Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 51–60 of 129

51

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

Say, "Never will we be struck except by what Allah has decreed for us; He is our protector." And upon Allah let the believers rely.

ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا مُتَضَمِّنًا لِتَوَهُّمِ القُدْرَةِ عَلى الِاحْتِراسِ مِنَ القَدَرِ، قالَ تَعالى مُعْلِمًا بِجَوابِهِمْ مُخاطِبًا لِلرَّأْسِ لِعُلُوِّ المَقامِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: إنّا نَحْنُ لا نَقُولُ مَقالَتَكم لِمَعْرِفَتِنا بِأنّا لا نَمْلِكُ ضُرًّا ولا نَفْعًا، بَلْ نَقُولُ: ﴿لَنْ يُصِيبَنا﴾ أيْ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿إلا ما كَتَبَ﴾ أيْ: قَدَّرَ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، ولَمّا كانَ قَضاءُ اللَّهِ كُلُّهُ خَيْرًا لِلْمُؤْمِنِ إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ، عَبَّرَ بِاللّامِ فَقالَ: ﴿لَنا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ عَنّا إلّا هو سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿مَوْلانا﴾ أيِ: القَرِيبُ مِنّا الَّذِي يَلِي جَمِيعَ أُمُورِنا، لا قَرِيبَ مِنّا سِواهُ، فَلَوْ أرادَ لَدَفَعَ عَنّا كُلَّ مُصِيبَةٍ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلَيْنا مِنها، لا تَصِلُ إلَيْنا بِدُونِ عِلْمِهِ وهو قادِرٌ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ لَهُ في ذَلِكَ لَطِيفُ سَرِيرَةٍ تَتَضاءَلُ دُونَها ثَواقِبُ الأفْكارِ وتَخْسَأُ عَنِ الإحاطَةِ بِتَحْقِيقِها نَوافِذُ الأبْصارِ فَنَحْنُ لا نَتَّهِمُهُ في قَضائِهِ لِأنّا قَدْ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ وفَوَّضْنا أُمُورَنا إلَيْهِ، والمُوَكِّلُ لا يَتَّهِمُ الوَكِيلَ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْلى لا غَيْرَهُ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كُلُّهم تَوَكُّلًا عَظِيمًا جازِمًا لا مَعْدِلَ عَنْهُ، فالفَيْصَلُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ هو إسْلامُ النَّفْسِ إلَيْهِ وحْدَهُ بِلا اعْتِراضٍ عَلَيْهِ يُقَلِّبُها كَيْفَ يَشاءُ ويَحْكُمُ فِيها بِما يُرِيدُ.

52

قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍۢ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ

Say, "Do you await for us except one of the two best things while we await for you that Allah will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."

ولَمّا تَضَمَّنَ ذَلِكَ أنَّ سَرّاءَهم وضَرّاءَهم لَهم خَيْرٌ مِن حَيْثُ إنَّ الرِّضى بِمُرِّ القَضاءِ مُوجِبٌ لِإقْبالِ القاضِي عَلى المَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ أيْ: تَنْتَظِرُونَ انْتِظارًا عَظِيمًا ﴿بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ أيْ: وهي أنْ نُصِيبَ أعْداءَنا فَنَظْفَرَ ونَغْنَمَ ونُؤْجَرَ أوْ يُصِيبُونا بِقَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ فَنُؤْجَرَ، وكِلا الأمْرَيْنِ حَسَنٌ: أمّا السَّرّاءُ الَّتِي تُوافِقُونَنا عَلى حُسْنِها فَأمْرُها واضِحٌ، وأمّا الضَّرّاءُ فَمُوجِبَةٌ لِرِضى اللَّهِ عَنّا ومَثُوبَتِهِ لَنا بِالصَّبْرِ عَلَيْها ورِضانا بِها إجْلالًا لَهُ وتَسْلِيمًا لِأمْرِهِ فَهي حُسْنى كَما نَعْلَمُ لا سُوأى كَما تَتَوَهَّمُونَ ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ أيْ: نَنْتَظِرُ إحْدى السَّوْأيَيْنِ وهي ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ القُدْرَةِ ونَحْنُ مِن حِزْبِهِ ﴿بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ: لا تَسَبُّبَ لَنا فِيهِ كَما أهْلَكَ القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ أيْ: بِسَبَبِنا مِن قَتْلٍ أوْ نَهْبٍ وأسْرٍ وضَرْبٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ حَذَرَكم لا يَمْنَعُكم مِنَ اللَّهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَكم.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا البَيانِ أنَّ السُّوءَ خاصَّةً بِحِزْبِ الشَّيْطانِ، حَسُنَ أنْ يُؤْمَرُوا تَهَكُّمًا بِهِمْ بِما أدّاهم إلى ذَلِكَ تَخْسِيسًا لِشَأْنِهِمْ فَقالَ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أيْ: أنْتُمْ ﴿إنّا﴾ أيْ: نَحْنُ ﴿مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ أيْ: بِكُمْ، نَفْعَلُ كَما تَفْعَلُونَ، والقَصْدُ مُخْتَلِفٌ، والآيَةٌ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ أوَّلًا الإصابَةَ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها بِما أثْبَتَ ثانِيًا، وثانِيًا إحْدى السَّوْأيَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها بِإثْباتِ الحُسْنَيَيْنِ أوَّلًا.

53

قُلْ أَنفِقُوا۟ طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًۭا فَٰسِقِينَ

Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."

ولَمّا كانَ جُمْلَةُ ما يُصِيبُهم مِنهم مِنَ العَذابِ الإنْفاقُ بِتَزْكِيَةِ ما طَهُرَ مِن أمْوالِهِمْ بِالإعانَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ خَوْفًا مِنَ اتِّهامِهِمْ بِالنِّفاقِ في أقْوالِهِمْ لِيَفْتَدُوا أنْفُسَهم بِهِ مِنَ السَّفَرِ قالَ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا﴾ أيْ: أوْجِدُوا الإنْفاقَ لِكُلِّ ما يُسَمّى إنْفاقًا ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ أيْ: مُظْهِرِينَ الطَّواعِيَةَ أوْ مُظْهِرِينَ الكَراهِيَةَ؛ ولَمّا كانَ الإعْراضُ عَنْهم إنَّما سَبَبُهُ كُفْرُهم لا إنْفاقُهُمْ، لَمْ يَرْبِطِ الجَوابَ بِالفاءِ بَلْ قالَ: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: يَقَعُ تَقَبُّلٌ لِشَيْءٍ يَأْتِي مِن قِبَلِكم أصْلًا مَن أحَدٍ لَهُ أنْ يَتَقَبَّلَ كائِنًا مَن كانَ، ولِذَلِكَ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ قُلُوبَكم كارِهَةٌ لَيْسَتْ لَها نِيَّةٌ صالِحَةٌ في الإنْفاقِ ولا في غَيْرِهِ، فانْقِسامُ إنْفاقِكم إلى طَوْعٍ وكُرْهٍ إنَّما هو بِاعْتِبارِ الظّاهِرِ، وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِالتَّفَعُّلِ إشارَةً إلى قَبُولِهِ مِنهم ظاهِرًا؛ ولَمّا كانَ غَيْرَ مَقْبُولٍ باطِنًا عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ أيْ: عَرِيقِينَ في الفِسْقِ بالِغِينَ أنْهى غاياتِهِ.

54

وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَٰرِهُونَ

And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allah and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.

ولَمّا عَلَّلَ بِالعَراقَةِ في الخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ، بَيَّنَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ﴾ أيْ: باطِنًا، ولِذا عَبَّرَ بِالمُجَرَّدِ، ولِذا بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ النّافِعَ القَبُولُ في نَفْسِ الأمْرِ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ أيْ: وإنْ جَلَّتْ ﴿إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ لِفَسادِ جِبِلّاتِهِمْ وسُوءِ غَرائِزِهِمْ.

ولَمّا كانَ قَبُولُ النَّفَقاتِ مُهَيِّئًا لِلطَّهارَةِ الَّتِي تُؤَثِّرُها الصَّلاةُ، كانَ السِّياقُ لِعَدَمِ قَبُولِها - لِيَتَسَبَّبَ عَنْهُ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ - أبْلَغَ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الخُبْثِ، فَأكَّدَ كُفْرَهم بِزِيادَةِ الجارِّ إشْعارًا بِأنَّ الكُفْرَ بِكُلٍّ مِنهُما عَلى حِيالِهِ مانِعٌ فَقالَ: ﴿وبِرَسُولِهِ﴾ أيْ: فِسْقُهم بِأنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ وهو السَّبَبُ المانِعُ بِمُفْرَدِهِ مِنَ القَبُولِ، ثُمَّ قَدَحَ في شاهِدَيْ ما يُظْهِرُونَ مِنَ الإيمانِ وهُما الصَّلاةُ والزَّكاةُ وغَيْرُهُما مِنَ الإنْفاقِ في الخَيْراتِ بِما هو لازِمٌ لِلْكُفْرِ ودالٌّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ﴾ أيِ: المَفْرُوضَةَ وغَيْرَها ﴿إلا وهم كُسالى﴾ أيْ: في حالِ كَسَلِهِمْ، لا يَأْتُونَها قَطُّ بِنَشاطٍ ﴿ولا يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: نَفَقَةً مِن واجِبٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿إلا وهم كارِهُونَ﴾ أيْ: في حالِ الكَراهَةِ وإنْ ظَهَرَ لَكم خِلافُ ذَلِكَ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِعَدَمِ النِّيَّةِ الصّالِحَةِ واعْتِقادِ الآخِرَةِ، وهَذا لا يُنافِي طَوْعًا لِأنَّ ذَلِكَ بِحَسْبِ الفَرْضِ أوِ الظّاهِرِ وهَذا بِحَسْبِ الواقِعِ.

55

فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

So let not their wealth or their children impress you. Allah only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

ولَمّا انْتَفى عَنْ أمْوالِهِمُ النَّفْعُ الأُخْرَوِيُّ الَّذِي هو النَّفْعُ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الزُّهْدُ فِيها المُوجِبُ لِعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْها وعَدَمِ اعْتِقادِ أنَّ فِيها بَرَكَةً ودَلالَةً عَلى خَيْرٍ، فَقالَ - مُبَيِّنًا ما فِيها مِنَ الفَسادِ الَّذِي يُظُنُّ أنَّهُ صَلاحٌ: ﴿فَلا﴾ - بِفاءِ السَّبَبِ، فالسِّياقُ أبْلَغُ مِن سِياقِ الآتِيَةِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ ﴿تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ أيْ: وإنْ أنْفَقُوها في سَبِيلِي وجَهَّزُوا بِها الغُزاةَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ إخْلاصٍ مِنهم ولا حُسْنِ نِيَّةٍ ولا جَمِيلِ طَوِيَّةٍ، وإنَّما هو لَمّا أذَلَّهم مِن عِزَّةِ الإسْلامِ وأخافَهم مِن سَطْوَةِ الِانْتِقامِ فَهو مِن جُمْلَةِ العَذابِ، وعَطَفَ عَلَيْها الأوْلادَ لِمُشارَكَتِها لَها في المَلاذِّ والقُوَّةِ والِاسْتِعْمالِ في الجِهادِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِلنَّفْيِ بِإعادَةِ النّافِي: ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُرادُ بِإعْطائِهِمْ ذَلِكَ؟ ولَوْ مَنَعُوها وأُعْطِيَها المُخْلِصُونَ لَكانَ قُوَّةً لِلدِّينِ، فَقالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أيْ: يُوقِعُ الإرادَةَ لَهم بِها المَلِكُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ الحِكْمَةِ كَما أنَّ لَهُ الإحاطَةَ بِتَمامِ القُدْرَةِ، وأبْلَغَ في الحَصْرِ بِإدْخالِ اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِ أنْ يُعَذِّبَهم ﴿بِها في الحَياةِ﴾ أيْ: وإنْ كانَ يَتَراءى أنَّها لَذِيذَةٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن شَأْنِ الحَياةِ فَإنَّما هي لَهم مَوْتٌ في الحَقِيقَةِ ﴿الدُّنْيا﴾ أيْ: تارَةً بِجَمْعِها وتَرْبِيَتِها وتارَةً بِبَذْلِها كُرْهًا في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ في تَزْكِيَتِها وتارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وتَزْهَقَ﴾ أيْ: وإنَّما يُرِيدُ بِتَمْكِينِهِمْ مِنّا لِأجْلِ أنْ يَخْرُجَ وقْتَ المَوْتِ بِغايَةِ الصُّعُوبَةِ ﴿أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِها ﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم ﴿كافِرُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في الكُفْرِ، وهَكَذا كُلُّ مَن أرادَ اسْتِدْراجَهُ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ في الغالِبِ يُكْثِرُ أمْوالَهم وأوْلادَهم لِنَحْوِ هَذا لِأنَّهم إذْ رَأوْا زِيادَتَهم بِها عَلى بَعْضِ المُخْلِصِينَ ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِكَرامَتِهِمْ وحُسْنِ حالَتِهِمْ فَيَسْتَمِرُّونَ عَلَيْها حَتّى يَمُوتُوا فَهو سُبْحانُهُ لَمْ يُرِدْ بِها مِنحَتَهم بَلْ فِتْنَتَهم ومِحْنَتَهُمْ، وأمّا الدِّينُ فَإنَّ القادِرَ يُقَوِّيهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَيَكُونُ أظْهَرَ لِدَلِيلِهِ وأوْضَحَ لِسَبِيلِهِ؛ فالحاصِلُ أنَّهُ ظَهَرَ لَهم أنَّهم أُكْرِمُوا بِها وخَفِيَ عَنْهم أنَّها سَبَبٌ لِعَذابِهِمْ في الحَياةِ بِاتِّكالِهِمْ عَلَيْها، وفي المَماتِ بِصُعُوبَتِهِ عَلَيْهِمُ المُشارِ إلَيْهِ بِالزَّهُوقِ، وفي الآخِرَةِ بِسَبَبِ مَوْتِهِمْ عَلى حالِ الكُفْرِ بِاسْتِدْراجِهِمْ بِها، وأمّا المُؤْمِنُ فَلا يَمُوتُ حَتّى يَرى مِنَ الثَّوابِ ما يُسَلِّيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَيَشْتاقُ إلى لِقاءِ اللَّهِ وتَخْرُجُ نَفْسُهُ وهو في غايَةِ المَحَبَّةِ لِخُرُوجِها لِأنَّ البَدَنَ عائِقٌ لَهُ عَمّا يَرى.

56

وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌۭ يَفْرَقُونَ

And they swear by Allah that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

ولَمّا وضَحَ بِهَذِهِ الأُمُورِ مُنابِذَتُهم لِلْمُؤْمِنِينَ وخُرُوجُهم مِن رِبْقَةِ الدِّينِ المُصَحِّحِ لِوَصْفِهِمْ بِالفِسْقِ، أوْضَحَ لَبْسًا آخَرَ مِن أحْوالِهِمْ يُقِيمُونَهُ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ﴾ أيْ: طَلَبُوا لَكُمُ الفِتْنَةَ والحالُ أنَّهم يُجَدِّدُونَ الأيْمانَ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيْ: عَلى ما لَهُ مِن تَمامِ العَظَمَةِ ﴿إنَّهُمْ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ ﴿لَمِنكُمْ﴾ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ عَلى اعْتِقادِكم باطِنًا كَما هم ظاهِرًا ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم ما ﴿هُمْ﴾ صادِقِينَ في حَلِفِهِمْ أنَّهم ﴿مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ﴾ أيْ: مَعَ أنَّ لَهم قُوَّةً وقِيامًا فِيما يُحاوِلُونَهُ ﴿يَفْرَقُونَ﴾ أيْ: يَخافُونَ مِنكم عَلى دِمائِهِمْ خَوْفًا عَظِيمًا يُفَرِّقُ هُمُومَهم فَهو المُلْجِئُ لَهم إلى الحَلِفِ كَذِبًا عَلى التَّظاهُرِ بِالإسْلامِ،

57

لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَـًٔا أَوْ مَغَٰرَٰتٍ أَوْ مُدَّخَلًۭا لَّوَلَّوْا۟ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم يُقِيمُونَ بَيْنَنا والمُبْغِضُ لا يُعاشِرُ مَن يُبْغِضُهُ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهم لا يَجِدُونَ ما يَحْمِيهِمْ مِنكم ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أيْ: شَيْئًا يَلْجَؤُونَ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ قَوْمٍ يَمْنَعُونَهم مِنكم ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ في الجِبالِ تَسَعُهُمْ، جَمْعُ مَغارَةٍ - مَفْعَلَةٌ مِن غارَ في الشَّيْءِ - إذا دَخَلَ فِيهِ، والغَوْرُ: ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ.

ولَمّا كانَتِ الغِيرانُ - وهي النُّقُوبُ في الجِبالِ - واسِعَةً والوُصُولُ إلَيْها سَهْلًا، قالَ: ﴿أوْ مُدَّخَلا﴾ أيْ: مَكانًا يَدْخُلُونَهُ بِغايَةِ العُسْرِ والصُّعُوبَةِ لِضِيقِهِ أوْ لِمانِعٍ في طَرِيقِهِ أوْ قَوْمًا يُداخِلُونَهم وإنْ كانُوا يَكْرَهُونَهم - بِما أرْشَدَ إلَيْهِ التَّشْدِيدُ: ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ: لاشْتَدُّوا في التَّوَجُّهِ إلَيْهِ مُتَوَلِّينَ مُرْتَدِّينَ عَنْكم عَلى أعْقابِهِمْ ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ: حالُهم حالُ الدّابَّةِ الَّتِي كانَتْ مُسْرِعَةً في طَواعِيَةِ راكِبِها فَإذا هي قَدْ نَكَصَتْ عَلى عَقِبِها ثُمَّ أخَذَتْ في غَيْرِ قَصْدِهِ بِغايَةِ الإسْراعِ ونِهايَةِ الرَّغْبَةِ والدّاعِيَةِ لا يَرُدُّها بِئْرٌ تَقَعُ فِيهِ ولا مَهْلَكَةٌ ولا شَيْءٌ.

58

وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنْ أُعْطُوا۟ مِنْهَا رَضُوا۟ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا۟ مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

ولَمّا قَرَّرَ حالَ مَن يَتَخَلَّفُ عَنِ الجِهادِ، ورُبَّما بَذَلَ مالَهُ فِيهِ افْتِداءً لِسَفَرِهِ، شَرَعَ في ذِكْرِ مَن يُشارِكُهُ في الإنْفاقِ والنِّفاقِ ويُخالِفُهُ فَقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ أيْ: يَعِيبُكَ عِنْدَ مُشاكِلِيهِ عَلى طَرِيقِ المُلازَمَةِ في سَتْرٍ وخَفاءٍ أوْ تَظاهُرٍ وقِلَّةِ حَياءٍ ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ أيِ: اللّاتِي تُؤْتِيها لِأتْباعِكَ، ولَمّا أخْبَرَ عَنِ اللَّمْزِ، أخْبَرَ أنَّهُ لِحَظِّ نَفْسِهِ لا لِلدِّينِ فَقالَ: ﴿فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا﴾ أيْ: عَنْكَ ﴿وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها﴾ فاجَؤُوا السُّخْطَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ في كُلِّ لَحْظَةٍ ولَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ أصْلًا، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ فَوافَقُوا الأوَّلِينَ في جَعْلِ الدُّنْيا هَمَّهُمْ، وخالَفُوهم في أنَّ أُولَئِكَ أنْفَقُوا لِيَتَمَتَّعُوا بِالتَّخَلُّفِ وهَؤُلاءِ طَلَبُوا لِيَتَنَعَّمُوا بِنَفْسِ المالِ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ؛ قِيلَ: «إنَّها نَزَلَتْ في ذِي الخُوَيْصِرَةِ لَمّا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو يُقَسِّمُ غَنائِمَ حُنَيْنٍ: اعْدِلْ يا مُحَمَّدُ! فَإنِّي لَمْ أرَكَ تَعْدِلُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”ويْلَكَ! ومَن يَعْدِلُ إذا لَمْ أعْدِلْ؟“» وسَيَأْتِي حَدِيثُهُ.

59

وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ

If only they had been satisfied with what Allah and His Messenger gave them and said, "Sufficient for us is Allah; Allah will give us of His bounty, and [so will] His Messenger; indeed, we are desirous toward Allah," [it would have been better for them].

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِهِمُ السَّيِّئِ الدَّنِيءِ الَّذِي لا يُجْدِيهِمْ في الدُّنْيا ويُهْلِكُهم في الأُخْرى، نَبَّهَهم عَلى ما هو الأصْلَحُ لَهم مِنَ الحالِ الشَّرِيفِ السَّنِيِّ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهُمْ﴾ أيِ المُنافِقِينَ ﴿رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ المُنْعِمُ بِجَمِيعِ النِّعَمِ؛ لِأنَّ لَهُ جَمِيعَ الكَمالِ ﴿ورَسُولُهُ﴾ الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ قَلَّ ذَلِكَ المُؤْتى أوْ كَثُرَ طالَ زَمَنُهُ أوْ قَصُرَ ﴿وقالُوا﴾ أيْ: مَعَ الرِّضى ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ: كافِينا لِأنَّ لَهُ جَمِيعَ العَظَمَةِ فَهو الغِنى المُطْلَقُ. ولَمّا كانَتِ الكِفايَةُ تارَةً تَكُونُ بِالتَّنْجِيزِ العاجِلِ وتارَةً بِالوُثُوقِ بِالوَعْدِ الآجِلِ، بَيَّنَ أنَّ الثّانِيَ هو المُرادُ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الإيمانِ فَقالَ: ﴿سَيُؤْتِينا اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ واعْتَقَدُوا أنْ لا حَقَّ لِأحَدٍ فَقالُوا: ﴿مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُخالِفُ أمْرَهُ، عَلى ما قَدَّرَ لَنا في الأزَلِ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا إلى اللَّهِ﴾ أيِ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ ﴿راغِبُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في الرَّغْبَةِ، فَلِذَلِكَ نَكْتَفِي بِما يَأْتِي مِن قَبْلِهِ كائِنًا ما كانَ، أيْ: لَكانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهم لِأنَّهُ لا يَنالُهم إلّا ما قَسَمَ سُبْحانَهُ لَهم شاؤُوا أوْ أبَوْا.

60

۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Zakah expenditures are only for the poor and for the needy and for those employed to collect [zakah] and for bringing hearts together [for Islam] and for freeing captives [or slaves] and for those in debt and for the cause of Allah and for the [stranded] traveler - an obligation [imposed] by Allah. And Allah is Knowing and Wise.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ لَمْزِهِمْ في الصَّدَقاتِ وقَرَّرَ ما هو خَيْرٌ لَهم إرْشادًا إلى النَّجاةِ، عَلَّلَ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيها وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ غَيْرَهُ لِأنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا يَجُوزُ في شَرْعِهِ الأكْمَلِ غَيْرُهُ لَمَزُوا أوْ تَرَكُوا زَهِدُوا أوْ رَغِبُوا فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ القَصْرِ عَلى ما ذُكِرَ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ﴾ أيْ: هَذا الجِنْسُ بِجَمِيعِ ما صَدَقَ مِن أفْرادِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ قَدَّمَ الأهَمَّ فالأهَمَّ، فَلِذا قالَ الشّافِعِيُّ: إنَّ الفَقِيرَ أشَدُّهم حاجَةً لِكَوْنِهِ ابْتَدَأ بِهِ، فَقالَ: ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ أيِ: الَّذِينَ لا شَيْءَ لَهم أوْ لَهم شَيْءٌ يَقَعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِهِمْ ﴿والمَساكِينِ﴾ أيِ: الَّذِينَ لا كِفايَةَ لَهم بِدَلِيلِ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ﴾ [الكهف: ٧٩] وأمّا ﴿مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] فَتَقْيِيدُهُ دَلَّ عَلى أنَّ المُطْلَقَ بِخِلافِهِ ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ أيِ: المُؤْتَمَنِينَ في السِّعايَةِ والوِلايَةِ عَلى جَمْعِها ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: لِيُسْلِمُوا أوْ يُسْلِمَ بِسَبَبِهِمْ غَيْرُهم أوْ يَثْبُتُوا عَلى إسْلامِهِمْ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «بُعِثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِشَيْءٍ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ أرْبَعَةٍ وقالَ: أتَألَّفُهُمْ، فَقالَ رَجُلٌ: ما عَدَلْتَ! فَقالَ: يَخْرُجُ مِن ضِئْضِئِ هَذا قَوْمٌ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ». وفي رِوايَةٍ: «فاسْتَأْذَنَهُ رَجُلٌ في ضَرْبِ عُنُقِهِ فَقالَ: لا، دَعْهُ؛ فَإنَّ لَهُ أصْحابًا يَحْقِرُ أحَدُكم صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ». الحَدِيثَ. «ولَئِنْ أدْرَكْتُهم لَأقْتُلَنَّهم قَتْلَ عادٍ» ولا يُقالُ: إنَّ العِلَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِقَتْلِهِمْ لا لِلْكَفِّ عَنْهم فَإنَّ عَمَلَهُ بِالمَقامِ الخَضِرِيِّ - كَما تَقَدَّمَ - أنَّهُ ما مِن كَرامَةٍ لِنَبِيٍّ إلّا ولَهُ ﷺ مِثْلُها أوْ أعْلى مِنها بِنَفْسِهِ أوْ بِأحَدٍ مِن أُمَّتِهِ.

ولَمّا فَرَغَ مِن هَذِهِ الأصْنافِ الأرْبَعَةِ الَّذِينَ يُعْطُونَ الصَّدَقَةَ في أيْدِيهِمْ يَتَصَرَّفُونَ فِيها كَيْفَ شاؤُوا، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِاللّامِ، ذَكَرَ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ الصَّدَقَةَ لِقَضاءِ ما بِهِمْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِ: ”فِي“ فَقالَ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ أيْ: والمُكاتَبِينَ بِسَبَبِ فَكِّ رِقابِهِمْ مِنَ الرِّقِّ ﴿والغارِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اسْتَدانُوا في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، يُصْرَفُ ما يُعْطَوْنَهُ إلى قَضاءِ دُيُونِهِمْ فَقَطْ ﴿وفِي﴾ أيْ: والمُجاهِدِينَ في ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِالنَّفَقَةِ والحَمْلِ والإعانَةِ بِالسِّلاحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ونَقَلَ القَفّالُ عَنْ بَعْضِ الفُقَهاءِ أنَّهُ عَمَّمَ السَّبِيلَ فَأجازَ صَرْفَهُ إلى جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ مَن تَكْفِينَ المَوْتى وعِمارَةِ المَساجِدِ ونَحْوِها ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ عَنْ بَلَدِهِ، يُعْطى ما يُوصِلُهُ إلَيْهِ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ رَسُولَنا ﷺ لَمْ يَفْعَلْ ما أدّى إلى لَمْزِهِمْ لَهُ بِسَبَبِهِ إلّا بِأمْرٍ حَقًّا، فَإنّا قَدْ عَيَّنّا لَهُ أهْلَ الصَّدَقاتِ فَهو لا يَعْدِلُ عَنْهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لِأنَّهُ واقِفٌ عِنْدَ ما يُرْضِينا، فَإنْ كانُوا مِنهم أعْطاهم وإلّا مَنَعَهم رَضِيَ مَن رَضِيَ وسَخِطَ مَن سَخِطَ، وقَدْ فَرَضَ ذَلِكَ، أوْ ثابِتَةٌ لِلْفُقَراءِ حالَ كَوْنِها ﴿فَرِيضَةً﴾ كائِنَةً ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا لِعِلْمِهِ بِأنَّ في ذَلِكَ أعْظَمَ صَلاحٍ، وهَذا كالزَّجْرِ عَنْ مُخالَفَةِ الظّاهِرِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.