Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 41–50 of 129

41

ٱنفِرُوا۟ خِفَافًۭا وَثِقَالًۭا وَجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

Go forth, whether light or heavy, and strive with your wealth and your lives in the cause of Allah. That is better for you, if you only knew.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .

وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ …

42

لَوْ كَانَ عَرَضًۭا قَرِيبًۭا وَسَفَرًۭا قَاصِدًۭا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

Had it been an easy gain and a moderate trip, the hypocrites would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allah, "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allah knows that indeed they are liars.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .

وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ …

43

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ

May Allah pardon you, [O Muhammad]; why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .

وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ …

44

لَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ

Those who believe in Allah and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving with their wealth and their lives. And Allah is Knowing of those who fear Him.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .

وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ …

45

إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ

Only those would ask permission of you who do not believe in Allah and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .

وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ …

46

۞ وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةًۭ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allah disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .

وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ …

47

لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًۭا وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّٰعُونَ لَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah. And among you are avid listeners to them. And Allah is Knowing of the wrongdoers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .

وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ …

48

لَقَدِ ٱبْتَغَوُا۟ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلْأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَٰرِهُونَ

They had already desired dissension before and had upset matters for you until the truth came and the ordinance of Allah appeared, while they were averse.

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى …

49

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen. And indeed, Hell will encompass the disbelievers.

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى …

50

إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌۭ يَقُولُوا۟ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا۟ وَّهُمْ فَرِحُونَ

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before," and turn away while they are rejoicing.

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ في هَذِهِ الغَزاةِ، حَقَّرَ شَأْنَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللَّهُ سَعْيَهم. وفي الأُمُورِ المُقَلَّبَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَغَوْا لَكَ الغَوائِلَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وقَفَ اثْنا عَشَرَ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ كَيْ يَفْتِكُوا بِهِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: احْتالُوا في تَشْتِيتِ أمْرِكَ وإبْطالِ دِينِكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانْصِرافِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأصْحابِهِ. ومَعْنى مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزاةِ، وذَلِكَ ما كانَ مِن حالِهِمْ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها. وتَقْلِيبُ الأُمُورِ: هو تَدْبِيرُها ظَهْرًا لِبَطْنٍ، والنَّظَرُ في نَواحِيها وأقْسامِها، والسَّعْيُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. وقِيلَ: طَلَبُ المَكِيدَةِ مِن قَوْلِهِمْ: هو حُوَّلٌ قُلَّبٌ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: وقَلَبُوا بِتَخْفِيفِ اللّامِ. (حَتّى جاءَ الحَقُّ)؛ أيْ: القُرْآنُ وشَرِيعَةُ الرَّسُولِ ﷺ . ولَفْظَةُ (جاءَ) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ كانَ قَدْ ذَهَبَ. (وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ) وصَفَهُ بِالظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ كانَ كالمَسْتُورِ؛ أيْ: غَلَبَ وعَلا دِينُ اللَّهِ، وهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ. وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ فَإنَّهم مُذْ رامُوا ذَلِكَ رَدَّهُ اللَّهُ في نَحْرِهِمْ، وقَلَبَ مُرادَهم، وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَكَما كانَ ذَلِكَ في الماضِي كَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُّومِ حَرَّضَ النّاسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ”هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ“، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: ”اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ“، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِّساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ وتَفْتِنَنِّي، ولا تَفْتِنِّي بِالنِّساءِ»، هو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: ولا تَفْتِنِّي؛ أيْ ولا تُصَعِّبْ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ فَسَهِّلْ عَلَيَّ، ودَعْنِي غَيْرَ مُخْتَلِجٍ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والزَّجّاجُ، قالُوا: لا تُكْسِبُنِي الإثْمَ بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ وهو غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمُ بِمُخالَفَتِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُكَفِّرْنِي بِإلْزامِكَ الخُرُوجَ مَعَكَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لا تَصْرِفْنِي عَنْ شُغْلِي فَتُفَوِّتْ عَلَيَّ مَصالِحِي ويَذْهَبْ أكْثَرُ ثِمارِي. وقِيلَ: وتَفْتِنِّي في الهَلَكَةِ فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. ومُتَعَلَّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: في القُعُودِ وفي مُجاوَرَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى نِفاقِهِ. وقَرَأ ورْشٌ: بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ ائْذَنْ لِي بِإبْدالِها واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقالَ النَّحّاسُ ما مَعْناهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ أوِ الفاءُ عَلى …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.