بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
[This is a declaration of] disassociation, from Allah and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.
(سُورَةُ التَّوْبَةِ)
مَقْصُودُها مُعاداةُ مَن أعْرَضَ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ السُّورَةُ الماضِيَةُ مِنَ اتِّباعِ الدّاعِي إلى اللَّهِ في تَوْحِيدِهِ واتِّباعُ ما يُرْضِيهِ، ومُوالاةُ مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ، وأدُلُّ ما فِيها عَلى الإبْلاغِ في هَذا المَقْصِدِ قِصَّةُ المُخَلَّفِينَ فَإنَّهم - لِاعْتِرافِهِمْ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الدّاعِي بِغَيْرِ عُذْرٍ في غَزْوَةِ تَبُوكَ المُحْتَمَلِ عَلى وجْهٍ بَعِيدٍ مِنهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِلْإعْراضِ بِالقَلْبِ - هُجِرُوا، وأُعْرِضَ عَنْهم بِكُلِّ اعْتِبارٍ حَتّى بِالكَلامِ، فَذَلِكَ مَعْنى تَسْمِيَتِها بِالتَّوْبَةِ، وهو يَدُلُّ عَلى البَراءَةِ لِأنَّ البَراءَةَ مِنهم بِهِجْرانِهِمْ حَتّى في رَدِّ السَّلامِ، كانَ سَبَبَ التَّوْبَةِ، فَهو مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، وتَسْمِيَتُها بَراءَةَ واضِحٌ أيْضًا فِيما ذُكِرَ مِن مَقْصُودِها، وكَذا الفاضِحَةُ؛ لِأنَّ مَنِ افْتُضِحَ كانَ أهْلًا لِلْبَراءَةِ مِنهُ، والبُحُوثِ لِأنَّهُ لا يُبْحَثُ إلّا عَنْ حالِ البَغِيضِ، والمُبَعْثِرَةُ هو المُنَفِّرَةُ والمُثَبِّرَةُ والحَفّارَةُ والمُخْزِيَةُ والمُهْلِكَةُ والمُشَرِّدَةُ والمُدَمْدِمَةُ والمُنَكِّلَةُ؛ لِأنَّهُ لا يُبَعْثَرُ إلّا حالُ العَدُوِّ وكَذا بَعْدَهُ، والمُشَرِّدَةُ عَظِيمَةُ المُناسَبَةِ مَعَ ذَلِكَ لِما أشارَتْ إلَيْهِ الأنْفالُ فِي: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وسُورَةُ العَذابِ أيْضًا واضِحَةٌ في مَقْصُودِها، وكَذا المُقَشْقِشَةُ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ مَعْناهُ المُبَرِّئَةُ مِنَ النِّفاقِ، مِن تَقَشْقَشَتْ قُرُوحُهُ، إذا تَقَشَّرَتْ لِلْبُرْءِ، وتَوْجِيهُهُ أنَّ مَن عَرَفَ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنهُ ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ لِأمْرٍ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ، وعِنْدِي أيْضًا أنَّهُ مُضاعَفُ القَشِّ الَّذِي مَعْناهُ الجَمْعُ؛ لِأنَّها جَمَعَتْ أصْنافَ المُنافِقِينَ وأحْوالَهم وعَلَيْهِ خَرَجَ ما في وصْفِ أبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ لِمَن أرادَ نِكاحَها: أخافُ عَلَيْكَ قَشْقاشَتَهُ، أيْ: تَتَبُّعَهُ لِمَذاقِ الأُمُورِ، أخْذًا مِنَ القَشِّ الَّذِي هو تَطَلُّبُ المَأْكُولِ مِن هَهُنا وهَهُنا، أوْ عَصاهُ الَّتِي هي غايَةُ ذَلِكَ، ومادَّةُ قَشَّ ومَقْلُوبُها شَقَّ ومُضاعَفُهُما قَشْقَشَ وشَقْشَقَ تَدُورُ عَلى الجَمْعِ وتُلازِمُهُ الفُرْقَةُ؛ فَإنَّهُ لا يَجْتَمِعُ إلّا ما كانَ مُفَرَّقًا ولا يُفَرَّقُ إلّا ما كانَ مُجْتَمِعًا، وقَدِ اقْتَسَمَ هَذانِ المِثالانِ المَعْنِيَّيْنِ إلّا قَلِيلًا، فَقَشَّ القَوْمُ: صَلَحُوا وأُحْيُوا بَعْدَ الهُزالِ بِجْمَعِ اللَّحْمِ، والرَّجُلُ: أكَلَ مِن هَهُنا وهَهُنا ولَفَّ ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِمّا عَلى الخِوانِ، واضِحٌ في ذَلِكَ، وأقْشَوْا وانْقَشُّوا - إذا انْطَلَقُوا فَجَفَلُوا ومَرُّوا ذاهِبِينَ - وقَدِ انْقَشُّوا إذا مَرُّوا وذَهَبُوا مُسْرِعِينَ لِاجْتِماعِهِمْ في ذَلِكَ وجَمْعِهِمْ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن مَتاعِهِمْ، والقَشُّ والإقْشاشُ: طَلَبُ المَأْكُولِ مِن هَهُنا وهَهُنا لِجَمْعِهِ، والقِشَّةُ - بِالكَسْرِ: القِرَدَةُ كَأنَّها لِجَمْعِها ما رَأتْ مِمّا يُؤْكَلُ في فِيها، والصَّبِيَّةُ الصَّغِيرَةِ الجُثَّةِ الَّتِي لا تَكادُ تَثْبُتُ كَأنَّها لِاجْتِماعِها في نَفْسِها، وكَذا القَشِيشُ: الصَّغِيرُ مِنَ الصِّبْيانِ، ودُوَيِّبَةٌ كالجُعَلِ إمّا لِاجْتِماعِها في نَفْسِها أوْ لِجَمْعِها القاذُوراتِ، والقَشِيشُ كَأمِيرٍ: اللُّقاطَةُ؛ لِأنَّها يَجْمَعُها اللَّقّاطُونَ، وصَوْتُ جِلْدِ الحَيَّةِ يُحَكُّ بَعْضُها بِبَعْضٍ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ التَّثَنِّي والتَّجَمُّعِ، وقَشَّ مِنَ الجُدَرِيِّ: بَرِئَ مِنهُ …