Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 31–40 of 129

31

ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ

They have taken their scholars and monks as lords besides Allah, and [also] the Messiah, the son of Mary. And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ تَعَدَّتِ اتَّخَذَ هُنا لِمَفْعُولَيْنِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى. قالَ حُذَيْفَةُ: لَمْ يَعْبُدُوهم ولَكِنْ أحَلُّوا لَهُمُ الحَرامَ فَأحَلُّوهُ، وحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الحَلالَ فَحَرَّمُوهُ، وقَدْ جاءَ هَذا مَرْفُوعًا في التِّرْمِذِيِّ إلى الرَّسُولِ ﷺ مِن حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ. وقِيلَ: كانُوا يَسْجُدُونَ لَهم كَما يَسْجُدُونَ لِلَّهِ، والسُّجُودُ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مَجازًا. وقِيلَ: عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ الحُلُولَ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ تَجَلّى في بَواطِنِهِمْ فَيَسْجُدُونَ لَهُ مُعْتَقِدِينَ أنَّهُ لِلَّهِ الَّذِي حَلَّ فِيهِمْ وتَجَلّى في سَرائِرِهِمْ، فَهَؤُلاءِ اتَّخَذُوهم أرْبابًا حَقِيقَةً. ومَذْهَبُ الحُلُولِ فَشا في هَذِهِ الأُمَّةِ كَثِيرًا، وقالُوا بِالِاتِّحادِ. وأكْثَرُ ما فَشا في مَشائِخِ الصُّوفِيَّةِ والفُقَراءِ في وقْتِنا هَذا، وقَدْ رَأيْتُ مِنهم جَماعَةً يَزْعُمُونَ أنَّهم أكابِرُ. وحَكى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ أنَّهُ كانَ فاشِيًا في زَمانِهِ، حَكاهُ في تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِ المَرْوَزِيِّينَ كانَ يَقُولُ لِأصْحابِهِ: أنْتُمْ عَبِيدِي، وإذا خَلا بِبَعْضِ الحَمْقى مِن أتْباعِهِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ. وإذا كانَ هَذا مُشاهَدًا في هَذِهِ الأُمَّةِ، فَكَيْفَ يَبْعُدُ ثُبُوتُهُ في الأُمَمِ السّابِقَةِ ؟ انْتَهى. وهو مَنقُولٌ مِن كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ، وقَدْ صَنَّفَ شَيْخُنا المُحَدِّثُ المُتَصَوِّفُ قُطْبُ الدِّينِ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ القَسْطَلانِيُّ كِتابًا في هَذِهِ الطّائِفَةِ، فَذَكَرَ فِيهِمُ الحُسَيْنَ بْنَ مَنصُورٍ الحَلّاجَ، وأبا عَبْدِ اللَّهِ الشَّوْذِيَّ كانَ بِتِلْمِسانَ، وإبْراهِيمَ بْنَ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَهّانٍ عُرِفَ بِابْنِ المَرْأةِ، وأبا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْلى المُتَأمِّرَ بِـ ”لُورَقَةَ“، وأبا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العَرَبِيِّ الطّائِيَّ، وعُمَرَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الفارِضِ، وعَبْدَ الحَقِّ بْنَ سَبْعِينَ، وأبا الحَسَنِ الشَّشْتُرِيَّ مِن أصْحابِهِ، وابْنَ مُطَرِّفٍ الأعْمى مِن أصْحابِ ابْنِ أحْلى، والصُّفَيْفِيرَ مِن أصْحابِهِ أيْضًا، والعَفِيفَ التِّلْمِسانِيَّ. وذَكَرَ في كِتابِهِ مِن أحْوالِهِمْ وكَلامِهِمْ وأشْعارِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى هَذا المَذْهَبِ. وقَتَلَ السُّلْطانُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الأحْمَرِ مَلِكُ الأنْدَلُسِ الصُّفَيْفِيرَ بِغَرْناطَةَ وأنابَها، وقَدْ رَأيْتُ العَفِيفَ الكُوفِيَّ وأنْشَدَنِي مِن شِعْرِهِ، وكانَ يَتَكَتَّمُ هَذا المَذْهَبَ. وكانَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الأيْكِيُّ شَيْخُ خانْكاهْ سَعِيدِ السُّعَداءِ مُخالِطًا لَهُ خُلْطَةً كَثِيرَةً، وكانَ مُتَهَمًا بِهَذا المَذْهَبِ، وخَرَجَ التِّلْمِسانِيُّ مِنَ القاهِرَةِ هارِبًا إلى الشّامِ مِنَ القَتْلِ عَلى الزَّنْدَقَةِ. وأمّا مُلُوكُ العُبَيْدِيِّينَ بِالمَغْرِبِ ومِصْرَ فَإنَّ أتْباعَهم يَعْتَقِدُونَ فِيهِمُ الإلَهِيَّةَ، وأوَّلُهم عُبَيْدُ اللَّهِ المُتَلَقِّبُ بِالمَهْدِيِّ، وآخِرُهم سُلَيْمانُ المُتَلَقِّبُ بِالعاضِدِ. والأحْبارُ عُلَماءُ اليَهُودِ، والرُّهْبانُ عُبّادُ النَّصارى الَّذِينَ زَهِدُوا في الدُّنْيا وانْقَطَعُوا عَنِ الخَلْقِ في الصَّوامِعِ. أخْبَرَ عَنِ المَجْمُوعِ، وعادَ كُلٌّ إلى ما يُناسِبُهُ؛ أيْ: اتَّخَذَ اليَهُودُ أحْبارَهم، والنَّصارى رُهْبانَهم.

﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى (رُهْبانَهم) .

﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ الظّاهِرُ …

32

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ

They want to extinguish the light of Allah with their mouths, but Allah refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ مَثَلُهم ومَثَلُ حالِهِمْ في طَلَبِهِمْ أنْ يُبْطِلُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَنْفُخَ في نُورٍ عَظِيمٍ مُنْبَثٍّ في الآفاقِ، ونُورُ اللَّهِ هُداهُ الصّادِرُ عَنِ القُرْآنِ والشَّرْعِ المُنْبَثِّ، فَمِن حَيْثُ سَمّاهُ نُورًا سَمّى مُحاوَلَةَ إفْسادِهِ إطْفاءً. وقالَتْ فِرْقَةٌ: النُّورُ القُرْآنُ، وكَنّى بِالأفْواهِ عَنْ قِلَّةِ حِيلَتِهِمْ وضِعْفِها. أخْبَرَ أنَّهم يُحاوِلُونَ أمْرًا جَسِيمًا بِسَعْيٍ ضَعِيفٍ، فَكانَ الإطْفاءُ بِنَفْخِ الأفْواهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِأقْوالٍ لا بُرْهانَ عَلَيْها، فَهي لا تَتَجاوَزُ الأفْواهَ إلى فَهْمِ سامِعٍ، وناسَبَ ذِكْرُ الإطْفاءِ الأفْواهَ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِالأفْواهِ والألْسُنِ إلّا وهو زُورٌ، ومَجِيءُ (إلّا) بَعْدَ (ويَأْبى) يَدُلُّ عَلى مُسْتَثْنًى مِنهُ مَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ مُوجَبٌ، والمُوجَبُ لا تَدَخُلَ مَعَهُ (إلّا)، لا تَقُولُ كَرِهْتُ إلّا زَيْدًا. وتَقْدِيرُ المُسْتَثْنى مِنهُ: ويَأْبى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إلّا أنْ يُتِمَّ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: جازَ هَذا في أبى؛ لِأنَّهُ مَنعٌ وامْتِناعٌ، فَضارَعَتِ النَّفْيَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: مَعْنى ”أبى“ هُنا لا يَرْضى إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ بِدَوامِ دِينِهِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ. وقالَ الفَرّاءُ: دَخَلَتْ (إلّا)؛ لِأنَّ في الكَلامِ طَرَفًا مِنَ الجَحْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أجْرى ”أبى“ مَجْرًى لَمْ يَرِدْ. ألا تَرى كَيْفَ قُوبِلَ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَأْبى اللَّهُ﴾، وكَيْفَ أُوقِعَ مَوْقِعَ ”ولا يُرِيدُ اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ“ ؟

33

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allah dislike it.

﴿هو الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، و(الهُدى): التَّوْحِيدُ، أوِ القُرْآنُ، أوْ بَيانُ الفَرائِضِ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. و(دِينِ الحَقِّ): الإسْلامِ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لِيُظْهِرَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ، والدِّينُ هُنا جِنْسٌ؛ أيْ: لِيُعْلِيَهُ عَلى أهْلِ الأدْيانِ كُلِّهِمْ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ. فَهو ﷺ غَلَبَتْ أُمَّتُهُ اليَهُودَ وأخْرَجُوهم مِن بِلادِ العَرَبِ، وغَلَبُوا النَّصارى عَلى بِلادِ الشّامِ إلى ناحِيَةِ الرُّومِ والمَغْرِبِ، وغَلَبُوا المَجُوسَ عَلى مُلْكِهِمْ، وغَلَبُوا عُبّادَ الأصْنامِ عَلى كَثِيرٍ مِن بِلادِهِمْ مِمّا يَلِي التُّرْكَ والهِنْدَ، وكَذَلِكَ سائِرُ الأدْيانِ. وقِيلَ: المَعْنى يُطْلِعُهُ عَلى شَرائِعَ الدِّينِ حَتّى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، فالدِّينُ هُنا شَرْعُهُ الَّذِي جاءَ بِهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: قَدْ أظْهَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى الأدْيانِ بِأنْ أبانَ لِكُلِّ مَن سَمِعَهُ أنَّهُ الحَقُّ، وما خالَفَهُ مِنَ الأدْيانِ باطِلٌ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الدِّينِ، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، والباقِرُ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إظْهارُ الدِّينِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ورُجُوعِ الأدْيانِ كُلِّها إلى دِينِ الإسْلامِ، كَأنَّها ذَهَبَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ إلى إظْهارِهِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ حَتّى لا يَبْقى مَعَهُ دِينٌ آخَرُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لِيَجْعَلَهُ أعْلاها وأظْهَرُها، وإنْ كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ كانَ دُونَهُ، وهَذا القَوْلُ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى نُزُولِ عِيسى، بَلْ كانَ هَذا في صَدْرِ الأُمَّةِ، وهو كَذَلِكَ باقٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقالَ السُّدِّيُّ: ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ المَهْدِيِّ لا يَبْقى أحَدٌ إلّا دَخَلَ في الإسْلامِ وأدّى الخَراجَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ ما أبْقى فِيها أحَدًا مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِقُرْبِ السّاعَةِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ يَرْجِعُ النّاسُ إلى دِينِ آبائِهِمْ. وقِيلَ: لِيُظْهِرَهُ بِالحُجَّةِ والبَيانِ. وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا أوَّلَ الأمْرِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ؛ وهو أنَّهُ كانَ لِقُرَيْشٍ رِحْلَتانِ: رِحْلَةُ الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ، ورِحْلَةُ الصَّيْفِ إلى الشّامِ والعِراقَيْنِ، فَلَمّا أسْلَمُوا انْقَطَعَتِ الرِّحْلَتانِ لِمُبايَنَةِ الدِّينِ والدّارِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فالمَعْنى: لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ في بِلادِ الرِّحْلَتَيْنِ، وقَدْ حَصَلَ هَذا أسْلَمَ أهْلُ اليَمَنِ وأهْلُ الشّامِ والعِراقَيْنِ. وفي الحَدِيثِ: (زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها) . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولِذَلِكَ اتَّسَعَ مَجالُ الإسْلامِ بِالمَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَمْ يَتَّسِعْ في الجَنُوبِ. انْتَهى. ولا سِيَّما اتِّساعُ الإسْلامِ بِالمَشْرِقِ في زَمانِنا، فَقَلَّ ما بَقِيَ فِيهِ كافِرٌ، بَلْ أسْلَمَ مُعْظَمُ التُّرْكِ التَّتارِ والخَطا وكُلُّ مَن كانَ يُناوِئُ الإسْلامَ، ودَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا والحَمْدُ لِلَّهِ وخُصَّ المُشْرِكُونَ هُنا بِالذِّكْرِ لَمّا كانَتْ كَراهَةً مُخْتَصَّةً بِظُهُورِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وخُصَّ الكافِرُونَ قَبْلُ؛ لِأنَّها كَراهَةُ إتْمامِ نُورِ اللَّهِ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، وباقِيهِ يَعُمُّ الكَفَرَةَ مِن لَدُنْ خَلْقِ الدُّنْيا إلى …

34

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly and avert [them] from the way of Allah. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allah - give them tidings of a painful punishment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩] ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢] ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤٤] ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦] ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧] ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩] ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم …

35

يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ

The Day when it will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩] ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢] ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤٤] ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦] ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧] ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩] ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم …

36

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةًۭ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

Indeed, the number of months with Allah is twelve [lunar] months in the register of Allah [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred. That is the correct religion, so do not wrong yourselves during them. And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allah is with the righteous [who fear Him].

﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ كانَتِ العَرَبُ لا عَيْشَ لِأكْثَرِها إلّا مِنَ الغاراتِ وأعْمالِ سِلاحِها، فَكانَتْ إذا تَوالَتْ عَلَيْهِمُ الأرْبَعَةُ الحُرُمُ صَعُبَ عَلَيْها وأمْلَقُوا، وكانَ بَنُو فُقَيْمٍ مِن كِنانَةَ أهْلَ دِينٍ وتَمَسُّكٍ بِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فانْتُدِبَ مِنهُمُ القَلَمَّسُ وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ فُقَيْمٍ فَنَسَأ الشُّهُورَ لِلْعَرَبِ، ثُمَّ خَلَفَهُ عَلى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبّادٌ، ثُمَّ ابْنُهُ قَلَعٌ، ثُمَّ ابْنُهُ أُمَيَّةُ، ثُمَّ ابْنُهُ عَوْفٌ، ثُمَّ ابْنُهُ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلَيْهِ قامَ الإسْلامُ. وكانَتِ العَرَبُ إذا فَرَغَتْ مَن حَجَّها جاءَ إلَيْهِ مَن شاءَ مِنهم مُجْتَمِعِينَ فَقالُوا: أنْسِئْنا شَهْرًا؛ أيْ: أخِّرْ عَنّا حُرْمَةَ المُحَرَّمِ فاجْعَلْها في صَفَرٍ، فَيُحِلُّ لَهُمُ المُحَرَّمَ، فَيُغِيرُونَ فِيهِ ويَعِيشُونَ. ثُمَّ يَلْزَمُونَ حُرْمَةَ صَفَرٍ لِيُوافِقُوا عِدَّةَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، ويُسَمُّونَ ذَلِكَ الصَّفَرَ المُحَرَّمَ، ويُسَمُّونَ رَبِيعًا الأوَّلَ صَفَرًا، ورَبِيعًا الآخَرَ رَبِيعًا الأوَّلَ، وهَكَذا في سائِرِ الشُّهُورِ يَسْتَقْبِلُونَ نَسِيئَهم في المُحَرَّمِ المَوْضُوعِ لَهم، فَيَسْقُطُ عَلى هَذا حُكْمُ المُحَرَّمِ الَّذِي حُلِّلَ لَهم، وتَجِيءُ السَّنَةُ مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا أوَّلُها المُحَرَّمُ المُحَلَّلُ، ثُمَّ المُحَرَّمُ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ صَفَرٌ، ثُمَّ اسْتِقْبالُ السَّنَةِ كَما ذَكَرْنا.

قالَ مُجاهِدٌ: ثُمَّ كانُوا يَحُجُّونَ في كُلِّ عامٍ شَهْرَيْنِ ولاءً، وبَعْدَ ذَلِكَ يُبَدِّلُونَ فَيَحُجُّونَ عامَيْنِ ولاءً، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى كانَتْ حَجَّةَ أبِي بَكْرٍ في ذِي القَعْدَةِ حَقِيقَةً، وهم يُسَمُّونَهُ ذا الحِجَّةِ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ في ذِي الحِجَّةِ حَقِيقَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: «إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ» .

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنْواعًا مِن قَبائِحِ أهْلِ الشِّرْكِ وأهْلِ الكِتابِ، ذَكَرَ أيْضًا نَوْعًا مِنهُ؛ وهو تَغْيِيرُ العَرَبِ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ حَكَمَ في وقْتٍ بِحُكْمٍ خاصٍّ، فَإذا غَيَّرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ فَقَدْ غَيَّرُوا حُكْمَ اللَّهِ. والشُّهُورُ: جَمْعُ كَثْرَةٍ لَمّا كانَتْ أزْيَدَ مِن عَشَرَةٍ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: ”الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ“ فَجاءَ بِلَفْظِ جَمْعِ القِلَّةِ، والمَعْنى: شُهُورُ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُؤَرِّخُونَ بِالسَّنَةِ القَمَرِيَّةِ لا الشَّمْسِيَّةِ، تَوارَثُوهُ عَنْ إسْماعِيلَ وإبْراهِيمَ. ومَعْنى (عِنْدَ اللَّهِ) أيْ في حُكْمِهِ وتَقْدِيرِهِ كَما تَقُولُ: هَذا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ عِدَّةُ الشُّهُورِ الَّتِي تُسَمّى سَنَةً اثْنا عَشَرَ؛ لِأنَّهم جَعَلُوا أشْهُرَ العامِ ثَلاثَةَ عَشَرَ.

وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ: بِإسْكانِ العَيْنِ مَعَ إثْباتِ الألِفِ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، كَما رُوِيَ: التَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ بِإثْباتِ ألِفِ حَلْقَتا. وقَرَأ طَلْحَةُ بِإسْكانِ …

37

إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌۭ فِى ٱلْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُحِلُّونَهُۥ عَامًۭا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامًۭا لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَٰلِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allah and [thus] make lawful what Allah has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allah does not guide the disbelieving people.

﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ كانَتِ العَرَبُ لا عَيْشَ لِأكْثَرِها إلّا مِنَ الغاراتِ وأعْمالِ سِلاحِها، فَكانَتْ إذا تَوالَتْ عَلَيْهِمُ الأرْبَعَةُ الحُرُمُ صَعُبَ عَلَيْها وأمْلَقُوا، وكانَ بَنُو فُقَيْمٍ مِن كِنانَةَ أهْلَ دِينٍ وتَمَسُّكٍ بِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فانْتُدِبَ مِنهُمُ القَلَمَّسُ وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ فُقَيْمٍ فَنَسَأ الشُّهُورَ لِلْعَرَبِ، ثُمَّ خَلَفَهُ عَلى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبّادٌ، ثُمَّ ابْنُهُ قَلَعٌ، ثُمَّ ابْنُهُ أُمَيَّةُ، ثُمَّ ابْنُهُ عَوْفٌ، ثُمَّ ابْنُهُ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلَيْهِ قامَ الإسْلامُ. وكانَتِ العَرَبُ إذا فَرَغَتْ مَن حَجَّها جاءَ إلَيْهِ مَن شاءَ مِنهم مُجْتَمِعِينَ فَقالُوا: أنْسِئْنا شَهْرًا؛ أيْ: أخِّرْ عَنّا حُرْمَةَ المُحَرَّمِ فاجْعَلْها في صَفَرٍ، فَيُحِلُّ لَهُمُ المُحَرَّمَ، فَيُغِيرُونَ فِيهِ ويَعِيشُونَ. ثُمَّ يَلْزَمُونَ حُرْمَةَ صَفَرٍ لِيُوافِقُوا عِدَّةَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، ويُسَمُّونَ ذَلِكَ الصَّفَرَ المُحَرَّمَ، ويُسَمُّونَ رَبِيعًا الأوَّلَ صَفَرًا، ورَبِيعًا الآخَرَ رَبِيعًا الأوَّلَ، وهَكَذا في سائِرِ الشُّهُورِ يَسْتَقْبِلُونَ نَسِيئَهم في المُحَرَّمِ المَوْضُوعِ لَهم، فَيَسْقُطُ عَلى هَذا حُكْمُ المُحَرَّمِ الَّذِي حُلِّلَ لَهم، وتَجِيءُ السَّنَةُ مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا أوَّلُها المُحَرَّمُ المُحَلَّلُ، ثُمَّ المُحَرَّمُ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ صَفَرٌ، ثُمَّ اسْتِقْبالُ السَّنَةِ كَما ذَكَرْنا.

قالَ مُجاهِدٌ: ثُمَّ كانُوا يَحُجُّونَ في كُلِّ عامٍ شَهْرَيْنِ ولاءً، وبَعْدَ ذَلِكَ يُبَدِّلُونَ فَيَحُجُّونَ عامَيْنِ ولاءً، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى كانَتْ حَجَّةَ أبِي بَكْرٍ في ذِي القَعْدَةِ حَقِيقَةً، وهم يُسَمُّونَهُ ذا الحِجَّةِ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ في ذِي الحِجَّةِ حَقِيقَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: «إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ» .

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنْواعًا مِن قَبائِحِ أهْلِ الشِّرْكِ وأهْلِ الكِتابِ، ذَكَرَ أيْضًا نَوْعًا مِنهُ؛ وهو تَغْيِيرُ العَرَبِ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ حَكَمَ في وقْتٍ بِحُكْمٍ خاصٍّ، فَإذا غَيَّرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ فَقَدْ غَيَّرُوا حُكْمَ اللَّهِ. والشُّهُورُ: جَمْعُ كَثْرَةٍ لَمّا كانَتْ أزْيَدَ مِن عَشَرَةٍ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: ”الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ“ فَجاءَ بِلَفْظِ جَمْعِ القِلَّةِ، والمَعْنى: شُهُورُ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُؤَرِّخُونَ بِالسَّنَةِ القَمَرِيَّةِ لا الشَّمْسِيَّةِ، تَوارَثُوهُ عَنْ إسْماعِيلَ وإبْراهِيمَ. ومَعْنى (عِنْدَ اللَّهِ) أيْ في حُكْمِهِ وتَقْدِيرِهِ كَما تَقُولُ: هَذا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ عِدَّةُ الشُّهُورِ الَّتِي تُسَمّى سَنَةً اثْنا عَشَرَ؛ لِأنَّهم جَعَلُوا أشْهُرَ العامِ ثَلاثَةَ عَشَرَ.

وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ: بِإسْكانِ العَيْنِ مَعَ إثْباتِ الألِفِ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، كَما رُوِيَ: التَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ بِإثْباتِ ألِفِ حَلْقَتا. وقَرَأ طَلْحَةُ بِإسْكانِ …

38

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allah, you adhere heavily to the earth? Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .

وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ …

39

إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًۭٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allah is over all things competent.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .

وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ …

40

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

If you do not aid the Prophet - Allah has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two, when they were in the cave and he said to his companion, "Do not grieve; indeed Allah is with us." And Allah sent down his tranquillity upon him and supported him with angels you did not see and made the word of those who disbelieved the lowest, while the word of Allah - that is the highest. And Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾: لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِغَزاةِ تَبُوكَ، وكانَ زَمانَ جَدْبٍ وحَرٍّ شَدِيدٍ وقَدْ طابَتِ الثِّمارُ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ وأحَبُّوا المُقامَ، نَزَلَتْ عِتابًا عَلى مَن تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُّومَ في عِشْرِينَ ألْفًا مِن راكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ قَبائِلُ مِنَ النّاسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرٌ ومُنافِقُونَ. وخَصَّ الثَّلاثَةَ بِالعِتابِ الشَّدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُّحْبَةِ؛ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَسْبَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا شَرَحَ مَعاتِبَ الكُفّارِ رَغِبَ في مُقابَلَتِهِمْ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّقْرِيعُ، وبُنِيَ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ، والقائِلُ هو الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ، مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ ﷺ .

وقَرَأ الأعْمَشُ: تَثاقَلْتُمْ وهو أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ اثّاقَلْتُمْ، وهو ماضٍ بِمَعْنى المُضارِعِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، وهو عامِلٌ في (إذْ)؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: الماضِي هُنا بِمَعْنى المُضارِعِ؛ أيْ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في التَّثاقُلِ ؟ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حَذْفُ أنْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْسَبِكُ مَصْدَرٌ إلّا مِن حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، وحَذْفُ أنْ في نَحْوِ هَذا قَلِيلٌ جِدًّا أوْ ضَرُورَةٌ. وإذا كانَ التَّقْدِيرُ في التَّثاقُلِ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذا؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النّاصِبُ لِإذا، والمُتَعَلِّقُ بِهِ في التَّثاقُلِ ما هو مَعْلُومٌ لَكُمُ الواقِعُ خَبَرًا لِما. وقُرِئَ: اثّاقَلْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في إذا ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ ما في (ما لَكم) مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم، كَما تَعْمَلُهُ في الحالِ إذا قُلْتَ: ما لَكَ قائِمًا. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ما لَكم تَتَثاقَلُونَ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ اثّاقَلْتُمْ عَلَيْهِ. ومَعْنى اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ: مِلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا حِينَ أخْرَجَتِ الأرْضُ ثِمارَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ. وقِيلَ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ عُدِّيَ بِإلى. وفي قَوْلِهِ: (أرَضِيتُمْ)، نَوْعٌ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ أيْ: أرَضِيتُمْ بِالنَّعِيمِ العاجِلِ في الدُّنْيا الزّائِلِ بَدَلَ النَّعِيمِ الباقِي ؟ . و(مِن) تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها بِمَعْنى (بَدَلَ)؛ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ بَدَلًا مِنكم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، والطَّهَيانِ …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.