Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 31–40 of 129

31

ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ

They have taken their scholars and monks as lords besides Allah, and [also] the Messiah, the son of Mary. And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

ثُمَّ زادَهم جُرْأةً عَلَيْهِمْ بِالإشارَةِ إلى ضَعْفِ مُسْتَنَدِهِمْ حَيْثُ كانَ مَخْلُوقًا مِثْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ العُدُولَ عَنِ اللَّهِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وأخَذُوا ﴿أحْبارَهُمْ﴾ أيْ: مِن عُلَماءِ اليَهُودِ، والحَبْرُ في الأصْلِ العالِمُ مِن أيِّ طائِفَةٍ كانَ ﴿ورُهْبانَهُمْ﴾ أيْ: مِن زُهّادِ النَّصارى، والرّاهِبُ في الأصْلِ مَن تَمَكَّنَتِ الرَّهْبَةُ في قَلْبِهِ فَظَهَرَتْ آثارُها عَلى وجْهِهِ ولِباسِهِ، فاخْتُصَّ في العُرْفِ بِعُلَماءِ النَّصارى أصْحابِ الصَّوامِعِ ﴿أرْبابًا﴾ أيْ: آلِهَةً لِكَوْنِهِمْ يَفْعَلُونَ ما يَخْتَصُّ بِهِ الرَّبُّ مِن تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا وتَحْلِيلِ ما حَلَّلُوا؛ وأشارَ إلى سُفُولِ أمْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: الحائِزِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ، فَكانُوا يُعَوِّلُونَ عَلَيْهِمْ ويُسْنِدُونَ أمْرَهم إلَيْهِمْ حَتّى أنْ كانُوا لَيَتْبَعُونَهم في الحَلالِ والحَرامِ ﴿والمَسِيحَ﴾ أيِ: المُبارَكَ الَّذِي هو أهْلٌ لِأنْ يُمْسَحَ بِدُهْنِ القُدُسِ وأنْ يَمْسَحَ غَيْرَهُ ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أيْ: اتَّخَذُوهُ كَذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ جَعَلُوهُ ابْنًا فَأهَّلُوهُ لِلْعِبادَةِ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ ابْنَ امْرَأةٍ، فَهو لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ بِوَجْهٍ لِمُشارَكَتِهِ لِلْآدَمِيِّينَ في الحَمْلِ والوِلادَةِ والتَّرْبِيَةِ والأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ البَشَرِ المُوجِبَةِ لِلْحاجَةِ المُنافِيَةِ لِلْإلَهِيَّةِ، ومَعَ تَصْرِيحِهِ لَهم بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، فَتَطابَقَ العَقْلُ والنَّقْلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ.

ولَمّا قَبَّحَ عَلَيْهِمْ ما اخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ، قَبَّحَهُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ مُخالَفَتِهِ لِأمْرِهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم ما ﴿أُمِرُوا﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَن لَهُ الأمْرُ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ والنَّقْلِ ﴿إلا لِيَعْبُدُوا﴾ أيْ: لِيُطِيعُوا عَلى وجْهِ التَّعَبُّدِ ﴿إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ بِوَجْهٍ لا بِالذّاتِ ولا بِالمُماثَلَةِ، وذَلِكَ مَعْنى وصْفِهِ بِأنَّهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ، فَلَمّا تَعَيَّنَ ذَلِكَ في اللَّهِ وكانَتْ رُتْبَتُهُ زائِدَةً أبْعَدَ عَمّا أشْرَكُوا بِهِ، نَزَّهَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ: بَعُدَتْ رُتْبَتُهُ وعَلَتْ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في كَوْنِهِ مَعْبُودًا أوْ مَشْرُوعًا؛ ذَكَرَ أبُو مُحَمَّدٍ إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ البَسْتِيُّ القاضِي في تَفْسِيرِهِ وغَيْرُهُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وفي عُنُقِي صَلِيبٌ مِن ذَهَبٍ فَقالَ: اقْطَعْهُ، فَقَطَعْتُهُ ثُمَّ أتَيْتُهُ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ بَراءَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ! إنّا لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُهُمْ! قالَ: أجَلْ. ألَيْسَ كانُوا يُحِلُّونَ لَكم ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَ عَلَيْكم ما أحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَ: تِلْكَ عِبادَتُهم».

32

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ

They want to extinguish the light of Allah with their mouths, but Allah refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

ولَمّا وهى سُبْحانَهُ أمْرَهم مِن جِهَةِ اسْتِنادِهِمْ، زادَ تَوْهِيَةً مِن جِهَةِ مُرادِهِمْ بِالإعْلامِ بِأنَّهم بِقِتالِهِمْ لِأهْلِ الطّاعَةِ إنَّما يُقاتِلُونَ اللَّهَ وأنَّهُ لا يُنَفِّذُ غَرَضَهم بَلْ يُرِيدُ غَيْرَ ما يُرِيدُونَ، ومِنَ المُقَرَّرِ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا ما يُرِيدُ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا أوْ مُعَلِّلًا لِما مَضى مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا﴾ أيْ: بِما مَضى ذِكْرُهُ مِن أحْوالِهِمْ ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ أيْ: دِينَ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ العُظْمى، وشَرْعُهُ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبادِهِ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، كُلُّ ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ العَمَلِ بِالأغْراضِ والأهْوِيَةِ، فَإنَّ اتِّباعَ الرُّسُلِ حاسِمٌ لِلشَّهَواتِ، وهم أبْعَدُ النّاسِ عَنْ ذَلِكَ.

ولَمّا حَقَّرَ شَأْنَهُمْ، هَدَمَهُ بِالكُلِّيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ: بِقَوْلٍ خالٍ عَنْ شَيْءٍ يُثْبِتُهُ أوْ يُمْضِيهِ ويُنْفِذُهُ، وفي تَسْمِيَةِ دِينِهِ نُورًا ومُعانَدَتِهِمْ إطْفاءً بِالأفْواهِ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ بِحالِ مَن يُرِيدُ إطْفاءَ نُورِ الشَّمْسِ بِنَفْخِهِ ﴿ويَأْبى﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ يَفْعَلُ فِعْلَ الأبِيِّ وهو أنَّهُ لا يَرْضى ﴿اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ والعِزِّ ونُفُوذُ الكَلِمَةِ ﴿إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أيْ: لا يَقْتَصِرَ عَلى مُجَرَّدِ إشْراقِهِ، بَلْ وعَدَ - وقَوْلُهُ الحَقُّ - بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن إكْمالِهِ وإطْفائِهِ لِكُلِّ ما عَداهُ وإحْراقِهِ. ولِما في ”يَأْبى“ مِن مَعْنى الجَحْدِ دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ، أيْ: إنَّهُ يَأْبى كُلَّ حالَةٍ إلّا حالَةَ إتْمامِهِ نُورَهُ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ أيِ: العَرِيقُونَ في الكُفْرِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ.

33

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allah dislike it.

ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مُعْلٍ لِقَوْلِهِ: ومُكَمِّلٌ، ومُبْطِلٌ لِقَوْلِهِمْ مُسْفِلٌ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِما حاصِلُهُ أنَّهُ شَأْنُ المُلُوكِ، وهو أنَّهم إذا بَرَزَ لَهم أمْرُ شَيْءٍ لَمْ يَرْضَوْا أنْ يَرُدَّهُ أحَدٌ؛ فَإنَّ ذَلِكَ رُوحُ المَلِكِ الَّذِي لا يُجازِي الطّاعِنَ فِيهِ إلّا بِالهَلَكِ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ أيْ: مُحَمَّدًا ﷺ ﴿بِالهُدى﴾ أيْ: لِبَيانِ الشّافِي بِالمُعْجِزاتِ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ أيِ: الكامِلِ في بَيانِهِ وثَباتِهِ كَمالًا ظاهِرًا لِكُلِّ عاقِلٍ؛ ثُمَّ زادَهم جُرْأةً عَلى العَدُوِّ بِقَوْلِهِ مُعَلِّلًا لِإرْسالِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أيِ: الرَّسُولَ ﷺ والدِّينَ - أدامَ اللَّهُ ظُهُورَهُ ﴿عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وساقَ ذَلِكَ كُلَّهُ مَساقَ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: كَيْفَ نُقاتِلُهم وهم في الكَثْرَةِ والقُوَّةِ عَلى ما لا يَخْفى؟ فَقالَ: لِمَ لا تُقاتِلُونَهم وأنْتُمْ لا تَعْتَمِدُونَ عَلى أحَدٍ غَيْرِ مَن كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ، وهم إنَّما يَعْتَمِدُونَ عَلى مَخالِيقَ مِثْلَكُمْ، كَيْفَ لا تَجْسُرُونَ عَلَيْهِمْ وهم في قِتالِكم إنَّما يُقاتِلُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي أنْتُمْ في طاعَتِهِ؟ أمْ كَيْفَ لا تُصادِمُونَهم وهو الَّذِي أمَرَكم بِقِتالِهِمْ لِيَنْصُرَكم ويُظْهِرَ آياتِهِ؟ ولَعَلَّ الخَتْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ أبْلَغُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ قَدْ لا يَكُونُ فِيهِ عِنادٌ، والشِّرْكُ مَبْناهُ عَلى العِنادِ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ، أيْ: لا بُدَّ مِن نَصْرِكم خالَفَ مَن خالَفَ مُجَرَّدَ مُخالَفَةٍ أوْ ضَمَّ إلى ذَلِكَ العِنادَ بِالِاسْتِعانَةِ بِمَن أرادَ.

34

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly and avert [them] from the way of Allah. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allah - give them tidings of a painful punishment.

ولَمّا حَقَّرَ أمْرَهم بِتَقْسِيمِ اعْتِمادِهِمْ عَلى رُؤَسائِهِمْ، وحالُهم مَعْرُوفٌ في أنَّهُ لا نَفْعَ عِنْدِهِمْ ولا ضُرَّ، وأعْلى أمْرِ أهْلِ اللَّهِ بِاجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِ وهو القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وكانَ الإقْبالُ عَلى الدُّنْيا أعْظَمَ أمارَةٍ عَلى الخِذْلانِ ولَوْ أنَّهُ بِحَقٍّ فَكَيْفَ إذًا بِالباطِلِ! أقْبَلَ سُبْحانَهُ وعَزَّ شَأْنُهُ عَلى أهْلِ وُدِّهِ مُسْتَعْطِفًا مُتَلَطِّفًا مُنادِيًا بِاسْمِ الإيمانِ الَّذِي بَنى أمْرَهُ في أوَّلِ هَذا الكِتابِ عَلى الإنْفاقِ لا عَلى التَّحْصِيلِ ولَوْ كانَ بِحَقٍّ، فَكَيْفَ إذا كانَ بِباطِلٍ، ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ، مُنَبِّهًا عَلى سَفَهِ مَن تَرَكَ مَن لا يَسْألُهُ عَلى بَذْلِ الهُدى والدَّعْوَةِ إلى دِينِ الحَقِّ أجْرًا وهو سَفِيرٌ مَحْضٌ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، ولَمْ يَعْتَقِدْهُ رَسُولًا واتَّخَذَ مَرْبُوبًا مِثْلَهُ وهو يَأْخُذُ مالَهُ بِالباطِلِ رَبْوًا، وذَلِكَ مُقْتَضٍ لِتَحْقِيرِهِمْ لا لِمُطْلَقِ تَعْظِيمِهِمْ فَضْلًا عَنِ الرُّتْبَةِ الَّتِي أنْزَلُوهم بِها وأهَّلُوهم لَها مَعَ التَّرَفُّعِ عَلَيْهِمْ لِقَصْدِ أكْلِ أمْوالِهِمْ بِالباطِلِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِإيمانِ داعِيهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ ومِمّا يَؤُولُ إلَيْهِ ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ﴾ أيْ: مِن عُلَماءِ اليَهُودِ ﴿والرُّهْبانِ﴾ أيْ: مِن زُهّادِ النَّصارى ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ أيْ: يَتَناوَلُونَ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِأنَّهُ مُعْظَمُ المُرادِ مِنَ المالِ، وإشارَةً إلى تَحْقِيرِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ بِأنَّهم يَفْعَلُونَ ما يُنافِي مَقامَهُمُ الَّذِي أقامُوا أنْفُسَهم فِيهِ ﴿أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ أيْ: بِأخْذِها بِالرُّشى وأنْواعِ التَّصَيُّدِ بِإظْهارِ الزُّهْدِ والمُبالَغَةِ في التَّدَيُّنِ المُسْتَجْلِبِ لَها بِالنُّذُورِ ونَحْوِها فَيَكْنِزُونَها ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ مَن أتاهم بِها بِالإقْبالِ بِقُلُوبِ عِبادِهِ إلَيْهِمْ.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ إقْبالِهِمْ عَلى الدُّنْيا، أتْبَعَهُ الإخْبارَ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَصُدُّونَ﴾ أيْ: يَحْتالُونَ في صَرْفِ مَن يَأْتِيهِمْ بِتِلْكَ الأمْوالِ وغَيْرِهِمْ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: دِينِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِإبْعادِهِمْ عَنْهُ بِإخْفاءِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ عَنْهم خَوْفًا عَلى انْقِطاعِ دُنْياهم بِزَوالِ رِئاسَتِهِمْ لَوْ أقْبَلَ أُولَئِكَ عَلى الحَقِّ.

ولَمّا كانَ أكْثَرُهم يَكْنِزُونَ تِلْكَ الأمْوالَ، شَرَعَ سُبْحانَهُ عَلى مُطْلَقِ الكَنْزِ، فَفُهِمَ مِن بابِ الأوْلى الصَّدُّ الَّذِي هو سَبَبُ الجَمْعِ الَّذِي هو سَبَبُ الكَنْزِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِينَ ﴿يَكْنِزُونَ﴾ أيْ: يَجْمَعُونَ تَحْتَ الأرْضِ أوْ فَوْقَها مِن قَوْلِهِمْ لِلْمُجْتَمِعِ اللَّحْمِ: مُكْتَنِزٌ ﴿الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ أيْ: مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مِن غَيْرِ تَزْكِيَةٍ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُما أجَلُّ مالِ النّاسِ، وكانَ الكَنْزُ دالًّا عَلى المُكاثَرَةِ فِيهِما، أعادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهِما بِما يَدُلُّ عَلى الأنْواعِ الكَثِيرَةِ فَقالَ: ﴿ولا يُنْفِقُونَها﴾ أيْ: يُنْفِقُونَ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ مِن هَذِهِ الأمْوالِ الَّتِي جَمَعُوها مِن هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ أوْ مُنْفَرِدَيْنِ، ولَوْ ثَنّى لِأوْهَمَ أنَّ اجْتِماعَها شَرْطٌ لِلتَّرْهِيبِ، وإنَّما أعادَ الضَّمِيرَ عَلَيْها مِن غَيْرِ ذِكْرِ ”مِن“ - وهي مُرادَةٌ - لِمَزِيدِ التَّرْغِيبِ في الإنْفاقِ والتَّرْهِيبِ مِن تَرْكِهِ، ويَجُوزُ …

35

يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ

The Day when it will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

ولَمّا كانَ السِّياقُ دالًّا دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ هَذا العَذابَ يَحْصُلُ لَهم ويَقَعُ بِهِمْ، فَنَصَبَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يُحْمى﴾ أيْ: يَحْصُلُ الإحْماءُ وهو الإيقادُ الشَّدِيدُ ﴿عَلَيْها﴾ أيِ: الأمْوالِ الَّتِي جَمَعُوها ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ أيِ: الَّتِي لا يُقارِبُها نارُكُمْ، وتُلْقى داخِلَها بِالتَّجَهُّمِ والعُبُوسَةِ كَما كانَ يَلْقى بِذَلِكَ الفُقَراءَ وغَيْرَهم مِن أهْلِ اللَّهِ لا سِيَّما مِن مَنعِهِ ما يَجِبُ لَهُ مِنَ النَّفَقَةِ ﴿فَتُكْوى بِها﴾ أيْ: بِهَذِهِ الأمْوالِ ﴿جِباهُهُمْ﴾ الَّتِي هي أشْرَفُ أعْضائِهِمْ لِأنَّها مَجْمَعُ الوُجُوهِ والرُّؤُوسِ ومَوْضِعُ الجاهِ الَّذِي يَجْمَعُ المالَ لِأجْلِهِ لِتَعْبِيسِهِمْ بِها في وُجُوهِ الفُقَراءِ ﴿وجُنُوبُهُمْ﴾ الَّتِي يَحْوُونَهُ لِمَلْئِها بِالمَآكِلِ المُشْتَهاةِ والمُشارِبِ المُسْتَلَذَّةِ ولِازْوِرارِهِمْ بِها عَنِ الفُقَراءِ ﴿وظُهُورُهُمْ﴾ الَّتِي يَحْوُونَهُ لِتَقْوِيَتِها وتَحْمِيلِها بِالمَلابِسِ وتَجْلِيَتِها ولِتَوْلِيَتِهِمْ إيّاها إذا اجْتَمَعُوا مَعَ الفُقَراءِ في مَكانٍ. ثُمَّ يُقالُ لَهُمْ: ﴿هَذا ما كَنَـزْتُمْ﴾ وأشارَ إلى الحامِلِ عَلى الجَمْعِ المُنافِي لِلْعَقْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿لأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: لِتُنافِسُوا بِهِ وتَلْتَذُّوا فَلَمْ تُنْفِقُوهُ فِيما أمَرَ اللَّهُ ﴿فَذُوقُوا ما﴾ أيْ: وبالَ وعَذابَ ما ﴿كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أيْ: تُجَدِّدُونَ جَمْعَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ حَرِيصِينَ عَلَيْهِ، وأشارَ بِفِعْلِ الكَوْنِ إلى أنَّهم مَجْبُولُونَ عَلى ذَلِكَ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ قالَ: مَرَرْتُ عَلى أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالرَّبَذَةِ قُلْتُ: ما أنْزَلَكَ بِهَذِهِ الأرْضِ قالَ: كُنّا بِالشّامِ فَقَرَأْتُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] - الآيَةَ. قالَ مُعاوِيَةُ: ما هَذِهِ فِينا، ما هَذِهِ إلّا في أهْلِ الكِتابِ! قُلْتُ: إنَّها لَفِينا وفِيهِمْ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: هَذا قَبْلَ أنْ تُنْزَلَ الزَّكاةُ، فَلَمّا أُنْزِلَتْ جَعَلَها اللَّهُ طُهْرًا لِلْأمْوالِ، يَعْنِي فَما أعْطى صاحِبُهُ ما وجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ.

36

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةًۭ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

Indeed, the number of months with Allah is twelve [lunar] months in the register of Allah [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred. That is the correct religion, so do not wrong yourselves during them. And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allah is with the righteous [who fear Him].

ولَمّا تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِمّا يَنْبَنِي عَلى التّارِيخِ: الحَجُّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ والأشْهُرُ وإتْمامُ عَهْدِ مَن لَهُ مُدَّةٌ إلى مُدَّتِهِ والزَّكاةُ والجِزْيَةُ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالكَنْزِ الَّذِي لا يُطْلَقُ شَرْعًا إلّا عَلى ما لَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ، وكانَ مُشْرِكُو العَرَبِ - الَّذِينَ تَقَدَّمَ الأمْرُ بِالبَراءَةِ مِنهم والتَّأْذِينِ بِهَذِهِ الآياتِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ فِيهِمْ - قَدْ أحْدَثُوا في الأشْهُرِ بِالنَّسِيءِ الَّذِي أُمِرُوا أنْ يُنادُوا في الحَجِّ بِإبْطالِهِ - ما غَيَّرَ السِّنِينَ عَنْ مَوْضُوعِها الَّذِي وضَعَها اللَّهُ عَلَيْهِ، فَضاهَوْا بِهِ فِعْلَ أهْلِ الكِتابِ بِالتَّدَيُّنِ بِتَحْلِيلِ أكابِرِهِمْ وتَحْرِيمِهِمْ كَما ضاهى أُولَئِكَ قَوْلَ أهْلِ الشِّرْكِ في النُّبُوَّةِ والأُبُوَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أيْ: مُنْتَهى عَدَدِ شُهُورِ السَّنَةِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِ وعِلْمِ الَّذِي خَلَقَ الزَّمانَ وحْدَهُ وهو الإلَهُ وحْدَهُ فَلا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ أيْ: لا زِيادَةَ عَلَيْها ولا تَغْيِيرَ لَها كَما تَفْعَلُونَهُ في النَّسِيءِ ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: كَلامِ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، وحُكْمُهُ الَّذِي هو مَجْمَعُ الهُدى، فَهو الحَقِيقُ بِأنْ يُكْتَبَ، ولَيْسَتِ الشُّهُورُ ثَلاثَةَ عَشَرَ ولا أكْثَرَ كَما كانَ يَفْعَلُ مَن أمَرْتُكم بِالبَراءَةِ مِنهم كائِنِينَ مَن كانُوا في النَّسِيءِ ﴿يَوْمَ﴾ أيْ: كانَ ذَلِكَ وثَبَتَ يَوْمَ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيِ: اللَّذَيْنِ نَشَأ عَنْهُما الزَّمانُ.

والمَعْنى أنَّ الحُكْمَ بِذَلِكَ كانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الزَّمانَ ﴿مِنها﴾ أيِ: الشُّهُورِ ﴿أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ أيْ: بِأعْيانِها لا بِمُجَرَّدِ العَدَدِ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ والحُكْمُ العالِي الرُّتْبَةِ في الإتْقانِ خاصَّةً ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيِ: الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ ولا مَدْخَلَ لِلْعِبادِ، وإنَّما هو بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى لِلْقَمَرِ؛ رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ - يَعْنِي في حَجَّةِ الوادِعِ: «إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاثٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ» ولَمّا بَيَّنَ الأمْرَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ أيِ: الأشْهُرِ الحُرُمِ ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إنْساءِ بَعْضِها وتَحْرِيمِ غَيْرِهِ مَكانَهُ لِتُوافِقُوا العَدَدَ -لا العَيْنَ- اللّازِمُ عَنْهُ إخْلالُ كُلٍّ مِنها بِإيقاعِ الظُّلْمِ فِيهِ وتَحْرِيمِ كُلٍّ مِن غَيْرِها، قالَ قَتادَةُ: العَمَلُ الصّالِحُ والفاسِدُ فِيها أعْظَمُ مِنهُ في غَيْرِها وإنْ كانَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ عَظِيمًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لِعِظَمِ مَن أمَرَهُ ما شاءَ؛ وقالَ أبُو حَيّانَ ما حاصِلُهُ: إنَّ العَرَبَ تُعِيدُ الضَّمِيرَ عَلى جَمْعِ الكَثْرَةِ كالواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ فَلِذا قالَ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ﴾ أيْ: مِنَ الشُّهُورِ، وعَلى جَمْعِ القِلَّةِ لِما لا يُعْقَلُ بِنُونِ جَمْعِ المُؤَنَّثِ فَلِذا قالَ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ أيْ: في الأرْبَعَةِ.

ولَمّا كانَ إنْساؤُهم هو لِتَحِلَّ لَهُمُ المُقاتَلَةُ عَلى زَعْمِهِمْ قالَ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ أيْ: كُلُّكم في ذَلِكَ سَواءٌ، في الِائْتِلافِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ ﴿كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ أيْ: كُلُّهم في ذَلِكَ سَواءٌ؛ وذَلِكَ الحُكْمُ في جَمِيعِ …

37

إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌۭ فِى ٱلْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُحِلُّونَهُۥ عَامًۭا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامًۭا لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَٰلِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allah and [thus] make lawful what Allah has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allah does not guide the disbelieving people.

ولَمّا فُهِمَ مِن هَذا إبْطالُ النَّسِيءِ لِأنَّهُ فِعْلُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فَلا تَقْوى فِيهِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أفَما في النَّسِيءِ تَقْوى؛ فَإنَّ سَبَبَهُ إنَّما هو الخَوْفُ مِنَ انْتِهاكِ حُرْمَةِ اللَّهِ بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الَّذِي حَرَّمَهُ؟ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أصْحابَ غاراتٍ وحُرُوبٍ، وكانُوا يَحْتَرِمُونَ الأشْهُرَ الحُرُمَ عَنِ القِتالِ حَتّى لَوْ رَأى الإنْسانُ قاتِلَ أبِيهِ لا مانِعَ مِنهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ، فَكانَ إذا جاءَ الشَّهْرُ الحَرامُ وهم مُحارِبُونَ شَقَّ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ، وكانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ تَرْكُ ذَلِكَ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ مُتَوالِيَةً، فَجَعَلُوا النَّسِيءَ لِذَلِكَ، فَقِيلَ تَصْرِيحًا بِما أفْهَمَهُ ما مَضى: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ﴾ أيْ: تَأْخِيرُ الشَّهْرِ إلى شَهْرٍ آخَرَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ نَسَأ نَسِيئًا - إذا أخَّرَهُ، أوْ هو اسْمُ مَفْعُولٍ، أيِ: الشَّهْرُ الَّذِي تُؤَخِّرُ العَرَبُ حُرْمَتَهُ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ عَنْ وقْتِها ﴿زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ أيْ: لِأنَّهُ عَلى خِلافِ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وفِيهِ سَتْرُ تَحْرِيمِ ما أظْهَرَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ.

ولَمّا بَيَّنَ ما في النَّسِيءِ مِنَ القَباحَةِ، تَحَرَّرَ أنَّهم وقَعُوا عَلى ضِدِّ مُرادِهِمْ؛ فَإنَّهم كانُوا لَوْ قاتَلُوا في الشَّهْرِ الحَرامِ قاتَلُوا وهم مُعْتَقِدُونَ الحُرْمَةَ خائِفُونَ عاقِبَتَها فَكانُوا غَيْرَ خارِجِينَ عَنْ دائِرَةِ التَّقْوى بِالكُلِّيَّةِ، فَإذا هم بِتَحْلِيلِهِ قَدْ صارُوا خارِجِينَ عَنْ دائِرَتِها بِمَراحِلَ لِارْتِكابِهِمْ فِيهِ كُلَّ عَظِيمَةٍ مَعَ الأمْنِ لِاعْتِقادِ الحِلِّ بِتَحْلِيلِ ذَلِكَ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ رِبًا، فَكانَ يَقُولُ: إنِّي لا أُجابُ ولا أُعابُ، وإنَّهُ لا مَرَدَّ لِقَضائِي، وإنِّي حَلَّلْتُ المُحَرَّمَ وحَرَّمْتُ صَفَرًا - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِالإلَهِ؛ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: بَيانًا لِما قَبْلَهُ: ﴿يُضَلُّ بِهِ﴾ أيْ: بِهَذا التَّأْخِيرِ الَّذِي هو النَّسِيءُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: يَحْصُلُ لَهم بِذَلِكَ ضَلالٌ عَمّا شَرَعَهُ اللَّهُ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ والمَعْنى عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ - بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ: يُضِلُّهم مُضِلٌّ مِن قِبَلِ اللَّهِ، وعَلى قِراءَةِ يَعْقُوبَ - بِالضَّمِّ: يُضِلُّهُمُ اللَّهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ضَلالَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الشَّهْرَ، وعَبَّرَ عَنِ الحَوْلِ بِلَفْظٍ يَدُورُ عَلى مَعْنى السِّعَةِ إشارَةً إلى أنَّهم يَفْعَلُونَهُ ولَوْ لَمْ يَضْطَرْهم إلى ذَلِكَ جَدْبُ سَنَةً ولا عَضُّ زَمانٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي فَقالَ: ﴿عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ هَكَذا دائِمًا كُلَّما أرادُوا. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم كُلَّ سَنَةٍ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ إجْلالٍ لِسَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ، وهَذا الفِعْلُ نُسِخَ مِنهم مَعَ أنَّهم يَجْعَلُونَ النَّسْخَ مِن مَعايِبِ الدِّينِ ﴿لِيُواطِئُوا﴾ أيْ: يُوافِقُوا ﴿عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِالجَلالِ والإكْرامِ في كَوْنِ الأشْهُرِ الحُرُمِ أرْبَعَةً ﴿فَيُحِلُّوا﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ هَذا الفِعْلِ أنْ يُحِلُّوا ﴿ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ مِنها كُلِّها، فَلا يَدْعُ لَهم هَذا الفِعْلُ شَهْرًا إلّا انْتَهَكُوا حُرْمَتَهُ فَأرادُوا بِذَلِكَ عَدَمَ انْتِهاكِ الحُرْمَةِ فَإذا هم لَمْ يَدَعُوا حُرْمَةً إلّا انْتَهَكُوها، فَما أبْعَدَهُ مِن ضَلالٍ!

ولَمّا انْهَتَكَتْ بِهَذا البَيانِ قَباحَةُ فِعْلِهِمْ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا لَعَجَبٌ! ما حَمَلَهم عَلى …

38

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allah, you adhere heavily to the earth? Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

ولَمّا أوْعَزَ سُبْحانَهُ في أمْرِ الجِهادِ، وأزاحَ جَمِيعَ عِلَلِهِمْ وبَيَّنَ أنَّ حُسْنَهُ لا يَخْتَصُّ بِهِ شَهْرٌ دُونَ شَهْرٍ وأنَّ بَعْضَهم كانَ يَحِلُّ لَهم ويُحَرِّمُ فَيَتْبَعُونَهُ بِما يُؤَدِّي إلى تَحْرِيمِ الشَّهْرِ الحَلالِ وتَحْلِيلِ الشَّهْرِ الحَرامِ بِالقِتالِ فِيهِ، عاتَبَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى تَخَلُّفِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الآمِرِ لَهم بِالنَّفْرِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ أمْرِهِ سُبْحانَهُ، وكانَ ابْتِداؤُها في شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، فَقالَ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ والتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ الإيمانِ بَعْدَ خَتْمِ الَّتِي قَبْلَها بِأنَّهُ لا يَهْدِي الكافِرِينَ - الَّذِي يَعُمُّ الحَرْبَ وغَيْرَهُ المُوجِبَ لِلْجُرْأةِ عَلَيْهِمْ [لِأنَّ مَن لا هِدايَةَ لَهُ أعْمى، والأعْمى لا يَخْشى]: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعُوا ذَلِكَ ﴿ما لَكُمْ﴾ أيْ: ما الَّذِي يَحْصُلُ لَكم في أنَّكم ﴿إذا قِيلَ لَكُمُ﴾ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ ﴿انْفِرُوا﴾ أيِ: اخْرُجُوا مُسْرِعِينَ بِجِدٍّ ونَشاطٍ جَماعاتٍ ووُحْدانًا إمْدادًا لِحِزْبِ اللَّهِ ونَصْرًا لِدِينِهِ تَصْدِيقًا لِدَعْواكُمُ الإيمانَ، والنَّفْرُ: مُفارَقَةُ مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ هاجَ عَلى ذَلِكَ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَسْهِيلِ الطَّرِيقِ إلى المَلِكِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: بَنى ”قِيلَ“ لِلْمَفْعُولِ والقائِلُ النَّبِيُّ ﷺ ولَمْ يَذْكُرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ. انْتَهى.

﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ أيْ: تَثاقَلْتُمْ تَثاقُلًا عَظِيمًا، وفِيهِ ما لَمْ يَذْكُرُوا لَهُ سَبَبًا ظاهِرًا بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ إخْلادًا ومَيْلًا ﴿إلى الأرْضِ﴾ أيْ: لِبَرْدِ ظِلالِها وطِيبِ هَوائِها ونُضْجِ ثِمارِها، فَكُنْتُمْ أرْضِيِّينَ في سُفُولِ الهِمَمِ، لا سَمائِيِّينَ بِطَهارَةِ الشِّيَمِ.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ - في الأسْبابِ الَّتِي تَقَدَّمَ أنَّها كانَتْ تَحْمِلُ عَلى التَّباطُؤِ عَنِ الجِهادِ - ما يَحْتَمِلُ القِيامَ بِهِمْ في هَذِهِ الغَزْوَةِ إلّا الخَوْفُ مِنَ القَتْلِ والمَيْلُ إلى الأمْوالِ الحاضِرَةِ وُثُوقًا بِها والإعْراضُ عَنِ الغِنى المَوْعُودِ بِهِ الَّذِي رُبَّما يَلْزَمُ مِنَ الإعْراضِ عَنْهُ التَّكْذِيبُ، فَيُؤَدِّي إلى خَسارَةِ الآخِرَةِ، هَذا مَعَ ما يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ - ولا بُدَّ - مِنَ الزُّهْدِ في الأجْرِ المُثْمِرِ لِسَعادَةِ العُقْبى بِهَذا الشَّيْءِ الخَسِيسِ؛ قالَ مُبَيِّنًا خِسَّةَ ما أخْلَدُوا إلَيْهِ تَزْهِيدًا فِيهِ وشَرَفِ ما أعْرَضُوا عَنْهُ تَرْغِيبًا مُنَبِّهًا عَلى أنَّ تَرْكَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ اليَسِيرِ شَرٌّ عَظِيمٌ مُنْكِرًا عَلى مَن تَثاقَلَ مُوَبِّخًا لَهُمْ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِالخَفْضِ والدَّعَةِ في الدّارِ الدَّنِيَّةِ الغارَّةِ ﴿مِنَ الآخِرَةِ﴾ أيِ: الفاخِرَةِ الباقِيَةِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: و”مِن“ تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ أنَّها بِمَعْنى بَدَلَ، وأصْحابُنا لا يُثْبِتُونَ أنَّ ”مِن“ تَكُونُ لِلْبَدَلِ. انْتَهى.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلْبَدَلِ، بَلْ إنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْها لِما قَدْ يَلْزَمُها في مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ مِن تَرْكِ ما بَعْدَها لِما قَبْلَها فَإنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ، فَإذا قُلْتَ: رَضِيتُ بِكَذا مِن زَيْدٍ، كانَ المَعْنى أنَّكَ أخَذْتَ ذَلِكَ أخْذًا مُبْتَدِئًا مِنهُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى ما عَداهُ، فَكَأنَّكَ جَعَلْتَ ذَلِكَ بَدَلَ كُلِّ شَيْءٍ يُقَدَّرُ أنَّهُ يَنالُكَ مِنهُ …

39

إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًۭٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allah is over all things competent.

ولَمّا كانَ طُولُ الِاسْتِعْطافِ رُبَّما كانَ مَدْعاةً لِلْخِلافِ وتَرْكِ الإنْصافِ، تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ أيْ: في سَبِيلِهِ ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ أيْ: عَلى ذَلِكَ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ ﴿ويَسْتَبْدِلْ﴾ أيْ: يُوجِدْ بَدَلًا مِنكم ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: ذَوِي بَأْسِ ونَجْدَةٍ مُخالِفِينَ لَكم في الخِلالِ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا لِلِاسْتِبْدالِ لِوِلايَتِهِ ونَصْرِ دِينِهِ.

ولَمّا هَدَّدَهم بِما يَضُرُّهُمْ، أخْبَرَهم أنَّهم لا يَضُرُّونَ بِفُتُورِهِمْ غَيْرَ أنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ أيِ: اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴿شَيْئًا﴾ لِأنَّهُ مُتِمُّ أمْرِهِ ومُنْجِرُ وعْدِهِ ومُظْهِرُ دِينِهِ؛ ولَمّا أثْبَتَ بِذَلِكَ قُدْرَتَهُ عَلى ضُرِّهِ لَهم وقُصُورِهِمْ عَنِ الوُصُولِ إلى ضُرِّهِ، كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى نَصْرِ دِينِهِ ونَبِيِّهِ بِغَيْرِكُمْ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ تَعْمِيمًا لِقُدْرَتِهِ تَرْهِيبًا مِن عَظِيمِ سَطْوَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

40

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

If you do not aid the Prophet - Allah has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two, when they were in the cave and he said to his companion, "Do not grieve; indeed Allah is with us." And Allah sent down his tranquillity upon him and supported him with angels you did not see and made the word of those who disbelieved the lowest, while the word of Allah - that is the highest. And Allah is Exalted in Might and Wise.

ولَمّا وصَفَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ الأقْدَسَ بِما هو لَهُ أهْلٌ مِن شُمُولِ القُدْرَةِ وعَظِيمِ البَأْسِ والقُوَّةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ يَتَضَمَّنُ أنَّ المُسْتَنْفِرَ لَهم - وهو نَبِيُّهُ ﷺ - غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ ومُتَوَقِّفٌ نَصْرُهُ عَلَيْهِمْ كَما لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِمْ - بِحِياطَةِ القادِرِ لَهُ - فِيما مَضى مِنَ الهَجْرِ الَّتِي ذَكَرَها، وأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ إنَّما هو لَهم بِاسْتِجْلابِ ما عَدُّوهُ واسْتِدْفاعِ ما أُوعِدُوهُ في الدّارَيْنِ المُشارِ إلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة: ٣٨] الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ [التوبة: ٣٩] - الآيَةَ. فَقالَ: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ أيْ: أنْتُمْ طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ، والضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إمّا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ مِن سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ المُوَضِّحُ لَهُ الدّاعِي إلَيْهِ، أوْ لِتَقَدُّمِ اسْمِهِ الشَّرِيفِ إضْمارًا في قَوْلِهِ: ﴿إذا قِيلَ لَكُمُ﴾ [التوبة: ٣٨] أيْ: مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتِنْصارًا مِنهُ لَكُمْ، وإظْهارًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٣٣] الآيَةَ وقُوَّةُ ما في كُلِّ جُمْلَةٍ مِنَ المُناسَبَةِ المُقْتَضِيَةِ لِأنْ تُعانِقَ الَّتِي بَعْدَها ولا تَنْفَكُّ عَنْها قِصَرُ الفَصْلِ بَيْنَ الظّاهِرِ وضَمِيرِهِ، وذِكْرُ الغازِ والصّاحِبِ أوْضَحَ الأمْرَ. وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لِما عابَهم بِاتِّخاذِ الرُّؤَساءِ أرْبابًا اشْتَدَّتْ الحاجَةُ إلى بَيانِ أنَّهم في البُعْدِ عَنْ ذَلِكَ عَلى غايَةٍ لا تَخْفى عَلى مُتَأمِّلٍ، فَوَصَفَهم بِالأكْلِ المُسْتَلْزِمِ لِلْجِسْمِيَّةِ المُسْتَلْزَمَةِ لِلْحاجَةِ، وبِأنَّ مَأْكُولَهم أمْوالَ غَيْرِهِمْ باطِلًا، وبِأنَّهم يَغُشُّونَهم لِصَدِّهِمْ إيّاهم عَنِ السَّبِيلِ الَّتِي لا يَخْفى حُسْنُها عَلى مَن لَهُ أدْنى نَظَرٍ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ شَدِيدَ الإثارَةِ لِتَشَوُّفِ النُّفُوسِ إلى السُّؤالِ عَنِ العَرَبِ: هَلْ فَعَلُوا فِعْلَهم واتَّبَعُوا سُنَّتَهُمْ؟ أجابَ بِأنَّ عَمَلَهم في تَحْلِيلِ النَّسْأةِ لَهم بَعْضَ الأشْهُرِ الحُرُمِ وتَحْرِيمِ بَعْضِ أشْهُرِ الحِلِّ والزِّيادَةِ في عِدَّةِ أشْهُرِ السَّنَةِ كَعَمَلِهِمْ سَواءٌ.

ولَمّا أمَرَ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً وحَثَّهم عَلى التَّقْوى، وكانَ بَعْضُهم قَدْ تَوانى في ذَلِكَ، اشْتَدَّ اقْتِضاءُ الحالِ لِلْمُعاتَبَةِ عَلى التَّثاقُلِ عَنِ النَّفْرِ، فَلَمّا تَمَّ ذَلِكَ في هَذا الأُسْلُوبِ البَدِيعِ والطِّرازِ الرَّفِيعِ حَثَّ عَلى نَصْرِ الرَّسُولِ الَّذِي أرْسَلَهُ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ فَقالَ جَوابًا لِلشَّرْطِ: ﴿فَقَدْ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يَتَجَدَّدْ مِنكم لَهُ نَصْرٌ فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى نَصْرِهِ وسَيَنْصُرُهُ ويُغْنِيهِ عَنْكم ولا تَضُرُّونَ إلّا أنْفُسَكم فَقَدْ ﴿نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ وحْدَهُ والأمْرُ في غايَةِ الشِّدَّةِ، ولا شَكَّ عِنْدَ عاقِلٍ أنَّ المُسْتَقْبَلَ عِنْدَهُ كالماضِي ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿أخْرَجَهُ الَّذِينَ﴾ وعَبَّرَ بِالماضِي لِأنَّ فِيهِمْ مَن أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿كَفَرُوا﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ وهم في غايَةِ التَّمالُؤِ عَلَيْهِ حِينَ شاوَرُوا في قَتْلِهِ أوْ إخْراجِهِ أوْ إثْباتِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإذْنِ اللَّهِ لَهُ في الخُرُوجِ مِن بَيْنِهِمْ حالَ كَوْنِهِ ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: أحَدُهُما أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ولا ثالِثَ لَهُما يَنْصُرُهُما إلّا اللَّهُ ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ أيْ: غارِ ثَوْرٍ الَّذِي في أعْلى الجَبَلِ المُواجِهِ لِلرُّكْنِ اليَمانِيِّ بِأسْفَلِ مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.