Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 1–10 of 129

1

بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

[This is a declaration of] disassociation, from Allah and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.

هي مِائَةٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: مِائَةٌ وسَبْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً، ولَها أسْماءٌ: مِنها سُورَةُ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ فِيها التَّوْبَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وتُسَمّى الفاضِحَةَ لِأنَّهُ ما زالَ يَنْزِلُ فِيها: ومِنهم، ومِنهم حَتّى كادَتْ أنْ لا تَدَعَ أحَدًا، وتُسَمّى البَحُوثَ لِأنَّها تَبْحَثُ عَنْ أسْرارِ المُنافِقِينَ، وتُسَمّى المُبَعْثِرَةَ، والبَعْثَرَةُ البَحْثُ، وتُسَمّى أيْضًا بِأسْماءٍ أُخَرَ كالمُقَشْقِشَةِ، لِكَوْنِها تُقَشْقِشُ مِنَ النِّفاقِ: أيْ تُبَرِّئُ مِنهُ، والمُخْزِيَةِ لِكَوْنِها أخْزَتِ المُنافِقِينَ، والمُثِيرَةِ لِكَوْنِها تُثِيرُ أسْرارَهم، والحافِرَةِ لِكَوْنِها تَحْفِرُ عَنْها، والمُنَكِّلَةِ لِما فِيها مِنَ التَّنْكِيلِ لَهم، والمُدَمْدِمَةِ لِأنَّها تُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ.

وهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِاتِّفاقٍ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ " بَراءَةٌ " بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ بِالمَدِينَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ أيْضًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ ( النِّساءِ: ١٧٦ ) وآخَرُ سُورَةٍ تامَّةٍ " بَراءَةٌ " .

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في سَبَبِ سُقُوطِ البَسْمَلَةِ مِن أوَّلِها عَلى أقْوالٍ:

الأوَّلُ: عَنِ المُبَرِّدِ وغَيْرِهِ: أنَّهُ كانَ مِن شَأْنِ العَرَبِ إذا كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَإذا أرادُوا نَقْضَهُ كَتَبُوا إلَيْهِمْ كِتابًا ولَمْ يَكْتُبُوا فِيهِ بَسْمَلَةً، فَلَمّا نَزَلَتْ بَراءَةٌ بِنَقْضِ العَهْدِ الَّذِي كانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ والمُشْرِكِينَ، بَعَثَ بِها النَّبِيُّ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ ولَمْ يُبَسْمِلْ في ذَلِكَ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لِمَ لا تَكْتُبُ في " بَراءَةٌ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ قالَ: لِأنَّ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " أمانٌ، و" بَراءَةٌ " نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: «ما حَمَلَكم عَلى أنْ عَمَدْتُمْ إلى الأنْفالِ وهي مِنَ المَثانِي، وإلى " بَراءَةٌ " وهي مِنَ المِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما ولَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما سَطْرَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ووَضَعْتُمُوها في السَّبْعِ الطِّوالِ ما حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ ؟ فَقالَ عُثْمانُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمانُ وهو يَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَواتُ العَدَدِ، فَكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعا بَعْضَ مَن كانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلاءِ الآياتِ في السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وكَذا، وكانَتِ الأنْفالُ مِن أوائِلِ ما نَزَلْ بِالمَدِينَةِ، وكانَتْ " بَراءَةٌ " مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها فَظَنَنْتُ أنَّها مِنها، وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُما ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ " …

2

فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍۢ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَٰفِرِينَ

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allah and that Allah will disgrace the disbelievers.

هي مِائَةٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: مِائَةٌ وسَبْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً، ولَها أسْماءٌ: مِنها سُورَةُ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ فِيها التَّوْبَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وتُسَمّى الفاضِحَةَ لِأنَّهُ ما زالَ يَنْزِلُ فِيها: ومِنهم، ومِنهم حَتّى كادَتْ أنْ لا تَدَعَ أحَدًا، وتُسَمّى البَحُوثَ لِأنَّها تَبْحَثُ عَنْ أسْرارِ المُنافِقِينَ، وتُسَمّى المُبَعْثِرَةَ، والبَعْثَرَةُ البَحْثُ، وتُسَمّى أيْضًا بِأسْماءٍ أُخَرَ كالمُقَشْقِشَةِ، لِكَوْنِها تُقَشْقِشُ مِنَ النِّفاقِ: أيْ تُبَرِّئُ مِنهُ، والمُخْزِيَةِ لِكَوْنِها أخْزَتِ المُنافِقِينَ، والمُثِيرَةِ لِكَوْنِها تُثِيرُ أسْرارَهم، والحافِرَةِ لِكَوْنِها تَحْفِرُ عَنْها، والمُنَكِّلَةِ لِما فِيها مِنَ التَّنْكِيلِ لَهم، والمُدَمْدِمَةِ لِأنَّها تُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ.

وهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِاتِّفاقٍ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ " بَراءَةٌ " بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ بِالمَدِينَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ أيْضًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ ( النِّساءِ: ١٧٦ ) وآخَرُ سُورَةٍ تامَّةٍ " بَراءَةٌ " .

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في سَبَبِ سُقُوطِ البَسْمَلَةِ مِن أوَّلِها عَلى أقْوالٍ:

الأوَّلُ: عَنِ المُبَرِّدِ وغَيْرِهِ: أنَّهُ كانَ مِن شَأْنِ العَرَبِ إذا كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَإذا أرادُوا نَقْضَهُ كَتَبُوا إلَيْهِمْ كِتابًا ولَمْ يَكْتُبُوا فِيهِ بَسْمَلَةً، فَلَمّا نَزَلَتْ بَراءَةٌ بِنَقْضِ العَهْدِ الَّذِي كانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ والمُشْرِكِينَ، بَعَثَ بِها النَّبِيُّ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ ولَمْ يُبَسْمِلْ في ذَلِكَ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لِمَ لا تَكْتُبُ في " بَراءَةٌ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ قالَ: لِأنَّ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " أمانٌ، و" بَراءَةٌ " نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: «ما حَمَلَكم عَلى أنْ عَمَدْتُمْ إلى الأنْفالِ وهي مِنَ المَثانِي، وإلى " بَراءَةٌ " وهي مِنَ المِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما ولَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما سَطْرَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ووَضَعْتُمُوها في السَّبْعِ الطِّوالِ ما حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ ؟ فَقالَ عُثْمانُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمانُ وهو يَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَواتُ العَدَدِ، فَكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعا بَعْضَ مَن كانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلاءِ الآياتِ في السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وكَذا، وكانَتِ الأنْفالُ مِن أوائِلِ ما نَزَلْ بِالمَدِينَةِ، وكانَتْ " بَراءَةٌ " مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها فَظَنَنْتُ أنَّها مِنها، وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُما ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ " …

3

وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

And [it is] an announcement from Allah and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage that Allah is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allah. And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

قَوْلُهُ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بَرِئْتُ مِنَ الشَّيْءِ أبْرَأُ بَراءَةً، وأنا مِنهُ بَرِيءٌ: إذا أزَلْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ وقَطَعْتَ سَبَبَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، وبَراءَةٌ مُرْتَفِعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هَذِهِ بَراءَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَرْتَفِعَ عَلى الِابْتِداءِ لِأنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، والخَبَرُ ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ .

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " بَراءَةً " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ " اسْمَعُوا بَراءَةً "، أوْ عَلى تَقْدِيرِ " التَزِمُوا بَراءَةً "؛ لِأنَّ فِيها مَعْنى الإغْراءِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً: أيْ: واصِلَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ.

وقَرَأ رَوْحٌ وزَيْدٌ بِنَصْبِ " رَسُولِهِ "، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ.

والعَهْدُ: العَقْدُ المُوَثَّقُ بِاليَمِينِ.

والخِطابُ في عاهَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وقَدْ كانُوا عاهِدُوا مُشْرِكِي مَكَّةَ وغَيْرَهم بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ ومِنَ الرَّسُولِ ﷺ، والمَعْنى: الإخْبارُ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ قَدْ بَرِئا مِن تِلْكَ المُعاهَدَةِ بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ النَّقْضِ، فَصارَ النَّبْذُ إلَيْهِمْ بِعَهْدِهِمْ واجِبًا عَلى المُعاهِدِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ومَعْنى بَراءَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: وُقُوعُ الإذْنِ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِالنَّبْذِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِعَهْدِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ وُقُوعِ النَّقْضِ مِنهم، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ البَراءَةِ والتَّهْوِيلِ لَها والتَّسْجِيلِ عَلى المُشْرِكِينَ بِالذُّلِّ والهَوانِ ما لا يَخْفى.

قَوْلُهُ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ هَذا أمْرٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِالسِّياحَةِ بَعْدَ الإخْبارِ بِتِلْكَ البَراءَةِ، والسِّياحَةُ: السَّيْرُ، يُقالُ: ساحَ فُلانٌ في الأرْضِ يَسِيحُ سِياحَةً وسُيُوحًا وسَيَحانًا، ومِنهُ سَيَحَ الماءُ في الأرْضِ وسَيَحَ الخَيْلُ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:

؎لَوْ خِفْتُ هَذا مِنكَ ما نِلْتَنِي حَتّى تَرى خَيْلًا أمامِي تَسِيحُ

ومَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ أنْ أذِنَ بِالنَّبْذِ إلى المُشْرِكِينَ بِعَهْدِهِمْ، أباحَ لِلْمُشْرِكِينَ الضَّرْبَ في الأرْضِ والذَّهابَ إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ والِاسْتِعْدادَ لِلْحَرْبِ هَذِهِ الأرْبَعَةَ الأشْهُرَ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ بِالسِّياحَةِ تَكْلِيفَهم بِها.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: إنَّ المُشْرِكِينَ صِنْفانِ: صِنْفٌ كانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِمْ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَأُمْهِلَ تَمامَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، والآخَرُ كانَتْ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَقَصَرَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ لِيَرْتادَ لِنَفْسِهِ، وهو حَرِبٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ يُقْتلُ حَيْثُ يُوجَدُ، وابْتِداءُ هَذا الأجَلِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ وانْقِضاؤُهُ إلى عَشْرٍ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، فَأمّا مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَإنَّما أجْلُهُ انْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وذَلِكَ خَمْسُونَ يَوْما: عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ وشَهْرُ مُحَرَّمٍ.

وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّما كانَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ لِمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ومَن كانَ عَهْدُهُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهو الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يُتِمَّ لَهُ عَهْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤ ) ورَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ مِنَ الرِّوايَةِ ما يَتَّضِحُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ: …

4

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

قَوْلُهُ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بَرِئْتُ مِنَ الشَّيْءِ أبْرَأُ بَراءَةً، وأنا مِنهُ بَرِيءٌ: إذا أزَلْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ وقَطَعْتَ سَبَبَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، وبَراءَةٌ مُرْتَفِعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هَذِهِ بَراءَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَرْتَفِعَ عَلى الِابْتِداءِ لِأنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، والخَبَرُ ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ .

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " بَراءَةً " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ " اسْمَعُوا بَراءَةً "، أوْ عَلى تَقْدِيرِ " التَزِمُوا بَراءَةً "؛ لِأنَّ فِيها مَعْنى الإغْراءِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً: أيْ: واصِلَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ.

وقَرَأ رَوْحٌ وزَيْدٌ بِنَصْبِ " رَسُولِهِ "، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ.

والعَهْدُ: العَقْدُ المُوَثَّقُ بِاليَمِينِ.

والخِطابُ في عاهَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وقَدْ كانُوا عاهِدُوا مُشْرِكِي مَكَّةَ وغَيْرَهم بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ ومِنَ الرَّسُولِ ﷺ، والمَعْنى: الإخْبارُ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ قَدْ بَرِئا مِن تِلْكَ المُعاهَدَةِ بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ النَّقْضِ، فَصارَ النَّبْذُ إلَيْهِمْ بِعَهْدِهِمْ واجِبًا عَلى المُعاهِدِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ومَعْنى بَراءَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: وُقُوعُ الإذْنِ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِالنَّبْذِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِعَهْدِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ وُقُوعِ النَّقْضِ مِنهم، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ البَراءَةِ والتَّهْوِيلِ لَها والتَّسْجِيلِ عَلى المُشْرِكِينَ بِالذُّلِّ والهَوانِ ما لا يَخْفى.

قَوْلُهُ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ هَذا أمْرٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِالسِّياحَةِ بَعْدَ الإخْبارِ بِتِلْكَ البَراءَةِ، والسِّياحَةُ: السَّيْرُ، يُقالُ: ساحَ فُلانٌ في الأرْضِ يَسِيحُ سِياحَةً وسُيُوحًا وسَيَحانًا، ومِنهُ سَيَحَ الماءُ في الأرْضِ وسَيَحَ الخَيْلُ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:

؎لَوْ خِفْتُ هَذا مِنكَ ما نِلْتَنِي حَتّى تَرى خَيْلًا أمامِي تَسِيحُ

ومَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ أنْ أذِنَ بِالنَّبْذِ إلى المُشْرِكِينَ بِعَهْدِهِمْ، أباحَ لِلْمُشْرِكِينَ الضَّرْبَ في الأرْضِ والذَّهابَ إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ والِاسْتِعْدادَ لِلْحَرْبِ هَذِهِ الأرْبَعَةَ الأشْهُرَ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ بِالسِّياحَةِ تَكْلِيفَهم بِها.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: إنَّ المُشْرِكِينَ صِنْفانِ: صِنْفٌ كانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِمْ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَأُمْهِلَ تَمامَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، والآخَرُ كانَتْ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَقَصَرَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ لِيَرْتادَ لِنَفْسِهِ، وهو حَرِبٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ يُقْتلُ حَيْثُ يُوجَدُ، وابْتِداءُ هَذا الأجَلِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ وانْقِضاؤُهُ إلى عَشْرٍ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، فَأمّا مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَإنَّما أجْلُهُ انْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وذَلِكَ خَمْسُونَ يَوْما: عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ وشَهْرُ مُحَرَّمٍ.

وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّما كانَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ لِمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ومَن كانَ عَهْدُهُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهو الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يُتِمَّ لَهُ عَهْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤ ) ورَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ مِنَ الرِّوايَةِ ما يَتَّضِحُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ: …

5

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And when the sacred months have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakah, let them [go] on their way. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ يَعُودُ إلى قَوْلِهِ: بَراءَةٌ والتَّقْدِيرُ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى المُعاهَدِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ إلّا الَّذِينَ لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ مِنهم.

وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مُسْتَثْنى مِن قَوْلِهِ: فَسِيحُوا والتَّقْدِيرُ: فَقُولُوا لَهم فَسِيحُوا، إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم.

قالَ: والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ أنْ أُمِرُوا في النّاكِثِينَ، ولَكِنِ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم ولا تُجْرُوهم مَجْراهُ.

وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ قَدْ تَخَلَّلَ الفاصِلُ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ وهو ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إلَخْ. . . وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ المُشْرِكِينَ المَذْكُورِينَ قَبْلَهُ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا وهو ضَعِيفٌ.

قَوْلُهُ: " ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ " أيْ لَمْ يَقَعْ مِنهم أيُّ نَقْصٍ وإنْ كانَ يَسْيرًا، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ " يَنْقُضُوكم " بِالضّادِ المُعْجَمَةِ: أيْ لَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ مِن أهْلِ العَهْدِ مَن خاسَ بِعَهْدِهِ، ومِنهم مَن ثَبَتَ عَلَيْهِ، فَأذِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ ﷺ بِنَقْضِ عَهِدِ مَن نَقَضَ، وبِالوَفاءِ لِمَن لَمْ يَنْقُضْ إلى مُدَّتِهِ ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ المُظاهَرَةُ: المُعاوَنَةُ: أيْ لَمْ يُعاوِنُوا عَلَيْكم أحَدًا مِن أعْدائِكم ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ أيْ أدُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم تامًّا غَيْرَ ناقِصٍ ﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾ الَّتِي عاهَدْتُمُوهم إلَيْها وإنْ كانَتْ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ولا تُعامِلُوهم مُعامَلَةَ النّاكِثِينَ مِنَ القِتالِ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا، وهي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ أوْ خَمْسُونَ يَوْمًا عَلى الخِلافِ السّابِقِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ . انْسِلاخُ الشَّهْرِ: تَكامُلُهُ جُزْءًا فَجُزْءًا إلى أنْ يَنْقَضِيَ كانْسِلاخِ الجِلْدِ عَمّا يَحْوِيهِ، شَبَّهَ خُرُوجَ المُتَزَمِّنُ عَنْ زَمانِهِ بِانْفِصالِ المُتَمَكِّنِ عَنْ مَكانِهِ، وأصْلُهُ الِانْسِلاخُ الواقِعُ بَيْنَ الحَيَوانِ وجَلْدِهِ، فاسْتُعِيرَ لِانْقِضاءِ الأشْهُرِ، يُقالُ: سَلَخْتُ الشَّهْرَ تَسْلُخُهُ سَلْخًا وسُلُوخًا بِمَعْنى خَرَجْتُ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إذا ما سَلَخْتُ الشَّهْرَ أهَلَلْتُ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سِلْخِي الشُّهُورِ وإهْلالِي

ويُقالُ: سَلَخَتِ المَرْأةُ دِرْعَها: نَزَعَتْهُ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ ( يس: ٣٧ ) .

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِ الأشْهُرِ الحُرُمِ المَذْكُورَةِ هاهُنا، فَقِيلَ: هي الأشْهُرُ الحُرُمُ المَعْرُوفَةُ الَّتِي هي ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ، ومَحْرَمٌ، ورَجَبٌ: ثَلاثَةٌ سَرْدٌ، وواحِدٌ فَرْدٌ.

ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا وُجُوبُ الإمْساكِ عَنْ قِتالِ مَن لا عَهْدَ لَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ.

وقَدْ وقَعَ النِّداءُ والنَّبْذُ إلى المُشْرِكِينَ بِعَهْدِهِمْ يَوْمَ النَّحْرِ، فَكانَ الباقِي مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ الَّتِي هي الثَّلاثَةُ المَسْرُودَةُ خَمْسِينَ يَوْمًا تَنْقَضِي بِانْقِضاءِ شَهْرِ المُحَرَّمِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوجَدُونَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ الضَّحّاكُ، …

6

وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ

And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allah. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.

الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ يَعُودُ إلى قَوْلِهِ: بَراءَةٌ والتَّقْدِيرُ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى المُعاهَدِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ إلّا الَّذِينَ لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ مِنهم.

وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مُسْتَثْنى مِن قَوْلِهِ: فَسِيحُوا والتَّقْدِيرُ: فَقُولُوا لَهم فَسِيحُوا، إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم.

قالَ: والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ أنْ أُمِرُوا في النّاكِثِينَ، ولَكِنِ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم ولا تُجْرُوهم مَجْراهُ.

وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ قَدْ تَخَلَّلَ الفاصِلُ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ وهو ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إلَخْ. . . وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ المُشْرِكِينَ المَذْكُورِينَ قَبْلَهُ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا وهو ضَعِيفٌ.

قَوْلُهُ: " ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ " أيْ لَمْ يَقَعْ مِنهم أيُّ نَقْصٍ وإنْ كانَ يَسْيرًا، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ " يَنْقُضُوكم " بِالضّادِ المُعْجَمَةِ: أيْ لَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ مِن أهْلِ العَهْدِ مَن خاسَ بِعَهْدِهِ، ومِنهم مَن ثَبَتَ عَلَيْهِ، فَأذِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ ﷺ بِنَقْضِ عَهِدِ مَن نَقَضَ، وبِالوَفاءِ لِمَن لَمْ يَنْقُضْ إلى مُدَّتِهِ ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ المُظاهَرَةُ: المُعاوَنَةُ: أيْ لَمْ يُعاوِنُوا عَلَيْكم أحَدًا مِن أعْدائِكم ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ أيْ أدُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم تامًّا غَيْرَ ناقِصٍ ﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾ الَّتِي عاهَدْتُمُوهم إلَيْها وإنْ كانَتْ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ولا تُعامِلُوهم مُعامَلَةَ النّاكِثِينَ مِنَ القِتالِ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا، وهي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ أوْ خَمْسُونَ يَوْمًا عَلى الخِلافِ السّابِقِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ . انْسِلاخُ الشَّهْرِ: تَكامُلُهُ جُزْءًا فَجُزْءًا إلى أنْ يَنْقَضِيَ كانْسِلاخِ الجِلْدِ عَمّا يَحْوِيهِ، شَبَّهَ خُرُوجَ المُتَزَمِّنُ عَنْ زَمانِهِ بِانْفِصالِ المُتَمَكِّنِ عَنْ مَكانِهِ، وأصْلُهُ الِانْسِلاخُ الواقِعُ بَيْنَ الحَيَوانِ وجَلْدِهِ، فاسْتُعِيرَ لِانْقِضاءِ الأشْهُرِ، يُقالُ: سَلَخْتُ الشَّهْرَ تَسْلُخُهُ سَلْخًا وسُلُوخًا بِمَعْنى خَرَجْتُ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إذا ما سَلَخْتُ الشَّهْرَ أهَلَلْتُ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سِلْخِي الشُّهُورِ وإهْلالِي

ويُقالُ: سَلَخَتِ المَرْأةُ دِرْعَها: نَزَعَتْهُ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ ( يس: ٣٧ ) .

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِ الأشْهُرِ الحُرُمِ المَذْكُورَةِ هاهُنا، فَقِيلَ: هي الأشْهُرُ الحُرُمُ المَعْرُوفَةُ الَّتِي هي ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ، ومَحْرَمٌ، ورَجَبٌ: ثَلاثَةٌ سَرْدٌ، وواحِدٌ فَرْدٌ.

ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا وُجُوبُ الإمْساكِ عَنْ قِتالِ مَن لا عَهْدَ لَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ.

وقَدْ وقَعَ النِّداءُ والنَّبْذُ إلى المُشْرِكِينَ بِعَهْدِهِمْ يَوْمَ النَّحْرِ، فَكانَ الباقِي مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ الَّتِي هي الثَّلاثَةُ المَسْرُودَةُ خَمْسِينَ يَوْمًا تَنْقَضِي بِانْقِضاءِ شَهْرِ المُحَرَّمِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوجَدُونَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ الضَّحّاكُ، …

7

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ فَمَا ٱسْتَقَٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allah and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Haram? So as long as they are upright toward you, be upright toward them. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّعَجُّبِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ، " وعَهْدٌ " اسْمُ يَكُونُ، وفي خَبَرِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ كَيْفَ، وقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهامِ، والثّانِي: لِلْمُشْرِكِينَ، و" عِنْدَ " عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِ " يَكُونُ "، أوْ صِفَةٌ لِلْعَهْدِ، والثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ عِنْدَ اللَّهِ، وفي الآيَةِ إضْمارٌ.

والمَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ يَأْمَنُونَ بِهِ مِن عَذابِهِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: مُحالٌ أنْ يَثْبُتَ لِهَؤُلاءِ عَهْدٌ وهم أضْدادٌ لَكم مُضْمِرُونَ لِلْغَدْرِ فَلا يَطْمَعُوا في ذَلِكَ ولا يُحَدِّثُوا بِهِ أنْفُسَهم، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ، فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَمْ يَنْقَضُوا ولَمْ يَنْكُثُوا فَلا تُقاتِلُوهم، فَما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَكم عَلى العَهْدِ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم فاسْتَقِيمُوا لَهم قِيلَ: هم بَنُو بَكْرٍ، وقِيلَ: بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ، وفي " ما " وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ، والثّانِي: أنَّها شَرْطِيَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والِاسْتِقامَةَ عَلَيْهِ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أعادَ الِاسْتِفْهامَ التَّعَجِيبِيَّ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ؟ والحالُ أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بِالغَلَبَةِ لَكم لا يَرْقُبُوا أيْ لا يُراعُوا فِيكم " إلًّا " أيْ عَهْدًا " ولا ذِمَّةً " .

قالَ في الصِّحاحِ: الإلُّ العَهْدُ والقَرابَةُ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانُ:

؎لَعَمْرُكَ أنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رِئْلِ النَّعامِ

قالَ الزَّجّاجُ: الإلُّ عِنْدِي عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ يَدُورُ عَلى مَعْنى الحِدَّةِ، ومِنهُ الإلَّةُ لِلْحَرْبَةِ، ومِنهُ أُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ: أيْ مُحَدَّدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرْفَةَ بْنِ العَبْدِ يَصِفُ أُذُنَيْ ناقَتِهِ بِالحِدَّةِ والِانْتِصابِ:

؎مُؤَلَّلَتانِ يُعْرَفُ العُنُقُ مِنهُما ∗∗∗ كَسامِعَتَيْ شاةٍ بَحَوْمَلٍ مُفْرَدِ

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإلُّ العَهْدُ، والذِّمَّةُ والنَّدِيمُ.

وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو اسْمٌ لِلَّهِ بِالعِبْرانِيَّةِ، وأصْلُهُ مِنَ الألِيلِ، وهو البَرِيقُ، يُقالُ: ألَّ لَوْنُهُ يَؤُلُّ إلًّا: أيْ صَفا ولَمَعَ، والذِّمَّةُ العَهْدُ، وجَمْعُها ذِمَمٌ، فَمَن فَسَّرَ الإلَّ بِالعَهْدِ كانَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الذِّمَّةُ التَّذَمُّمُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: الذِّمَّةُ الأمانُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم» .

ورُوِيَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّ الذِّمَّةَ ما يُتَذَمَّمُ بِهِ: أيْ ما يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ.

قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما فِيهِ مُجامَلَةٌ ومُحاسَنَةٌ لَكم طَلَبًا لِمَرْضاتِكم وتَطْيِيبَ قُلُوبِكم، وقُلُوبُهم تَأْبى ذَلِكَ وتُخالِفُهُ وتَوَدُّ ما فِيهِ مَساءَتُكم ومَضَرَّتُكم، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ النِّفاقِ وذَوُو الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ، وهو التَّمَرُّدُ والتَّجَرِّي، والخُرُوجُ عَنِ الحَقِّ لِنَقْضِهِمُ العُهُودَ، وعَدَمِ مُراعاتِهِمْ لِلْعُقُودِ.

ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: …

8

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَٰسِقُونَ

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّعَجُّبِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ، " وعَهْدٌ " اسْمُ يَكُونُ، وفي خَبَرِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ كَيْفَ، وقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهامِ، والثّانِي: لِلْمُشْرِكِينَ، و" عِنْدَ " عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِ " يَكُونُ "، أوْ صِفَةٌ لِلْعَهْدِ، والثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ عِنْدَ اللَّهِ، وفي الآيَةِ إضْمارٌ.

والمَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ يَأْمَنُونَ بِهِ مِن عَذابِهِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: مُحالٌ أنْ يَثْبُتَ لِهَؤُلاءِ عَهْدٌ وهم أضْدادٌ لَكم مُضْمِرُونَ لِلْغَدْرِ فَلا يَطْمَعُوا في ذَلِكَ ولا يُحَدِّثُوا بِهِ أنْفُسَهم، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ، فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَمْ يَنْقَضُوا ولَمْ يَنْكُثُوا فَلا تُقاتِلُوهم، فَما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَكم عَلى العَهْدِ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم فاسْتَقِيمُوا لَهم قِيلَ: هم بَنُو بَكْرٍ، وقِيلَ: بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ، وفي " ما " وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ، والثّانِي: أنَّها شَرْطِيَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والِاسْتِقامَةَ عَلَيْهِ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أعادَ الِاسْتِفْهامَ التَّعَجِيبِيَّ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ؟ والحالُ أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بِالغَلَبَةِ لَكم لا يَرْقُبُوا أيْ لا يُراعُوا فِيكم " إلًّا " أيْ عَهْدًا " ولا ذِمَّةً " .

قالَ في الصِّحاحِ: الإلُّ العَهْدُ والقَرابَةُ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانُ:

؎لَعَمْرُكَ أنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رِئْلِ النَّعامِ

قالَ الزَّجّاجُ: الإلُّ عِنْدِي عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ يَدُورُ عَلى مَعْنى الحِدَّةِ، ومِنهُ الإلَّةُ لِلْحَرْبَةِ، ومِنهُ أُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ: أيْ مُحَدَّدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرْفَةَ بْنِ العَبْدِ يَصِفُ أُذُنَيْ ناقَتِهِ بِالحِدَّةِ والِانْتِصابِ:

؎مُؤَلَّلَتانِ يُعْرَفُ العُنُقُ مِنهُما ∗∗∗ كَسامِعَتَيْ شاةٍ بَحَوْمَلٍ مُفْرَدِ

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإلُّ العَهْدُ، والذِّمَّةُ والنَّدِيمُ.

وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو اسْمٌ لِلَّهِ بِالعِبْرانِيَّةِ، وأصْلُهُ مِنَ الألِيلِ، وهو البَرِيقُ، يُقالُ: ألَّ لَوْنُهُ يَؤُلُّ إلًّا: أيْ صَفا ولَمَعَ، والذِّمَّةُ العَهْدُ، وجَمْعُها ذِمَمٌ، فَمَن فَسَّرَ الإلَّ بِالعَهْدِ كانَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الذِّمَّةُ التَّذَمُّمُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: الذِّمَّةُ الأمانُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم» .

ورُوِيَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّ الذِّمَّةَ ما يُتَذَمَّمُ بِهِ: أيْ ما يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ.

قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما فِيهِ مُجامَلَةٌ ومُحاسَنَةٌ لَكم طَلَبًا لِمَرْضاتِكم وتَطْيِيبَ قُلُوبِكم، وقُلُوبُهم تَأْبى ذَلِكَ وتُخالِفُهُ وتَوَدُّ ما فِيهِ مَساءَتُكم ومَضَرَّتُكم، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ النِّفاقِ وذَوُو الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ، وهو التَّمَرُّدُ والتَّجَرِّي، والخُرُوجُ عَنِ الحَقِّ لِنَقْضِهِمُ العُهُودَ، وعَدَمِ مُراعاتِهِمْ لِلْعُقُودِ.

ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: …

9

ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

They have exchanged the signs of Allah for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّعَجُّبِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ، " وعَهْدٌ " اسْمُ يَكُونُ، وفي خَبَرِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ كَيْفَ، وقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهامِ، والثّانِي: لِلْمُشْرِكِينَ، و" عِنْدَ " عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِ " يَكُونُ "، أوْ صِفَةٌ لِلْعَهْدِ، والثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ عِنْدَ اللَّهِ، وفي الآيَةِ إضْمارٌ.

والمَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ يَأْمَنُونَ بِهِ مِن عَذابِهِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: مُحالٌ أنْ يَثْبُتَ لِهَؤُلاءِ عَهْدٌ وهم أضْدادٌ لَكم مُضْمِرُونَ لِلْغَدْرِ فَلا يَطْمَعُوا في ذَلِكَ ولا يُحَدِّثُوا بِهِ أنْفُسَهم، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ، فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَمْ يَنْقَضُوا ولَمْ يَنْكُثُوا فَلا تُقاتِلُوهم، فَما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَكم عَلى العَهْدِ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم فاسْتَقِيمُوا لَهم قِيلَ: هم بَنُو بَكْرٍ، وقِيلَ: بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ، وفي " ما " وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ، والثّانِي: أنَّها شَرْطِيَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والِاسْتِقامَةَ عَلَيْهِ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أعادَ الِاسْتِفْهامَ التَّعَجِيبِيَّ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ؟ والحالُ أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بِالغَلَبَةِ لَكم لا يَرْقُبُوا أيْ لا يُراعُوا فِيكم " إلًّا " أيْ عَهْدًا " ولا ذِمَّةً " .

قالَ في الصِّحاحِ: الإلُّ العَهْدُ والقَرابَةُ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانُ:

؎لَعَمْرُكَ أنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رِئْلِ النَّعامِ

قالَ الزَّجّاجُ: الإلُّ عِنْدِي عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ يَدُورُ عَلى مَعْنى الحِدَّةِ، ومِنهُ الإلَّةُ لِلْحَرْبَةِ، ومِنهُ أُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ: أيْ مُحَدَّدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرْفَةَ بْنِ العَبْدِ يَصِفُ أُذُنَيْ ناقَتِهِ بِالحِدَّةِ والِانْتِصابِ:

؎مُؤَلَّلَتانِ يُعْرَفُ العُنُقُ مِنهُما ∗∗∗ كَسامِعَتَيْ شاةٍ بَحَوْمَلٍ مُفْرَدِ

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإلُّ العَهْدُ، والذِّمَّةُ والنَّدِيمُ.

وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو اسْمٌ لِلَّهِ بِالعِبْرانِيَّةِ، وأصْلُهُ مِنَ الألِيلِ، وهو البَرِيقُ، يُقالُ: ألَّ لَوْنُهُ يَؤُلُّ إلًّا: أيْ صَفا ولَمَعَ، والذِّمَّةُ العَهْدُ، وجَمْعُها ذِمَمٌ، فَمَن فَسَّرَ الإلَّ بِالعَهْدِ كانَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الذِّمَّةُ التَّذَمُّمُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: الذِّمَّةُ الأمانُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم» .

ورُوِيَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّ الذِّمَّةَ ما يُتَذَمَّمُ بِهِ: أيْ ما يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ.

قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما فِيهِ مُجامَلَةٌ ومُحاسَنَةٌ لَكم طَلَبًا لِمَرْضاتِكم وتَطْيِيبَ قُلُوبِكم، وقُلُوبُهم تَأْبى ذَلِكَ وتُخالِفُهُ وتَوَدُّ ما فِيهِ مَساءَتُكم ومَضَرَّتُكم، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ النِّفاقِ وذَوُو الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ، وهو التَّمَرُّدُ والتَّجَرِّي، والخُرُوجُ عَنِ الحَقِّ لِنَقْضِهِمُ العُهُودَ، وعَدَمِ مُراعاتِهِمْ لِلْعُقُودِ.

ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: …

10

لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّعَجُّبِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ، " وعَهْدٌ " اسْمُ يَكُونُ، وفي خَبَرِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ كَيْفَ، وقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهامِ، والثّانِي: لِلْمُشْرِكِينَ، و" عِنْدَ " عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِ " يَكُونُ "، أوْ صِفَةٌ لِلْعَهْدِ، والثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ عِنْدَ اللَّهِ، وفي الآيَةِ إضْمارٌ.

والمَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ يَأْمَنُونَ بِهِ مِن عَذابِهِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: مُحالٌ أنْ يَثْبُتَ لِهَؤُلاءِ عَهْدٌ وهم أضْدادٌ لَكم مُضْمِرُونَ لِلْغَدْرِ فَلا يَطْمَعُوا في ذَلِكَ ولا يُحَدِّثُوا بِهِ أنْفُسَهم، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ، فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَمْ يَنْقَضُوا ولَمْ يَنْكُثُوا فَلا تُقاتِلُوهم، فَما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَكم عَلى العَهْدِ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم فاسْتَقِيمُوا لَهم قِيلَ: هم بَنُو بَكْرٍ، وقِيلَ: بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ، وفي " ما " وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ، والثّانِي: أنَّها شَرْطِيَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والِاسْتِقامَةَ عَلَيْهِ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أعادَ الِاسْتِفْهامَ التَّعَجِيبِيَّ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ؟ والحالُ أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بِالغَلَبَةِ لَكم لا يَرْقُبُوا أيْ لا يُراعُوا فِيكم " إلًّا " أيْ عَهْدًا " ولا ذِمَّةً " .

قالَ في الصِّحاحِ: الإلُّ العَهْدُ والقَرابَةُ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانُ:

؎لَعَمْرُكَ أنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رِئْلِ النَّعامِ

قالَ الزَّجّاجُ: الإلُّ عِنْدِي عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ يَدُورُ عَلى مَعْنى الحِدَّةِ، ومِنهُ الإلَّةُ لِلْحَرْبَةِ، ومِنهُ أُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ: أيْ مُحَدَّدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرْفَةَ بْنِ العَبْدِ يَصِفُ أُذُنَيْ ناقَتِهِ بِالحِدَّةِ والِانْتِصابِ:

؎مُؤَلَّلَتانِ يُعْرَفُ العُنُقُ مِنهُما ∗∗∗ كَسامِعَتَيْ شاةٍ بَحَوْمَلٍ مُفْرَدِ

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإلُّ العَهْدُ، والذِّمَّةُ والنَّدِيمُ.

وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو اسْمٌ لِلَّهِ بِالعِبْرانِيَّةِ، وأصْلُهُ مِنَ الألِيلِ، وهو البَرِيقُ، يُقالُ: ألَّ لَوْنُهُ يَؤُلُّ إلًّا: أيْ صَفا ولَمَعَ، والذِّمَّةُ العَهْدُ، وجَمْعُها ذِمَمٌ، فَمَن فَسَّرَ الإلَّ بِالعَهْدِ كانَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الذِّمَّةُ التَّذَمُّمُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: الذِّمَّةُ الأمانُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم» .

ورُوِيَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّ الذِّمَّةَ ما يُتَذَمَّمُ بِهِ: أيْ ما يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ.

قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما فِيهِ مُجامَلَةٌ ومُحاسَنَةٌ لَكم طَلَبًا لِمَرْضاتِكم وتَطْيِيبَ قُلُوبِكم، وقُلُوبُهم تَأْبى ذَلِكَ وتُخالِفُهُ وتَوَدُّ ما فِيهِ مَساءَتُكم ومَضَرَّتُكم، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ النِّفاقِ وذَوُو الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ، وهو التَّمَرُّدُ والتَّجَرِّي، والخُرُوجُ عَنِ الحَقِّ لِنَقْضِهِمُ العُهُودَ، وعَدَمِ مُراعاتِهِمْ لِلْعُقُودِ.

ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.