعُوا بِشَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ وأخْرَجُوهُ لِلصَّدَقَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ: ما أغْنى اللَّهَ عَنْ هَذا ! ويَقُولُونَ: ما فَعَلُوا هَذا إلّا رِياءً، ولَمْ يَكُنْ لِلَّهِ خالِصًا، و﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَلْمِزُونَ ): أيْ يَعِيبُونَهم في شَأْنِها.

قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُطَّوِّعِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ، ويَلْمِزُونَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى المُؤْمِنِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِنَ …

77

فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًۭا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allah in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.

اللّامُ الأُولى، وهي ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ لامُ القَسَمِ، واللّامُ الثّانِيَةُ، وهي ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لامُ الجَوابِ لِلْقِسْمِ والشَّرْطِ.

ومَعْنى ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لَنُخْرِجُ الصَّدَقَةَ، وهي أعَمُّ مِنَ المَفْرُوضَةِ وغَيْرِها ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الصَّلاحِ، مِنَ المُؤْمِنِينَ القائِمِينَ بِواجِباتِ الدِّينِ التّارِكِينَ لِمُحَرَّماتِهِ.

﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ لَمّا أعْطاهم ما طَلَبُوا مِنَ الرِّزْقِ بَخِلُوا بِهِ: أيْ بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ، فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا بِشَيْءٍ مِنهُ كَما حَلَفُوا بِهِ، ( وتَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وإخْراجِ صَدَقاتِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، والحالُ أنَّ ( وهم مُعْرِضُونَ ) في جَمِيعِ الأوْقاتِ قَبْلَ أنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ ما أعْطاهم مِنَ الرِّزْقِ وبَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ الفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ البُخْلِ الَّذِي وقَعَ مِنهم والإعْراضِ نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ، مُتَمَكِّنًا مِنها، مُسْتَمِرًّا فِيها إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى البُخْلِ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ البُخْلُ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ بُخْلَهم: أيْ جَزاءَ بُخْلِهِمْ.

ومَعْنى ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ النِّفاقَ المُتَمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ إلى تِلْكَ الغايَةِ عاقِبَةَ ما وقَعَ مِنهم مِنَ البُخْلِ، والباءُ في ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ لِما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ، وكَذَلِكَ الباءُ في ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أيْ وبِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .

ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُنافِقُونَ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ أيْ جَمِيعَ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ النِّفاقِ وجَمِيعَ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم، مِنَ الطَّعْنِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى أصْحابِهِ، وعَلى دِينِ الإسْلامِ ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَغِيبَةِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَصْدُرُ عَنِ المُنافِقِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ المَوْصُولُ مَحَلُّهُ النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الذَّمِّ، أوِ الجَرُّ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( سِرَّهم ونَجْواهم )، ومَعْنى ﴿يَلْمِزُونَ﴾ يَعِيبُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، و( المُطَّوِّعِينَ ): أيِ المُتَطَوِّعِينَ، والتَّطَوُّعُ: التَّبَرُّعُ.

والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ المُسْلِمِينَ إذا تَطَوَّعُوا بِشَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ وأخْرَجُوهُ لِلصَّدَقَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ: ما أغْنى اللَّهَ عَنْ هَذا ! ويَقُولُونَ: ما فَعَلُوا هَذا إلّا رِياءً، ولَمْ يَكُنْ لِلَّهِ خالِصًا، و﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَلْمِزُونَ ): أيْ يَعِيبُونَهم في شَأْنِها.

قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُطَّوِّعِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ، ويَلْمِزُونَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى المُؤْمِنِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِنَ …

78

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

Did they not know that Allah knows their secrets and their private conversations and that Allah is the Knower of the unseen?

اللّامُ الأُولى، وهي ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ لامُ القَسَمِ، واللّامُ الثّانِيَةُ، وهي ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لامُ الجَوابِ لِلْقِسْمِ والشَّرْطِ.

ومَعْنى ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لَنُخْرِجُ الصَّدَقَةَ، وهي أعَمُّ مِنَ المَفْرُوضَةِ وغَيْرِها ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الصَّلاحِ، مِنَ المُؤْمِنِينَ القائِمِينَ بِواجِباتِ الدِّينِ التّارِكِينَ لِمُحَرَّماتِهِ.

﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ لَمّا أعْطاهم ما طَلَبُوا مِنَ الرِّزْقِ بَخِلُوا بِهِ: أيْ بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ، فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا بِشَيْءٍ مِنهُ كَما حَلَفُوا بِهِ، ( وتَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وإخْراجِ صَدَقاتِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، والحالُ أنَّ ( وهم مُعْرِضُونَ ) في جَمِيعِ الأوْقاتِ قَبْلَ أنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ ما أعْطاهم مِنَ الرِّزْقِ وبَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ الفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ البُخْلِ الَّذِي وقَعَ مِنهم والإعْراضِ نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ، مُتَمَكِّنًا مِنها، مُسْتَمِرًّا فِيها إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى البُخْلِ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ البُخْلُ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ بُخْلَهم: أيْ جَزاءَ بُخْلِهِمْ.

ومَعْنى ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ النِّفاقَ المُتَمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ إلى تِلْكَ الغايَةِ عاقِبَةَ ما وقَعَ مِنهم مِنَ البُخْلِ، والباءُ في ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ لِما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ، وكَذَلِكَ الباءُ في ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أيْ وبِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .

ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُنافِقُونَ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ أيْ جَمِيعَ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ النِّفاقِ وجَمِيعَ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم، مِنَ الطَّعْنِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى أصْحابِهِ، وعَلى دِينِ الإسْلامِ ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَغِيبَةِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَصْدُرُ عَنِ المُنافِقِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ المَوْصُولُ مَحَلُّهُ النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الذَّمِّ، أوِ الجَرُّ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( سِرَّهم ونَجْواهم )، ومَعْنى ﴿يَلْمِزُونَ﴾ يَعِيبُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، و( المُطَّوِّعِينَ ): أيِ المُتَطَوِّعِينَ، والتَّطَوُّعُ: التَّبَرُّعُ.

والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ المُسْلِمِينَ إذا تَطَوَّعُوا بِشَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ وأخْرَجُوهُ لِلصَّدَقَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ: ما أغْنى اللَّهَ عَنْ هَذا ! ويَقُولُونَ: ما فَعَلُوا هَذا إلّا رِياءً، ولَمْ يَكُنْ لِلَّهِ خالِصًا، و﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَلْمِزُونَ ): أيْ يَعِيبُونَهم في شَأْنِها.

قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُطَّوِّعِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ، ويَلْمِزُونَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى المُؤْمِنِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِنَ …

79

ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allah will ridicule them, and they will have a painful punishment.

اللّامُ الأُولى، وهي ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ لامُ القَسَمِ، واللّامُ الثّانِيَةُ، وهي ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لامُ الجَوابِ لِلْقِسْمِ والشَّرْطِ.

ومَعْنى ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لَنُخْرِجُ الصَّدَقَةَ، وهي أعَمُّ مِنَ المَفْرُوضَةِ وغَيْرِها ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الصَّلاحِ، مِنَ المُؤْمِنِينَ القائِمِينَ بِواجِباتِ الدِّينِ التّارِكِينَ لِمُحَرَّماتِهِ.

﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ لَمّا أعْطاهم ما طَلَبُوا مِنَ الرِّزْقِ بَخِلُوا بِهِ: أيْ بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ، فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا بِشَيْءٍ مِنهُ كَما حَلَفُوا بِهِ، ( وتَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وإخْراجِ صَدَقاتِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، والحالُ أنَّ ( وهم مُعْرِضُونَ ) في جَمِيعِ الأوْقاتِ قَبْلَ أنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ ما أعْطاهم مِنَ الرِّزْقِ وبَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ الفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ البُخْلِ الَّذِي وقَعَ مِنهم والإعْراضِ نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ، مُتَمَكِّنًا مِنها، مُسْتَمِرًّا فِيها إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى البُخْلِ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ البُخْلُ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ بُخْلَهم: أيْ جَزاءَ بُخْلِهِمْ.

ومَعْنى ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ النِّفاقَ المُتَمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ إلى تِلْكَ الغايَةِ عاقِبَةَ ما وقَعَ مِنهم مِنَ البُخْلِ، والباءُ في ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ لِما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ، وكَذَلِكَ الباءُ في ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أيْ وبِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .

ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُنافِقُونَ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ أيْ جَمِيعَ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ النِّفاقِ وجَمِيعَ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم، مِنَ الطَّعْنِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى أصْحابِهِ، وعَلى دِينِ الإسْلامِ ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَغِيبَةِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَصْدُرُ عَنِ المُنافِقِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ المَوْصُولُ مَحَلُّهُ النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الذَّمِّ، أوِ الجَرُّ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( سِرَّهم ونَجْواهم )، ومَعْنى ﴿يَلْمِزُونَ﴾ يَعِيبُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، و( المُطَّوِّعِينَ ): أيِ المُتَطَوِّعِينَ، والتَّطَوُّعُ: التَّبَرُّعُ.

والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ المُسْلِمِينَ إذا تَطَوَّعُوا بِشَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ وأخْرَجُوهُ لِلصَّدَقَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ: ما أغْنى اللَّهَ عَنْ هَذا ! ويَقُولُونَ: ما فَعَلُوا هَذا إلّا رِياءً، ولَمْ يَكُنْ لِلَّهِ خالِصًا، و﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَلْمِزُونَ ): أيْ يَعِيبُونَهم في شَأْنِها.

قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُطَّوِّعِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ، ويَلْمِزُونَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى المُؤْمِنِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِنَ …

80

ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةًۭ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Ask forgiveness for them, [O Muhammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allah forgive them. That is because they disbelieved in Allah and His Messenger, and Allah does not guide the defiantly disobedient people.

أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ صُدُورَ الِاسْتِغْفارِ مِنهُ لِلْمُنافِقِينَ وعَدَمَهُ سَواءٌ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِاسْتِغْفارِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا لِلْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ وفِيهِ بَيانٌ لِعَدَمِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُنافِقِينَ وإنْ أكْثَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِاسْتِغْفارِ لَهم، ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا أنَّهُ لَوْ زادَ عَلى السَّبْعِينَ لَكانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا كَما في سائِرِ مَفاهِيمِ الأعْدادِ، بَلِ المُرادُ بِهَذا المُبالَغَةُ في عَدَمِ القَبُولِ.

فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ تُجْرِي ذَلِكَ مَجْرى المَثَلِ في كَلامِها عِنْدَ إرادَةِ التَّكْثِيرِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم وإنِ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمُ اسْتُغْفارًا بالِغًا في الكَثْرَةِ غايَةَ المُبالِغِ.

وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ إلى أنَّ التَّقْيِيدَ بِهَذا العَدَدِ المَخْصُوصِ يُفِيدُ قَبُولَ الزِّيادَةِ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما سَيَأْتِي عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ» .

وذَكَرَ بَعْضُهم لِتَخْصِيصِ السَّبْعِينَ وجْهًا فَقالَ: إنَّ السَّبْعَةَ عَدَدٌ شَرِيفٌ، لِأنَّها عَدَدُ السَّماواتِ والأرَضِينَ والبِحارِ والأقالِيمِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ والأعْضاءِ وأيّامِ الأُسْبُوعِ، فَصَيَّرَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ إلى عَشَرَةٍ، لِأنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها.

وقِيلَ: خُصَّتِ السَّبْعُونَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلى عَمِّهِ الحَمْزَةِ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً، فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً بِإزاءِ تَكْبِيراتِكَ عَلى حَمْزَةَ.

وانْتِصابُ سَبْعِينَ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبْتُهُ عِشْرِينَ ضَرْبَةً.

ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ المَغْفِرَةِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ ذَلِكَ الِامْتِناعُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ المُتَمَرِّدِينَ الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ المُتَجاوِزِينَ لِحُدُودِها، والمُرادُ هُنا الهِدايَةُ المُوصِلَةُ إلى المَطْلُوبِ، لا الهِدايَةُ الَّتِي بِمَعْنى الدَّلالَةِ وإراءَةِ الطَّرِيقِ.

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ المُخَلَّفُونَ المَتْرُوكُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُنافِقِينَ، فَأذِنَ لَهم وخَلَّفَهم بِالمَدِينَةِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، أوِ الَّذِينَ خَلَّفَهُمُ اللَّهُ وثَبَّطَهم، أوِ الشَّيْطانُ، أوْ كَسَّلَهم، أوِ المُؤْمِنُونَ، ومَعْنى ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أيْ بِقُعُودِهِمْ يُقالُ: قَعَدَ قُعُودًا ومَقْعَدًا: أيْ جَلَسَ، وأقْعَدَهُ غَيْرُهُ، ذَكَرَ مَعْناهُ الجَوْهَرِيُّ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ( فَرِحَ ): أيْ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِقُعُودِهِمْ، و( خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِ ( مَقْعَدِهِمْ ) .

قالَ الأخْفَشُ ويُونُسُ: الخِلافُ بِمَعْنى الخَلْفِ: أيْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ جِهَةَ الأمامِ …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.