Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 61–70 of 129

61

وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌۭ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍۢ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear." Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allah and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allah - for them is a painful punishment.

ولَمّا بَيَّنَ الصِّنْفَيْنِ السّالِفَيْنِ، وخَتَمَ أمْرَهُما بِصِفَتَيِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، أتْبَعَهُما بِصِنْفٍ آخَرَ يُؤْذِي بِما يَجْعَلُهُ نَقْصًا في صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ فَلْيَزَمُ الطَّعْنُ في عِلْمِ مُرْسِلِهِ وحِكْمَتِهِ فَقالَ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ أيِ: الَّذِي أعْلى اللَّهُ مِقْدارَهُ، فَهو يُنْبِئُهُ بِما يُرِيدُ سُبْحانَهُ مِن خَفايا الأسْرارِ؛ ولَمّا أخْبَرَ بِمُطْلَقِ الأذى الشّامِلِ لِلْقَوْلِ والفِعْلِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُونَ هُوَ﴾ أيْ: مِن فَرْطِ سَماعِهِ لِما يُقالُ لَهُ ﴿أُذُنٌ﴾ ومُرادُهم أنَّهُ يُصَدِّقُ كُلَّ ما يَسْمَعُ ويَقْبَلُ قَوْلَ كُلِّ أحَدٍ - كَما سُمِّيَ الجاسُوسُ عَيْنًا؛ قالَ أبُو حَيّانَ: كانَ خِذامُ بْنُ خالِدٍ وعُبَيْدُ بْنُ هِلالٍ والجُلّاسُ بْنُ سُوَيْدٍ في آخَرِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَفْعَلُوا؛ فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَهُ فَيُوقِعَ بِنا، فَقالَ الجُلّاسُ: بَلْ نَقُولُ ما شِئْنا؛ فَإنَّ مُحَمَّدًا أُذُنٌ سامِعَةٌ، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا، فَنَزَلَتْ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

رَجُلٌ أُذُنٌ: إذا كانَ يَسْمَعُ مَقالَ كُلِّ أحَدٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ. انْتَهى. ومُرادُهم أنَّهُ ﷺ لا يَعْرِفُ مَكْرَ مَن يَمْكُرُ بِهِ وخِداعَ مَن يُخادِعُهُ وكَذَبُوا، هو أعْرَفُ النّاسِ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُعْرِضُ عِنْدَ المَصالِحِ، لا يَلِيقُ بِمَحاسِنِ الدِّينِ غَيْرُها، بَيَّنَها تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ نَفْعَ ذَلِكَ عائِدٌ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ﴾ أيْ: يُوقِعُ الإيمانَ لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَهُ عَنِ اللَّهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِأنْ يُصَدِّقَهم مُعْتَرِفًا ﴿بِاللَّهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما يُخْبِرُونَهُ عَنْهُ بِهِ حَقَّ الإيمانِ لِما لَهُ مِن كَمالِ العِلْمِ بِما لَهُ سُبْحانَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ؛ وحاصِلُهُ أنَّ فِعْلَ الإيمانِ ضِمْنَ فِعْلِ التَّصْدِيقِ ثُمَّ حُذِفَ وانْتُزِعَتْ مِنهُ حالٌ أُقِيمَتْ مَقامَهُ ثُمَّ حُذِفَتْ وأُتِيَ بِصِلَةٍ تَدُلُّ عَلَيْها كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] أنَّ التَّقْدِيرَ: حامِدِينَ عَلى ما هَداكُمْ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: يُؤْمِنُ مُصَدِّقًا بِاللَّهِ، فَهَذا حَقِيقَتُهُ وهو يُثْمِرُ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ ووِلايَتَهُمْ، ولِذا أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ، يُوقِعُ الإيمانَ لَهم مِنَ التَّكْذِيبِ بِأنْ يُصَدِّقَهم في كُلِّ ما يُخْبِرُونَهُ بِهِ مِمّا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ، وذَلِكَ لِأجْلِ مَصالِحِهِمْ والتَّأْلِيفِ بَيْنَهم مَعَ ما ثَبَتَ مِن صِدْقِهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ حَمَلَهم عَلى عَقْلِهِ ومَبْلَغِ عِلْمِهِ يُحِبُّهُ الكاذِبُ وعاقَبَ الخائِنَ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ وتَفَرُّسِهِ، لَقَصُرَتْ عَنْ ذَلِكَ غالِبُ الأفْهامِ وتاهَتْ بِسَبَبِهِ أكْثَرُ الأوْهامِ، فَنَفَرَتِ القُلُوبُ ووَقَعَ مِنَ الأغْلَبِ الِاتِّهامُ. ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِ الإلَهِ عَلى ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ المُقْتَضِي لِلْأمْرِ والنَّهْيِ عُدِّيَ بِالباءِ، وهُنا كانَ التَّصْدِيقُ إنَّما هو لِلْإخْبارِ بِأيِّ شَيْءٍ كانَ عُدِّيَ بِاللّامِ وأُشِيرَ - بِقَصْرِ الفِعْلِ وهو مُتَعَدٍّ - إلى مُبالَغَةٍ في التَّصْدِيقِ بِحَيْثُ كَأنَّهُ لا تَصْدِيقَ غَيْرُهُ. ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ تَصْدِيقَهُ ظاهِرًا وباطِنًا إنَّما هو لِلرّاسِخِينَ في الإيمانِ، بَيَّنَ أنَّ تَصْدِيقَهُ لِغَيْرِهِمْ إنَّما هو الظّاهِرُ فَقالَ: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ …

62

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ

They swear by Allah to you [Muslims] to satisfy you. But Allah and His Messenger are more worthy for them to satisfy, if they should be believers.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِاسْتِهانَتِهِمْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وأخْبَرَ أنَّهم يَخْشَوْنَ عَلى دِمائِهِمْ فَيُصْلِحُونَ ظَواهِرَهم حِفْظًا لَها بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ تَمامُ العَظَمَةِ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: أنَّهم ما آذَوُا النَّبِيَّ ﷺ خُصُوصًا ولا أوْلادَكم بِالمُخالَفَةِ عُمُومًا؛ وبَيَّنَ غايَةَ مُرادِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾

ولَمّا كانَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِأُذُنٍ بِالمَعْنى الَّذِي أرادُوهُ، بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ راضِيًا بِإيمانِهِمْ لِعَدَمِ وُقُوعِ صِدْقِهِمْ في قَلْبِهِ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ تَصْدِيقَهم لِما تَقَدَّمَ مِنَ الإصْلاحِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿ورَسُولُهُ﴾ أيِ: الَّذِي هو أعْلى خَلْقِهِ، وبَلَغَ النِّهايَةَ في تَعْظِيمِهِ بِتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى وحْدَةِ الرّاضِي لِأنَّ كُلَّ ما يُرْضِي أحَدَهُما يُرْضِي الآخَرَ فَقالَ: ﴿أحَقُّ أنْ﴾ أيْ: بِأنْ ﴿يُرْضُوهُ﴾ ولَمّا كانَ مُناطُ الإرْضاءِ الطّاعَةَ ومُدارُ الطّاعَةِ الإيمانَ، قالَ مُعَبِّرًا بِالوَصْفِ لِأنَّهُ مُجْزَأهُ: ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: فَهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ أحَقُّ بِالإرْضاءِ فَيَجْتَهِدُونَ فِيهِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم إنْ جَدَّدُوا إرْضاءَهُ كُلَّ وقْتٍ كانَ دَلِيلًا عَلى إيمانِهِمْ، وإنْ خالَفُوهُ كانَ قاطِعًا عَلى كُفْرانِهِمْ.

63

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدًۭا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ

Do they not know that whoever opposes Allah and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ حِلْفَهم هَذا إنَّما هو لِكَراهَةِ الخِزْيِ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ وبَيَّنَ مَن هو الأحَقُّ بِأنْ يُرْضُوهُ، أقامَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ في اسْتِفْهامِ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ مُبَيِّنًا أنَّهم فَرُّوا مِن خِزْيٍ مُنْقَضٍ فَسَقَطُوا في خِزْيٍ دائِمٍ، والخِزْيُ: اسْتِحْياءٌ في هَوانٍ، فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ: لِدَلالَتِهِمْ عَلى الأحَقِّ بِالإرْضاءِ. ولَمّا كانَ ذِكْرُ الشَّيْءِ مُبْهَمًا ثُمَّ مُفَسَّرًا أضْخَمَ، أُضْمِرَ لِلشَّأْنِ فَقالَ: ﴿أنَّهُ﴾ أيِ: الشَّأْنَ العَظِيمَ ﴿مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ وهو المَلِكُ الأعْظَمُ، ويُظْهِرُ المُحادَدَةَ - بِما أشارَ إلَيْهِ الفَكُّ ﴿ورَسُولَهُ﴾ أيِ: الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ، بِأنْ يَفْعَلَ مَعَهُما فِعْلَ مَن يُخاصِمُ في حَدِّ أرْضٍ فَيُرِيدُ أنْ يَغْلِبَ عَلى حَدِّ خَصْمِهِ، ويُلْزِمُهُ أنْ يَكُونَ في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّهِ ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: فَكَوْنُها لَهُ جَزاءً لَهُ عَلى ذَلِكَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ ﴿خالِدًا فِيها﴾ أيْ: دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِضاءٍ كَما كانَتْ نِيَّتُهُ المُحادَّةَ أبَدًا؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى عَظَمَةِ هَذا الجَزاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ البَعِيدُ الوَصْفِ العَظِيمُ الشَّأْنِ ﴿الخِزْيُ العَظِيمُ﴾

64

يَحْذَرُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌۭ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌۭ مَّا تَحْذَرُونَ

They hypocrites are apprehensive lest a surah be revealed about them, informing them of what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allah will expose that which you fear."

ولَمّا عَلَّلَ فِعْلَ المُسْتَهِينِينَ، أتْبَعَهُ تَعْلِيلَ أمْرِ صِنْفٍ آخَرَ أخَفَّ مِنهم نِفاقًا بِما عِنْدَهم مِمّا يُقارِبُ التَّصْدِيقَ فَقالَ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ وعَبَّرَ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى الرُّسُوخِ تَحْذِيرًا لَهم مِن أدْنى النِّفاقِ فَإنَّهُ يَجُرُّ إلى أعْلاهُ ﴿أنْ تُنَـزَّلَ﴾ ولَمّا كانَتِ السُّورَةُ الفاضِحَةُ لَهم داهِيَةً ونائِبَةً مِن نَوائِبِ الدَّهْرِ وشَدائِدِهِ، عَدّى الفِعْلَ بِعَلى فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ أيْ: قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآنِ شَدِيدَةُ الِانْتِظامِ ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ أيْ: تُخْبِرُهم إخْبارًا عَظِيمًا مُسْتَقْصًى ﴿بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ لَمْ يُظْهِرُوا عَلَيْهِ أحَدًا مِن غَيْرِهِمُ أوْ أحَدًا مُطْلَقًا، لَعَلَّ هَذا الصِّنْفَ كانُوا يُسْلِفُونَ الأيْمانَ لَعَلَّها تُشَكِّكُ بَعْضَ النّاسِ أوْ تُخَفِّفُ عَنْهم إذا نَزَلَ ما يَهْتِكُهُمْ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ما يُؤَدِّي ويَدُلُّ عَلى النِّفاقِ ويَقُولُونَ: عَسى اللَّهُ أنْ لا يُفْشِيَ عَلَيْنا سِرَّنا، وقالَ بَعْضُهم بَعْدَ كَلامٍ قالُوهُ: واللَّهِ إنِّي لَأرانا شَرَّ خَلْقِ اللَّهِ ولَوَدِدْتُ أنِّي قُدِّمْتُ فَجُلِدْتُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وأنَّهُ لا يَنْزِلُ فِينا شَيْءٌ يَفْضَحُنا.

ولَمّا كانَ حَذَرُهم مَعَ العَمَلِ يُنافِيهِ مِن كَلامِ النِّفاقِ فِعْلَ المُسْتَهْزِئِ، قالَ مُهَدِّدًا: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ أيِ: افْعَلُوا فِعْلَ المُسْتَهْزِئِ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِكَمالِ العِلْمِ وتَمامِ القُدْرَةِ ﴿مُخْرِجٌ﴾ أيْ: كانَتْ لَهُ وصْفُ إخْراجِهِ ﴿ما تَحْذَرُونَ﴾ أيْ: إخْراجَهُ مِن قَبائِحِكُمْ؛ وعَنِ الحَسَنِ: كانَ المُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ هَذِهِ السُّورَةَ الحَفّارَةَ، حَفَرَتْ ما في قُلُوبِ المُنافِقِينَ وأظْهَرَتْهُ.

65

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ

And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allah and His verses and His Messenger that you were mocking?"

ولَمّا وصَفَهم بِالنِّفاقِ، حَقَّقَهُ بِعَدَمِ مُبادَرَتِهِمْ إلى التَّوْبَةِ الَّتِي هي فِعْلُ المُؤْمِنِينَ، وبِاجْتِرائِهِمْ عَلى الإنْكارِ مَعَ كَوْنِ السّائِلِ لَهم مَن بَلَغَ الغايَةَ في الجَلالِ والوَقارِ والكَمالِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: وأنْتَ مَن يَجِبُ أنْ يُصَدِّقَهُ مَسُؤُولُهُ عَمّا أخْرَجَتِ السُّورَةُ مِمّا أظْهَرُوا بَيْنَهم مِنَ الكُفْرِ، وذَلِكَ حِينَ قالَ بَعْضُهُمُ: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّجُلِ يَظُنُّ أنَّهُ يَفْتَحُ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَها! هَيْهاتَ هَيْهاتَ! فَأعْلَمَهُ اللَّهُ فَقالَ: احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ؛ فَسَألَهم ﴿لَيَقُولُنَّ إنَّما﴾ أيْ: ما قُلْنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، إنَّما ﴿كُنّا نَخُوضُ﴾ أيْ: نَتَحَدَّثُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ ﴿ونَلْعَبُ﴾ أيْ: بِما لا حَرَجَ عَلَيْنا فِيهِ ويَحْمِلُ عَنّا ثِقَلَ الطَّرِيقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ لَهم إذا حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ عَلى العادَةِ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لَهم تَقْرِيرًا عَلى اسْتِهْزائِهِمْ مُتَوَعِّدًا لَهم مُعْرِضًا عَمّا اعْتَذَرُوا إعْلامًا بِأنَّهُ غَيْرُ أهْلٍ لِأنْ يُسْمَعَ جاعِلًا لَهم كَأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِالِاسْتِهْزاءِ حَيْثُ جَعَلَ المُسْتَهْزَأ بِهِ يَلِي حَرْفَ التَّقْرِيرِ، وذَلِكَ إنَّما يَسْتَقِيمُ بَعْدَ وُقُوعِ الِاسْتِهْزاءِ وثُبُوتِهِ تَكْذِيبًا لَهم فِي قَوْلِهِمْ: إنَّكَ أُذُنٌ، بِالمَعْنى الَّذِي أرادُوهُ، وبَيانًا لِما في إظْهارِكَ لِتَصْدِيقِهِمْ مِنَ الرِّفْقِ بِهِمْ ﴿أبِاللَّهِ﴾ أيْ: هو المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿وآياتِهِ﴾ أيِ: الَّتِي لا يُمْكِنُ تَبْدِيلُها ولا تَخْفى عَلى ذِي بَصَرٍ ولا بَصِيرَةٍ ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ وهو مُجْتَهِدٌ في إصْلاحِكم وتَشْرِيفِكم وإعْلائِكم ﴿كُنْتُمْ﴾ أيْ: دائِمًا ﴿تَسْتَهْزِئُونَ﴾

66

لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍۢ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ

Make no excuse; you have disbelieved after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.

ولَمّا حَقَّقَ اسْتِهْزاءَهُمْ، أنْتَجَ قَوْلَهُ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ: لا تُبالِغُوا في إثْباتِ العُذْرِ، وهو ما يَنْفِي المَلامَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُغْنِيكم وإنِ اجْتَهَدْتُمْ لِأنَّ القَطْعَ حاصِلٌ بِأنَّكم ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: بِقَوْلِكم هَذا، ودَلَّ - عَلى أنَّ كُفْرَهم أحْبَطَ ما كانَ لَهم مِن عَمَلٍ - بِنَزْعِ الخافِضِ تَشْدِيدًا عَلى مَن نَكَثَ مِنهم تَخْوِيفًا لَهُ وتَحْقِيقًا بِحالِ مَن أصَرَّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيِ: الَّذِي ادَّعَيْتُمُوهُ بِألْسِنَتِكم صِدْقًا مِن بَعْضِكم ونِفاقًا مِن غَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِبَيانِ ما صارُوا إلَيْهِ بَعْدَ إكْفارِهِمْ مِن تَوْبَتِهِمْ أوْ إصْرارِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهم قِسْمانِ: أحَدُهُما مَطْبُوعٌ عَلى قَلْبِهِ ومَقْضِيٌّ تَوْبَتُهُ وحُبُّهُ، وهَذا الأشْرَفُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: بانِيًا لِلْمَفْعُولِ إعْلامًا بِأنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ هو الفِعْلُ، لا بِالنَّظَرِ إلى فاعِلٍ مُعَيَّنٍ: ﴿إنْ نَعْفُ﴾ لِأنَّ كَلامَ المَلِكِ وإنْ جَرى في مِضْمارِ الشَّرْطِ فَهو مُرْشِدٌ إلى تَحَقُّقِهِ لِيَحْصُلَ الفَرْقُ بَيْنَ كَلامِ الأعْلى والأدْنى ﴿عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ أيْ: لِصَلاحِيَتِها لِلتَّوْبَةِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ أيْ: قَوْمٌ ذَوُو عَدَدٍ فِيهِمْ أهْلِيَّةُ الِاسْتِدارَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِبِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْفاعِلِ عَلى العَظَمَةِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: كَسْبُهم لِلذُّنُوبِ القاطِعَةِ عَنِ الخَيْرِ صِفَةً لَهم ثابِتَةً لا تَنْفَكُّ، فَهم غَيْرُ مُتَأهِّلِينَ لِلْعَفْوِ، وشَرْحُ هَذِهِ القِصَّةَ أنَّهُ كانَ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِنَ المُنافِقِينَ: اثْنانِ يَسْتَهْزِئانِ بِالقُرْآنِ والرَّسُولِ، والآخَرُ يَضْحَكُ، قِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّهُ يَغْلِبُ الرُّومَ ويَفْتَحُ مَدائِنَهُمْ، ما أبْعَدَهُ مِن ذَلِكَ! وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّهُ نَزَلَ في أصْحابِنا المُقِيمِينَ في المَدِينَةِ قُرْآنٌ، وإنَّما هو قَوْلُهُ وكَلامُهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: احْبِسُوا الرَّكْبَ عَلَيَّ، فَدَعاهم وقالَ لَهُمْ: قُلْتُمْ كَذا وكَذا؟ فَقالُوا: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] أيْ: كُنّا نَتَحَدَّثُ ونَخُوضُ في الكَلامِ كَما يَفْعَلُ الرَّكْبُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ بِالحَدِيثِ واللَّعِبِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: والَّذِي عُفِيَ عَنْهُ رَجُلٌ واحِدٌ وهو مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ الأشْجَعِيُّ، يُقالُ: هو الَّذِي كانَ يَضْحَكُ، ولا يَخُوضُ وكانَ يَمْشِي مُجانِبًا لَهم ويُنْكِرُ بَعْضَ ما يَسْمَعُ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تابَ.

قالَ: اللَّهُمَّ! لا أزالُ أسْمَعُ آيَةً تُقْرَأُ، تَقْشَعِرُّ مِنها الجُلُودُ، وتَجِبُ مِنها القُلُوبُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ وفاتِي قَتْلًا في سَبِيلِكَ! لا يَقُولُ أحَدٌ: أنا غَسَّلْتُ أنا كَفَّنْتُ أنا دَفَنْتُ، فَأُصِيبَ يَوْمَ اليَمامَةِ، فَما أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلّا عَرَفَ مَصْرَعَهُ غَيْرَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ولَعَلَّ إطْلاقَ الطّائِفَةِ عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ وسَتْرًا عَلَيْهِ وتَبْشِيرًا بِتَوْبَةِ غَيْرِهِ، ولَعَلَّ مَخْشِيًّا كانَ مُؤْمِنًا ولَكِنْ كانَ إيمانُهُ مُزَلْزَلًا فَلِذا عَبَّرَ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ أشْنَعُ في الذَّمِّ ولا سِيَّما عِنْدَ العَرَبِ لِأنَّهم يَتَمادَحُونَ بِالثَّباتِ عَلى أيِّ أمْرٍ اخْتارُوهُ ويَتَذامُّونَ بِالطَّيْشِ، ولَعَلَّ الجُلّاسَ المَعْنِيُّ بِالقِصَّةِ …

67

ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands. They have forgotten Allah, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أفْعالًا وأقْوالًا لِطَوائِفَ مِنَ المُنافِقِينَ - مِنهم مَن كانَ مَعَهُ ﷺ في العَسْكَرِ - هي في غايَةِ الفَسادِ، كانَ ذَلِكَ رُبَّما اقْتَضى أنْ يَسْألَ عَنِ المُتَخَلِّفِينَ لَوْ خَرَجُوا ما كانَ يَكُونُ حالُهُمْ؟ فَقالَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ واسْتِدْلالًا عَلى أنَّ إجْرامَ الَّذِينَ لَمْ يَعْفُ عَنْهم مِنهم خُلُقٌ لازِمٌ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ أيِ: الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ وأبْطَنُوا الكُفْرانَ ﴿بَعْضُهُمْ﴾ ولَمّا كانَ مَرْجِعُهُمُ الجُمُودَ عَلى الهَوى والطَّبْعِ والعادَةِ والتَّقْلِيدِ مِنَ التّابِعِ مِنهم لِلْمَتْبُوعِ، قالَ: ﴿مِن بَعْضٍ﴾ أيْ: في صِفَةِ النِّفاقِ هم فِيها كالجَسَدِ الواحِدِ، أُمُورُهم مُتَشابِهَةٌ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وجَمِيعِ أحْوالِهِمْ، والقَصْدُ أنَّ حالَهم يُضادُّ حالَ أهْلِ الإيمانِ ولِذَلِكَ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ أيْ: مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الخَبالِ والإيضاعِ في الخِلالِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيِّءِ الخِصالِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ أيْ: مِن كُلِّ ما يَكُونُ فِيهِ تَعْظِيمُ الإسْلامِ وأهْلِهِ، يَبْغُونَ بِذَلِكَ الفِتْنَةَ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ: يَشُحُّونَ فَلا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ.

ولَمّا كانَ كَأنْ قِيلَ: أما خافُوا بِذَلِكَ مِن مُعاجَلَةِ العِقابِ؟ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ؛ ولِما أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أيْ: فَعَلَ بِهِمْ فِعْلَ النّاسِي لِما اسْتَهانَ بِهِ بِأنْ تَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ، فَكانَ ذَلِكَ التَّرْكُ سَبَبًا لِحُلُولِ نِقْمَتِهِ؛ ولِما تَطَبَّعُوا بِهَذِهِ النَّقائِصِ كُلِّها، اخْتَصُّوا بِكَمالِ الفِسْقِ فَشَرَحَ ذَلِكَ في أُسْلُوبِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ فَقالَ مُظْهِرًا مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الفاسِقُونَ﴾ أيِ: الخارِجُونَ عَنْ دائِرَةِ ما يَنْفَعُهم مِنَ الطّاعَةِ الرّاسِخُونَ في ذَلِكَ، فَقَدْ عَلِمَ أنَّهم لَوْ غَزَوْا فَعَلُوا فِعْلَ هَؤُلاءِ سَواءٌ لَأنَّ الكُلَّ مِن طِينَةٍ واحِدَةٍ.

68

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ هِىَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ

Allah has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allah has cursed them, and for them is an enduring punishment.

ولَمّا بَيَّنَ كَثِيرًا مِن أحْوالِهِمْ فاشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى مَآلِهِمْ وكانَ مَقْصُودُها بِإظْهارِ الإيمانِ والِاعْتِذارِ عَنِ النَّقائِضِ بِتَأْكِيدِ الأيْمانِ إنَّما هو التَّقَرُّبُ إلى المُؤْمِنِينَ والتَّحَبُّبُ طَمَعًا في العَيْشِ في أكْنافِهِمْ وفَرَقًا مِنَ المُعاجَلَةِ بِما يَسْتَحِقُّونَ مِن إتْلافِهِمْ، بَيَّنَ أنَّ لَهم عَلى هَذا الخِداعِ العَذابَ الدّائِمَ والطَّرْدَ اللّازِمَ، وجَمَعَ مَعَهُمُ المُصارِحِينَ بِالكُفْرِ إعْلامًا بِأنَّهم إنْ لَمْ يَكُونُوا أعْظَمَ عِنادًا مِنهم فَهم سَواءٌ، فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ وساقَهَ بِصِيغَةِ البِشارَةِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وإبْلاغًا في مُساءَتِهِمْ ﴿المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ أيِ: المُساتِرِينَ بِاعْتِقادِهِمْ ﴿والكُفّارَ﴾ أيِ: المُجاهِرِينَ في عِنادِهِمْ.

ولَمّا كانُوا مَجْبُولِينَ عَلى تَجَهُّمِ المُؤْمِنِينَ والِانْقِباضِ عَنْهُمْ، وإنْ أظْهَرُوا خِلافَ ذَلِكَ فَهو تَصَنُّعٌ قالَ: ﴿نارَ جَهَنَّمَ﴾ أيِ: النّارَ الَّتِي مِن شَأْنِها تَجَهُّمُ أهْلِها ولِقاؤُهم بِالعُبُوسَةِ الزّائِدَةِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: لا بَراحَ لَهم عَنْها ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: كافِيَتُهم في العَذابِ، لَكِنْ لَمّا كانَ الخُلُودُ قَدْ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الزَّمَنِ الطَّوِيلِ فَيَكُونُ بَعْدَهُ فَرَجٌ قالَ: ﴿ولَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ وهو المَلِكُ العَلِيمُ الحَكِيمُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ فَأفْهَمَ أنَّهُ لا فَرَجَ لَهُمْ، ثُمَّ نَفى كُلَّ احْتِمالٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ: بِالأمْرَيْنِ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: لا وصْفَ لَهُ غَيْرُ الإقامَةِ في الدُّنْيا بِما هم مَقْهُورُونَ بِهِ مِن سَطْوَةِ الإسْلامِ وجُنُودِهِ الكِرامِ الأعْلامِ، وفي الآخِرَةِ بِما لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا اللَّهُ المَلِكُ العَلّامُ.

69

كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةًۭ وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلًۭا وَأَوْلَٰدًۭا فَٱسْتَمْتَعُوا۟ بِخَلَٰقِهِمْ فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَٰقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.

ولَمّا كانَ حالُهم في الإقْبالِ عَلى العاجِلَةِ لِكَوْنِها حاصِلَةً والإعْراضُ عَنِ العاقِبَةِ لِأنَّها غائِبَةٌ مُتَشابِهًا لِحالِ مَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ، بَيَّنَ لَهم ذَلِكَ وخَتَمَ بِبَيانِ سُوءِ أحْوالِهِمْ وقُبْحِ مَآلِهِمْ بِتَلاشِي أعْمالِهِمْ فَقالَ مُلْتَفِتًا إلى أُسْلُوبِ الخِطابِ لِأنَّهُ أوْقَعُ في بابِ العِتابِ وأقْعَدُ في اسْتِجْلابِ المَصالِحِ لِلْمَتابِ: ﴿كالَّذِينَ﴾ أيْ: حاصِلُ ما مَضى مِن أمْرِكم أيُّها المُنافِقُونَ أنَّكم مِثْلَ الَّذِينَ؛ ولَمّا كانَ فاعِلُ ما يُذْكَرُ إنَّما هو بَعْضُ مَن مَضى أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، ثُمَّ شَرَعَ في شَرْحِ حالِهِمْ وذِكْرِ وجْهِ الشَّبَهِ فَقالَ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ لِأنَّ الزَّمانَ كانَ إذْ ذاكَ أقْرَبَ إلى سِنِّ الشَّبابِ ﴿وأكْثَرَ أمْوالا وأوْلادًا﴾ وهَذا ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] ﴿فاسْتَمْتَعُوا﴾ أيْ: طَلَبُوا المَتاعَ والِانْتِفاعَ في الدُّنْيا بِغايَةِ الرَّغْبَةِ مُعْرِضِينَ عَنِ العُقْبى ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ أيْ: نَصِيبِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ وخَلَقَهُ لَهُمْ، وكانَ الألْيَقُ بِهِمْ أنْ يَتَبَلَّغُوا بِهِ في السَّفَرِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ إلى الآخِرَةِ ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ﴾ أيْ: كالمُقْتَفِينَ لِآثارِهِمْ والقاصِدِينَ لِنارِهِمْ ﴿كَما اسْتَمْتَعَ﴾ وفي الإتْيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانُوا لَمْ يَسْتَغْرِقُوا الزَّمَنَ الماضِيَ أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ ظاهِرًا غَيْرَ مُضْمَرٍ تَنْبِيهًا عَلى ذَمِّهِمْ بِقِلَّةِ النَّظَرِ لِنَفَسِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ حَيْثُ كانُوا دُونَهم في القُوَّةِ أبْدانًا وأمْوالًا وأوْلادًا لَمْ يَكُفُّوا عَنِ الِاسْتِمْتاعِ والخَوْضِ خَوْفًا مِمّا مَحَقَ أُولَئِكَ الأحْزابَ عَلى قُوَّتِهِمْ مِنَ العَذابِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْفَعَهم سَبَبٌ مِنَ الأسْبابِ ﴿وخُضْتُمْ﴾ أيْ: ذَهَبْتُمْ في أقْوالِكم وأفْعالِكم خَبْطًا عَلى غَيْرِ سَنَنٍ قَوِيمٍ ﴿كالَّذِي﴾ أيْ: كَخَوْضِهِمُ الَّذِي ﴿خاضُوا﴾ وهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِمْ ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الخَوْضِ في الماءِ ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الباطِلِ؛ لِأنَّ التَّصَرُّفَ في الحَقِّ إنَّما هو عَلى تَرْتِيبٍ ونِظامٍ، وأُمُورُ الباطِلِ إنَّما هي خَوْضٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﷺ: «رُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مالِ اللَّهِ لَهُ النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ”».

ولَمّا آذَنَ هَذا النَّظْمُ لَهم بِالخَسارَةِ، حَصَلَ التَّشَوُّفُ إلى عاقِبَةِ أمْرِهِمْ فَأخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ مِنَ الخَيْرِ، والظّاهِرُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ وصَفَهم بِالشِّدَّةِ وكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ ﴿حَبِطَتْ﴾ أيْ: فَسَدَتْ فَبَطَلَتْ ﴿أعْمالُهم في الدُّنْيا﴾ أيْ: بِزَوالِها عَنْهم ونِسْيانِ لَذّاتِها ﴿والآخِرَةِ﴾ أيْ: وفي الدّارِ الباقِيَةِ لِأنَّهم لَمْ يَسْعَوْا لَها سَعْيَها؛ وزادَ في التَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِهِمْ مِمّا قَصَدُوا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ النَّفْعِ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الخاسِرُونَ﴾ أيْ: لا خاسِرَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهم لِأنَّهم خَسِرُوا خَلاقَهم في الدّارَيْنِ فَخَسِرُوا أنْفُسَهم فَلا أخْسَرَ مِمَّنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ، ولَعَلَّ في الِالتِفاتِ إلى مَقامِ الخِطابِ أيْضًا إشارَةً إلى تَحْذِيرِ كُلِّ سامِعٍ مِن مِثْلِ هَذِهِ الحالِ لِصِحَّةِ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهَذا المَقالِ، فَإنَّ مِن أسْرارِ القُرْآنِ في إعْجازِهِ أنْ …

70

أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ وَأَصْحَٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَٰتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ ۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] 'Aad and Thamud and the people of Abraham and the companions of Madyan and the towns overturned? Their messengers came to them with clear proofs. And Allah would never have wronged them, but they were wronging themselves.

ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ تَشابُهَهم في التَّمَتُّعِ بِالعاجِلِ، وخَتَمَها بِهَذا الخِتامِ المُؤْذِنِ بِالِانْتِقامِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِتَخْوِيفِهِمْ مِن مُشابَهَتِهِمْ فِيما حَلَّ بِطَوائِفَ مِنهم مُلْتَفِتًا إلى مَقامِ الغَيْبَةِ لِأنَّهُ أوْقَعُ في الهَيْبَةِ، فَقالَ مُقَرِّرًا لِخَسارَتِهِمْ: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الأخابِثَ مِن أهْلِ النِّفاقِ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: خَبَرُهُمُ العَظِيمُ الَّذِي هو جَدِيرٌ بِالبَحْثِ عَنْهُ لِيُعْمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ حِينَ عَصَوْا رُسُلَنا؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أيْ: في طُولِ أعْمارِهِمْ وامْتِدادِ آثارِهِمْ وطِيبِ قَرارِهِمْ بِحُسْنِ التَّمَتُّعِ في أرْضِهِمْ ودِيارِهِمْ، أهْلَكَهم بِالطُّوفانِ، لَمْ يَبْقَ مِن عُصاتِهِمْ إنْسانٌ، وعَطَفَ عَلى قَوْمِ القَبِيلَةِ فَقالَ: ﴿وعادٍ﴾ أيْ: في قُوَّةِ أبْدانِهِمْ وعَظِيمِ شَأْنِهِمْ ومَصانِعِهِمْ وبُنْيانِهِمْ وتَجَبُّرِهم في عَظِيمِ سُلْطانِهِمْ، أهْلَكَهم بِالرِّيحِ الصَّرْصَرِ، لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ كَفَرَ مِنهم بَشَرٌ ﴿وثَمُودَ﴾ أيْ: في تَمَكُّنِهِمْ مِن بِلادِ الحَجَرِ عَرْضِها وطُولِها، جِبالِها وسُهُولِها، أُهْلِكُوا بِالرَّجْفَةِ لَمْ يَبْقَ مِنَ الكُفّارِ مِنهم دَيّارٌ ﴿وقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: في مُلْكِ جَمِيعِ الأرْضِ بِطُولِها والعَرْضِ، سَلَبَ اللَّهُ مِنهُمُ المُلْكَ بَعْدَ شَدِيدِ الهَلَكِ ﴿وأصْحابِ مَدْيَنَ﴾ أيْ: في جَمْعِ الأمْوالِ ومَدِّ الآمالِ إلى أخْذِها مِن حَرامٍ وحَلالٍ ونَقْصِ المِيزانِ والمِكْيالِ فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالنَّكالِ ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ أيْ: في إعْراضِهِمْ عَنْ صِيانَةِ أعْراضِهِمْ في اتِّباعِ لَذائِذِ أغْراضِهِمْ، فَأثْمَرَ لَهم فِعْلُهم بَعْدَ الخَسْفِ عُمُومَ انْقِراضِهِمْ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نَبَأُهُمْ؟ قالَ: ﴿أتَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ أيْ: أتى كُلَّ أمَةٍ مِنهم رَسُولُها ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ جِدًّا بِسَبَبِ أنَّهُمُ ارْتَكَبُوا مِنَ القَبائِحِ ما أوْجَبَ دَمارَهم ﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ ”ما“ ﴿كانَ اللَّهُ﴾ أيْ: مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ مُرِيدًا ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ: لِأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ في الإهْلاكِ قَبْلَ الإنْذارِ وإنارَةِ البَيِّناتِ فِعْلَ مَن تَعُدُّونَهُ فِيما بَيْنَكم ظالِمًا، ولَكِنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ فَكَذَّبُوا ما أتَوْهم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ، فَصارَ العالِمُ بِحالِهِمْ إذا سَمِعَ بِهَلاكِهِمْ وبِزَوالِهِمْ يَقُولُ: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾ أيْ: دائِمًا في طُولِ أعْمارِهِمْ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: غَيْرَها ﴿يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: بِفِعْلِ ما يُسَبِّبُ هَلاكَها، فَإنْ لَمْ تَرْجِعُوا أنْتُمْ فَنَحْنُ نُحَذِّرُكم مِثْلَ عَذابِهِمْ، ولَعَلَّهُ خَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الأُمَمِ لِما عِنْدَ العَرَبِ مِن أخْبارِهِمْ وقُرْبِ دِيارِهِمْ مِن دِيارِهِمْ مَعَ أنَّهم كانُوا أكْثَرَ الأُمَمِ عَدَدًا، وأنْبِياؤُهم أعْظَمَ الأنْبِياءِ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ. ولَعَلَّهُ قَدَّمَ أصْحابَ مَدْيَنَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ وهم بَعْدَهم في الزَّمانِ لِأنَّ هَذا في شَأْنِ مَن وُصِفُوا بِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا ما يَحْمِيهِمْ مِمّا هم فِيهِ مِنَ العَذابِ بِمُشاهَدَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَلْجَأٍ أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلً كَما أنَّ مِن قَبْلِ المُؤْتَفِكاتِ جَمَعَهم هَذا الوَصْفُ، فَقَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَمْنَعْهم لَمّا أتاهُمُ الماءُ مَعْقِلٌ مَنِيعٌ ولا جَبَلٌ رَفِيعٌ مَعَ أنَّهُ يُقالُ: إنَّهم هُمُ الَّذِينَ بَنَوُا الأهْراماتِ، مِنها ما هو …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.