Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 71–80 of 129

71

وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakah and obey Allah and His Messenger. Those - Allah will have mercy upon them. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ المُنافِقِينَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ وما تَوَعَّدَهم بِهِ وما اسْتَتْبَعَهُ مِن تَهْدِيدِهِمْ بِإهْلاكِ مَن شابَهُوهُ، وخَتَمَ بِما سَبَّبَ هَلاكَهم مِن إصْرارِهِمْ وعَدَمِ اعْتِبارِهِمْ، عَطَفَ بِبَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ تَرْغِيبًا في التَّوْبَةِ طَعَمًا في مِثْلِ حالِهِمْ فَقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والمُؤْمِناتُ﴾ أيْ: بِما جاءَهم عَنْ رَبِّهِمْ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مِن، كَما قالَ في المُنافِقِينَ: مِن ﴿بَعْضٍ﴾ دَلالَةً عَلى أنَّ أحَدًا مِنهم لَمْ يُقَلِّدْ أحَدًا في أصْلِ الإيمانِ ولا وافَقَهُ بِحُكْمِ الهَوى، بَلْ كُلُّهم مُصَوِّبُونَ بِالذّاتِ وبِالقَصْدِ الأوَّلِ إلى اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالدَّلِيلِ القَطْعِيِّ عَلى حَسَبِ فَهْمِ كُلِّ أحَدٍ مِنهُمْ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ إيمانِهِمْ ورُسُوخِهِمْ في تَسْلِيمِهِمْ وإذْعانِهِمْ؛ ثُمَّ بَيَّنَ وِلايَتَهَمُ بِأنَّهم يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن سِواهم كالجَسَدِ الواحِدِ إذا اشْتَكى مِنهُ عُضْوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالحُمّى والسَّهَرِ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ﴾ أيْ: كُلُّهم عَلى وجْهِ التَّعاضُدِ والتَّناصُرِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ وهو كُلُّ ما عَرَفَهُ الشَّرْعُ وأجازَهُ ﴿ويَنْهَوْنَ﴾ أيْ: كَذَلِكَ ﴿عَنِ المُنْكَرِ﴾ لا يُحابُونَ أحَدًا.

ولَمّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ القَطْعِيَّ عَلى صِحَّةِ الإيمانِ، أتْبَعَهُ أفْضَلَ العِباداتِ فَقالَ: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَها عَلى صِفَةٍ تَقْتَضِي قِيامَها بِجَمِيعِ أرْكانِها وشُرُوطِها وحُدُودِها مُراقَبَةً لِرَبِّهِمْ واسْتِعانَةً بِذَلِكَ عَلى جَمِيعِ ما يَنُوبُهم ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: مُواساةً مِنهم لِفُقَرائِهِمْ صِلَةً لِلْخَلائِقِ بَعْدَ خِدْمَةِ الخالِقِ، وذَلِكَ مُوازٍ لِقَوْلِهِ: في المُنافِقِينَ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ولَمّا خَصَّ أُمَّهاتِ الدِّينِ عَمَّ بَيانًا لِأنَّهم لا يَنْسَوْنَ اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ بَلْ يَذْكُرُونَهُ في كُلِّ حالٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ ﴿ورَسُولَهُ﴾ إشارَةً إلى حُسْنِ سِيرَتِهِمْ وجَمِيلِ عِشْرَتِهِمْ.

ولَمّا ذَكَرَ مَكارِمَ أفْعالِهِمْ، أتْبَعَهُ حُسْنَ مَآلِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: العُظَماءُ الشَّأْنِ ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ، وهَذا مَعَ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ مُوازٍ لِقَوْلِهِ: في المُنافِقِينَ ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الطَّرِيقَ وعْرٌ والأمْرُ شَدِيدٌ عَسِرٌ، فالسّائِرُ مُضْطَرٌّ إلى الرَّحْمَةِ، وهي المُعامَلَةُ بَعْدَ الغُفْرانِ بِالإكْرامِ، لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى قَطْعِ مَفاوِزِ الطَّرِيقِ إلّا بِها، ولا وُصُولَ لَهُ أصْلًا مِن غَيْرِ سَبَبِها.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ مَبْنِيٌّ عَلى المُوالاةِ وكانَتِ المُوالاةُ فَقِيرَةً إلى الإعانَةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿عَزِيزٌ﴾ أيْ: غالِبٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ بِوَجْهٍ، فَهو قادِرٌ عَلى نَصْرِ مَن يُوالِي حِزْبَهُ وأنْ يُنِيلَهُ مِن ثَمَراتِ الرَّحْمَةِ ما يُرِيدُ مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى أنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ ما يُحْكِمُهُ وحَلِّ ما يُبْرِمُهُ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَزالُونَ مَنصُورِينَ عَلى كُلِّ مُفْسِدٍ ما دامُوا عَلى هَذِهِ الخِلالِ مِنَ المُوالاةِ وما مَعَها مِن حَمِيدِ الخِصالِ.

72

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةًۭ فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍۢ ۚ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allah is greater. It is that which is the great attainment.

ولَمّا خَتَمَ الآيَةَ بِوَصْفِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ المُناسِبِ لِافْتِتاحِها بِالمُوالاةِ وتَعْقِيبِها بِآيَةِ الجِهادِ، وذَلِكَ بَعْدَ الوَعْدِ بِالرَّحْمَةِ إجْمالًا، أتْبَعَها بِما هو أشَدُّ التِئامًا بِها بَيانًا لِلرَّحْمَةِ وتَفْصِيلًا لَها تَرْغِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ ما رامَهُ المُنافِقُونَ بِنِفاقِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا، وزادَهم بِأنَّهُ دائِمٌ، وأخْبَرَ بِأنَّ ذَلِكَ هو الفَوْزُ لا غَيْرُهُ فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ أيِ الصّادِقُ الوَعْدِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في التَّصْدِيقِ بِكُلِّ ما أتاهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: فَهي لا تَزالُ خَضِرَةً ذاتَ بَهْجَةٍ نَضِرَةٍ؛ ولَمّا كانَ النَّعِيمُ لا يَكْمُلُ إلّا بِالدَّوامِ، قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ كانَتِ الجِنانُ لا تَرُوقُ إلّا بِالمَنازِلِ والدُّورِ الفَسِيحَةِ والمَعازِلِ قالَ: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ ولَمّا كانَ بَعْضُ الجَنانِ أعْلى مِن بَعْضٍ، وكانَ أعْلاها ما شُرِّفَ بِوَصْفِ العِنْدِيَّةِ المُؤْذِنِ بِالقُرْبِ مِن بِنائِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ مَعْنى الدَّوامِ، قالَ: ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أيْ: إقامَةً دائِمَةً وهَناءً وصِحَّةَ جِسْمٍ وطِيبَ مَقَرٍّ ومَوْطِنٍ ومَنبَتٍ، وذَلِكَ كَما قالَ في حَقِّ أضْدادِهِمْ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨] وما أنْسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الجَنَّةِ في سِياقِ التَّعْبِيرِ بِالوَصْفِ المُؤْذِنِ بِالرُّسُوخِ؛ فَإنَّهُ ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّها خاصَّةٌ بِالنَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَصْفُو عَنِ الكَدَرِ مَعَ تَجْوِيزِ نَوْعٍ مِنَ الغَضَبِ قالَ مُبْتَدِئًا إشارَةً إلى أنْهى التَّعْظِيمِ: ﴿ورِضْوانٌ﴾ أيْ: رِضًى لا يَبْلُغُهُ وصْفُ واصِفٍ بِما تُشِيرُ إلَيْهِ صِيغَةُ المُبالَغَةِ ولَوْ كانَ عَلى أدْنى الوُجُوهِ بِما أفادَهُ التَّنْوِينُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ عِنْدَهم ﴿أكْبَرُ﴾ أيْ: مُطْلَقًا، فَهو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ لِأنَّ رِضاهُ سَبَبُ كُلِّ فَوْزٍ، ولا يَقَعُ السُّرُورُ الَّذِي هو أعْظَمُ النَّعِيمِ إلّا بِرِضى السَّيِّدِ، وإذا كانَ القَلِيلُ مِنهُ أكْبَرَ فَما ظَنُّكَ بِالكَثِيرِ.

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى أحْسَنِ مُقابَلَةٍ بِما وصَفَ بِهِ أضْدادَهُمْ، قالَ يَصِفُهُ زِيادَةً في التَّرْغِيبِ فِيهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: خاصَّةً لا غَيْرُهُ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيِ: الَّذِي يُسْتَصْغَرُ دُونَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفي كَوْنِ ذَلِكَ وعْدًا لِمَنِ اتَّصَفَ لِأجْلِ ما اتَّصَفَ بِهِ تَرْغِيبٌ في الجِهادِ المَأْمُورِ بِهِ بَعْدَها لِكَوْنِهِ مِن أفْرادِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والدّاعِي الأعْظَمِ إلى المُوالاةِ.

73

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

ولَمّا ثَبَتَتْ مُوالاةُ المُؤْمِنِينَ ومُقاطَعَتُهم لِلْمُنافِقِينَ والكافِرِينَ، وكانَ ما مَضى مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ كافِيًا في الإنابَةِ، وكانَ مَن لَمْ يَرْجِعْ بِذَلِكَ عَظِيمَ الطُّغْيانِ غَرِيقًا في الكُفْرانِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الأمْرَ بِجِهادِهِمْ بِما يَلِيقُ بِعِنادِهِمْ فَقالَ آمِرًا لِأعْظَمِ المُتَّصِفِينَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ مُفَخِّمًا لِمِقْدارِهِ بِأجَلِّ أفْرادِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ أيِ: العالِي المِقْدارِ بِما لا يَزالُ يَتَجَدَّدُ لَهُ مِنّا مِنَ الأنْباءِ وفِينا مِنَ المَعارِفِ؛ ولَمّا كانَ الجِهادُ أعْرَفَ في المُصارَحِينَ، وكانُوا أوْلى بِهِ لِشِدَّةِ شَكائِمِهِمْ وقُوَّةِ نُفُوسِهِمْ وعَزائِمِهِمْ بَدَأ بِهِمْ فَقالَ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ﴾ أيِ: المُجاهِرِينَ ﴿والمُنافِقِينَ﴾ أيِ: المُسائِرِينَ كُلًّا بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ السَّيْفِ واللِّسانِ.

ولَمّا كانَ ﷺ مَطْبُوعًا عَلى الرِّفْقِ مُوصًى بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: في الجَهادَيْنِ ولا تُعامِلْهم بِمِثْلِ ما عامَلْتَهم بِهِ مِنَ اللِّينِ عِنْدَ اسْتِئْذانِهِمْ في العُقُودِ، وهَذا بِخِلافِ ما مَضى في وعِيدِ المُنافِقِينَ حَيْثُ قَدَّمَهم فَقالَ: ﴿المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ﴾ [التوبة: ٦٨] فَقَدَّمَ في كُلِّ سِياقٍ الألْيَقَ بِهِ؛ ولَمّا كانَ المَعْنى: فَإنَّكَ ظاهِرٌ عَلَيْهِمْ وقاهِرٌ لَهم وهم طَعامُ السَّيْفِ وطَوْعُ العَصا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَأْواهُمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ ﴿جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

74

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟ ۚ وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ ۚ فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ

They swear by Allah that they did not say [anything against the Prophet] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islam and planned that which they were not to attain. And they were not resentful except [for the fact] that Allah and His Messenger had enriched them of His bounty. So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allah will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

ولَمّا أتى بِالدَّلِيلِ العامِّ عَلى إجْرامِهِمْ، أتْبَعَهُ الدَّلِيلَ الخاصَّ عَلَيْهِ وهو أيْضًا دَلِيلٌ عَلى دَلِيلٍ فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا شَيْءَ أعْظَمُ مِنهُ قَدْرًا ﴿ما قالُوا﴾ أيْ: ما وقَعَ مِنهم قَوْلٌ، فَقَصَرَ الفِعْلَ تَعْمِيمًا لِلْمَفْعُولِ إعْلامًا بِأنَّهم مَهْما عُنِّفُوا عَلى قَوْلٍ كائِنًا ما كانَ بادَرُوا إلى الحَلِفِ عَلى نَفْيِهِ كَذِبًا لِأنَّهم مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ فَتَطَبَّعُوا بِأعْلى الكَذِبِ ومَرَنُوا عَلى سَيِّئِ الأخْلاقِ، فَصارَ حاصِلُ هَذا أنَّهم أُطْمِعُوا في العَفْوِ وحُذِّرُوا مِن عَذابِ الباقِينَ بِسَبَبِ إجْرامِهِمْ لِأنَّهم يَأْمُرُونَ بِالمُنْكِرِ وما يُلائِمُهُ مُقْتَفِينَ آثارَ مَن قَبْلَهم في الِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ غَيْرَ مُقْلِعِينَ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ أنْ يُصِيبَهم بِمِثْلِ ما أصابَهم ولا رَجاءَ لَهُ أنْ يُنِيلَهم مِمّا أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مُجْتَرِئِينَ عَلى الأيْمانِ الباطِلَةِ بِأعْظَمِ الحَلِفِ عَلى أيِّ شَيْءٍ فَرَضَ سَواءٌ كانَ يَسْتَحِقُّ اليَمِينَ أوْ لا غَيْرَ خائِفِينَ مِنَ اللَّهِ أنْ يَهْتُكُهم كَما هَتَكَ غَيْرَهم مِمَّنْ فَعَلَ مِثْلَ أفْعالِهِمْ؛ ثُمَّ دَلَّ عَلى عَظِيمِ إجْرامِهِمْ وما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] - الآيَةَ. مِن كَبائِرِ آثامِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْآيَةِ الَّتِي قَبْلَها بِأنَّهم يُقَدِّمُونَ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الجِهادَ والغِلْظَةَ والنّارَ مِنَ الحَلِفِ كَذِبًا عَلى نَفْيِ كُلِّ ما يُنْقَلُ عَنْهُمُ اسْتِخْفافًا بِاللَّهِ وبِأسْمائِهِ ”﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]“ فَتَكُونُ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: أمّا جِهادُ الكُفّارِ فالأمْرُ فِيهِ واضِحٌ، وأمّا المُنافِقُونَ فَكَيْفَ يُجاهِدُونَ وهم يَتَّكِلُونَ بِلَفْظِ الإيمانِ ويُظْهِرُونَ أفْعالَ أهْلِ الإسْلامِ فَقالَ: لِأنَّهم يَحْلِفُونَ ﴿ولَقَدْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم كاذِبُونَ لَقَدْ ﴿قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ أيِ: الَّذِي لا أكْبَرَ في الكُفْرِ مِنهُ، وهي تَكْذِيبُ النَّبِيِّ ﷺ.

ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ لِصِنْفٍ يُجَدِّدُونَ الِاسْتِخْفافَ بِاللَّهِ تَعالى بِما دَلَّ عَلَيْهِ المُضارِعُ كُلَّ وقْتٍ، دَلَّ عَلى أنَّ إقْرارَهم بِالإيمانِ كَذِبٌ وأفْعالَهم صُوَرٌ لا حَقائِقَ لَها، فَعَبَّرَ بِالإسْلامِ فَقالَ: ﴿وكَفَرُوا﴾ أيِ: أظْهَرُوا الكُفْرَ ﴿بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ أيْ: بِما ظَهَرَ مِن أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، وذَلِكَ غايَةُ الفُجُورِ؛ ولَمّا كانَ أعْلى شَغَفِ الإنْسانِ بِشَيْءٍ أنْ تُحَدِّثَهُ نَفْسُهُ فِيهِ بِما لا يَصِلُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ضَرْبًا مِنَ الهَوَسِ قالَ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ أيْ: مِن قَتْلِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ أنْواعِ الكُفْرِ القَوْلِ والفِعْلِ والِاعْتِقادِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”مَأْواهم“ والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ حالِفِينَ بِاللَّهِ: ما قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ، ولَقَدْ قالُوها، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]

ولَمّا بَيَّنَ مِن أحْوالِهِمُ الَّتِي لا يَحْمِلُ عَلى فِعْلِها إلّا أمْرٌ عَظِيمٌ، قالَ: ﴿وما﴾ أيْ: قالُوا وفَعَلُوا والحالُ أنَّهم ما ﴿نَقَمُوا﴾ أيْ: كَرِهُوا شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أتَتْهم مِنَ اللَّهِ ﴿إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ وهو غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ …

75

۞ وَمِنْهُم مَّنْ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And among them are those who made a covenant with Allah, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

ولَمّا أقامَ سُبْحانَهُ الدَّلِيلَ عَلى ما ذُكِرَ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي خَتَمَها بِأنَّهُ أغْناهم مِن فَضْلِهِ، أتْبَعَها بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْها وعَلى أنَّهم يَقْبِضُونَ أيْدِيَهم وعَلى اجْتِرائِهِمْ عَلى أقْبَحِ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ﴿لَئِنْ آتانا﴾ أيْ: مِن خَيْرِ ما عِنْدَهُ، واعْتِرافٌ بِأنَّهُ لا حَقَّ لِأحَدٍ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن تِجارَةٍ أوْ غَنِيمَةٍ أوْ زِراعَةٍ أوْ غَيْرِها، وأكَّدَ لِأنَّهُ كاذِبٌ يَظُنُّ أنَّ النّاسَ يُكَذِّبُونَهُ، وهَكَذا كُلُّ كاذِبٍ فَقالَ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ أيْ: مِمّا آتانا مِن غَيْرِ رِياءٍ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ ﴿ولَنَكُونَنَّ﴾ أيْ: كَوْنًا هو الدّالُّ عَلى أنّا مَجْبُولُونَ عَلى الخَيْرِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: لِكُلِّ خَيْرٍ نُنْدَبُ إلَيْهِ

76

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

But when he gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.

﴿فَلَمّا آتاهُمْ﴾ وكَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ تَقْرِيرًا لَمّا قالَهُ المَعاهِدُ تَأْكِيدًا لِلْإعْلامِ بِأنَّهُ لا حَقَّ عَلَيْهِ لِأحَدٍ ولا صُنْعَ فِيما يُنْعِمُ بِهِ ولا قُدْرَةَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ أيْ: كَذَبُوا فِيما عاهَدُوا عَلَيْهِ وأكَّدُوهُ غايَةَ التَّأْكِيدِ، فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا بَلْ مَنَعُوا الحَقَّ الواجِبَ إظْهارُهُ فَضْلًا عَنْ صَدَقَةِ السِّرِّ ﴿وتَوَلَّوْا﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ الإعْراضَ عَنِ الطّاعَةِ لِمَن تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِقُبْحِ نَقْضِ العَهْدِ؛ ولَمّا كانَ التَّوَلِّي قَدْ يُحْمَلُ عَلى ما بِالجَسَدِ فَقَطْ قالَ: ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: بِقُلُوبِهِمْ، والإعْراضُ وصْفٌ لَهم لازِمٌ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُمْ، بَلْ كانَ غَرِيزَةً فِيهِمْ ونَحْنُ عالِمُونَ بِها مِن حِينِ أوْقَعُوا العَهْدَ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: قالَ الضَّحّاكُ: هم نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. انْتَهى.

77

فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًۭا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allah in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.

وحَسَّنَ تَعْقِيبَها بِها أيْضًا أنَّ في الأُولى كُفْرانَ نِعْمَةِ الغِنى مِن غَيْرِ عَهْدٍ، وفي هَذِهِ كُفْرانُها مَعَ العَهْدِ فَهو تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، ودَلَّ عَظِيمُ شَأْنِ العَهْدِ بِتَعْظِيمِ الجَزاءِ عَلى خِيانَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أيِ اللَّهُ أوِ التَّمادِي عَلى البُخْلِ جَزاءً عَلى ذَلِكَ ﴿نِفاقًا﴾ مُتَمَكِّنًا ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: بِأنْ لا يَزالُوا يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ: بِالمَوْتِ عِنْدَ فَوْتِ الفَوْتِ ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ﴾ أيْ: وهو المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿ما وعَدُوهُ﴾ لِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ؛ ولَمّا كانَ إخْلافُ الوَعْدِ شَدِيدَ القَباحَةِ، وكانَ مُرْتَكِبُهُ غَيْرَ مُتَحاشٍ مِن مُطْلَقِ الكَذِبِ قالَ: ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ الكَذِبَ دائِمًا مَعَ الوَعْدِ ومُنْفَكًّا عَنْهُ، فَقَدِ اسْتَكْمَلُوا النِّفاقَ؛ عاهَدُوا فَغَدَرُوا، ووَعَدُوا فَأخْلَفُوا، وحَدَّثُوا فَكَذَبُوا.

78

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

Did they not know that Allah knows their secrets and their private conversations and that Allah is the Knower of the unseen?

ولَمّا كانَتِ المُعاهَدَةُ سَبَبًا لِلْإغْناءِ في الظّاهِرِ، وكانَ ذَلِكَ رُبَّما كانَ مَظِنَّةً لِأنْ يَتَوَهَّمَ مَن لا عِلْمَ لَهُ أنَّ ذَلِكَ لِخَفاءِ أمْرِ البَواطِنِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكانَ الحُكْمُ هُنا وارِدًا عَلى القَلْبِ بِالنِّفاقِ الَّذِي هو أقْبَحُ الأخْلاقِ مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ لِصاحِبِهِ عَلى التَّخَلُّصِ مِنهُ، كانَ ذَلِكَ أدُلَّ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما في كُلِّ قَلْبٍ مِن صاحِبِ ذَلِكَ القَلْبِ، فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِالإنْكارِ عَلى مَن لا يَعْلَمُ ذَلِكَ والتَّوْبِيخِ لَهُ والتَّقْرِيعِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ وهو ما أخْفَتْهُ صُدُورُهم ﴿ونَجْواهُمْ﴾ أيْ: ما فاوَضَ فِيهِ بَعْضُهم بَعْضًا، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾ أيْ: كُلِّها، أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى لا يُخادِعُ لِعِلْمِهِ بِالعَواقِبِ فَيَخْشَوْا عاقِبَتَهُ فَيُوفُوا بِعَهْدِهِ، وفائِدَةُ الإعْطاءِ مَعَ عِلْمِهِ بِالخِيانَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحَسَنُ: ”ألَمْ تَعْلَمُوا“ بِالتّاءِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ. انْتَهى.

وفائِدَةُ الِالتِفاتِ الإشارَةُ إلى أنَّ هَذا العِلْمَ إنَّما يَنْفَعُ مِن هُيِّئَ لِلْإيمانِ.

79

ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allah will ridicule them, and they will have a painful punishment.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَكْفِهِمْ كُفْرانَ نِعْمَةِ الغِنى مِن غَيْرِ مُعاهَدَةٍ حَتّى ارْتَكَبُوا الكُفْرانَ بِمَنعِ الواجِبِ مَعَ المُعاهَدَةِ، أخْبَرَ أنَّهُ لَمْ يَكْفِهِمْ أيْضًا ذَلِكَ حَتّى تَعَدَّوْهُ إلى عَيْبِ الكُرَماءِ الباذِلِينَ بِصِفَةِ حُبِّهِمْ لِرَبِّهِمْ ما لَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ تَعالى مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ تَصْلُحُ لِجَمِيعِ ما مَضى مِن أقْسامِهِمْ إفْهامًا لِأنَّهم كُلَّهم كانُوا مُتَخَلِّقِينَ بِذَلِكَ وإنْ لَمْ يَقُلْهُ إلّا بَعْضُهُمْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ أيْ: يَعِيبُونَ في خَفاءٍ ﴿المُطَّوِّعِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ واجِبٌ في أمْوالِهِمْ فَهم يَتَصَدَّقُونَ ويُحِبُّونَ إخْفاءَ صَدَقاتِهِمْ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ ولَمّا كانَ ما مَضى شامِلًا لِلْمُوسِرِ والمُعْسِرِ، نَصَّ عَلى المُعْسِرِ لِزِيادَةِ فَضْلِهِ وإشارَةً إلى أنَّ الحَثَّ عَلى قَلِيلِ الخَيْرِ كالحَثِّ عَلى كَثِيرِهِ فَقالَ عاطِفًا عَلى: ﴿المُطَّوِّعِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ أيْ: مِنَ المالِ ﴿إلا جُهْدَهُمْ﴾ أيْ: طاقَتَهُمُ الَّتِي أجْهَدُوا أنْفُسَهم فِيها حَتّى بَلَغُوها.

ولَمّا كانَ اللَّمْزُ هو العَيْبَ، وهو يَنْظُرُ إلى الخَفاءِ كالغَمْزِ، ومادَّتُهُ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى اللُّزُومِ، والمَعْنى: يُلْزِمُونَ المُطَوِّعِينَ عَيْبًا ولا يُظْهِرُونَ ذَلِكَ لِكُلِّ أحَدٍ وإنَّما يَتَخافَتُونَ بِهِ فِيما بَيْنَهُمْ، وهو يَرْجِعُ إلى الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ ولَمّا كانَ لا شَيْءَ أعْظَمُ لِلشَّخْصِ مِن أنْ يَتَوَلّى العَظِيمُ الِانْتِقامَ لَهُ مِن ظالِمِهِ، قالَ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ﴾ أيْ: وهو الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِغَيْرِهِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: جازاهم عَلى فِعْلِهِمْ بِأهْلِ حِزْبِهِ، وزادَهم قَوْلَهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بِما كانُوا يُؤْلِمُونَ القُلُوبَ مِن ذَلِكَ، وإذا حُوقِقُوا عَلَيْهِ دَفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما يَرْدَعُهم عَنْهُ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ «عَنْ أبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا أُمِرْنا بِالصَّدَقَةِ كُنّا نَتَحامَلُ، فَجاءَ أبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صاعٍ، وجاءَ إنْسانٌ بِأكْثَرَ مِنهُ، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا، وما فَعَلَ هَذا الآخَرُ إلّا رِياءً، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ الآيَةَ».

80

ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةًۭ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Ask forgiveness for them, [O Muhammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allah forgive them. That is because they disbelieved in Allah and His Messenger, and Allah does not guide the defiantly disobedient people.

ولَمّا كانَ ﷺ مَعْرُوفًا بِكَثْرَةِ الِاحْتِمالِ وشَدَّةِ اللِّينِ المُشِيرِ إلَيْهِ ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِجْلابِهِمْ والحِرْصِ عَلى نَجاةِ جَمِيعِ الخَلْقِ فَكانَ مَعْرُوفًا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم تارَةً عَلى وجْهِ الخُصُوصِ بِسُؤالِهِمْ عِنْدَ اعْتِذارِهِمْ وحَلِفِهِمْ وتارَةً عَلى وجْهِ العُمُومِ عِنْدَ اسْتِغْفارِهِ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، أخْبَرَهُ تَعالى مِن عاقِبَةِ أمْرِهِ بِما يُزَهِّدُهُ فِيهِمْ لِيُعْرِضَ عَنْهم أصْلًا ورَأْسًا؛ لِأنَّهم تَجاوَزُوا حَقَّ اللَّهِ في تَرْكِ الجِهادِ ومَنعِ الصَّدَقَةِ وحَقُّهُ ﷺ في لَمْزِهِ في الصَّدَقاتِ ووَصْفِهِ بِما يَجِلُّ عَنْهُ إلى حُقُوقِ المُجاهِدِينَ الَّذِينَ هو سُبْحانَهُ خَلِيفَتُهم في أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ مَعَ ما سَبَقَ في عِلْمِهِ لِلْمُنافِقِينَ مِن أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهم فَقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ﴾ أيِ: اطْلُبِ الغُفْرانَ ﴿لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيِ: اسْتَوى في أمْرِهِمُ اسْتِغْفارُكَ لَهم وتَرْكُهُ ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ﴾ أيْ: تَسْألُ الغُفْرانَ ﴿لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ أوِ المُبالَغَةِ؛ ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِاسْتِواءِ الأمْرَيْنِ: الِاسْتِغْفارِ وتَرَكِهِ رُبَّما كانَ مُسَبَّبًا عَنِ الغُفْرانِ ورُبَّما كانَ مُسَبَّبًا عَنِ الخُسْرانِ، عَيَّنَهُ في هَذا الثّانِي فَقالَ: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي قَضى بِشَقائِهِمْ وهو الَّذِي لا يُرَدُّ أمْرُهُ ﴿لَهُمْ﴾ وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالسَّبْعِينَ عَلى ما ظَهَرَ في المَآلِ المُبالِغَةُ في أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ولَوْ غَفَرَ لَهم لِشَيْءٍ لَكانَ لِقَبُولِ شَفاعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ، والعَرَبُ تُبالِغُ بِما فِيهِ لَفْظُ السَّبْعَةِ؛ لِأنَّها غايَةٌ مُسْتَقْصاةٌ جامِعَةٌ لِأكْثَرِ أقْسامِ العَدَدِ، وهي تَتِمَّةُ عَدَدِ الخَلْقِ كالسَّماواتِ والأرْضِ والبِحارِ والأقالِيمِ والأعْضاءِ.

ولَمّا كانَ ﷺ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى رُشْدِهِمْ ونَفْعِهِمْ، وكانَ حَقِيقَةُ نَظْمِ الآيَةِ التَّخْيِيرَ في الِاسْتِغْفارِ وتَرْكِهِ ونَفْيِ المَغْفِرَةِ بِالِاسْتِغْفارِ بِالعَدَدِ المَحْصُورِ في سَبْعِينَ، جَعَلَ ﷺ الآيَةَ مُقَيِّدَةً لِما في سُورَةِ المُنافِقِينَ فاسْتَغْفَرَ لِابْنِ أُبَيٍّ وصَلّى عَلَيْهِ وقامَ عَلى قَبْرِهِ وصَرَّحَ بِأنَّهُ لَوْ يَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ زادَ عَلى السَّبْعِينَ قُبِلَ لَزادَ، واسْتَعْظَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ مِنهُ ﷺ وشَرَعَ يُمْسِكُهُ بِثَوْبِهِ ويَقُولُ: أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ! لِأنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مِنَ الآيَةِ غَيْرَ المَجازِ لِما عِنْدَهُ مِن بُغْضِ المُنافِقِينَ، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَرَأى التَّمَسُّكَ بِالحَقِيقَةِ لِما في الرِّفْقِ بِالخَلِيفَةِ مِن جَمِيلِ الطَّرِيقَةِ بِتَحْصِيلِ الِائْتِلافِ الواقِعِ لِلْخِلافِ وغَيْرِهِ مِنَ الفَوائِدِ وجَلِيلِ العَوائِدِ، ولِذَلِكَ كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لَمّا نَزَلَ النَّهْيُ الصَّرِيحُ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِن جَراءَتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ أيْ: تَفَطَّنْتُ بَعْدَ هَذا الصَّرِيحِ أنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ كانَ مُحْتَمَلًا وإلّا لَأنْكَرَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلَيْهِ، وفي مُوافَقَةِ اللَّهِ تَعالى لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنقَبَةٌ شَرِيفَةٌ لَهُ، وقَدْ وافَقَهُ اللَّهُ تَعالى مَعَ هَذا في أشْياءَ كَثِيرَةٍ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: لَمّا …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.