Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 31–40 of 129

31

ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ

They have taken their scholars and monks as lords besides Allah, and [also] the Messiah, the son of Mary. And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ شِرْكِ أهْلِ الكِتابَيْنِ، وعُزَيْرٌ مُبْتَدَأٌ وابْنُ اللَّهِ خَبَرُهُ، وقَدْ قَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ " عُزَيْرٌ " بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ لِاجْتِماعِ العُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ فِيهِ.

ومَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ فَقَدْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّ سُقُوطَ التَّنْوِينِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا، بَلْ لِاجْتِماعِ السّاكِنِينَ، ومِنهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ( الإخْلاصِ: ١ - ٢ ) .

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وهو كَثِيرٌ في الشِّعْرِ، وأنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ:

؎لِتَجِدنِي بِالأمِيرِ بَرًّا وبِالقَناةِ لَآمِرًا مِكَرًّا

؎إذا غُطَيْفٌ السُّلَمِيُّ فَرّا

وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ لِجَمِيعِهِمْ، وقِيلَ: هو لَفْظٌ خَرَجَ عَلى العُمُومِ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا البَعْضُ مِنهم.

وقالَ النَّقّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُها ؟ بَلْ قَدِ انْقَرَضُوا، وقِيلَ: إنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَماعَةٌ مِنهم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِحِكايَةِ ذَلِكَ عَنِ اليَهُودِ، لِأنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لازِمٌ لِجَمِيعِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قالُوا هَذا لَمّا رَأوْا مِن إحْيائِهِ المَوْتى مَعَ كَوْنِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَذِهِ المَقالَةِ.

والأُولى: أنْ يُقالَ: إنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِكَوْنِ في الإنْجِيلِ وصْفُهُ تارَةً بِابْنِ اللَّهِ وتارَةً بِابْنِ الإنْسانِ، كَما رَأيْنا ذَلِكَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الإنْجِيلِ، ولَمْ يَفْهَمُوا أنَّ ذَلِكَ لِقَصْدِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، أوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهم أنَّ ذَلِكَ مِن تَحْرِيفِ سَلَفِهِمْ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ؛ قِيلَ: وهَذِهِ المَقالَةُ إنَّما هي لِبَعْضِ النَّصارى لا لِكُلِّهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ الإشارَةُ إلى ما صَدَرَ عَنْهم مِن هَذِهِ المَقالَةِ الباطِلَةِ.

ووَجْهُ قَوْلِهِمْ بِأفْواهِهِمْ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ، بِأنَّ هَذا القَوْلَ لَمّا كانَ ساذَجًا لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ ولا عَضَّدَهُ بِرِهانٌ كانَ مُجَرَّدَ دَعْوى، لا مَعْنى تَحْتَها، فارِغَةٍ صادِرَةٍ عَنْهم صُدُورَ المُهْمَلاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيها إلّا كَوْنُها خارِجَةً مِنَ الأفْواهِ، غَيْرَ مُفِيدَةٍ لِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما في " كَتَبْتُ بِيَدِي ومَشَيْتُ بِرِجْلِي "، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ ( البَقَرَةِ: ٧٩ ) وقَوْلُهُ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ ( الأنْعامِ: ٣٨ ) .

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الأفْواهِ والألْسُنِ إلّا وكانَ قَوْلًا زُورًا كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٦٧ ) وقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ ( الكَهْفِ: ٥ ) وقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( الفَتْحِ: ١١ ) .

قَوْلُهُ: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُضاهاةُ: المُشابِهَةُ، قِيلَ: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ " امْرَأةٌ ضَهْياءُ "، وهي الَّتِي لا تَحِيضُ لِأنَّها شابَهَتِ الرِّجالَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قالَ يُضاهِئُونَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمُ امْرَأةٌ ضَهْياءُ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ …

32

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ

They want to extinguish the light of Allah with their mouths, but Allah refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ شِرْكِ أهْلِ الكِتابَيْنِ، وعُزَيْرٌ مُبْتَدَأٌ وابْنُ اللَّهِ خَبَرُهُ، وقَدْ قَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ " عُزَيْرٌ " بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ لِاجْتِماعِ العُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ فِيهِ.

ومَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ فَقَدْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّ سُقُوطَ التَّنْوِينِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا، بَلْ لِاجْتِماعِ السّاكِنِينَ، ومِنهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ( الإخْلاصِ: ١ - ٢ ) .

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وهو كَثِيرٌ في الشِّعْرِ، وأنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ:

؎لِتَجِدنِي بِالأمِيرِ بَرًّا وبِالقَناةِ لَآمِرًا مِكَرًّا

؎إذا غُطَيْفٌ السُّلَمِيُّ فَرّا

وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ لِجَمِيعِهِمْ، وقِيلَ: هو لَفْظٌ خَرَجَ عَلى العُمُومِ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا البَعْضُ مِنهم.

وقالَ النَّقّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُها ؟ بَلْ قَدِ انْقَرَضُوا، وقِيلَ: إنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَماعَةٌ مِنهم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِحِكايَةِ ذَلِكَ عَنِ اليَهُودِ، لِأنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لازِمٌ لِجَمِيعِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قالُوا هَذا لَمّا رَأوْا مِن إحْيائِهِ المَوْتى مَعَ كَوْنِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَذِهِ المَقالَةِ.

والأُولى: أنْ يُقالَ: إنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِكَوْنِ في الإنْجِيلِ وصْفُهُ تارَةً بِابْنِ اللَّهِ وتارَةً بِابْنِ الإنْسانِ، كَما رَأيْنا ذَلِكَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الإنْجِيلِ، ولَمْ يَفْهَمُوا أنَّ ذَلِكَ لِقَصْدِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، أوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهم أنَّ ذَلِكَ مِن تَحْرِيفِ سَلَفِهِمْ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ؛ قِيلَ: وهَذِهِ المَقالَةُ إنَّما هي لِبَعْضِ النَّصارى لا لِكُلِّهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ الإشارَةُ إلى ما صَدَرَ عَنْهم مِن هَذِهِ المَقالَةِ الباطِلَةِ.

ووَجْهُ قَوْلِهِمْ بِأفْواهِهِمْ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ، بِأنَّ هَذا القَوْلَ لَمّا كانَ ساذَجًا لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ ولا عَضَّدَهُ بِرِهانٌ كانَ مُجَرَّدَ دَعْوى، لا مَعْنى تَحْتَها، فارِغَةٍ صادِرَةٍ عَنْهم صُدُورَ المُهْمَلاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيها إلّا كَوْنُها خارِجَةً مِنَ الأفْواهِ، غَيْرَ مُفِيدَةٍ لِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما في " كَتَبْتُ بِيَدِي ومَشَيْتُ بِرِجْلِي "، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ ( البَقَرَةِ: ٧٩ ) وقَوْلُهُ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ ( الأنْعامِ: ٣٨ ) .

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الأفْواهِ والألْسُنِ إلّا وكانَ قَوْلًا زُورًا كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٦٧ ) وقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ ( الكَهْفِ: ٥ ) وقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( الفَتْحِ: ١١ ) .

قَوْلُهُ: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُضاهاةُ: المُشابِهَةُ، قِيلَ: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ " امْرَأةٌ ضَهْياءُ "، وهي الَّتِي لا تَحِيضُ لِأنَّها شابَهَتِ الرِّجالَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قالَ يُضاهِئُونَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمُ امْرَأةٌ ضَهْياءُ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ …

33

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allah dislike it.

قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ شِرْكِ أهْلِ الكِتابَيْنِ، وعُزَيْرٌ مُبْتَدَأٌ وابْنُ اللَّهِ خَبَرُهُ، وقَدْ قَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ " عُزَيْرٌ " بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ لِاجْتِماعِ العُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ فِيهِ.

ومَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ فَقَدْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّ سُقُوطَ التَّنْوِينِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا، بَلْ لِاجْتِماعِ السّاكِنِينَ، ومِنهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ( الإخْلاصِ: ١ - ٢ ) .

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وهو كَثِيرٌ في الشِّعْرِ، وأنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ:

؎لِتَجِدنِي بِالأمِيرِ بَرًّا وبِالقَناةِ لَآمِرًا مِكَرًّا

؎إذا غُطَيْفٌ السُّلَمِيُّ فَرّا

وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ لِجَمِيعِهِمْ، وقِيلَ: هو لَفْظٌ خَرَجَ عَلى العُمُومِ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا البَعْضُ مِنهم.

وقالَ النَّقّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُها ؟ بَلْ قَدِ انْقَرَضُوا، وقِيلَ: إنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَماعَةٌ مِنهم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِحِكايَةِ ذَلِكَ عَنِ اليَهُودِ، لِأنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لازِمٌ لِجَمِيعِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قالُوا هَذا لَمّا رَأوْا مِن إحْيائِهِ المَوْتى مَعَ كَوْنِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَذِهِ المَقالَةِ.

والأُولى: أنْ يُقالَ: إنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِكَوْنِ في الإنْجِيلِ وصْفُهُ تارَةً بِابْنِ اللَّهِ وتارَةً بِابْنِ الإنْسانِ، كَما رَأيْنا ذَلِكَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الإنْجِيلِ، ولَمْ يَفْهَمُوا أنَّ ذَلِكَ لِقَصْدِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، أوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهم أنَّ ذَلِكَ مِن تَحْرِيفِ سَلَفِهِمْ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ؛ قِيلَ: وهَذِهِ المَقالَةُ إنَّما هي لِبَعْضِ النَّصارى لا لِكُلِّهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ الإشارَةُ إلى ما صَدَرَ عَنْهم مِن هَذِهِ المَقالَةِ الباطِلَةِ.

ووَجْهُ قَوْلِهِمْ بِأفْواهِهِمْ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ، بِأنَّ هَذا القَوْلَ لَمّا كانَ ساذَجًا لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ ولا عَضَّدَهُ بِرِهانٌ كانَ مُجَرَّدَ دَعْوى، لا مَعْنى تَحْتَها، فارِغَةٍ صادِرَةٍ عَنْهم صُدُورَ المُهْمَلاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيها إلّا كَوْنُها خارِجَةً مِنَ الأفْواهِ، غَيْرَ مُفِيدَةٍ لِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما في " كَتَبْتُ بِيَدِي ومَشَيْتُ بِرِجْلِي "، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ ( البَقَرَةِ: ٧٩ ) وقَوْلُهُ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ ( الأنْعامِ: ٣٨ ) .

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الأفْواهِ والألْسُنِ إلّا وكانَ قَوْلًا زُورًا كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٦٧ ) وقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ ( الكَهْفِ: ٥ ) وقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( الفَتْحِ: ١١ ) .

قَوْلُهُ: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُضاهاةُ: المُشابِهَةُ، قِيلَ: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ " امْرَأةٌ ضَهْياءُ "، وهي الَّتِي لا تَحِيضُ لِأنَّها شابَهَتِ الرِّجالَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قالَ يُضاهِئُونَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمُ امْرَأةٌ ضَهْياءُ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ …

34

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly and avert [them] from the way of Allah. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allah - give them tidings of a painful punishment.

لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ حالِ أتْباعِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ المُتَّخِذِينَ لَهم أرْبابًا ذَكَرَ حالَ المَتْبُوعِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ﴾ إلى آخِرِهِ، ومَعْنى أكْلِهِمْ لِأمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ أنَّهم يَأْخُذُونَها بِالوُجُوهِ الباطِلَةِ كالرِّشْوَةِ، وأثْبَتَ هَذا لِلْكَثِيرِ مِنهم؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن لَمْ يَتَلَبَّسْ بِذَلِكَ، بَلْ بَقِيَ عَلى ما يُوجِبُهُ دِينُهُ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَبْدِيلٍ ولا مَيْلٍ إلى حُطامِ الدُّنْيا، ولَقَدِ اقْتَدى بِهَؤُلاءِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ مَن لا يَأْتِي عَلَيْهِ الحَصْرُ في كُلِّ زَمانٍ، فاللَّهُ المُسْتَعانُ.

﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ عَنِ الطَّرِيقِ إلَيْهِ وهو دِينُ الإسْلامِ، أوْ عَنْ ما كانَ حَقًّا في شَرِيعَتِهِمْ قَبْلَ نَسْخِها بِسَبَبِ أكْلِهِمْ لِأمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ.

قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ قِيلَ: هُمُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ، وإنَّهم كانُوا يَصْنَعُونَ هَذا الصُّنْعَ، وقِيلَ: هم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى عُمُومِ اللَّفْظِ فَهو أوْسَعُ مِن ذَلِكَ، وأصْلُ الكَنْزِ في اللُّغَةِ الضَّمُّ والجَمْعُ، ولا يَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الكَنْزُ كُلُّ شَيْءٍ مَجْمُوعٍ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ في بَطْنِ الأرْضِ كانَ أوْ عَلى ظَهْرِها، انْتَهى.

ومِنهُ ناقَةٌ كِنازٌ: أيْ مُكْتَنِزَةُ اللَّحْمِ، واكْتَنَزَ الشَّيْءُ: اجْتَمَعَ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المالِ الَّذِي أُدِّيَتْ زَكاتُهُ هَلْ يُسَمّى كَنْزًا أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: هو كَنْزٌ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ بِكَنْزٍ.

ومِنَ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أبُو ذَرٍّ، وقَيَّدَهُ بِما فَضَلَ عَنِ الحاجَةِ.

ومِنَ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الثّانِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ،، وجابِرٌ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وغَيْرُهم، وهو الحَقُّ لِما سَيَأْتِي مِنَ الأدِلَّةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ ما أُدِّيَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .

اخْتَلَفَ في وجْهِ إفْرادِ الضَّمِيرِ مَعَ كَوْنِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ شَيْئَيْنِ، هَمّا الذَّهَبُ والفِضَّةُ، فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ قَصْدٌ إلى الأعَمِّ الأغْلَبِ وهو الفِضَّةُ قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ ( البَقَرَةِ: ٤٥ ) رَدَّ الكِنايَةَ إلى الصَّلاةِ لِأنَّها أعَمُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ ( الجُمُعَةِ: ١١ ) أعادَ الضَّمِيرَ إلى التِّجارَةِ؛ لِأنَّها الأهَمُّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، والعَرَبُ تُؤَنِّثُ الذَّهَبَ وتُذَكِّرُهُ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الكُنُوزِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: يَكْنِزُونَ، وقِيلَ: إلى الأمْوالِ، وقِيلَ: لِلزَّكاةِ، وقِيلَ: إنَّهُ اكْتَفى بِضَمِيرِ أحَدِهِما عَنْ ضَمِيرِ الآخَرِ مَعَ فَهْمِ المَعْنى، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

ولَمْ يَقُلْ راضُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيًّا ومِن أجْلِ الطَّوى رَمانِي

ولَمْ يَقِلْ بَرِيَّيْنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ حَسّانَ:

؎إنَّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأسْ ∗∗∗ ودَ ما لَمْ يُعاضْ كانَ جُنُونًا

ولَمْ يَقُلْ …

35

يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ

The Day when it will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ حالِ أتْباعِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ المُتَّخِذِينَ لَهم أرْبابًا ذَكَرَ حالَ المَتْبُوعِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ﴾ إلى آخِرِهِ، ومَعْنى أكْلِهِمْ لِأمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ أنَّهم يَأْخُذُونَها بِالوُجُوهِ الباطِلَةِ كالرِّشْوَةِ، وأثْبَتَ هَذا لِلْكَثِيرِ مِنهم؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن لَمْ يَتَلَبَّسْ بِذَلِكَ، بَلْ بَقِيَ عَلى ما يُوجِبُهُ دِينُهُ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَبْدِيلٍ ولا مَيْلٍ إلى حُطامِ الدُّنْيا، ولَقَدِ اقْتَدى بِهَؤُلاءِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ مَن لا يَأْتِي عَلَيْهِ الحَصْرُ في كُلِّ زَمانٍ، فاللَّهُ المُسْتَعانُ.

﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ عَنِ الطَّرِيقِ إلَيْهِ وهو دِينُ الإسْلامِ، أوْ عَنْ ما كانَ حَقًّا في شَرِيعَتِهِمْ قَبْلَ نَسْخِها بِسَبَبِ أكْلِهِمْ لِأمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ.

قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ قِيلَ: هُمُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ، وإنَّهم كانُوا يَصْنَعُونَ هَذا الصُّنْعَ، وقِيلَ: هم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى عُمُومِ اللَّفْظِ فَهو أوْسَعُ مِن ذَلِكَ، وأصْلُ الكَنْزِ في اللُّغَةِ الضَّمُّ والجَمْعُ، ولا يَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الكَنْزُ كُلُّ شَيْءٍ مَجْمُوعٍ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ في بَطْنِ الأرْضِ كانَ أوْ عَلى ظَهْرِها، انْتَهى.

ومِنهُ ناقَةٌ كِنازٌ: أيْ مُكْتَنِزَةُ اللَّحْمِ، واكْتَنَزَ الشَّيْءُ: اجْتَمَعَ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المالِ الَّذِي أُدِّيَتْ زَكاتُهُ هَلْ يُسَمّى كَنْزًا أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: هو كَنْزٌ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ بِكَنْزٍ.

ومِنَ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أبُو ذَرٍّ، وقَيَّدَهُ بِما فَضَلَ عَنِ الحاجَةِ.

ومِنَ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الثّانِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ،، وجابِرٌ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وغَيْرُهم، وهو الحَقُّ لِما سَيَأْتِي مِنَ الأدِلَّةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ ما أُدِّيَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .

اخْتَلَفَ في وجْهِ إفْرادِ الضَّمِيرِ مَعَ كَوْنِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ شَيْئَيْنِ، هَمّا الذَّهَبُ والفِضَّةُ، فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ قَصْدٌ إلى الأعَمِّ الأغْلَبِ وهو الفِضَّةُ قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ ( البَقَرَةِ: ٤٥ ) رَدَّ الكِنايَةَ إلى الصَّلاةِ لِأنَّها أعَمُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ ( الجُمُعَةِ: ١١ ) أعادَ الضَّمِيرَ إلى التِّجارَةِ؛ لِأنَّها الأهَمُّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، والعَرَبُ تُؤَنِّثُ الذَّهَبَ وتُذَكِّرُهُ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الكُنُوزِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: يَكْنِزُونَ، وقِيلَ: إلى الأمْوالِ، وقِيلَ: لِلزَّكاةِ، وقِيلَ: إنَّهُ اكْتَفى بِضَمِيرِ أحَدِهِما عَنْ ضَمِيرِ الآخَرِ مَعَ فَهْمِ المَعْنى، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

ولَمْ يَقُلْ راضُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيًّا ومِن أجْلِ الطَّوى رَمانِي

ولَمْ يَقِلْ بَرِيَّيْنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ حَسّانَ:

؎إنَّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأسْ ∗∗∗ ودَ ما لَمْ يُعاضْ كانَ جُنُونًا

ولَمْ يَقُلْ …

36

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةًۭ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

Indeed, the number of months with Allah is twelve [lunar] months in the register of Allah [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred. That is the correct religion, so do not wrong yourselves during them. And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allah is with the righteous [who fear Him].

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِن قَبائِحِ الكُفّارِ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا حَكَمَ في كُلِّ وقْتٍ بِحُكْمٍ خاصٍّ غَيَّرُوا تِلْكَ الأوْقاتَ بِالنَّسِيءِ والكَبِيسَةِ، فَأخْبَرَنا اللَّهُ بِما هو حُكْمُهُ، فَقالَ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أيْ عَدَدِ شُهُورِ السَّنَةِ عِنْدَ اللَّهِ في حُكْمِهِ وقَضائِهِ وحِكْمَتِهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا.

قَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ فِيما أثْبَتَهُ في كِتابِهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: لا يَجُوزُ أنْ يُتَعَلَّقَ في كِتابِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: " عِدَّةَ الشُّهُورِ " لِلْفَصْلِ بِالأجْنَبِيِّ وهو الخَبَرُ: أعْنِي اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، فَقَوْلُهُ: في كِتابِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: " يَوْمَ خَلَقَ " بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: عِنْدَ اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وفائِدَةُ الإبْدالَيْنِ تَقْرِيرُ الكَلامِ في الأذْهانِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ واجِبٌ عِنْدَ اللَّهِ في كِتابِ اللَّهِ، وثابِتٌ في عِلْمِهِ في أوَّلِ ما خَلْقَ اللَّهُ العالَمَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في كِتابِ اللَّهِ صِفَةُ " اثْنا عَشَرَ ": أيِ اثْنا عَشَرَ مُثْبَتَةٌ في كِتابِ اللَّهِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وضَعَ هَذِهِ الشُّهُورَ وسَمّاها بِأسْمائِها عَلى هَذا التَّرْتِيبِ المَعْرُوفِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنَّ هَذا هو الَّذِي جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ ونَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، وأنَّهُ لا اعْتِبارَ بِما عِنْدَ العَجَمِ والرُّومِ والقِبْطِ مِنَ الشُّهُورِ الَّتِي يَصْطَلِحُونَ عَلَيْها ويَجْعَلُونَ بَعْضَها ثَلاثِينَ يَوْمًا، وبَعْضَها أكْثَرَ، وبَعْضَها أقَلَّ.

قَوْلُهُ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ هي: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبٌ: ثَلاثَةٌ سَرْدٌ، وواحِدٌ فَرْدٌ؛ كَما ورَدَ بَيانُ ذَلِكَ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيْ: كَوْنُ هَذِهِ الشُّهُورِ كَذَلِكَ، ومِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ هو الدِّينُ المُسْتَقِيمُ، والحِسابُ الصَّحِيحُ، والعَدَدُ المُسْتَوْفى.

قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ في هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ بِإيقاعِ القِتالِ فِيها والهَتْكِ لِحُرْمَتِها، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الشُّهُورِ كُلِّها الحُرُمِ وغَيْرِها، وإنَّ اللَّهَ نَهى عَنِ الظُّلْمِ فِيها، والأوَّلُ أوْلى.

وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ تَحْرِيمَ القِتالِ فِي الأشْهُرِ الحُرُمِ ثابِتٌ مُحْكَمٌ لَمْ يُنْسَخْ لِهَذِهِ الآيَةِ، ولِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ ( المائِدَةِ: ٢ ) ولِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) الآيَةَ.

وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ آخَرُونَ إلى أنَّ تَحْرِيمَ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الأمْرَ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ ومُقاتَلَتِهِمْ مُقَيَّدٌ بِانْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ كَما في الآيَةِ المَذْكُورَةِ، فَتَكُونُ سائِرُ الآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ مُقَيَّدَةً بِما ورَدَ في تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، كَما هي مُقَيَّدَةٌ بِتَحْرِيمِ القِتالِ في الحَرَمِ لِلْأدِلَّةِ الوارِدَةِ في تَحْرِيمِ القِتالِ فِيهِ، وأمّا ما اسْتَدَلُّوا بِهِ مِن «أنَّهُ ﷺ حاصَرَ أهْلَ …

37

إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌۭ فِى ٱلْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُحِلُّونَهُۥ عَامًۭا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامًۭا لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَٰلِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allah and [thus] make lawful what Allah has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allah does not guide the disbelieving people.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِن قَبائِحِ الكُفّارِ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا حَكَمَ في كُلِّ وقْتٍ بِحُكْمٍ خاصٍّ غَيَّرُوا تِلْكَ الأوْقاتَ بِالنَّسِيءِ والكَبِيسَةِ، فَأخْبَرَنا اللَّهُ بِما هو حُكْمُهُ، فَقالَ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أيْ عَدَدِ شُهُورِ السَّنَةِ عِنْدَ اللَّهِ في حُكْمِهِ وقَضائِهِ وحِكْمَتِهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا.

قَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ فِيما أثْبَتَهُ في كِتابِهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: لا يَجُوزُ أنْ يُتَعَلَّقَ في كِتابِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: " عِدَّةَ الشُّهُورِ " لِلْفَصْلِ بِالأجْنَبِيِّ وهو الخَبَرُ: أعْنِي اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، فَقَوْلُهُ: في كِتابِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: " يَوْمَ خَلَقَ " بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: عِنْدَ اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وفائِدَةُ الإبْدالَيْنِ تَقْرِيرُ الكَلامِ في الأذْهانِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ واجِبٌ عِنْدَ اللَّهِ في كِتابِ اللَّهِ، وثابِتٌ في عِلْمِهِ في أوَّلِ ما خَلْقَ اللَّهُ العالَمَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في كِتابِ اللَّهِ صِفَةُ " اثْنا عَشَرَ ": أيِ اثْنا عَشَرَ مُثْبَتَةٌ في كِتابِ اللَّهِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وضَعَ هَذِهِ الشُّهُورَ وسَمّاها بِأسْمائِها عَلى هَذا التَّرْتِيبِ المَعْرُوفِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنَّ هَذا هو الَّذِي جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ ونَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، وأنَّهُ لا اعْتِبارَ بِما عِنْدَ العَجَمِ والرُّومِ والقِبْطِ مِنَ الشُّهُورِ الَّتِي يَصْطَلِحُونَ عَلَيْها ويَجْعَلُونَ بَعْضَها ثَلاثِينَ يَوْمًا، وبَعْضَها أكْثَرَ، وبَعْضَها أقَلَّ.

قَوْلُهُ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ هي: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبٌ: ثَلاثَةٌ سَرْدٌ، وواحِدٌ فَرْدٌ؛ كَما ورَدَ بَيانُ ذَلِكَ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيْ: كَوْنُ هَذِهِ الشُّهُورِ كَذَلِكَ، ومِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ هو الدِّينُ المُسْتَقِيمُ، والحِسابُ الصَّحِيحُ، والعَدَدُ المُسْتَوْفى.

قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ في هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ بِإيقاعِ القِتالِ فِيها والهَتْكِ لِحُرْمَتِها، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الشُّهُورِ كُلِّها الحُرُمِ وغَيْرِها، وإنَّ اللَّهَ نَهى عَنِ الظُّلْمِ فِيها، والأوَّلُ أوْلى.

وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ تَحْرِيمَ القِتالِ فِي الأشْهُرِ الحُرُمِ ثابِتٌ مُحْكَمٌ لَمْ يُنْسَخْ لِهَذِهِ الآيَةِ، ولِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ ( المائِدَةِ: ٢ ) ولِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) الآيَةَ.

وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ آخَرُونَ إلى أنَّ تَحْرِيمَ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الأمْرَ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ ومُقاتَلَتِهِمْ مُقَيَّدٌ بِانْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ كَما في الآيَةِ المَذْكُورَةِ، فَتَكُونُ سائِرُ الآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ مُقَيَّدَةً بِما ورَدَ في تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، كَما هي مُقَيَّدَةٌ بِتَحْرِيمِ القِتالِ في الحَرَمِ لِلْأدِلَّةِ الوارِدَةِ في تَحْرِيمِ القِتالِ فِيهِ، وأمّا ما اسْتَدَلُّوا بِهِ مِن «أنَّهُ ﷺ حاصَرَ أهْلَ …

38

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allah, you adhere heavily to the earth? Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لَمّا شَرَحَ مَعايِبَ أُولَئِكَ الكُفّارِ عادَ إلى تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في قِتالِهِمْ، والِاسْتِفْهامِ في: ما لَكم ؟ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكم مِن ذَلِكَ، ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِتابًا لِمَن تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، والنَّفْرُ: هو الِانْتِقالُ بِسُرْعَةٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ يَحْدُثُ.

قَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الثّاءِ لِقُرْبِها مِنها، وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِيُتَوَصَّلَ بِها إلى النُّطْقِ بِالسّاكِنِ، ومِثْلُهُ: ادّارَكُوا، واطَّيَّرْتُمْ، واطَّيَّرُوا، وأنْشَدَ الكِسائِيُّ:

؎تَوالى الضَّجِيعُ إذا ما اشْتاقَها حَضَرا عَذْبُ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلَ

وقَرَأ الأعْمَشُ: " تَثاقَلْتُمْ " عَلى الأصْلِ، ومَعْناهُ تَباطَأْتُمْ، وعُدِّيَ بِـ " إلى " لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم والبَقاءِ فِيها، وقُرِئَ: " آثاقَلْتُمْ " عَلى الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، والعامِلُ في الظَّرْفِ " ما " في: " ما لَكم " مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَمْنَعُكم، أوْ ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم ؟ و" إلى الأرْضِ " مُتَعَلِّقٌ بِـ " اثّاقَلْتُمْ " وكَما مَرَّ.

قَوْلُهُ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِنَعِيمِها بَدَلًا مِنَ الآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ( الزُّخْرُفِ: ٦٠ ) أيْ بَدَلًا مِنكم، ومَثَلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎قَلَبَتْ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً ∗∗∗ مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

أيْ: بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ. والطَّهَيانُ: عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ يُعَلَّقُ عَلَيْهِ الماءَ لِيَبْرُدَ، ومَعْنى " في الآخِرَةِ " أيْ: في جَنْبِ الآخِرَةِ، وفي مُقابِلِها. " إلّا قَلِيلٌ " أيْ: إلّا مَتاعٌ حَقِيرٌ لا يُعْبَأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقَلِيلِ العَدَمُ، إذْ لا نِسْبَةَ لِلْمُتَناهِي الزّائِلِ إلى غَيْرِ المُتَناهِي الباقِي، والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّثاقُلَ لَمْ يَصْدُرْ مِنَ الكُلِّ، إذْ مِنَ البَعِيدِ أنْ يُطْبِقُوا جَمِيعًا عَلى التَّباطُؤِ والتَّثاقُلِ، وإنَّما هو مِن بابِ نِسْبَةِ ما يَقَعُ مِنَ البَعْضِ إلى الكُلِّ، وهو كَثِيرٌ شائِعٌ.

قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ مُؤَكَّدٌ لِمَن تَرَكَ النَّفِيرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: يُهْلِكْكم بِعَذابٍ شَدِيدٍ مُؤْلِمٍ، قِيلَ: في الدُّنْيا فَقَطْ، وقِيلَ: هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْهُ لِرُسُلِهِ بَدَلًا مِنكم، مِمَّنْ لا يَتَباطَأُ عِنْدَ حاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ.

واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: أهْلُ اليَمَنِ، وقِيلَ: أهْلُ فارِسَ، ولا وجْهَ لِلتَّعْيِينِ بِدُونِ دَلِيلٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " يَسْتَبْدِلْ " والضَّمِيرُ، قِيلَ: لِلَّهِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ ﷺ أيْ: ولا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِ امْتِثالِ أمْرِهِ بِالنَّفِيرِ شَيْئًا، أوْ لا تَضُرُّوا رَسُولَ اللَّهِ بِتَرْكِ نَصْرِهِ والنَّفِيرِ مَعَهُ شَيْئًا: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ومِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ تَعْذِيبُكم والِاسْتِبْدالُ بِكم.

قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: إنْ تَرَكْتُمْ نَصْرَهُ فاللَّهُ …

39

إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًۭٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لَمّا شَرَحَ مَعايِبَ أُولَئِكَ الكُفّارِ عادَ إلى تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في قِتالِهِمْ، والِاسْتِفْهامِ في: ما لَكم ؟ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكم مِن ذَلِكَ، ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِتابًا لِمَن تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، والنَّفْرُ: هو الِانْتِقالُ بِسُرْعَةٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ يَحْدُثُ.

قَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الثّاءِ لِقُرْبِها مِنها، وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِيُتَوَصَّلَ بِها إلى النُّطْقِ بِالسّاكِنِ، ومِثْلُهُ: ادّارَكُوا، واطَّيَّرْتُمْ، واطَّيَّرُوا، وأنْشَدَ الكِسائِيُّ:

؎تَوالى الضَّجِيعُ إذا ما اشْتاقَها حَضَرا عَذْبُ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلَ

وقَرَأ الأعْمَشُ: " تَثاقَلْتُمْ " عَلى الأصْلِ، ومَعْناهُ تَباطَأْتُمْ، وعُدِّيَ بِـ " إلى " لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم والبَقاءِ فِيها، وقُرِئَ: " آثاقَلْتُمْ " عَلى الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، والعامِلُ في الظَّرْفِ " ما " في: " ما لَكم " مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَمْنَعُكم، أوْ ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم ؟ و" إلى الأرْضِ " مُتَعَلِّقٌ بِـ " اثّاقَلْتُمْ " وكَما مَرَّ.

قَوْلُهُ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِنَعِيمِها بَدَلًا مِنَ الآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ( الزُّخْرُفِ: ٦٠ ) أيْ بَدَلًا مِنكم، ومَثَلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎قَلَبَتْ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً ∗∗∗ مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

أيْ: بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ. والطَّهَيانُ: عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ يُعَلَّقُ عَلَيْهِ الماءَ لِيَبْرُدَ، ومَعْنى " في الآخِرَةِ " أيْ: في جَنْبِ الآخِرَةِ، وفي مُقابِلِها. " إلّا قَلِيلٌ " أيْ: إلّا مَتاعٌ حَقِيرٌ لا يُعْبَأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقَلِيلِ العَدَمُ، إذْ لا نِسْبَةَ لِلْمُتَناهِي الزّائِلِ إلى غَيْرِ المُتَناهِي الباقِي، والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّثاقُلَ لَمْ يَصْدُرْ مِنَ الكُلِّ، إذْ مِنَ البَعِيدِ أنْ يُطْبِقُوا جَمِيعًا عَلى التَّباطُؤِ والتَّثاقُلِ، وإنَّما هو مِن بابِ نِسْبَةِ ما يَقَعُ مِنَ البَعْضِ إلى الكُلِّ، وهو كَثِيرٌ شائِعٌ.

قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ مُؤَكَّدٌ لِمَن تَرَكَ النَّفِيرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: يُهْلِكْكم بِعَذابٍ شَدِيدٍ مُؤْلِمٍ، قِيلَ: في الدُّنْيا فَقَطْ، وقِيلَ: هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْهُ لِرُسُلِهِ بَدَلًا مِنكم، مِمَّنْ لا يَتَباطَأُ عِنْدَ حاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ.

واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: أهْلُ اليَمَنِ، وقِيلَ: أهْلُ فارِسَ، ولا وجْهَ لِلتَّعْيِينِ بِدُونِ دَلِيلٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " يَسْتَبْدِلْ " والضَّمِيرُ، قِيلَ: لِلَّهِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ ﷺ أيْ: ولا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِ امْتِثالِ أمْرِهِ بِالنَّفِيرِ شَيْئًا، أوْ لا تَضُرُّوا رَسُولَ اللَّهِ بِتَرْكِ نَصْرِهِ والنَّفِيرِ مَعَهُ شَيْئًا: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ومِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ تَعْذِيبُكم والِاسْتِبْدالُ بِكم.

قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: إنْ تَرَكْتُمْ نَصْرَهُ فاللَّهُ …

40

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

If you do not aid the Prophet - Allah has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two, when they were in the cave and he said to his companion, "Do not grieve; indeed Allah is with us." And Allah sent down his tranquillity upon him and supported him with angels you did not see and made the word of those who disbelieved the lowest, while the word of Allah - that is the highest. And Allah is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لَمّا شَرَحَ مَعايِبَ أُولَئِكَ الكُفّارِ عادَ إلى تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في قِتالِهِمْ، والِاسْتِفْهامِ في: ما لَكم ؟ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكم مِن ذَلِكَ، ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِتابًا لِمَن تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، والنَّفْرُ: هو الِانْتِقالُ بِسُرْعَةٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ يَحْدُثُ.

قَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الثّاءِ لِقُرْبِها مِنها، وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِيُتَوَصَّلَ بِها إلى النُّطْقِ بِالسّاكِنِ، ومِثْلُهُ: ادّارَكُوا، واطَّيَّرْتُمْ، واطَّيَّرُوا، وأنْشَدَ الكِسائِيُّ:

؎تَوالى الضَّجِيعُ إذا ما اشْتاقَها حَضَرا عَذْبُ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلَ

وقَرَأ الأعْمَشُ: " تَثاقَلْتُمْ " عَلى الأصْلِ، ومَعْناهُ تَباطَأْتُمْ، وعُدِّيَ بِـ " إلى " لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم والبَقاءِ فِيها، وقُرِئَ: " آثاقَلْتُمْ " عَلى الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، والعامِلُ في الظَّرْفِ " ما " في: " ما لَكم " مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَمْنَعُكم، أوْ ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم ؟ و" إلى الأرْضِ " مُتَعَلِّقٌ بِـ " اثّاقَلْتُمْ " وكَما مَرَّ.

قَوْلُهُ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِنَعِيمِها بَدَلًا مِنَ الآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ( الزُّخْرُفِ: ٦٠ ) أيْ بَدَلًا مِنكم، ومَثَلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎قَلَبَتْ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً ∗∗∗ مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ

أيْ: بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ. والطَّهَيانُ: عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ يُعَلَّقُ عَلَيْهِ الماءَ لِيَبْرُدَ، ومَعْنى " في الآخِرَةِ " أيْ: في جَنْبِ الآخِرَةِ، وفي مُقابِلِها. " إلّا قَلِيلٌ " أيْ: إلّا مَتاعٌ حَقِيرٌ لا يُعْبَأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقَلِيلِ العَدَمُ، إذْ لا نِسْبَةَ لِلْمُتَناهِي الزّائِلِ إلى غَيْرِ المُتَناهِي الباقِي، والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّثاقُلَ لَمْ يَصْدُرْ مِنَ الكُلِّ، إذْ مِنَ البَعِيدِ أنْ يُطْبِقُوا جَمِيعًا عَلى التَّباطُؤِ والتَّثاقُلِ، وإنَّما هو مِن بابِ نِسْبَةِ ما يَقَعُ مِنَ البَعْضِ إلى الكُلِّ، وهو كَثِيرٌ شائِعٌ.

قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ مُؤَكَّدٌ لِمَن تَرَكَ النَّفِيرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: يُهْلِكْكم بِعَذابٍ شَدِيدٍ مُؤْلِمٍ، قِيلَ: في الدُّنْيا فَقَطْ، وقِيلَ: هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْهُ لِرُسُلِهِ بَدَلًا مِنكم، مِمَّنْ لا يَتَباطَأُ عِنْدَ حاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ.

واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: أهْلُ اليَمَنِ، وقِيلَ: أهْلُ فارِسَ، ولا وجْهَ لِلتَّعْيِينِ بِدُونِ دَلِيلٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " يَسْتَبْدِلْ " والضَّمِيرُ، قِيلَ: لِلَّهِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ ﷺ أيْ: ولا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِ امْتِثالِ أمْرِهِ بِالنَّفِيرِ شَيْئًا، أوْ لا تَضُرُّوا رَسُولَ اللَّهِ بِتَرْكِ نَصْرِهِ والنَّفِيرِ مَعَهُ شَيْئًا: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ومِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ تَعْذِيبُكم والِاسْتِبْدالُ بِكم.

قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: إنْ تَرَكْتُمْ نَصْرَهُ فاللَّهُ …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.