Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 71–80 of 129

71

وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakah and obey Allah and His Messenger. Those - Allah will have mercy upon them. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ وما هم عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ والأعْمالِ الفاسِدَةِ؛ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وقالَ في أُولَئِكَ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، وفي هَؤُلاءِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ لا وِلايَةَ بَيْنَ المُنافِقِينَ ولا شَفاعَةَ لَهم، ولا يَدْعُو بَعْضُهم لِبَعْضٍ، فَكانَ المُرادُ هُنا الوِلايَةَ في اللَّهِ خاصَّةً. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] يَدُلُّ عَلى أنَّ نِفاقَ الأتْباعِ وكُفْرَهم حَصَلَ بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ لِأُولَئِكَ الأكابِرِ، وسَبَبِ مُقْتَضى الطَّبِيعَةِ والعادَةِ. أمّا المُوافَقَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّما حَصَلَتْ، لا بِسَبَبِ المَيْلِ والعادَةِ، بَلْ بِسَبَبِ المُشارَكَةِ في الِاسْتِدْلالِ والتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ، والوِلايَةُ ضِدُّ العَداوَةِ. ولَمّا وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ بَعْضِهِمْ أوْلِياءَ بَعْضٍ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَجْرِي كالتَّفْسِيرِ والشَّرْحِ لَهُ، وهي الخَمْسَةُ الَّتِي يُمَيَّزُ بِها المُؤْمِنُ عَلى المُنافِقِ: فالمُنافِقُ يَأْمُرُ بِالمُنْكِرِ، ويَنْهى عَنِ المَعْرُوفِ، ولا يَقُومُ إلى الصَّلاةِ إلّا وهو كَسْلانُ، ويَبْخَلُ بِالزَّكاةِ، ويَتَخَلَّفُ بِنَفْسِهِ عَنِ الجِهادِ، وإذا أمَرَهُ اللَّهُ تَثَبَّطَ وثَبَّطَ غَيْرَهُ. والمُؤْمِنُ بِضِدِّ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والجِهادِ. وهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: كُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ فَهو دُعاءٌ مِنَ الشِّرْكِ إلى الإسْلامِ، وما ذُكِرَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو النَّهْيُ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ والشَّياطِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبِحَسَبِ هَذا تَكُونُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، والمَدْحُ عِنْدِي بِالنَّوافِلِ أبْلَغُ، إذْ مَن يُقِيمُ النَّوافِلَ أجْدى بِإقامَةِ الفُرُوضِ، ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ جامِعٌ لِلْمَندُوباتِ. انْتَهى.

﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: السِّينُ مُدْخِلَةٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً، لِتَكُونَ النُّفُوسُ تَتَنَعَّمُ بِرَجائِهِ وفَضْلِهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السِّينُ مُفِيدَةٌ وُجُوبَ الرَّحْمَةِ لا مَحالَةَ، فَهي تُؤَكِّدُ الوَعْدَ كَما تُؤَكِّدُ الوَعِيدَ في قَوْلِكَ: سَأنْتَقِمُ مِنكَ يَوْمًا، يَعْنِي: أنَّكَ لا تَفُوتُنِي وإنْ تَبَطَّأ ذَلِكَ. ونَحْوُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٥] ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] . انْتَهى. وفِيهِ دَفِينَةٌ خَفِيَّةٌ مِنَ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: السِّينُ مُفِيدَةٌ وُجُوبَ الرَّحْمَةِ لا مَحالَةَ، يُشِيرُ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى إثابَةُ الطّائِعِ، كَما تَجِبُ عُقُوبَةُ العاصِي. ولَيْسَ مَدْلُولُ السِّينِ تَوْكِيدُ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، إنَّما تَدُلُّ عَلى تَخْلِيصِ المُضارِعِ لِلِاسْتِقْبالِ فَقَطْ. ولَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ هُنا عِبارَةً عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ …

72

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةًۭ فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍۢ ۚ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allah is greater. It is that which is the great attainment.

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ وما هم عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ والأعْمالِ الفاسِدَةِ؛ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وقالَ في أُولَئِكَ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، وفي هَؤُلاءِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذْ لا وِلايَةَ بَيْنَ المُنافِقِينَ ولا شَفاعَةَ لَهم، ولا يَدْعُو بَعْضُهم لِبَعْضٍ، فَكانَ المُرادُ هُنا الوِلايَةَ في اللَّهِ خاصَّةً. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] يَدُلُّ عَلى أنَّ نِفاقَ الأتْباعِ وكُفْرَهم حَصَلَ بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ لِأُولَئِكَ الأكابِرِ، وسَبَبِ مُقْتَضى الطَّبِيعَةِ والعادَةِ. أمّا المُوافَقَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّما حَصَلَتْ، لا بِسَبَبِ المَيْلِ والعادَةِ، بَلْ بِسَبَبِ المُشارَكَةِ في الِاسْتِدْلالِ والتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ، والوِلايَةُ ضِدُّ العَداوَةِ. ولَمّا وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ بَعْضِهِمْ أوْلِياءَ بَعْضٍ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَجْرِي كالتَّفْسِيرِ والشَّرْحِ لَهُ، وهي الخَمْسَةُ الَّتِي يُمَيَّزُ بِها المُؤْمِنُ عَلى المُنافِقِ: فالمُنافِقُ يَأْمُرُ بِالمُنْكِرِ، ويَنْهى عَنِ المَعْرُوفِ، ولا يَقُومُ إلى الصَّلاةِ إلّا وهو كَسْلانُ، ويَبْخَلُ بِالزَّكاةِ، ويَتَخَلَّفُ بِنَفْسِهِ عَنِ الجِهادِ، وإذا أمَرَهُ اللَّهُ تَثَبَّطَ وثَبَّطَ غَيْرَهُ. والمُؤْمِنُ بِضِدِّ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والجِهادِ. وهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: كُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ فَهو دُعاءٌ مِنَ الشِّرْكِ إلى الإسْلامِ، وما ذُكِرَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو النَّهْيُ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ والشَّياطِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبِحَسَبِ هَذا تَكُونُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، والمَدْحُ عِنْدِي بِالنَّوافِلِ أبْلَغُ، إذْ مَن يُقِيمُ النَّوافِلَ أجْدى بِإقامَةِ الفُرُوضِ، ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ جامِعٌ لِلْمَندُوباتِ. انْتَهى.

﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: السِّينُ مُدْخِلَةٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً، لِتَكُونَ النُّفُوسُ تَتَنَعَّمُ بِرَجائِهِ وفَضْلِهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السِّينُ مُفِيدَةٌ وُجُوبَ الرَّحْمَةِ لا مَحالَةَ، فَهي تُؤَكِّدُ الوَعْدَ كَما تُؤَكِّدُ الوَعِيدَ في قَوْلِكَ: سَأنْتَقِمُ مِنكَ يَوْمًا، يَعْنِي: أنَّكَ لا تَفُوتُنِي وإنْ تَبَطَّأ ذَلِكَ. ونَحْوُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٥] ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] . انْتَهى. وفِيهِ دَفِينَةٌ خَفِيَّةٌ مِنَ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: السِّينُ مُفِيدَةٌ وُجُوبَ الرَّحْمَةِ لا مَحالَةَ، يُشِيرُ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى إثابَةُ الطّائِعِ، كَما تَجِبُ عُقُوبَةُ العاصِي. ولَيْسَ مَدْلُولُ السِّينِ تَوْكِيدُ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، إنَّما تَدُلُّ عَلى تَخْلِيصِ المُضارِعِ لِلِاسْتِقْبالِ فَقَطْ. ولَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ هُنا عِبارَةً عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ …

73

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾: لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ وكانَتِ السُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بَدَأ بِهِمْ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨] ولَمّا ذُكِرَ أمْرُ الجِهادِ، وكانَ الكُفّارُ غَيْرُ المُنافِقِينَ أشَدَّ شَكِيمَةً وأقْوى أسْبابًا في القِتالِ وإنْكاءً بِتَصَدِّيهِمْ لِلْقِتالِ، قالَ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ فَبَدَأ بِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: جاهِدِ الكُفّارَ بِالسَّيْفِ، والمُنافِقِينَ بِاللِّسانِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: والمُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ إذا تَعاطَوْا أسْبابَها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جاهِدْهم بِاليَدِ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِاللِّسانِ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِالقَلْبِ، والِاكْفِرارِ في وُجُوهِهِمْ، وأغْلِظْ عَلَيْهِمْ في الجِهادَيْنِ. والغِلَظُ ضِدُّ الرِّقَّةِ، والمُرادُ خُشُونَةُ الكَلامِ وتَعْجِيلُ الِانْتِقامِ عَلى خِلافِ ما أمَرَ بِهِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، وكُلُّ مَن وقَفَ مِنهُ عَلى فَسادٍ في العَقائِدِ فَهَذا حُكْمُهُ يُجاهَدُ بِالحُجَّةِ، ويُسْتَعْمَلُ مَعَهُ الغِلَظُ ما أمْكَنَ.

74

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟ ۚ وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ ۚ فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ

They swear by Allah that they did not say [anything against the Prophet] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islam and planned that which they were not to attain. And they were not resentful except [for the fact] that Allah and His Messenger had enriched them of His bounty. So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allah will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ. فَقِيلَ: هو حَلِفُ الجُلاسِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ مَعَ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ، وقِيلَ: حَلِفُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أنَّهُ ما قالَ ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] الآيَةَ. وقالَ الضَّحّاكُ: حَلِفُهم حِينَ نَقَلَ حُذَيْفَةُ إلى الرَّسُولِ ﷺ سَبَّهم أصْحابَهُ وإيّاهُ في خَلْوَتِهِمْ، وأمّا ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ فَنَزَلَتْ، قِيلَ: في ابْنِ أُبَيٍّ في قَوْلِهِ: (لَيُخْرِجَنَّ)، قالَهُ قَتادَةُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: بِقَتْلِ الرَّسُولِ، والَّذِي هَمَّ بِهِ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ الأسْوَدُ مِن قُرَيْشٍ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في خَمْسَةَ عَشَرَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ وتَوافَقُوا عَلى أنْ يَدْفَعُوهُ عَنْ راحِلَتِهِ إلى الوادِي إذا تَسَنَّمَ العَقَبَةَ، فَأخَذَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ بِخِطامِ راحِلَتَهُ يَقُودُها، وحُذَيْفَةُ خَلْفَها يَسُوقُها، فَبَيْنَما هُما كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ حُذَيْفَةُ بِوَقْعِ أخْفافِ الإبِلِ وقَعْقَعَةِ السِّلاحِ، فالتَفَتَ فَإذا قَوْمٌ مُتَلَثِّمُونَ، فَقالَ: إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ، فَهَرَبُوا، وكانَ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وطُعَيْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، والجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ، وأبُو عامِرِ بْنُ نُعْمانَ، وأبُو الأحْوَصِ. وقِيلَ: هَمُّهم بِما لَمْ يَنالُوا هو أنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ إذا رَجَعُوا مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ يُباهُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ، فَلَمْ يَنالُوا ما هَمُّوا بِهِ، فَنَزَلَتْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ الرَّسُولُ ﷺ جالِسًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَقالَ: إنَّهُ سَيَأْتِيكم إنْسانٌ فَيَنْظُرُ إلَيْكم شَيْطانٌ، فَإذا جاءَ فَلا تُكَلِّمُوهُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ طَلَعَ رَجُلٌ أزْرَقُ فَدَعاهُ، فَقالَ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ ؟ فانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَجاءَ بِأصْحابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما قالُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

وكَلِمَةُ الكُفْرِ: قَوْلُ ابْنِ أُبَيٍّ لَمّا شاوَرَ الجَهْجاهَ الغِفارِيَّ وسِنانَ بْنَ وبَرَةَ الجُهَنِيَّ، وقَدْ كَسَعَ أحَدُهُما رِجْلَ الآخَرِ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ، فَصاحَ الجَهْجاهُ: يا لَلْأنْصارِ، وصاحَ سِنانٌ: يا لَلْمُهاجِرِينَ، فَثارَ النّاسُ، وهَدَّأهُمُ الرَّسُولُ، فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: ما أرى هَؤُلاءِ إلّا قَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا، ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ - أوِ الِاسْتِهْزاءُ، أوْ قَوْلُ الجُلاسِ المُتَقَدِّمُ، أوْ قَوْلُهم: نَعْقِدُ التّاجَ، أوْ قَوْلُهم: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، أوِ القَوْلُ: ”لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ“ أقْوالٌ. (وكَفَرُوا): أيْ أظْهَرُوا الكُفْرَ بَعْدَ إسْلامِهِمْ أيْ إظْهارِ إسْلامِهِمْ. ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: بَعْدَ إيمانِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَجاوَزْ ألْسِنَتَهم. والهَمُّ دُونَ العَزْمِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في الهامِّ والمَهْمُومِ بِهِ. وقِيلَ: هو هَمُّ المُنافِقِينَ أوِ الجُلاسِ بِقَتْلِ ناقِلِ حَدِيثِ الجُلاسِ إلى الرَّسُولِ، وفي تَعْيِينِ اسْمِ النّاقِلِ خِلافٌ، فَقِيلَ: عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ. وقِيلَ: حُذَيْفَةُ. وقِيلَ: ابْنُ امْرَأةِ الجُلاسِ …

75

۞ وَمِنْهُم مَّنْ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And among them are those who made a covenant with Allah, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾: قالَ الضَّحّاكُ: هم نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: في مُعَتِّبٍ وثَعْلَبَةَ، خَرَجا عَلى مَلَأٍ فَقالا ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ في رَجُلٍ مِن بَنِي عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ فَأبْطَأ عَنْهُ، فَجَهِدَ لِذَلِكَ جَهْدًا شَدِيدًا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾، أيْ: مِن ذَلِكَ المالِ، لَأصَّدَّقَنَّ مِنهُ ولَأصِلَنَّ، فَآتاهُ فَلَمْ يَفْعَلْ. والأكْثَرُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وذَكَرُوا لَهُ حَدِيثًا طَوِيلًا، وقَدْ لَخَّصْتُ مِنهُ: أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَهُ مالًا فَقِيلَ لَهُ: قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، فَألَحَّ عَلَيْهِ، فَدَعا اللَّهَ، فاتَّخَذَ غَنَمًا كَثُرَتْ حَتّى ضاقَتْ عَنْها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وما زالَتْ تَنْمُو، واشْتَغَلَ بِها حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ، وبَعَثَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ المُصَدِّقَ، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَأخْبَرَهُ قَرِيبٌ لَهُ بِها، فَجاءَ بِصَدَقَتِهِ إلى الرَّسُولِ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَلَمّا قُبِضَ الرَّسُولُ أتى أبا بَكْرٍ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُمَرَ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُثْمانَ فَلَمْ يَقْبَلْها، وهَلَكَ في أيّامِ عُثْمانَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَنَصَّدَّقَنْ ولَنَكُونَنْ“ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ فِيهِما، والظّاهِرُ والمُسْتَفِيضُ مِن أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهم نَطَقُوا بِذَلِكَ ولَفَظُوا بِهِ. وقالَ مَعْبَدُ بْنُ ثابِتٍ وفِرْقَةٌ: لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهِ، وإنَّما هو شَيْءٌ نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ مِنَ الصّالِحِينَ، أيْ مِن أهْلِ الصَّلاحِ في أمْوالِهِمْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ والإنْفاقِ في الخَيْرِ والحَجِّ وأعْمالِ البِرِّ. وقِيلَ: مِنَ المُؤْمِنِينَ في طَلَبِ الآخِرَةِ. (بَخِلُوا بِهِ)، أيْ: بِإخْراجِ حَقِّهِ مِنهُ، وكُلُّ بُخْلٍ أُعْقِبَ بِوَعِيدٍ فَهو عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الحَقِّ الواجِبِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَأعْقَبَهم) هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ، عاقَبَهم عَلى الذَّنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلَهم حِينَ نافَقُوا، وتَمَكَّنَ مِن قُلُوبِهِمْ نِفاقُهم فَلا يَنْفَكُّ عَنْها إلى أنْ يَمُوتُوا بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوا اللَّهَ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ وكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ، ومِنهُ: خُلْفُ المَوْعِدِ ثُلُثُ النِّفاقِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: ”خَذَلَهم“ هو لَفْظُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (فَأعْقَبَهم) لِلْبُخْلِ، أيْ: فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: (فَأعْقَبَهم) أيِ البُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ كُفْرٍ، ويَكُونَ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذا النَّصِّ والإبْقاءِ عَلَيْهِ لِمَكانِ إظْهارِهِ الإسْلامَ وتَعَلُّقِهِ بِما فِيهِ احْتِمالٌ. …

76

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

But when he gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾: قالَ الضَّحّاكُ: هم نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: في مُعَتِّبٍ وثَعْلَبَةَ، خَرَجا عَلى مَلَأٍ فَقالا ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ في رَجُلٍ مِن بَنِي عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ فَأبْطَأ عَنْهُ، فَجَهِدَ لِذَلِكَ جَهْدًا شَدِيدًا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾، أيْ: مِن ذَلِكَ المالِ، لَأصَّدَّقَنَّ مِنهُ ولَأصِلَنَّ، فَآتاهُ فَلَمْ يَفْعَلْ. والأكْثَرُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وذَكَرُوا لَهُ حَدِيثًا طَوِيلًا، وقَدْ لَخَّصْتُ مِنهُ: أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَهُ مالًا فَقِيلَ لَهُ: قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، فَألَحَّ عَلَيْهِ، فَدَعا اللَّهَ، فاتَّخَذَ غَنَمًا كَثُرَتْ حَتّى ضاقَتْ عَنْها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وما زالَتْ تَنْمُو، واشْتَغَلَ بِها حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ، وبَعَثَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ المُصَدِّقَ، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَأخْبَرَهُ قَرِيبٌ لَهُ بِها، فَجاءَ بِصَدَقَتِهِ إلى الرَّسُولِ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَلَمّا قُبِضَ الرَّسُولُ أتى أبا بَكْرٍ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُمَرَ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُثْمانَ فَلَمْ يَقْبَلْها، وهَلَكَ في أيّامِ عُثْمانَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَنَصَّدَّقَنْ ولَنَكُونَنْ“ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ فِيهِما، والظّاهِرُ والمُسْتَفِيضُ مِن أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهم نَطَقُوا بِذَلِكَ ولَفَظُوا بِهِ. وقالَ مَعْبَدُ بْنُ ثابِتٍ وفِرْقَةٌ: لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهِ، وإنَّما هو شَيْءٌ نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ مِنَ الصّالِحِينَ، أيْ مِن أهْلِ الصَّلاحِ في أمْوالِهِمْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ والإنْفاقِ في الخَيْرِ والحَجِّ وأعْمالِ البِرِّ. وقِيلَ: مِنَ المُؤْمِنِينَ في طَلَبِ الآخِرَةِ. (بَخِلُوا بِهِ)، أيْ: بِإخْراجِ حَقِّهِ مِنهُ، وكُلُّ بُخْلٍ أُعْقِبَ بِوَعِيدٍ فَهو عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الحَقِّ الواجِبِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَأعْقَبَهم) هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ، عاقَبَهم عَلى الذَّنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلَهم حِينَ نافَقُوا، وتَمَكَّنَ مِن قُلُوبِهِمْ نِفاقُهم فَلا يَنْفَكُّ عَنْها إلى أنْ يَمُوتُوا بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوا اللَّهَ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ وكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ، ومِنهُ: خُلْفُ المَوْعِدِ ثُلُثُ النِّفاقِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: ”خَذَلَهم“ هو لَفْظُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (فَأعْقَبَهم) لِلْبُخْلِ، أيْ: فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: (فَأعْقَبَهم) أيِ البُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ كُفْرٍ، ويَكُونَ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذا النَّصِّ والإبْقاءِ عَلَيْهِ لِمَكانِ إظْهارِهِ الإسْلامَ وتَعَلُّقِهِ بِما فِيهِ احْتِمالٌ. …

77

فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًۭا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allah in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾: قالَ الضَّحّاكُ: هم نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: في مُعَتِّبٍ وثَعْلَبَةَ، خَرَجا عَلى مَلَأٍ فَقالا ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ في رَجُلٍ مِن بَنِي عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ فَأبْطَأ عَنْهُ، فَجَهِدَ لِذَلِكَ جَهْدًا شَدِيدًا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾، أيْ: مِن ذَلِكَ المالِ، لَأصَّدَّقَنَّ مِنهُ ولَأصِلَنَّ، فَآتاهُ فَلَمْ يَفْعَلْ. والأكْثَرُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وذَكَرُوا لَهُ حَدِيثًا طَوِيلًا، وقَدْ لَخَّصْتُ مِنهُ: أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَهُ مالًا فَقِيلَ لَهُ: قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، فَألَحَّ عَلَيْهِ، فَدَعا اللَّهَ، فاتَّخَذَ غَنَمًا كَثُرَتْ حَتّى ضاقَتْ عَنْها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وما زالَتْ تَنْمُو، واشْتَغَلَ بِها حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ، وبَعَثَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ المُصَدِّقَ، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَأخْبَرَهُ قَرِيبٌ لَهُ بِها، فَجاءَ بِصَدَقَتِهِ إلى الرَّسُولِ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَلَمّا قُبِضَ الرَّسُولُ أتى أبا بَكْرٍ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُمَرَ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُثْمانَ فَلَمْ يَقْبَلْها، وهَلَكَ في أيّامِ عُثْمانَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَنَصَّدَّقَنْ ولَنَكُونَنْ“ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ فِيهِما، والظّاهِرُ والمُسْتَفِيضُ مِن أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهم نَطَقُوا بِذَلِكَ ولَفَظُوا بِهِ. وقالَ مَعْبَدُ بْنُ ثابِتٍ وفِرْقَةٌ: لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهِ، وإنَّما هو شَيْءٌ نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ مِنَ الصّالِحِينَ، أيْ مِن أهْلِ الصَّلاحِ في أمْوالِهِمْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ والإنْفاقِ في الخَيْرِ والحَجِّ وأعْمالِ البِرِّ. وقِيلَ: مِنَ المُؤْمِنِينَ في طَلَبِ الآخِرَةِ. (بَخِلُوا بِهِ)، أيْ: بِإخْراجِ حَقِّهِ مِنهُ، وكُلُّ بُخْلٍ أُعْقِبَ بِوَعِيدٍ فَهو عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الحَقِّ الواجِبِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَأعْقَبَهم) هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ، عاقَبَهم عَلى الذَّنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلَهم حِينَ نافَقُوا، وتَمَكَّنَ مِن قُلُوبِهِمْ نِفاقُهم فَلا يَنْفَكُّ عَنْها إلى أنْ يَمُوتُوا بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوا اللَّهَ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ وكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ، ومِنهُ: خُلْفُ المَوْعِدِ ثُلُثُ النِّفاقِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: ”خَذَلَهم“ هو لَفْظُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (فَأعْقَبَهم) لِلْبُخْلِ، أيْ: فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: (فَأعْقَبَهم) أيِ البُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ كُفْرٍ، ويَكُونَ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذا النَّصِّ والإبْقاءِ عَلَيْهِ لِمَكانِ إظْهارِهِ الإسْلامَ وتَعَلُّقِهِ بِما فِيهِ احْتِمالٌ. …

78

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

Did they not know that Allah knows their secrets and their private conversations and that Allah is the Knower of the unseen?

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾: قالَ الضَّحّاكُ: هم نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: في مُعَتِّبٍ وثَعْلَبَةَ، خَرَجا عَلى مَلَأٍ فَقالا ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ في رَجُلٍ مِن بَنِي عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ فَأبْطَأ عَنْهُ، فَجَهِدَ لِذَلِكَ جَهْدًا شَدِيدًا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾، أيْ: مِن ذَلِكَ المالِ، لَأصَّدَّقَنَّ مِنهُ ولَأصِلَنَّ، فَآتاهُ فَلَمْ يَفْعَلْ. والأكْثَرُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وذَكَرُوا لَهُ حَدِيثًا طَوِيلًا، وقَدْ لَخَّصْتُ مِنهُ: أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَهُ مالًا فَقِيلَ لَهُ: قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، فَألَحَّ عَلَيْهِ، فَدَعا اللَّهَ، فاتَّخَذَ غَنَمًا كَثُرَتْ حَتّى ضاقَتْ عَنْها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وما زالَتْ تَنْمُو، واشْتَغَلَ بِها حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ، وبَعَثَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ المُصَدِّقَ، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَأخْبَرَهُ قَرِيبٌ لَهُ بِها، فَجاءَ بِصَدَقَتِهِ إلى الرَّسُولِ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَلَمّا قُبِضَ الرَّسُولُ أتى أبا بَكْرٍ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُمَرَ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُثْمانَ فَلَمْ يَقْبَلْها، وهَلَكَ في أيّامِ عُثْمانَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَنَصَّدَّقَنْ ولَنَكُونَنْ“ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ فِيهِما، والظّاهِرُ والمُسْتَفِيضُ مِن أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهم نَطَقُوا بِذَلِكَ ولَفَظُوا بِهِ. وقالَ مَعْبَدُ بْنُ ثابِتٍ وفِرْقَةٌ: لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهِ، وإنَّما هو شَيْءٌ نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ مِنَ الصّالِحِينَ، أيْ مِن أهْلِ الصَّلاحِ في أمْوالِهِمْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ والإنْفاقِ في الخَيْرِ والحَجِّ وأعْمالِ البِرِّ. وقِيلَ: مِنَ المُؤْمِنِينَ في طَلَبِ الآخِرَةِ. (بَخِلُوا بِهِ)، أيْ: بِإخْراجِ حَقِّهِ مِنهُ، وكُلُّ بُخْلٍ أُعْقِبَ بِوَعِيدٍ فَهو عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الحَقِّ الواجِبِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَأعْقَبَهم) هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ، عاقَبَهم عَلى الذَّنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلَهم حِينَ نافَقُوا، وتَمَكَّنَ مِن قُلُوبِهِمْ نِفاقُهم فَلا يَنْفَكُّ عَنْها إلى أنْ يَمُوتُوا بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوا اللَّهَ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ وكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ، ومِنهُ: خُلْفُ المَوْعِدِ ثُلُثُ النِّفاقِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: ”خَذَلَهم“ هو لَفْظُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (فَأعْقَبَهم) لِلْبُخْلِ، أيْ: فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: (فَأعْقَبَهم) أيِ البُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ كُفْرٍ، ويَكُونَ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذا النَّصِّ والإبْقاءِ عَلَيْهِ لِمَكانِ إظْهارِهِ الإسْلامَ وتَعَلُّقِهِ بِما فِيهِ احْتِمالٌ. …

79

ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allah will ridicule them, and they will have a painful punishment.

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: نَزَلَتْ فِيمَن عابَ المُتَصَدِّقِينَ. «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَثَّ عَلى الصَّدَقَةِ، فَتَصَدَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافٍ وأمْسَكَ مِثْلَها، فَبارَكَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ فِيما أمْسَكَ وفِيما أعْطى. وتَصَدَّقَ عُمَرُ بِنِصْفِ مالِهِ، وعاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ بِمِائَةِ وسْقٍ، وعُثْمانُ بِصَدَقَةٍ عَظِيمَةٍ، وأبُو عَقِيلٍ الأرْلَشِيُّ بِصاعِ تَمْرٍ، وتَرَكَ لِعِيالِهِ صاعًا، وكانَ آجَرَ نَفْسَهُ لِسَقْيِ نَخِيلٍ بِهِما، ورَجُلٌ بِناقَةٍ عَظِيمَةٍ قالَ: هي وذُو بَطْنِها صَدَقَةٌ يا رَسُولَ اللَّهِ، وألْقى إلى الرَّسُولِ خِطامُها، فَقالَ المُنافِقُونَ: ما تَصَدَّقَ هَؤُلاءِ إلّا رِياءً وسُمْعَةً، وما تَصَدَّقَ أبُو عَقِيلٍ إلّا لِيُذْكَرَ مَعَ الأكابِرِ، أوْ لِيُذَكِّرَ بِنَفْسِهِ فَيُعْطى مِنَ الصَّدَقاتِ، واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ صاعِهِ. وقالَ بَعْضُهم: تَصَدَّقَ بِالنّاقَةِ وهي خَيْرٌ مِنهُ. وكانَ الرَّجُلُ أقْصَرَ النّاسِ قامَةً وأشَدَّهم سَوادًا، فَنَظَرَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وقالَ: قُلْ هو خَيْرٌ مِنكَ ومِنها، يَقُولُها ثَلاثًا» . وأصْلُ (المُطَّوِّعِينَ) المُتَطَوِّعِينَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، وهُمُ المُتَبَرِّكُونَ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرِهِ.

﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ هم مُنْدَرِجُونَ في المُطَّوِّعِينَ، ذُكِرُوا تَشْرِيفًا لَهم، حَيْثُ ما فاتَتْهُمُ الصَّدَقَةُ بَلْ تَصَدَّقُوا بِالشَّيْءِ، وإنْ كانُوا أشَدَّ النّاسِ حاجَةً إلَيْهِ، وأتْعَبَهم في تَحْصِيلِ ما تَصَدَّقُوا بِهِ كَأبِي عَقِيلٍ، وأبِي خَيْثَمَةَ، وكانَ قَدْ لُمِزَ في التَّصَدُّقِ بِالقَلِيلِ ونُظِرَ أيُّهُما. وكانَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ يَذْهَبُ إلى أنَّ المَعْطُوفَ في هَذا وشَبَهِهِ لَمْ يَنْدَرِجْ فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ، قالَ: لِأنَّهُ لا يَسُوغُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى مِثْلِهِ. وكَذَلِكَ كانَ يَقُولُ في: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإلى هَذا كانَ يَذْهَبُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ جِنِّيٍّ، وأكْثَرُ النّاسِ عَلى خِلافِهِما. وتَسْمِيَةُ بَعْضِهِمُ التَّجْرِيدَ، جُرِّدُوا بِالذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] . وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وجَماعَةٌ: (جَهْدَهم) بِالفَتْحِ. فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ القُتَبِيُّ: بِالضَّمِّ الطّاقَةُ، وبِالفَتْحِ المَشَقَّةُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: بِالضَّمِّ القُوتُ، وبِالفَتْحِ في العَمَلِ. وقِيلَ: بِالضَّمِّ شَيْءٌ قَلِيلٌ يُعاشُ بِهِ. والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ، و﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَلْمِزُونَ)، و﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ [التوبة: ٩١] مَعْطُوفٌ عَلى (المُطَّوِّعِينَ)، كَأنَّهُ قِيلَ: يَلْمِزُونَ الأغْنِياءَ وغَيْرَهم. و(فَيَسْخَرُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى (يَلْمِزُونَ)، و﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ عَنْ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ . وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾، وهَذا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى المُبْتَدَأِ مُشارِكٌ لَهُ في الخَبَرِ، ولا يُمْكِنُ مُشارَكَةُ ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ مَعَ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ إلّا إنْ كانُوا مِثْلَهم …

80

ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةًۭ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Ask forgiveness for them, [O Muhammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allah forgive them. That is because they disbelieved in Allah and His Messenger, and Allah does not guide the defiantly disobedient people.

﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾: «سَألَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وكانَ رَجُلًا صالِحًا، أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبِيهِ في مَرَضِهِ فَفَعَلَ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ: ”قَدْ رُخِّصَ لِي فَأزِيدُ عَلى السَّبْعِينَ“ فَنَزَلَتْ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]» . وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩]، سَألُوا الرَّسُولَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم فَنَزَلَتْ. وعَلى هَذا فالضَّمائِرُ عائِدَةٌ عَلى الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم، أوْ عَلى جَمِيعِ المُنافِقِينَ، قَوْلانِ. والخِطابُ بِالأمْرِ لِلرَّسُولِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهَذا الكَلامِ التَّخْيِيرُ، وهو الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ قالَ لَهُ عُمَرُ: كَيْفَ تَسْتَغْفِرُ لِعَدُوِّ اللَّهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهم ؟ فَقالَ ﷺ: ”ما نَهانِي ولَكِنَّهُ خَيَّرَنِي“ فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ شِئْتَ فاسْتَغْفِرْ، وإنْ شِئْتَ فَلا تَسْتَغْفِرْ، ثُمَّ أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهم وإنِ اسْتَغْفَرَ سَبْعِينَ مَرَّةً. وقِيلَ: لَفْظُهُ أمْرٌ ومَعْناهُ الشَّرْطُ، بِمَعْنى إنِ اسْتَغْفَرْتَ أوْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣] وبِمَنزِلَةِ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ

ومَرَّ الكَلامُ في هَذا في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ، وهو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا الأمْرَ في مَعْنى الخَبَرِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ اسْتَغْفَرْتَ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ، وأنَّ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، وذَكَرْنا النُّكْتَةَ في المَجِيءِ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ. انْتَهى. يَعْنِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (قُلْ أنْفِقُوا) وكانَ قالَ هُناكَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ أمَرَهم بِالإنْفاقِ ثُمَّ قالَ: (لَنْ يُتَقَبَّلَ) ؟ قُلْتُ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ومَعْناهُ: لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وقَوْلُهُ:

؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً

أيْ: لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرُ لَهم، ولا نَلُومُكَ أحْسَنْتِ إلَيْنا أوْ أسَأْتِ. فَإنْ قِيلَ: مَتى يَجُوزُ نَحْوُ هَذا ؟ قُلْتُ: إذا دَلَّ الكَلامُ عَلَيْهِ كَما كانَ في قَوْلِكَ: غَفَرَ اللَّهُ لِزَيْدٍ ورَحِمَهُ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: لِنُكْتَةٍ، وهي أنَّ كَثِيرًا كَأنَّهُ يَقُولُ لِعَزَّةَ: امْتَحِنِي لُطْفَ مَحَلِّكِ عِنْدِي، وقُوَّةَ مَحَبَّتِي لَكِ، وعامِلِينِي بِالإساءَةِ والإحْسانِ، وانْظُرِي هَلْ تَتَفاوَتُ حالِي مَعَكِ مُسِيئَةً كُنْتِ أوْ مُحْسِنَةً. وفي مَعْناهُ قَوْلُ القائِلِ:

؎أُحَوِّلُ الَّذِي إنْ قُمْتَ بِالسَّيْفِ عامِدًا ∗∗∗ لِتَضْرِبَهُ لَمْ يَسْتَغْشِكَ في الوُدِّ

وكَذَلِكَ المَعْنى: أنْفِقُوا وانْظُرُوا هَلْ يُتَقَبَّلُ مِنكم، واسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرُ لَهم، وانْظُرْ هَلْ تَرى …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.