Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 41–50 of 129

41

ٱنفِرُوا۟ خِفَافًۭا وَثِقَالًۭا وَجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

Go forth, whether light or heavy, and strive with your wealth and your lives in the cause of Allah. That is better for you, if you only knew.

ولَمّا بَلَغَتْ هَذِهِ المَواعِظُ مِنَ القُلُوبِ الواعِيَةِ مَبْلَغًا هَيَّأها بِهِ لِلْقَبُولِ، أقْبَلَ عَلَيْها سُبْحانَهُ بِالأمْرِ فَقالَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ والمُرادُ بِالخِفَّةِ كُلُّ ما يَكُونُ سَبَبًا لِسُهُولَةِ الجِهادِ والنَّشاطِ إلَيْهِ، وبِالثِّقَلِ كُلُّ ما يَحْمِلُ عَلى الإبْطاءِ عَنْهُ؛ وقالَ أبُو حَيّانَ: والخِفَّةُ والثِّقَلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِسُهُولَةٍ ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالأعْمى ونَحْوِهِ فَخارِجٌ عَنْ هَذا. انْتَهى.

قالَ البَغَوِيُّ: قالَ الزُّهْرِيُّ: خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ الغَزْوَ وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ عَلِيلٌ صاحِبٌ ضَرَرٍ فَقالَ: اسْتَنْفَرَ اللَّهُ الخَفِيفَ والثَّقِيلَ، فَإنْ لَمْ يُمْكِنِّي الحَرْبُ كَثَّرْتُ السَّوادَ وحَفِظْتُ المَتاعَ؛ ورَوى أبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أنَسٍ أنَّ أبا طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَرَأ سُورَةَ بَراءَةَ فَأتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لا أرى رَبِّي يَسْتَنْفِرُنِي شابًّا وشَيْخًا! جَهِّزُونِي، فَماتَ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ جَزِيرَةً يَدْفِنُونَهُ فِيها إلّا بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ فَما تَغَيَّرَ.

﴿وجاهِدُوا﴾ أيْ: أوْقِعُوا جُهْدَكم لِيَقَعَ جُهْدُ الكُفّارِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سِياقِ المُعاتَبَةِ لِمَن تَثاقَلَ إلى الأرْضِ عَنِ الجِهادِ عِنْدَ الِاسْتِنْفارِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَ سَبَبُ التَّثاقُلِ ما كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ العُسْرَةِ في المالِ والشَّدَّةِ بِالحَرِّ وما كانَ مِن طِيبِ الظِّلالِ في أراضِي الجِنانِ وقْتَ الأخْذِ في اسْتِواءِ الثِّمارِ - كَما هو مَشْهُورٌ في السِّيَرِ؛ اقْتَضى المَقامُ هُنا تَقْدِيمَ المالِ والنَّفْسِ بِخِلافِ ما مَضى؛ فَإنَّ الكَلامَ كانَ في المُفاضَلَةِ بَيْنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ وخِدْمَةِ البَيْتِ ومَن يَحُجُّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي صادَفَ وقْتُ نُزُولِها بَعْدَ مَواطِنِ الجِهادِ وطُولِ المُفارَقَةِ لِلْأمْوالِ والأوْلادِ وقَدَّمَ المالَ لِأنَّ النَّظَرَ إلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ: قِلَّتِهِ، ومَحَبَّةِ الإقامَةِ في الحَدائِقِ إيثارًا لِلتَّمَتُّعِ بِها وخَوْفًا مِن ضَياعِها مَعَ أنَّ بِها قِوامَ الأنْفُسِ، فَصارَ النَّظَرُ إلَيْها هو الحامِلَ عَلى الشُّحِّ بِالأنْفُسِ فَقالَ تَعالى: ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: بِهِما مَعًا عَلى ما أمْكَنَكم أوْ بِأحَدِهِما ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْلى أيْ: حَتّى لا يَبْقى مِنهُ مانِعٌ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ حاصِلٌ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: خاصٌّ بِكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ بِمَعْنى أنَّ عِبادَةَ المُجاهِدِ بِالجِهادِ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ القاعِدِ بِغَيْرِهِ كائِنًا ما كانَ، كَما قالَ ﷺ لِمَن سَألَهُ: هَلْ يُمْكِنُ بُلُوغُ دَرَجَةِ المُجاهِدِ؟ فَقالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَقُومَ فَلا تَفْتُرُ وتَصُومَ فَلا تُفْطِرُ؟ وخَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ هَذا الأمْرَ وإنْ كانَ عامًّا فَإنَّما يَنْتَفِعُ بِهِ ذَوُو الأذْهانِ الصّافِيَةِ والمَعالِمِ الوافِيَةِ، فَإنَّ العِلْمَ - ولا يُعَدُّ عِلْمًا إلّا النّافِعُ - يَحُثُّ عَلى العَمَلِ وعَلى إحْسانِهِ بِإخْلاصِ النِّيَّةِ وتَصْحِيحِ المَقاصِدِ وتَقْوِيَةِ العَزْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ وضِدُّهُ يُورِثُ ضِدَّهُ.

42

لَوْ كَانَ عَرَضًۭا قَرِيبًۭا وَسَفَرًۭا قَاصِدًۭا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

Had it been an easy gain and a moderate trip, the hypocrites would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allah, "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allah knows that indeed they are liars.

ولَمّا كانَ هَذا العِتابُ مُؤْذِنًا بِأنَّ فِيهِمْ مَن تَباطَأ عَنِ الجِهادِ اشْتِغالًا بِنَحْوِ الأمْوالِ والأوْلادِ، وكانَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ مِنَ الأوامِرِ والزَّواجِرِ والمَواعِظِ جَدِيرًا بِأنْ يُخَفِّفَ كُلَّ مُتَثاقِلٍ ويُنَشِّطَ كُلَّ مُتَكاسِلٍ، تَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى ما اتَّفَقَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ بِهِ في أسالِيبِ البَلاغَةِ المُخْبِرَةِ عَنْ أحْوالِ القاعِدِينَ وأقاصِيصِ الجامِدِينَ المُفْهِمَةِ أنَّ هُناكَ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِالمَواعِظِ، فالتَفَتَ مِن لُطْفِ الإقْبالِ إلى تَبْكِيتِ المُتَثاقِلِينَ بِأُسْلُوبِ الإعْراضِ المُؤْذِنِ الغَضَبَ المُحَقَّقَ لِلسُّخْطِ المُبَيِّنِ لِفَضائِحِهِمُ المُبَعْثِرِ لِقَبائِحِهِمُ المُخْرِجِ لَهم ما دَخَلُوا فِيهِ مِن عُمُومِ الدُّعاءِ بِاسْمِ الإيمانِ فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ﴾ أيْ: ما تَدْعُو إلَيْهِ ﴿عَرَضًا﴾ أيْ: مَتاعًا دُنْيَوِيًّا ﴿قَرِيبًا﴾ أيْ: سَهْلَ التَّناوُلِ ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ أيْ: وسَطًا عَدْلًا مُقارِبًا ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ رَجاءِ العَرَضِ مَعَ سُهُولَةِ السَّفَرِ لِأنَّ هِمَمَهم قاصِرَةٌ ومَنُوطَةٌ بِالحاضِرِ ﴿ولَكِنْ﴾ أيْ: لَمْ يَتَّبِعُوكَ تَثاقُلًا إلى الأرْضِ ورِضًى بِالفانِي الحاضِرِ مِنَ الباقِي الغائِبِ لِأنَّها ﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أيِ: المَسافَةُ الَّتِي تُطْوى بِذَرْعِ الأرْجُلِ بِالمَسِيرِ فَيَحْصُلُ بِها النَّكالُ والمَشَقَّةُ فَلَمْ يُوازِ ما يَحْصُلُ لَهم بِها مِنَ التَّعَبِ ما يَرْجُونَهُ مِنَ العَرَضِ، فاسْتَأْذَنُوكَ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى ذَمِّهِمْ بِسُفُولِ الهِمَمِ ودَناءَةِ الشِّيَمِ بِالعَجْزِ والكَسَلِ والنَّهَمِ والثِّقَلِ، وإلى أنَّ هَذا الدِّينَ مَتِينٌ لا يَحْمِلُهُ إلّا ماضِي الهَمِّ صادِقُ العَزْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎إذا هَمَّ ألْقى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ وأعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ العَواقِبِ جانِبا

فَلِلَّهِ دَرُّ أُولِي العَزائِمِ والصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ والمَغارِمِ! ولَمّا ذَمَّهم بِالشُّحِّ بِالدُّنْيا، أتْبَعَهُ وصْمَهم بِالسَّماحِ بِالدِّينِ فَقالَ مُخْبِرًا عَمّا سَيَكُونُ مِنهم عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ: ﴿وسَيَحْلِفُونَ﴾ أيِ: المُتَخَلِّفُونَ بِإخْبارٍ مُحَقَّقٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ عِنْدَ رُجُوعِكم إلَيْهِمْ جَمْعًا إلى ما انْتَهَكُوا مِن حُرْمَتِكَ بِالتَّخَلُّفِ عَنْكَ لِانْتِهاكِ حُرْمَةِ اللَّهِ بِالكَذِبِ قائِلِينَ: واللَّهِ ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا﴾ أيِ: الخُرُوجَ إلى ما دَعَوْتُمُونا إلَيْهِ ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ يَحْلِفُونَ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: بِهَذا الحَلِفِ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ حَياتَها لِأنَّهم كَذَبُوا فِيهِ فانْتَهَكُوا حُرْمَةَ اسْمِ اللَّهِ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً سُبْحانَهُ: ﴿يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ إهْلاكِ أنْفُسِهِمْ والفَضِيحَةِ عِنْدَ اللَّهِ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِهِمْ في أنَّهم غَيْرُ مُسْتَطِيعِينَ، وجَزاءُ الكاذِبِ في مِثْلِ ذَلِكَ الغَضَبُ المُؤَبَّدُ المُوجِبُ لِلْعَذابِ الدّائِمِ المُخَلَّدِ.

43

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ

May Allah pardon you, [O Muhammad]; why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

ولَمّا بَكَّتَهم عَلى وجْهِ الإعْراضِ لِأجْلِ التَّخَلُّفِ والحَلِفِ عَلَيْهِ كاذِبًا، أقْبَلَ إلَيْهِ ﷺ بِالعِتابِ في لَذِيذِ الخِطابِ عَلى الِاسْتِرْسالِ في اللِّينِ لَهم والِائْتِلافِ وأخْذِ العَفْوِ وتَرْكِ الخِلافِ إلى هَذا الحَدِّ، فَقالَ مُؤْذِنًا بِأنَّهم ما تَخَلَّفُوا إلّا بِإذْنِهِ ﷺ لِأعْذارٍ ادَّعَوْها كاذِبِينَ فِيها كَما كَذَبُوا في هَذا الحَلِفِ، مُقَدِّمًا لِلدُّعاءِ عَلى العِتابِ لِشِدَّةِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ واللُّطْفِ بِهِ ﷺ: ﴿عَفا اللَّهُ﴾ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴿عَنْكَ﴾ وهَذا كَما كانَتْ عادَةُ العَرَبِ في مُخاطَبَتِهِمْ لِأكابِرِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا: أصْلَحَ اللَّهُ الأمِيرَ، والمَلِكَ - ونَحْوَ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَأْذَنُ إلّا لِما يَرى أنَّهُ يُرْضِي اللَّهَ مِن تَألُّفِهِمْ ونَحْوِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَرْضى مِنهُ تَرْكَ الإذْنِ فَقالَ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ عَنْكَ تَمَسُّكًا بِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِاللِّينِ لَهم والصَّفْحِ عَنْهم مُوافِقًا لِما جُبِلْتَ عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الرِّفْقِ، وهَذا إنَّما كانَ في أوَّلِ الأمْرِ لِخَوْفِ التَّنازُعِ والفِتْنَةِ، وأمّا الآنَ فَقَدْ عَلا الدِّينُ وتَمَكَّنَ أمْرُ المُؤْمِنِينَ فالمَأْمُورُ بِهِ الإغْلاظُ عَلى المُنافِقِينَ فَهَلّا تَرَكْتَ الإذْنَ لَهم ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ﴾ أيْ: غايَةَ البَيانِ ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ: في التِزامِ الأوامِرِ بِما أقَرُّوا بِهِ مِن كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ﴿وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: فِيما أظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ بِاللِّسانِ، فَإنَّكَ إنْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم لَقَعَدُوا بِلا إذْنٍ غَيْرَ مُراعِينَ مِيثاقَهُمُ الَّذِي واثَقُوكَ عَلَيْهِ بِالطّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: و”حَتّى“ غايَةُ الِاسْتِفْهامِ. انْتَهى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ وإنْ كانَ داخِلًا عَلى فِعْلٍ مُثْبَتٍ فَمَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ: ما لَكَ لَمْ تَحْمِلْهم عَلى الغَزْوِ مَعَكَ لِيَتَحَقَّقَ بِذَلِكَ الحَمْلِ مَن يُطِيعُ ومَن يَعْصِي، فالحاصِلُ أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ ﷺ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ؛ فَإنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى بَلْ عَنْ أمْرِ اللَّهِ إمّا بِإيحاءٍ واصِلٍ جَدِيدٍ، أوِ اسْتِنادٍ إلى وحْيٍ سابِقٍ حاصِلٍ عَتِيدٍ، والَّذِي أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أحْسَنُ مَثَلٍ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: ٢] مِن بابِ ”حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ“ ومِن بابِ التَّرْقِيَةِ مِن مَقامٍ عالٍ إلى مَقامٍ أعْلى تَسْيِيرًا فِيهِمْ بِالعَدْلِ لِما انْكَشَفَ أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلِ الفَضْلِ؛ قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في آخِرِ كِتابِ: ”العُرْوَةُ في تَفاوُتِ وجْهِ الخِطابِ فِيما بَيْنَ ما أُنْزِلَ عَلى وفْقِ الوَصِيَّةِ أوْ أُنْزِلَ عَلى حُكْمِ الكِتابِ“: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ العالَمِينَ وخَلَّقَهُ بِالعَفْوِ والمَعْرُوفِ، كَما ورَدَ في الكُتُبِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”وأجْعَلُ العَفْوَ والمَعْرُوفَ خُلَقَهُ“ وبِذَلِكَ وصّاهُ كَما ورَدَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أوْصانِي رَبِّي مِن غَيْرِ تُرْجُمانٍ ولا واسِطَةٍ بِسَبْعِ خِصالٍ: بِخَشْيَةِ اللَّهِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، وأنْ أصِلَ مَن قَطَعَنِي، وأصْفَحَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأُعْطِيَ مَن حَرَمَنِي، وأنْ يَكُونَ نُطْقِي ذِكْرًا، وصَمْتِي فِكْرًا، ونَظَرِي عِبْرَةً“».

فَكانَ فِيما أوْصاهُ بِهِ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن غَيْرِ تُرْجُمانٍ ولا واسِطَةٍ أنْ يَصِلَ مَن …

44

لَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ

Those who believe in Allah and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving with their wealth and their lives. And Allah is Knowing of those who fear Him.

ولَمّا فاتَهُ ﷺ مَعْرِفَتُهم بِهَذا الطَّرِيقِ، شَرَعَ العالِمُ بِما في الضَّمائِرِ يَصِفُهم لَهُ بِما يُعَوِّضُ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِلسُّؤالِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ: يَطْلُبُ إذْنَكَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ فِيهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ الإيمانَ كُلَّ وقْتٍ حَقًّا مِن أنْفُسِهِمْ بِالمَلِكِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ ﴿أنْ﴾ أيْ: في أنْ ﴿يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ بَلْ يُبادِرُونَ إلى الجِهادِ عِنْدَ إشارَتِكَ إلَيْهِ وبَعْثِكَ عُمُومًا عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ عَنْهُ، فَإنَّ الخُلَّصَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ كانُوا يَقُولُونَ: لا نَسْتَأْذِنُهُ ﷺ أبَدًا في الجِهادِ؛ فَإنَّ رَبَّنا نَدَبَنا إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاسْتِئْذانِ! ولَنُجاهِدَنَّ مَعَهُ بِأمْوالِنا وأنْفُسِنا، وكانُوا بِحَيْثُ لَوْ أمَرَهم ﷺ بِالقُعُودِ شَقَّ عَلَيْهِمْ كَما وقَعَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتّى قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا تَرْضى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى!» ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ مُتَّقٍ بِأخْبارِ اللَّهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَخافُونَ اللَّهَ كُلُّهم.

45

إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ

Only those would ask permission of you who do not believe in Allah and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

ولَمّا أخْبَرَ بِالمُتَّقِينَ، عَرَّفَ بِغَيْرِهِمْ عَلى وجْهِ الحَصْرِ تَأْكِيدًا لِتَحْقِيقِ صِفَةِ العِلْمِ بِما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ، فَصارَ الِاسْتِئْذانُ مَنفِيًّا عَنِ المُؤْمِنِينَ مَرَّتَيْنِ، فَثَبَتَ لِلْمُنافِقِينَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ: في مِثْلِ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِالِاسْتِئْذانِ في التَّخَلُّفِ! ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم إيمانٌ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ نِهايَةُ العَظَمَةِ إيمانًا مُسْتَجْمِعًا لِلشَّرائِطِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ لِأنَّهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا وإنِ ادَّعَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ.

ولَمّا كانَتْ [هَذِهِ] صِفَةَ المُصارِحِينَ بِالكُفْرِ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ المُنافِقُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: تابَعَتِ الوَساوِسَ وتَعَمَّدَتِ المَشْيَ مَعَها حَتّى تَخَلَّقَتْ بِالشَّكِّ؛ ولَمّا كانَ الشّاكُّ لا يَزالُ يَتَجاذَبُهُ حُسْنُ الفِطْرَةِ وسُوءُ الوَسْوَسَةِ، قالَ: ﴿فَهُمْ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم ﴿فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أيْ: بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ دَأْبَ المُتَحَيِّرِ لا يَجْزِمُونَ بِشَيْءٍ مِنهُما وإنْ صَدَّقُوا أنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ فَإنَّ المُشْرِكِينَ يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ ولَكِنَّهُ لا يَنْفَعُهم لِلْإخْلالِ بِشَرْطِهِ، ولَيْسَ اسْتِئْذانُهم في أنْ يُجاهِدُوا لِإرادَةِ الجِهادِ بَلْ تَوْطِئَةً لِأنْ يَقُولُوا إذا أمَرْتَهم بِهِ: إنَّهُ لا عِدَّةَ لَنا في هَذا الوَقْتِ فَأْذَنْ لَنا في التَّخَلُّفِ حَتّى نَسْتَعِدَّ! وقَدْ كَذَبُوا، ما ذَلِكَ بِهِمْ، إنَّما بِهِمْ أنَّهم لا يُرِيدُونَ الخُرُوجَ مَعَكَ

46

۞ وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةًۭ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allah disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."

﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ﴾ أيْ: قَبْلَ حُلُولِهِ ﴿عُدَّةً﴾ أيْ: قُوَّةً وأُهْبَةً مِنَ المَتاعِ والسِّلاحِ والكُراعِ بِحَيْثُ يَكُونُونَ مُتَّصِفِينَ بِما قَدَّمْتَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى نَحْوِ ما وقَعَ الأمْرُ بِهِ في الأنْفالِ فَيَكُونُونَ كالحاضِرِينَ في صُلْبِ الحَرْبِ الواقِفِينَ في الصَّفِّ قَدِ اسْتَعَدُّوا لَها بِجَمِيعِ عُدَّتِها ﴿ولَكِنْ﴾ لَمْ يُرِيدُوا ذَلِكَ قَطُّ فَلَمْ يُعِدُّوا لَهُ عُدَّةً، فَمَلّا أمَرْتَ بِهِ شَرَعُوا يَعْتَلُّونَ بِعَدَمِ العُدَّةِ وما ذاكَ بِهِمْ، إنَّما مانِعُهُمُ كَراهَتُهم لِلْخُرُوجِ وذَلِكَ بِسَبَبِ أنْ ﴿كَرِهَ اللَّهُ﴾ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ بِأنْ فَعَلَ فِعْلَ الكارِهِ فَلَمْ يُرِدِ ﴿انْبِعاثَهُمْ﴾ أيْ: سَيْرَهم مَعَكَ مُطاوَعَةً لِأمْرِهِمْ بِذَلِكَ لِما عَلِمَ مِن عَدَمِ صَلاحِيَتِهِمْ لَهُ ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أيْ: حَبَسَهم عَنْهُ حَبْسًا عَظِيمًا بِما شَغَلَهم بِما بِما حَبَّبَ إلَيْهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ وكَرَّهَ إلَيْهِمْ مِنَ ارْتِكابِ المَشَقّاتِ بِسَبَبِ أنَّهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخْشَوْنَ غَيْرَ السَّيْفِ عِقابًا، قَصَرُوا هِمَمَهُمُ الدَّنِيَّةَ عَلى الصِّفاتِ البَهِيمِيَّةِ، فَلَمّا اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمُ الشَّهَواتُ ومَلَكَتْهُمُ الأنْفُسُ الدَّنِيّاتُ نُودُوا مِن قِبَلِها: إلى أيْنَ تَخْرُجُونَ؟ ﴿وقِيلَ﴾ أيْ: لَهم لَمّا أسْرَعُوا الإقْبالَ إلَيْها ﴿اقْعُدُوا﴾ أيْ: عَنْ جُنْدِي لا تَصْحَبُوهُمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿مَعَ القاعِدِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ شَأْنُهم ذَلِكَ كالمَرْضى والزَّمْنى والصِّبْيانِ والنِّساءِ - مِنَ التَّبْكِيتِ ما لا يَعْلَمُ مِقْدارَهُ إلّا أُولُو الهِمَمِ العَلِيَّةِ والأنْفُسِ الأبِيَّةِ، وعَبَّرَ بِالمَجْهُولِ إشارَةً إلى أنَّهم يُطِيعُونَ الأمْرَ بِالقُعُودِ حَقِيقَةً ومَجازًا كائِنًا مَن كانَ كَما أنَّهم يَعْصُونَ الأمْرَ بِالنَّفْرِ كائِنًا مَن كانَ لِأنَّ أنْفُسَهم قابِلَةٌ لِلدَّنايا غَيْرُ صالِحَةٍ لِلْمَزايا بِوَجْهٍ.

47

لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًۭا وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّٰعُونَ لَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah. And among you are avid listeners to them. And Allah is Knowing of the wrongdoers.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ ثَبَّطَهم وقَدْ كُنّا قاصِدِينَ سَفَرًا بَعِيدًا وعَدُوًّا كَثِيرًا شَدِيدًا فَنَحْنُ مُحْتاجُونَ إلى الإسْعادِ ولَوْ بِتَكْثِيرِ السَّوادِ! قِيلَ: و﴿لَوْ﴾ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لِأنَّهم لَوْ ﴿خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ أيْ: وإنْ كانُوا قَلِيلًا مَعْمُورِينَ بِجَماعاتِكم ﴿ما زادُوكُمْ﴾ أيْ: بِخُرُوجِهِمْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا خَبالا﴾ أيْ: ما أتَوْكم بِشَيْءٍ زائِدٍ عَلى ما عِنْدَكم مِنَ الأشْياءِ غَيْرِ الخَبالِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ والمُسْتَثْنى مِنهُ - المُقَدَّرُ الثّابِتُ لَهُمُ الِاتِّصافُ بِهِ - هو الشَّيْءُ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي اتِّصافَ أحَدٍ مِنهم بِالخَبالِ قَبْلَ خُرُوجِ المُنافِقِينَ، والخَبالُ: الفَسادُ، وهو يُنْظَرُ عَلى الخِداعِ والأخْذِ عَلى غِرَّةٍ ﴿ولأوْضَعُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الإيضاعَ، حَذَفَ المَفْعُولَ إشارَةً إلى أنَّ مُرادَهُمُ الإيضاعُ نَفْسُهُ لا بِقَيْدِ دابَّةٍ، وعَبَّرَ بِالإيضاعِ لِأنَّهُ لِلرّاكِبِ وهو أسْرَعُ مِنَ الماشِي ﴿خِلالَكُمْ﴾ أيْ: لَأسْرَعُوا في السَّيْرِ ذَهابًا وإيابًا بَيْنَكم في تَتَبُّعِ عَوْراتِكم وانْتِظارِ زَلّاتِكم لِيَجِدُوا مِنها مَدْخَلًا إلى الفَسادِ بِالنَّمِيمَةِ وغَيْرِها إنْ لَمْ يَجِدُوها، والإيضاعُ في السَّيْرِ يَكُونُ بِرِفْقٍ ويَكُونُ بِإسْراعٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإسْراعُ، ومادَّةُ وضَعَ بِجَمِيعِ تَراكِيبِها تَدُورُ عَلى الحَرَكَةِ، وتارَةً تَكُونُ إلى عُلُوٍّ وتارَةً إلى سُفُولٍ، ويَلْزَمُ ذَلِكَ السُّكُونُ والمَحَلُّ القابِلُ لِذَلِكَ، وعَلى ذَلِكَ يَتَمَشّى العُضْوُ والعِوَضُ، وعَوْضٌ الَّذِي هو بِمَعْنى الدَّهْرِ، وضَوْعُ الرِّيحِ والتَّصْوِيتِ بِالبُكاءِ، والضَّعَةُ لِشَجَرَةٍ في البادِيَةِ، والوَضْعُ لِلطَّرْحِ في مَكانِ والسَّيْرِ اللَّيِّنِ والسَّرِيعِ؛ والخِلالُ جَمْعُ الخَلَلِ وهو الفُرْجَةُ ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ يُرِيدُونَ لَكم ﴿الفِتْنَةَ﴾ أيْ: بِتَشْتِيتِ الشَّمْلِ وتَفْرِيقِ الأصْحابِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] أنَّها الخَلْطَةُ المُمِيلَةُ المَحَلِّيَّةُ، أيْ: يُرِيدُونَ لَكُمُ الشَّيْءَ الَّذِي يُصِيبُكم فَغَيَّرَ حالَتَكم إلى ما يَسُوءُكم فَيَسُرُّهم ﴿وفِيكُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ فِيكم ﴿سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ: في غايَةِ القَبُولِ لِكَلامِهِمْ لِضِعْفِ مَعارِفِهِمْ وآرائِهِمْ.

ورُبَّما كانَ سَماعُهم مِنهم مُؤَدِّيًا إلى مَطْلُوبِهِمْ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي أخْبَرَكم بِهَذا مِن حالِهِمْ ولَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِهِمْ، فَثِقُوا بِأخْبارِهِمْ. هَكَذا كانَ الأصْلُ وإنَّما قالَ: ﴿بِالظّالِمِينَ﴾ إشارَةً إلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ الشَّقاءَ بِمَنعِهِمْ عَنْ مَوْطِنِ الخَيْرِ، وتَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ بِالعِلْمِ بِهِمْ وبِمَن سَمِعَ لَهم وبِكُلِّ ظالِمٍ، والحاصِلُ أنَّهُ شَبَّهَ سَعْيَهم فِيهِمْ بِالفَسادِ بِمَن يُوضَعُ بِعِيرُهُ في أرْضٍ فِيها أجْرامٌ شاخِصَةٌ مُتَقارِبَةٌ، فَهو في غايَةِ الِالتِفاتِ إلى مَعْرِفَةِ ما فِيها مِنَ الفَرَجِ والتَّأمُّلِ لِذَلِكَ حَذَرًا مِن أنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأجْرامِ فَيَسْقِيهِ كَأْسَ الحِمامِ، فَلا شُغْلَ لَهم إلّا بُغْيَةُ فَسادِكم بِعَدَمِ وُصُولِكم إلى شَيْءٍ مِن مُرادِكم.

48

لَقَدِ ٱبْتَغَوُا۟ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلْأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَٰرِهُونَ

They had already desired dissension before and had upset matters for you until the truth came and the ordinance of Allah appeared, while they were averse.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ، وحَثَّ عَلى قَبُولِ أخْبارِهِمْ بِما وصَفَ بِهِ ذاتَهُ الأقْدَسَ مِن إحاطَةِ العِلْمِ، شَرَعَ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلى ما قالَ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأشْياءَ تَقَدَّمَتْ مُشاهَدَتُها مِنهُمْ، فَقالَ مُعَلِّلًا لِما أخْبَرَ بِهِ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا﴾ أيْ: طَلَبُوا طَلَبًا عَظِيمًا كُلُّهم لَكم ﴿الفِتْنَةَ﴾ أيْ: لِتَشْتِيتِكم ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ هَذِهِ الغَزْوَةِ في يَوْمِ أُحُدٍ بِكَسْرِ قُلُوبِ العَسْكَرِ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ حَتّى كادَ بَعْضُهم أنْ يَفْشَلَ وفي المُرَيْسِيعِ بِما قالَ ابْنُ أُبَيٍّ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وفي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ بِما وقَعَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ في أخْذِ كُنُوزِ كِسْرى وقَيْصَرَ والإرْجافِ بِكم في نَقْضِ بَنِي قُرَيْظَةَ وغَيْرِ ذَلِكَ كَما صَنَعُوا قَبْلَهُ في غَزْوَةِ قَيْنُقاعَ والنَّضِيرِ في قَصْدِهِمْ تَقْوِيَةَ كُلٍّ مِنهم عَلَيْكم وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِن أيّامِ اللَّهِ الَّتِي عَكَسَ فِيها قُصُودَهم وأنْعَسَ جُدُودَهم ﴿وقَلَّبُوا﴾ أيْ: تَقْلِيبًا كَثِيرًا ﴿لَكَ الأُمُورَ﴾ أيِ: الَّتِي لَكَ فِيها أذًى ظَهْرًا لِبَطْنٍ بِإحالَةِ الآراءِ وتَدْبِيرِ المَكايِدِ والحِيَلِ لَعَلَّهم يَجِدُونَ فُرْصَةً في نَقْضِ أمْرِكَ يَنْتَهِزُونَها أوْ ثُغْرَةً في حالَةٍ يُوَسِّعُونَها، وامْتَدَّ بِهِمُ الحالُ في هَذا المِحالِ ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ: الثّابِتُ الَّذِي لا مِراءَ في مُزاوَلَتِهِ مِمّا تَقَدَّمَ بِهِ وعْدُهُ سُبْحانَهُ مِن إظْهارِ الدِّينِ وقَمْعِ المُفْسِدِينَ ﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيِ: المُتَّصِفُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ حَتّى لا مَطْمَعَ لَهم في سَتْرِهِ ﴿وهم كارِهُونَ﴾ أيْ: لِجَمِيعِ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ لَهم مَطْمَعٌ في مُحاوَلَةٍ بِمُواجَهَةٍ ولا مُخاتَلَةٍ فَصارَ هَمُّهُمُ الآنَ الِاعْتِزالَ والمُبالَغَةَ في إخْفاءِ الأحْوالِ وسَتْرِ الأفْعالِ والأقْوالِ.

49

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen. And indeed, Hell will encompass the disbelievers.

ولَمّا أجْمَلَهم في هَذا الحُكْمِ، وكانَ قَدْ أشارَ إلى أنَّ مِنهم مَن كانَ قَدِ اسْتَأْذَنَ في الخُرُوجِ تَوْطِئَةً لِلِاعْتِذارِ عَنْهُ، شَرَعَ يَفْصِلُهُمْ، وبَدَأ المُفَصَّلِينَ بِمَن صَرَّحَ بِالِاسْتِئْذانِ في القُعُودِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا﴾ [التوبة: ٤٨] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ﴾ أيْ: في جِبِلَّتِهِ تَجْدِيدُ هَذا القَوْلِ مِن غَيْرِ احْتِشامٍ ﴿ائْذَنْ لِي﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ عَنْكَ ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ أيْ: تَكُنْ سَبَبًا في فِتْنَتِي بِالحَزْمِ بِالأمْرِ بِالنَّفْرِ فَأفْتَتِنُ إمّا بِأنْ أتَخَلَّفَ فَأكُونَ مُصارِحًا بِالمَعْصِيَةِ أوْ أُسافِرَ فَأمِيلَ إلى نِساءِ بَنِي الأصْفَرِ فَأرْتَدَّ عَنِ الدِّينِ فَإنَّهُ لا صَبْرَ لِي عَنِ النِّساءِ، وقائِلُ ذَلِكَ هو الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ، كانَ مِنَ الأنْصارِ مُنافِقًا.

ولَمّا أظْهَرُوا أنَّهم قَصَدُوا البُعْدَ مِن شَيْءٍ فَإذا هم قَدِ ارْتَكَبُوا فِيهِ، انْتُهِزَتْ فُرْصَةُ الإخْبارِ بِذَلِكَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ بِإدْخالِ نافٍ عَلى نافٍ لِتَحْصِيلِ الثُّبُوتِ الأكِيدِ بِإقْرارِ المَسْؤُولِ فَقِيلَ: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ: بِما قالُوا وفَعَلُوا، فَصارَتْ ظَرْفًا لَهم فَوَضَعُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ في جَهَنَّمَ، وفي التَّعْبِيرِ بِالسُّقُوطِ دَلالَةٌ عَلى انْتِشابِهِمْ في أشْراكِ الفِتْنَةِ انْتِشابًا سَرِيعًا بِقُوَّةٍ فَصارَ يَعْسُرُ خَلاصُهم مَعَهُ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إحاطَةِ الفِتْنَةِ - الَّتِي أسْقَطُوا أنْفُسَهم فِيها - بِهِمْ، وإنَّما قالَ: ﴿بِالكافِرِينَ﴾ تَعْمِيمًا وتَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ.

50

إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌۭ يَقُولُوا۟ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا۟ وَّهُمْ فَرِحُونَ

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before," and turn away while they are rejoicing.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما الفِتْنَةُ الَّتِي سَقَطُوا فِيها فَأحاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ بِسَبَبِها؟ قِيلَ: ﴿إنْ﴾ أيْ: هي كَوْنُهم أنْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِإحاطَةِ جَهَنَّمَ بِهِمْ، وكَأنَّهم - لِأجْلِ أنَّهم مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ فالأنْصارُ أُقارِبُهم - خَصُّوا النَّبِيَّ ﷺ بِالعَداوَةِ وشَدِيدِ الحَنَقِ، وكَذا أيْضًا كانَ لا يَسُوءُهم ويَسُرُّهم مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ إلّا ما لَهُ وقْعٌ - بِما أذِنَ بِهِ التَّعْبِيرُ بِالإصابَةِ دُونَ المَسِّ - لا ما دُونَهُ، حِفْظًا لِقُلُوبِ أقارِبِهِمْ ورَعْيًا لِأسْرارِ نِسائِهِمْ، فَقالَ إشارَةً إلى ذَلِكَ: ﴿تُصِبْكَ﴾ أيْ: بِتَقْدِيرِ اللَّهِ ذَلِكَ ﴿حَسَنَةٌ﴾ أيْ: بِنَصْرٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ أيْ: لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الضِّغْنِ والمَرَضِ ﴿وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ أيْ: نَكْبَةٌ وإنْ صَغُرَتْ كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿يَقُولُوا﴾ أيْ: سُرُورًا وتَبَجُّحًا بِحُسْنِ آرائِهِمْ ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا﴾ أيْ: عَصَيْنا الَّذِي أمَرَنا ولَمْ نُسْلِمْ قِيادَنا لِأحَدٍ فَنَكُونُ كالأعْمَهِ؛ لِأنَّ الأمْرَ الحادِثَةُ وضِدُّ النَّهْيِ، ومِنهُ الأمِيرُ، رَجُلٌ إمَّرٌ وإمَّرَةٌ - بِتَشْدِيدِ المِيمِ المَفْتُوحَةِ مَعَ كَسْرِ الهَمْزَةِ وتُفْتَحُ: ضَعْفُ الرَّأْيِ، يُوافِقُ كُلَّ أحَدٍ عَلى ما يُرِيدُ مِن أمْرِهِ كُلِّهِ، وهو الأعْمَهُ وزْنًا ومَعْنًى ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المُصِيبَةُ، فَلَمْ نَكُنْ مُؤْتَمِرِينَ بِأمْرٍ فَيُصِيبُنا فَلَمْ يَكُنْ ما أصابَ مَن تَبِعَهُ، فَكانَ أمْرُهم - لَوْ كانُوا مُطِيعِينَ - كانَ شَيْئًا مُتَحَقِّقًا بِيَدِ الآمِرِ، فَلَمّا عَصَوْهُ كانُوا كَأنَّهم قَدْ أخَذُوهُ مِنهُ.

ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا بَعِيدًا عَنِ الِاسْتِقامَةِ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ لا يُقالَ، وإنْ قِيلَ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُسْتَقالَ بِالمُباراةِ إلى الرُّجُوعِ عَنْهُ والِاسْتِغْفارِ مِنهُ، أشارَ تَعالى إلى تَمادِيهِمْ فِيهِ فَقالَ: ﴿ويَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: عَنْ مَقامِهِمْ هَذا الَّذِي قالُوا فِيهِ ذَلِكَ وإنْ طالَ إلى أهالِيهِمْ ﴿وهم فَرِحُونَ﴾ أيْ: لِمُصِيبَتِكم لِكُفْرِهِمْ ولِخَلاصِهِمْ مِنها.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.