Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 51–60 of 129

51

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

Say, "Never will we be struck except by what Allah has decreed for us; He is our protector." And upon Allah let the believers rely.

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى …

52

قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍۢ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ

Say, "Do you await for us except one of the two best things while we await for you that Allah will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى …

53

قُلْ أَنفِقُوا۟ طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًۭا فَٰسِقِينَ

Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى …

54

وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَٰرِهُونَ

And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allah and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى …

55

فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

So let not their wealth or their children impress you. Allah only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ لَمّا قَطَعَ رَجاءَ المُنافِقِينَ عَنْ جَمِيعِ مَنافِعَ الآخِرَةِ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي يَظُنُّونَها مِن بابِ مَنافِعِ الدُّنْيا جَعَلَها اللَّهُ تَعالى أسْبابًا لِيُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا؛ أيْ: ولا يُعْجِبُكَ أيُّها السّامِعُ بِمَعْنًى لا يُسْتَحْسَنُ ولا يُفْتَتَنُ بِما أُوتُوا مِن زِينَةِ الدُّنْيا كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] وفي هَذا تَحْقِيرٌ لِشَأْنِ المُنافِقِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَلا تُعْجِبُكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. انْتَهى. ويَكُونُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها جُمْلَةَ اعْتِراضِ فِيها تَشْدِيدٌ لِلْكَلامِ وتَقْوِيَةٌ لِانْتِفاءِ الإعْجابِ؛ لِأنَّ مَن كانَ مَآلُ إتْيانِهِ المالَ والوَلَدَ لِلتَّعْذِيبِ لا يَنْبَغِي أنْ تُسْتَحْسَنَ حالُهُ ولا يُفْتَتَنَ بِها، إلّا أنَّ تَقْيِيدَ الإيجابِ المَنهِيِّ عَنْهُ الَّذِي يَكُونُ ناشِئًا عَنْ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا في الحَياةِ الدُّنْيا، فَنَفْيُ ذَلِكَ كَأنَّهُ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ بِخِلافِ التَّعْذِيبِ، فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا كَما يَكُونُ في الآخِرَةِ، ومَعَ أنَّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ لَخَّصَهُ أصْحابُنا بِالضَّرُورَةِ. وقالَ الحَسَنُ: الوَجْهُ في التَّعْذِيبِ أنَّهُ بِما ألْزَمَهم فِيها مِن أداءِ الزَّكاةِ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: بِها عائِدٌ في هَذا القَوْلِ عَلى الأمْوالِ فَقَطْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: التَّعْذِيبُ هو مَصائِبُ الدُّنْيا ورَزاياها هي لَهم عَذابٌ، إذْ لا يُؤْجَرُونَ عَلَيْها. انْتَهى. ويَتَقَوّى هَذا القَوْلُ بِأنَّ تَعْذِيبَهم بِإلْزامِ الشَّرِيعَةِ أعْظَمُ مِن تَعْذِيبِهِمْ بِسائِرِ الرَّزايا؛ وذَلِكَ لِاقْتِرانِ الذِّلَّةِ والغَلَبَةِ وأمْرِ الشَّرِيعَةِ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقَدْ جَمَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا كُلَّهُ فَقالَ: إنَّما أعْطاهم ما أعْطاهم لِلْعَذابِ بِأنْ عَرَّضَهم لِلْمَغْنَمِ والسَّبْيِ، وبَلاهم فِيهِ بِالآفاتِ والمَصائِبِ، وكَلَّفَهُمُ الإنْفاقَ مِنهُ في أبْوابِ الخَيْرِ وهم كارِهُونَ لَهُ عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ، وأذاقَهم أنْواعَ الكُلَفِ والمَجاشِمِ في جَمْعِهِ واكْتِسابِهِ وفي تَرْبِيَةِ أوْلادِهِمْ. وقِيلَ: أمْوالُهُمُ الَّتِي يُنْفِقُونَها فَإنَّها لا تُقْبَلُ مِنهم ولا أوْلادُهُمُ المُسْلِمُونَ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ، فَإنَّهم لا يَنْفَعُونَ آباءَهُمُ المُنافِقِينَ، حَكاهُ القُشَيْرِيُّ. وقِيلَ: يَتَمَكَّنُ حُبُّ المالِ مِن قُلُوبِهِمْ، والتَّعَبُ في جَمْعِهِ، والوَصْلُ في حِفْظِهِ، والحَسْرَةُ عَلى تَخْلِفَتِهِ عِنْدَ مَن لا يَحْمَدُهُ، ثُمَّ يَقْدُمُ عَلى مَلِكٍ لا يَعْذُرُهُ. وقَدَّمَ الأمْوالَ عَلى الأوْلادِ؛ لِأنَّها كانَتْ أعْلَقَ بِقُلُوبِهِمْ، ونُفُوسُهم أمْيَلُ إلَيْها، فَإنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ أوْلادَهم خَشْيَةَ ذَهابِ أمْوالِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] .

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: إنْ صَحَّ تَعْلِيقُ العَذابِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَما بالُ زُهُوقِ أنْفُسِهِمْ وهم كافِرُونَ ؟ قُلْتُ: المُرادُ الِاسْتِدْراجُ بِالنِّعَمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم …

56

وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌۭ يَفْرَقُونَ

And they swear by Allah that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾؛ أيْ لَمِن جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ. وأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: وما هم مِنكم. ومَعْنى يَفْرَقُونَ: يَخافُونَ القَتْلَ وما يُفْعَلُ بِالمُشْرِكِينَ، فَيَتَظاهَرُونَ بِالإسْلامِ تَقِيَّةً، وهم يُبْطِنُونَ النِّفاقَ، أوْ يَخافُونَ إطْلاعَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى بَواطِنِهِمْ فَيَحِلُّ بِهِمْ ما يَحِلُّ بِالكُفّارِ. ولَمّا حَقَّرَ تَعالى شَأْنَ المُنافِقِينَ وأمْوالَهم وأوْلادَهم عادَ إلى ذِكْرِ مَصالِحِهِمْ وما هم عَلَيْهِ مِن خُبْثِ السَّرِيرَةِ فَقالَ: ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى التَّعْيِينِ، وهي عادَةُ اللَّهِ في سَتْرِ أشْخاصِ العُصاةِ.

﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ فَرْقَ المُنافِقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أخْبَرَ بِما هم عَلَيْهِ مَعَهم مِمّا يُوجِبُهُ الفَرْقُ؛ وهو أنَّهم لَوْ أمْكَنَهُمُ الهُرُوبُ مِنهم لَهَرَبُوا، ولَكِنْ صُحْبَتُهم لَهم صُحْبَةُ اضْطِرارٍ لا اخْتِيارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَلْجَأُ الحِرْزُ. وقالَ قَتادَةُ: الحِصْنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَهْرَبُ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَكانُ الَّذِي يَتَحَصَّنُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: القَوْمُ يَأْمَنُونَ مِنهم. والمَغاراتُ جَمْعُ مَغارَةٍ وهي الغارُ، ويُجْمَعُ عَلى غِيرانٍ، بُنِيَ مِن غارَ يَغُورُ إذا دَخَلَ، مَفْعَلَةٌ لِلْمَكانِ كَقَوْلِهِمْ: مَزْرَعَةٌ. وقِيلَ: المَغارَةُ السِّرْبُ تَحْتَ الأرْضِ كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مُغاراتٍ بِضَمِّ المِيمِ، فَيَكُونُ مِن أغارَ. قِيلَ: وتَقُولُ العَرَبُ: غارَ الرَّجُلُ وأغارَ بِمَعْنى دَخَلَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ (مَغاراتٍ) مِن أغارَ اللّازِمِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ المَنقُولِ بِالهَمْزَةِ مِن غارَ؛ أيْ أماكِنَ في الجِبالِ يُغِيرُونَ فِيها أنْفُسَهم. وقالَ الزَّجّاجُ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ مَغارٌ؛ أيْ مَفْتُولٌ. ثُمَّ يُسْتَعارُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُحْكَمِ المُبْرَمِ، فَيَجِيءُ التَّأْوِيلُ عَلى هَذا: لَوْ يَجِدُونَ نُصْرَةً أوْ أُمُورًا مُرْتَبِطَةً مُشَدَّدَةً تَعْصِمُهم مِنكم أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ الثَّعْلَبُ إذا أسْرَعَ، بِمَعْنى مَهارِبٍ ومَغارٍ. انْتَهى. والمُدَّخَلُ قالَ مُجاهِدٌ: المَعْقِلُ يَمْنَعُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: السِّرْبُ يَسِيرُونَ فِيهِ عَلى خَفاءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ. وقالَ الحَسَنُ: وجْهًا يَدْخُلُونَ فِيهِ عَلى خِلافِ الرَّسُولِ. وقِيلَ: قَبِيلَةٌ يَدْخُلُونَ فِيها تَحْمِيهِمْ مِنَ الرَّسُولِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الجُمْهُورُ: مُدَّخَلًا، وأصْلُهُ مُدْتَخَلٌ، مُفْتَعَلٌ مِنِ ادَّخَلَ، وهو بِناءُ تَأْكِيدٍ ومُبالَغَةٍ، ومَعْناهُ السِّرْبُ والنَّفَقُ في الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. بُدِئَ أوَّلًا بِالأعَمِّ وهو المَلْجَأُ؛ إذْ يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ثُمَّ ثَنّى بِالمَغاراتِ وهي الغِيرانُ في الجِبالِ، ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالمُدَّخَلِ وهو النَّفَقُ باطِنُ الأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُدَّخَلُ قَوْمٌ يُدْخِلُونَهم في جُمْلَتِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ: مَدْخَلًا بِفَتْحِ المِيمِ مِن دَخَلَ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ الحَسَنِ: مُدْخَلًا بِضَمِّ المِيمِ مِن أدْخَلَ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الأعْمَشِ وعِيسى بْنِ عُمَرَ. …

57

لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَـًٔا أَوْ مَغَٰرَٰتٍ أَوْ مُدَّخَلًۭا لَّوَلَّوْا۟ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾؛ أيْ لَمِن جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ. وأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: وما هم مِنكم. ومَعْنى يَفْرَقُونَ: يَخافُونَ القَتْلَ وما يُفْعَلُ بِالمُشْرِكِينَ، فَيَتَظاهَرُونَ بِالإسْلامِ تَقِيَّةً، وهم يُبْطِنُونَ النِّفاقَ، أوْ يَخافُونَ إطْلاعَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى بَواطِنِهِمْ فَيَحِلُّ بِهِمْ ما يَحِلُّ بِالكُفّارِ. ولَمّا حَقَّرَ تَعالى شَأْنَ المُنافِقِينَ وأمْوالَهم وأوْلادَهم عادَ إلى ذِكْرِ مَصالِحِهِمْ وما هم عَلَيْهِ مِن خُبْثِ السَّرِيرَةِ فَقالَ: ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى التَّعْيِينِ، وهي عادَةُ اللَّهِ في سَتْرِ أشْخاصِ العُصاةِ.

﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ فَرْقَ المُنافِقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أخْبَرَ بِما هم عَلَيْهِ مَعَهم مِمّا يُوجِبُهُ الفَرْقُ؛ وهو أنَّهم لَوْ أمْكَنَهُمُ الهُرُوبُ مِنهم لَهَرَبُوا، ولَكِنْ صُحْبَتُهم لَهم صُحْبَةُ اضْطِرارٍ لا اخْتِيارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَلْجَأُ الحِرْزُ. وقالَ قَتادَةُ: الحِصْنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَهْرَبُ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَكانُ الَّذِي يَتَحَصَّنُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: القَوْمُ يَأْمَنُونَ مِنهم. والمَغاراتُ جَمْعُ مَغارَةٍ وهي الغارُ، ويُجْمَعُ عَلى غِيرانٍ، بُنِيَ مِن غارَ يَغُورُ إذا دَخَلَ، مَفْعَلَةٌ لِلْمَكانِ كَقَوْلِهِمْ: مَزْرَعَةٌ. وقِيلَ: المَغارَةُ السِّرْبُ تَحْتَ الأرْضِ كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مُغاراتٍ بِضَمِّ المِيمِ، فَيَكُونُ مِن أغارَ. قِيلَ: وتَقُولُ العَرَبُ: غارَ الرَّجُلُ وأغارَ بِمَعْنى دَخَلَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ (مَغاراتٍ) مِن أغارَ اللّازِمِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ المَنقُولِ بِالهَمْزَةِ مِن غارَ؛ أيْ أماكِنَ في الجِبالِ يُغِيرُونَ فِيها أنْفُسَهم. وقالَ الزَّجّاجُ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ مَغارٌ؛ أيْ مَفْتُولٌ. ثُمَّ يُسْتَعارُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُحْكَمِ المُبْرَمِ، فَيَجِيءُ التَّأْوِيلُ عَلى هَذا: لَوْ يَجِدُونَ نُصْرَةً أوْ أُمُورًا مُرْتَبِطَةً مُشَدَّدَةً تَعْصِمُهم مِنكم أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ الثَّعْلَبُ إذا أسْرَعَ، بِمَعْنى مَهارِبٍ ومَغارٍ. انْتَهى. والمُدَّخَلُ قالَ مُجاهِدٌ: المَعْقِلُ يَمْنَعُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: السِّرْبُ يَسِيرُونَ فِيهِ عَلى خَفاءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ. وقالَ الحَسَنُ: وجْهًا يَدْخُلُونَ فِيهِ عَلى خِلافِ الرَّسُولِ. وقِيلَ: قَبِيلَةٌ يَدْخُلُونَ فِيها تَحْمِيهِمْ مِنَ الرَّسُولِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الجُمْهُورُ: مُدَّخَلًا، وأصْلُهُ مُدْتَخَلٌ، مُفْتَعَلٌ مِنِ ادَّخَلَ، وهو بِناءُ تَأْكِيدٍ ومُبالَغَةٍ، ومَعْناهُ السِّرْبُ والنَّفَقُ في الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. بُدِئَ أوَّلًا بِالأعَمِّ وهو المَلْجَأُ؛ إذْ يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ثُمَّ ثَنّى بِالمَغاراتِ وهي الغِيرانُ في الجِبالِ، ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالمُدَّخَلِ وهو النَّفَقُ باطِنُ الأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُدَّخَلُ قَوْمٌ يُدْخِلُونَهم في جُمْلَتِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ: مَدْخَلًا بِفَتْحِ المِيمِ مِن دَخَلَ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ الحَسَنِ: مُدْخَلًا بِضَمِّ المِيمِ مِن أدْخَلَ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الأعْمَشِ وعِيسى بْنِ عُمَرَ. …

58

وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنْ أُعْطُوا۟ مِنْهَا رَضُوا۟ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا۟ مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾؛ اللّامِزُ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ التَّمِيمِيُّ، وهو ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ رَأْسِ الخَوارِجِ، كانَ الرَّسُولُ ﷺ يُقَسِّمُ غَنائِمَ حُنَيْنٍفَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ. الحَدِيثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ الجَوّاظِ المُنافِقُ، قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى صاحِبِكم إنَّما يُقَسِّمُ صَدَقاتِكم في رُعاةِ الغَنَمِ. وقِيلَ: ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ كانَ يَقُولُ: إنَّما يُعْطِي مُحَمَّدٌ قُرَيْشًا. وقِيلَ: رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أتى الرَّسُولَ بِصَدَقَةٍ يُقَسِّمُها، فَقالَ: ما هَذا بِالعَدْلِ ؟ وهَذِهِ نَزْغَةُ مُنافِقٍ.

والمَعْنى: مَن يَعِيبُكَ في قَسْمِ الصَّدَقاتِ. وضَمِيرُ (ومِنهم) لِلْمُنافِقِينَ، والكافُ لِلرَّسُولِ. وهَذا التَّرْدِيدُ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يَدُلُّ عَلى دَناءَةِ طِباعِهِمْ ونَجاسَةِ أخْلاقِهِمْ، وأنَّ لَمْزَهُمُ الرَّسُولَ إنَّما هو لِشَرَهِهِمْ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا ومَحَبَّةِ المالِ، وأنَّ رِضاهم وسُخْطَهم إنَّما مُتَعَلَّقُهُ العَطاءُ. والظّاهِرُ حُصُولُ مُطْلَقِ الإعْطاءِ أوْ نَفْيِهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَإنْ أُعْطُوا مِنها كَثِيرًا يَرْضَوْا، وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها كَثِيرًا بَلْ قَلِيلًا، وما أحْسَنَ مَجِيءَ جَوابِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ لا يَلْزَمُ أنْ يُقارِنَهُ ولا أنْ يَعْتَقِبَهُ، بَلْ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَتَأخَّرَ نَحْوُ: إنْ أسْلَمْتَ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَإنَّما يَقْتَضِي مُطْلَقُ التَّرَتُّبِ. وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي فَجاءَ بِإذا الفُجائِيَّةِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يُعْطَوْا فاجَأ سُخْطُهم، ولَمْ يُمْكِنْ تَأخُّرُهُ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الدُّنْيا والشَّرَهِ في تَحْصِيلِها. ومَفْعُولُ رَضُوا مَحْذُوفٌ؛ أيْ: رَضُوا ما أُعْطُوهُ. ولَيْسَ المَعْنى رَضُوا عَنِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، ولِأنَّ رِضاهم وسُخْطَهم لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ الدِّينِ، بَلْ لِلدُّنْيا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَلْمِزُكَ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وغَيْرُهم بِضَمِّها، وهي قِراءَةُ المَكِّيِّينَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَلْمَزُكَ. ورَوى أيْضًا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: يُلامِزُكَ، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ. وقِيلَ: وفَّرَ الرَّسُولُ ﷺ قَسْمَ أهْلِ مَكَّةَ في الغَنائِمِ اسْتِعْطافًا لِقُلُوبِهِمْ، فَضَجَّ المُنافِقُونَ.

﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾: هَذا وصْفٌ لِحالِ المُسْتَقِيمِينَ في دِينِهِمْ؛ أيْ رَضُوا قِسْمَةَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وقالُوا: كَفانا فَضْلُ اللَّهُ، وعَلَّقُوا آمالَهم بِما سَيُؤْتِيهِ اللَّهُ إيّاهم، وكانَتْ رَغْبَتُهم إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكانَ خَيْرًا لَهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم. وكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ دَلِيلًا عَلى انْتِقالِهِمْ مِنَ النِّفاقِ إلى مَحْضِ الإيمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ تَضَمَّنَ الرِّضا بِقَسْمِ اللَّهِ والإقْرارَ بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ؛ إذْ كانُوا يَقُولُونَ: سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ. وقِيلَ: جَوابُ لَوْ هو قَوْلُهُ: وقالُوا عَلى زِيادَةِ الواوِ، وهو قَوْلٌ كُوفِيٌّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى: ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما أصابَهم بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الغَنِيمَةِ وطابَتْ بِهِ نُفُوسُهم وإنْ قَلَّ نَصِيبُهم، وقالُوا: كَفانا فَضْلُ اللَّهِ تَعالى وصُنْعُهُ، وحَسْبُنا ما قَسَمَ …

59

وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ

If only they had been satisfied with what Allah and His Messenger gave them and said, "Sufficient for us is Allah; Allah will give us of His bounty, and [so will] His Messenger; indeed, we are desirous toward Allah," [it would have been better for them].

﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾؛ اللّامِزُ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ التَّمِيمِيُّ، وهو ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ رَأْسِ الخَوارِجِ، كانَ الرَّسُولُ ﷺ يُقَسِّمُ غَنائِمَ حُنَيْنٍفَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ. الحَدِيثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ الجَوّاظِ المُنافِقُ، قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى صاحِبِكم إنَّما يُقَسِّمُ صَدَقاتِكم في رُعاةِ الغَنَمِ. وقِيلَ: ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ كانَ يَقُولُ: إنَّما يُعْطِي مُحَمَّدٌ قُرَيْشًا. وقِيلَ: رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أتى الرَّسُولَ بِصَدَقَةٍ يُقَسِّمُها، فَقالَ: ما هَذا بِالعَدْلِ ؟ وهَذِهِ نَزْغَةُ مُنافِقٍ.

والمَعْنى: مَن يَعِيبُكَ في قَسْمِ الصَّدَقاتِ. وضَمِيرُ (ومِنهم) لِلْمُنافِقِينَ، والكافُ لِلرَّسُولِ. وهَذا التَّرْدِيدُ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يَدُلُّ عَلى دَناءَةِ طِباعِهِمْ ونَجاسَةِ أخْلاقِهِمْ، وأنَّ لَمْزَهُمُ الرَّسُولَ إنَّما هو لِشَرَهِهِمْ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا ومَحَبَّةِ المالِ، وأنَّ رِضاهم وسُخْطَهم إنَّما مُتَعَلَّقُهُ العَطاءُ. والظّاهِرُ حُصُولُ مُطْلَقِ الإعْطاءِ أوْ نَفْيِهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَإنْ أُعْطُوا مِنها كَثِيرًا يَرْضَوْا، وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها كَثِيرًا بَلْ قَلِيلًا، وما أحْسَنَ مَجِيءَ جَوابِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ لا يَلْزَمُ أنْ يُقارِنَهُ ولا أنْ يَعْتَقِبَهُ، بَلْ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَتَأخَّرَ نَحْوُ: إنْ أسْلَمْتَ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَإنَّما يَقْتَضِي مُطْلَقُ التَّرَتُّبِ. وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي فَجاءَ بِإذا الفُجائِيَّةِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يُعْطَوْا فاجَأ سُخْطُهم، ولَمْ يُمْكِنْ تَأخُّرُهُ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الدُّنْيا والشَّرَهِ في تَحْصِيلِها. ومَفْعُولُ رَضُوا مَحْذُوفٌ؛ أيْ: رَضُوا ما أُعْطُوهُ. ولَيْسَ المَعْنى رَضُوا عَنِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، ولِأنَّ رِضاهم وسُخْطَهم لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ الدِّينِ، بَلْ لِلدُّنْيا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَلْمِزُكَ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وغَيْرُهم بِضَمِّها، وهي قِراءَةُ المَكِّيِّينَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَلْمَزُكَ. ورَوى أيْضًا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: يُلامِزُكَ، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ. وقِيلَ: وفَّرَ الرَّسُولُ ﷺ قَسْمَ أهْلِ مَكَّةَ في الغَنائِمِ اسْتِعْطافًا لِقُلُوبِهِمْ، فَضَجَّ المُنافِقُونَ.

﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾: هَذا وصْفٌ لِحالِ المُسْتَقِيمِينَ في دِينِهِمْ؛ أيْ رَضُوا قِسْمَةَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وقالُوا: كَفانا فَضْلُ اللَّهُ، وعَلَّقُوا آمالَهم بِما سَيُؤْتِيهِ اللَّهُ إيّاهم، وكانَتْ رَغْبَتُهم إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكانَ خَيْرًا لَهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم. وكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ دَلِيلًا عَلى انْتِقالِهِمْ مِنَ النِّفاقِ إلى مَحْضِ الإيمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ تَضَمَّنَ الرِّضا بِقَسْمِ اللَّهِ والإقْرارَ بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ؛ إذْ كانُوا يَقُولُونَ: سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ. وقِيلَ: جَوابُ لَوْ هو قَوْلُهُ: وقالُوا عَلى زِيادَةِ الواوِ، وهو قَوْلٌ كُوفِيٌّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى: ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما أصابَهم بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الغَنِيمَةِ وطابَتْ بِهِ نُفُوسُهم وإنْ قَلَّ نَصِيبُهم، وقالُوا: كَفانا فَضْلُ اللَّهِ تَعالى وصُنْعُهُ، وحَسْبُنا ما قَسَمَ …

60

۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Zakah expenditures are only for the poor and for the needy and for those employed to collect [zakah] and for bringing hearts together [for Islam] and for freeing captives [or slaves] and for those in debt and for the cause of Allah and for the [stranded] traveler - an obligation [imposed] by Allah. And Allah is Knowing and Wise.

﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَن يَعِيبُ الرَّسُولَ في قَسْمِ الصَّدَقاتِ بِأنَّهُ يُعْطِي مَن يَشاءُ ويَحْرِمُ مَن يَشاءُ، أوْ يَخُصُّ أقارِبَهُ، أوْ يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ ما بَقِيَ، وكانُوا يَسْألُونَ فَوْقَ ما يَسْتَحِقُّونَ، بَيَّنَ تَعالى مَصْرِفَ الصَّدَقاتِ، وأنَّهُ إنَّما قَسَمَ عَلى ما فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى. ولَفْظَةُ (إنَّما) إنْ كانَتْ وُضِعَتْ لِلْحَصْرِ فالحَصْرُ مُسْتَفادٌ مِن لَفْظِها، وإنْ كانَتْ لَمْ تُوضَعْ لِلْحَصْرِ فالحَصْرُ مُسْتَفادٌ مِنَ الأوْصافِ؛ إذْ مَناطُ الحُكْمِ بِالوَصْفِ يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ بِهِ، والتَّعْلِيلُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي الِاقْتِصارَ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ مَصْرِفَ الصَّدَقاتِ هَؤُلاءِ الأصْنافُ. والظّاهِرُ أنَّ العَطْفَ مُشْعِرٌ بِالتَّغايُرِ، فَتَكُونُ الفُقَراءُ غَيْرَ المَساكِينِ. والظّاهِرُ بَقاءُ هَذا الحُكْمِ لِلْأصْنافِ الثَّمانِيَةِ دائِمًا؛ إذْ لَمْ يَرِدْ نَصٌّ في نَسْخِ شَيْءٍ مِنها. والظّاهِرُ أنَّهُ يُعْتَبَرُ في كُلِّ صِنْفٍ مِنها ما دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ إنْ كانَ مَوْجُودًا، والخِلافُ في كُلِّ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الظَّواهِرِ. فَأمّا أنَّ مَصْرِفَ الصَّدَقاتِ هَؤُلاءِ الأصْنافُ، فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ إلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى بَعْضِ هَؤُلاءِ الأصْنافِ، ويَجُوزَ أنْ يُصْرَفَ إلى جَمِيعِها. فَمِنَ الصَّحابَةِ: عُمَرُ، وعَلِيٌّ، ومُعاذٌ، وحُذَيْفَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومِنَ التّابِعِينَ النَّخَعِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، قالُوا: في أيِّ صِنْفٍ مِنها وضَعْتَها أجْزَأتْكَ. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ نَظَرْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فُقَراءَ مُتَعَفِّفِينَ فَخَيَّرْتَهم بِها كانَ أحَبَّ إلَيَّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَلَيْهِ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. قالَ غَيْرُهُ: وأبِي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ، وزُفَرَ، ومالِكٍ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ: لا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِ هَذِهِ الأصْنافِ، مِنهم: زَيْنُ العابِدِينَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِيُّ، بَلْ يُصْرَفُ إلى الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ. وقَدْ كَتَبَ الزُّهْرِيُّ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: يُفَرِّقُها عَلى الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، قالَ: إلّا المُؤَلِّفَةَ، فَإنَّهُمُ انْقَطَعُوا. وأمّا أنَّ الفُقَراءَ غَيْرُ المَساكِينِ، فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّ الفَقِيرَ والمِسْكِينَ سَواءٌ، لا فَرْقَ بَيْنَهُما في المَعْنى، وإنِ افْتَرَقا في الِاسْمِ، وهُما صِنْفٌ واحِدٌ سُمِّيَ بِاسْمَيْنِ لِيُعْطى سَهْمَيْنِ نَظَرًا لَهم ورَحْمَةً. قالَ في التَّحْرِيرِ: وهَذا هو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُما صِنْفانِ يَجْمَعُهُما الإقْلالُ والفاقَةُ، واخْتَلَفُوا فِيما بِهِ الفَرْقُ. فَقالَ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ، مِنهم أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وأحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ: الفَقِيرُ أبْلَغُ فاقَةً. وقالَ غَيْرُهُ، مِنهم أبُو حَنِيفَةَ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، وابْنُ السِّكِّيتِ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: المِسْكِينُ أبْلَغَ فاقَةً؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ لَهُ. والفَقِيرُ مَن لَهُ بُلْغَةٌ مِنَ الشَّيْءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الفُقَراءُ هم مِنَ المُهاجِرِينَ، والمَساكِينُ مَن لَمْ يُهاجِرْ. وقالَ النَّخَعِيُّ نَحْوَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الفُقَراءُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمَساكِينُ مِن أهْلِ …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.