Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 21–30 of 129

21

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍۢ وَجَنَّٰتٍۢ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌۭ مُّقِيمٌ

Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: أنْ يُعْمِرُوا بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، أنْ يُعِينُوا عَلى عِمارَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: مَسْجِدٌ بِالإفْرادِ، وباقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْيَةُ بِالجَمْعِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأنْواعًا مِن قَبائِحِهِمْ تُوجِبُ البَراءَةَ مِنهم، ذَكَرُوا أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ تُوجِبُ انْتِفاءَ البَراءَةِ مِنها كَوْنُهم عامِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ. رُوِيَ أنَّهُ أقْبَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ يُوَبِّخُ العَبّاسَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: واقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ. فَقالَ العَبّاسُ: تُظْهِرُونَ مَساوِينا، وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا ؟ فَقالَ: أوَلَكم مَحاسِنُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، ونَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا، إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): أيْ بِالحَقِّ الواجِبِ، وإلّا فَقَدَ عَمَرُوهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ انْتَهى. وعِمارَتُهُ دُخُولُهُ والقُعُودُ فِيهِ والمُكْثُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَعْمُرُ المَسْجِدَ؛ أيْ يُكْثِرُ غَشَيانَهُ، أوْ رَفْعَ بِنائِهِ، وإصْلاحَ ما تَهَدَّمَ مِنهُ، أوِ التَّعَبُّدَ فِيهِ، والطَّوافَ بِهِ. والصَّلاةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أوِ الجِنْسُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ، إذْ هو صَدْرُ ذَلِكَ الجِنْسِ مُقَدِّمَتُهُ. ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيَحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مَكانٍ مِنهُ مَسْجِدٌ، وإمّا لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَكانَ عامِرُهُ عامِرَ المَساجِدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ وهو آكَدُ؛ لِأنَّ طَرِيقَتَهُ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ كَما لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ، كُنْتَ أنْفى لِقِراءَةِ القُرْآنِ مِن تَصْرِيحِكَ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدِينَ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الكُفْرِ بِهِ وبِعِبادَتِهِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: شاهِدُونَ عَلى إضْمارِ هم شاهِدُونَ، وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ قَوْلُهم في الطَّوافِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، أوْ قَوْلُهم إذا سُئِلُوا عَنْ دِينِهِمْ: نَعْبُدُ اللّاتَ والعُزّى، أوْ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ، أوْ قَوْلُ المُشْرِكِ: أنا مُشْرِكٌ كَما يَقُولُ اليَهُودِيُّ هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ هو نَصْرانِيٌّ، والمَجُوسِيُّ هو مَجُوسِيٌّ، والصّابِئُ هو صابِئٌ، أوْ ظُهُورُ أفْعالِ الكَفَرَةِ مِن نَصْبِ أصْنامِهِمْ وطَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، وغَيْرُ ذَلِكَ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، هَذا إذا حُمِلَ (عَلى أنْفُسِهِمْ) عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ شاهِدِينَ عَلى رَسُولِهِمْ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ أنْفُسَهم؛ لِأنَّهُ ما مِن بَطْنٍ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا …

22

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allah has with Him a great reward.

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: أنْ يُعْمِرُوا بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، أنْ يُعِينُوا عَلى عِمارَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: مَسْجِدٌ بِالإفْرادِ، وباقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْيَةُ بِالجَمْعِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأنْواعًا مِن قَبائِحِهِمْ تُوجِبُ البَراءَةَ مِنهم، ذَكَرُوا أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ تُوجِبُ انْتِفاءَ البَراءَةِ مِنها كَوْنُهم عامِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ. رُوِيَ أنَّهُ أقْبَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ يُوَبِّخُ العَبّاسَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: واقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ. فَقالَ العَبّاسُ: تُظْهِرُونَ مَساوِينا، وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا ؟ فَقالَ: أوَلَكم مَحاسِنُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، ونَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا، إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): أيْ بِالحَقِّ الواجِبِ، وإلّا فَقَدَ عَمَرُوهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ انْتَهى. وعِمارَتُهُ دُخُولُهُ والقُعُودُ فِيهِ والمُكْثُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَعْمُرُ المَسْجِدَ؛ أيْ يُكْثِرُ غَشَيانَهُ، أوْ رَفْعَ بِنائِهِ، وإصْلاحَ ما تَهَدَّمَ مِنهُ، أوِ التَّعَبُّدَ فِيهِ، والطَّوافَ بِهِ. والصَّلاةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أوِ الجِنْسُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ، إذْ هو صَدْرُ ذَلِكَ الجِنْسِ مُقَدِّمَتُهُ. ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيَحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مَكانٍ مِنهُ مَسْجِدٌ، وإمّا لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَكانَ عامِرُهُ عامِرَ المَساجِدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ وهو آكَدُ؛ لِأنَّ طَرِيقَتَهُ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ كَما لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ، كُنْتَ أنْفى لِقِراءَةِ القُرْآنِ مِن تَصْرِيحِكَ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدِينَ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الكُفْرِ بِهِ وبِعِبادَتِهِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: شاهِدُونَ عَلى إضْمارِ هم شاهِدُونَ، وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ قَوْلُهم في الطَّوافِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، أوْ قَوْلُهم إذا سُئِلُوا عَنْ دِينِهِمْ: نَعْبُدُ اللّاتَ والعُزّى، أوْ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ، أوْ قَوْلُ المُشْرِكِ: أنا مُشْرِكٌ كَما يَقُولُ اليَهُودِيُّ هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ هو نَصْرانِيٌّ، والمَجُوسِيُّ هو مَجُوسِيٌّ، والصّابِئُ هو صابِئٌ، أوْ ظُهُورُ أفْعالِ الكَفَرَةِ مِن نَصْبِ أصْنامِهِمْ وطَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، وغَيْرُ ذَلِكَ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، هَذا إذا حُمِلَ (عَلى أنْفُسِهِمْ) عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ شاهِدِينَ عَلى رَسُولِهِمْ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ أنْفُسَهم؛ لِأنَّهُ ما مِن بَطْنٍ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا …

23

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَٰنِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ مَن آمَنَ لَمْ يَتِمَّ إيمانُهُ إلّا بِأنْ يُهاجِرَ ويُصادِمَ أقارِبَهُ الكَفَرَةَ ويَقْطَعُ مُوالاتَهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ نَحْنُ اعْتَزَلْنا مَن يُخالِفُنا في الدِّينِ قَطَعْنا آباءَنا وأبْناءَنا وعَشائِرَنا، وذَهَبَتْ كادَتُنا، وهَلَكَتْ أمْوالُنا، وخَرِبَتْ دِيارُنا، وبَقِينا ضائِعِينَ، فَنَزَلَتْ، فَهاجَرُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِيهِ ابْنُهُ أوْ أبُوهُ أوْ أخُوهُ أوْ بَعْضُ أقارِبِهِ فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، ولا يُنْزِلُهُ، ولا يُنْفِقُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رُخِّصَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ. فَعَلى هَذا الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِ مَكَّةَ وغَيْرِها مِن بِلادِ العَرَبِ خُوطِبُوا أنْ لا يُوالُوا الآباءَ والإخْوَةَ، فَيَكُونُوا لَهم تَبَعًا في سُكْنى بِلادِ الكُفْرِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ، فَنَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاتِهِمْ. وذَكَرَ الآباءَ والإخْوانَ؛ لِأنَّهم أهْلُ الرَّأْيِ والمَشُورَةِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ؛ لِأنَّهم في الغالِبِ تَبَعٌ لِآبائِهِمْ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: أنِ اسْتَحَبُّوا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَعَلَهُ تَعْلِيلًا، وغَيْرُهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ جَعَلَهُ شَرْطًا. ومَعْنى اسْتَحَبُّوا: آثَرُوا وفَضَّلُوا، اسْتَفْعَلَ مِنَ المَحَبَّةِ أيْ طَلَبُوا مَحَبَّةَ الكُفْرِ، وقِيلَ: بِمَعْنى أحَبَّ، وضُمِّنَ مَعْنى اخْتارَ وآثَرَ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَلى. ولَمّا نَهاهم عَنِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ أُخْبِرَ أنَّ مَن تَوَلّاهم فَهو ظالِمٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مُشْرِكٌ مِثْلُهم؛ لِأنَّ مَن رَضِيَ بِالشِّرْكِ فَهو مُشْرِكٌ. قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا كُلُّهُ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ لا ظُلْمُ الكُفْرِ.

﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي الحَضَّ عَلى الهِجْرَةِ، وذَكَرَ الأبْناءُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ المَحَبَّةَ، وهم أعْلَقُ بِالنَّفْسِ، بِخِلافِ الآيَةِ قَبْلَها فَلَمْ يُذْكَرُوا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الرَّأْيُ والمَشُورَةُ. وقَدَّمَ الآباءَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِي يَجِبُ بِرُّهم وإكْرامُهم وحُبُّهم، وثَنّى بِالأبْناءِ؛ لِكَوْنِهِمْ أعْلَقَ بِالقُلُوبِ. ولَمّا ذَكَرَ الأصْلَ والفَرْعَ ذَكَرَ الحاشِيَةَ وهي الإخْوانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الأزْواجَ وهُنَّ في المَحَبَّةِ والإيثارِ كالأبْناءِ، ثُمَّ الأبْعَدَ بَعْدَ الأقْرَبِ في القَرابَةِ فَقالَ: وعَشِيرَتُكم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: بِألْفٍ عَلى الجَمْعِ. وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ العَرَبَ تَجْمَعُ عَشِيرَةً عَلى عَشائِرَ، ولا تَكادُ تَقُولُ: عَشِيراتٌ بِالجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾؛ أيِ اكْتَسَبْتُمُوها؛ لِأنَّ الأمْوالَ يُعادِلُ حُبُّها حُبَّ القَرابَةِ، بَلْ حُبُّها أشَدُّ، كانَتِ الأمْوالُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَزِيزَةً، وأكْثَرُ النّاسِ كانُوا فُقَراءَ. ثُمَّ ذَكَرَ: ﴿وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾، والتِّجارَةُ لا تَتَهَيَّأُ إلّا بِالأمْوالِ، وجَعَلَ تَعالى …

24

قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌۭ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Say, [O Muhammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allah and His Messenger and jihad in His cause, then wait until Allah executes His command. And Allah does not guide the defiantly disobedient people."

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ مَن آمَنَ لَمْ يَتِمَّ إيمانُهُ إلّا بِأنْ يُهاجِرَ ويُصادِمَ أقارِبَهُ الكَفَرَةَ ويَقْطَعُ مُوالاتَهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ نَحْنُ اعْتَزَلْنا مَن يُخالِفُنا في الدِّينِ قَطَعْنا آباءَنا وأبْناءَنا وعَشائِرَنا، وذَهَبَتْ كادَتُنا، وهَلَكَتْ أمْوالُنا، وخَرِبَتْ دِيارُنا، وبَقِينا ضائِعِينَ، فَنَزَلَتْ، فَهاجَرُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِيهِ ابْنُهُ أوْ أبُوهُ أوْ أخُوهُ أوْ بَعْضُ أقارِبِهِ فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، ولا يُنْزِلُهُ، ولا يُنْفِقُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رُخِّصَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ. فَعَلى هَذا الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِ مَكَّةَ وغَيْرِها مِن بِلادِ العَرَبِ خُوطِبُوا أنْ لا يُوالُوا الآباءَ والإخْوَةَ، فَيَكُونُوا لَهم تَبَعًا في سُكْنى بِلادِ الكُفْرِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ، فَنَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاتِهِمْ. وذَكَرَ الآباءَ والإخْوانَ؛ لِأنَّهم أهْلُ الرَّأْيِ والمَشُورَةِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ؛ لِأنَّهم في الغالِبِ تَبَعٌ لِآبائِهِمْ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: أنِ اسْتَحَبُّوا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَعَلَهُ تَعْلِيلًا، وغَيْرُهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ جَعَلَهُ شَرْطًا. ومَعْنى اسْتَحَبُّوا: آثَرُوا وفَضَّلُوا، اسْتَفْعَلَ مِنَ المَحَبَّةِ أيْ طَلَبُوا مَحَبَّةَ الكُفْرِ، وقِيلَ: بِمَعْنى أحَبَّ، وضُمِّنَ مَعْنى اخْتارَ وآثَرَ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَلى. ولَمّا نَهاهم عَنِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ أُخْبِرَ أنَّ مَن تَوَلّاهم فَهو ظالِمٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مُشْرِكٌ مِثْلُهم؛ لِأنَّ مَن رَضِيَ بِالشِّرْكِ فَهو مُشْرِكٌ. قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا كُلُّهُ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ لا ظُلْمُ الكُفْرِ.

﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي الحَضَّ عَلى الهِجْرَةِ، وذَكَرَ الأبْناءُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ المَحَبَّةَ، وهم أعْلَقُ بِالنَّفْسِ، بِخِلافِ الآيَةِ قَبْلَها فَلَمْ يُذْكَرُوا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الرَّأْيُ والمَشُورَةُ. وقَدَّمَ الآباءَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِي يَجِبُ بِرُّهم وإكْرامُهم وحُبُّهم، وثَنّى بِالأبْناءِ؛ لِكَوْنِهِمْ أعْلَقَ بِالقُلُوبِ. ولَمّا ذَكَرَ الأصْلَ والفَرْعَ ذَكَرَ الحاشِيَةَ وهي الإخْوانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الأزْواجَ وهُنَّ في المَحَبَّةِ والإيثارِ كالأبْناءِ، ثُمَّ الأبْعَدَ بَعْدَ الأقْرَبِ في القَرابَةِ فَقالَ: وعَشِيرَتُكم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: بِألْفٍ عَلى الجَمْعِ. وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ العَرَبَ تَجْمَعُ عَشِيرَةً عَلى عَشائِرَ، ولا تَكادُ تَقُولُ: عَشِيراتٌ بِالجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾؛ أيِ اكْتَسَبْتُمُوها؛ لِأنَّ الأمْوالَ يُعادِلُ حُبُّها حُبَّ القَرابَةِ، بَلْ حُبُّها أشَدُّ، كانَتِ الأمْوالُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَزِيزَةً، وأكْثَرُ النّاسِ كانُوا فُقَراءَ. ثُمَّ ذَكَرَ: ﴿وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾، والتِّجارَةُ لا تَتَهَيَّأُ إلّا بِالأمْوالِ، وجَعَلَ تَعالى …

25

لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍۢ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًۭٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ

Allah has already given you victory in many regions and [even] on the day of Hunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with its vastness; then you turned back, fleeing.

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] واسْتَطْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِما اسْتَطْرَدَ ذَكَّرَهم تَعالى نَصْرَهُ إيّاهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، والمَواطِنُ مَقاماتُ الحَرْبِ ومَواقِفُها. وقِيلَ: مَشاهِدُ الحَرْبِ تُوَطِّنُونَ أنْفُسَكم فِيها عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، وهي جَمْعُ مَوْطِنٍ بِكَسْرِ الطّاءِ قالَ:

؎وكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَما هَوى بِأجْرامِهِ مِن قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوى

وهَذِهِ المَواطِنُ: وقَعاتُ بَدْرٍ، وقُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، والحُدَيْبِيَةِ، وخَيْبَرَ، وفَتْحِ مَكَّةَ. ووُصِفَتْ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّ أئِمَّةَ التّارِيخِ والعُلَماءِ والمَغازِي نَقَلُوا أنَّها كانَتْ ثَمانِينَ مَوْطِنًا. وحُنَيْنٌ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ قَرِيبٌ مِن ذِي المَجازِ. وصُرِفَ مَذْهُوبًا بِهِ مَذْهَبَ المَكانِ، ولَوْ ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ البُقْعَةِ لَمْ يُصْرَفْ كَما قالَ:

؎نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وشَدُّوا أزْرَهُ ∗∗∗ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكَلَ الأبْطالُ

وعَطَفَ الزَّمانَ عَلى المَكانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَوْطِنُ يَوْمِ حُنَيْنٍأوْ في أيّامِ مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(يَوْمَ) عُطِفَ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: (في مَواطِنَ)، أوْ عَلى لَفْظِهِ بِتَقْدِيرِ: وفي يَوْمِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الخَفْضِ انْتَهى. و(إذْ) بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) وأضافَ الإعْجابَ إلى جَمِيعِهِمْ، وإنْ كانَ صادِرًا مِن واحِدٍ لَمّا رَأى الجَمْعَ الكَثِيرَ أعْجَبَهُ ذَلِكَ وقالَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ. والقائِلُ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: هو أبُو بَكْرٍ، أوْ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ قُرَيْشٍ، أوِ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ رَجُلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ. ونُقِلَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ساءَهُ كَلامُ هَذا القائِلِ، ووُكِلُوا إلى كَلامِ الرَّجُلِ.

والكَثْرَةُ بِفَتْحِ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى كَثْراتٍ، وتَمِيمٌ تَكْسِرُ الكافَ، وتُجْمَعُ عَلى كُثُرٍ كَشَذْرَةٍ وشُذُرٍ، وكَسْرَةٍ وكُسُرٍ. وهَذِهِ الكَثْرَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنِ النَّحّاسِ: أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ إسْحاقَ والواقِدِيِّ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ مُقاتِلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أحَدَ عَشَرَ ألْفًا وخَمْسُمِائَةٍ. والباءُ في (بِما رَحُبَتْ) لِلْحالِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: ضاقَتْ بِكُمُ الأرْضُ مَعَ كَوْنِها رَحْبًا واسِعَةً؛ لِشِدَّةِ الحالِ عَلَيْهِمْ وصُعُوبَتِها كَأنَّهم لا يَجِدُونَ مَكانًا يَسْتَصْلِحُونَهُ لِلْهَرَبِ والنَّجاةِ لِفَرْطِ ما لَحِقَهم مِنَ الرُّعْبِ، فَكَأنَّها ضاقَتْ عَلَيْهِمْ. والرَّحْبُ: السَّعَةُ، وبِفَتْحِ الرّاءِ الواسِعُ. يُقالُ: فُلانٌ رَحْبُ الصَّدْرِ، وبَلَدٌ رَحْبٌ، وأرْضٌ رَحْبَةٌ، وقَدْ رَحُبَتْ رَحْبًا ورَحابَةً. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (بِما رَحْبَتْ) في المَوْضِعَيْنِ بِسُكُونِ الحاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، يُسَكِّنُونَ ضَمَّةَ فَعُلَ فَيَقُولُونَ في ظَرُفَ: ظَرْفَ.

﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾؛ أيْ: ولَّيْتُمْ فارِّينَ عَلى أدْبارِكم مُنْهَزِمِينَ تارِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وأسْنَدَ التَّوَلِّي إلى جَمِيعِهِمْ وهو واقِعٌ مِن أكْثَرِهِمْ، إذْ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ناسٌ مِنَ الأبْطالِ عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَيَقُولُ: لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ كانَ في عَشَرَةِ آلافٍ …

26

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ

Then Allah sent down His tranquillity upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers angels whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] واسْتَطْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِما اسْتَطْرَدَ ذَكَّرَهم تَعالى نَصْرَهُ إيّاهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، والمَواطِنُ مَقاماتُ الحَرْبِ ومَواقِفُها. وقِيلَ: مَشاهِدُ الحَرْبِ تُوَطِّنُونَ أنْفُسَكم فِيها عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، وهي جَمْعُ مَوْطِنٍ بِكَسْرِ الطّاءِ قالَ:

؎وكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَما هَوى بِأجْرامِهِ مِن قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوى

وهَذِهِ المَواطِنُ: وقَعاتُ بَدْرٍ، وقُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، والحُدَيْبِيَةِ، وخَيْبَرَ، وفَتْحِ مَكَّةَ. ووُصِفَتْ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّ أئِمَّةَ التّارِيخِ والعُلَماءِ والمَغازِي نَقَلُوا أنَّها كانَتْ ثَمانِينَ مَوْطِنًا. وحُنَيْنٌ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ قَرِيبٌ مِن ذِي المَجازِ. وصُرِفَ مَذْهُوبًا بِهِ مَذْهَبَ المَكانِ، ولَوْ ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ البُقْعَةِ لَمْ يُصْرَفْ كَما قالَ:

؎نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وشَدُّوا أزْرَهُ ∗∗∗ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكَلَ الأبْطالُ

وعَطَفَ الزَّمانَ عَلى المَكانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَوْطِنُ يَوْمِ حُنَيْنٍأوْ في أيّامِ مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(يَوْمَ) عُطِفَ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: (في مَواطِنَ)، أوْ عَلى لَفْظِهِ بِتَقْدِيرِ: وفي يَوْمِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الخَفْضِ انْتَهى. و(إذْ) بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) وأضافَ الإعْجابَ إلى جَمِيعِهِمْ، وإنْ كانَ صادِرًا مِن واحِدٍ لَمّا رَأى الجَمْعَ الكَثِيرَ أعْجَبَهُ ذَلِكَ وقالَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ. والقائِلُ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: هو أبُو بَكْرٍ، أوْ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ قُرَيْشٍ، أوِ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ رَجُلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ. ونُقِلَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ساءَهُ كَلامُ هَذا القائِلِ، ووُكِلُوا إلى كَلامِ الرَّجُلِ.

والكَثْرَةُ بِفَتْحِ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى كَثْراتٍ، وتَمِيمٌ تَكْسِرُ الكافَ، وتُجْمَعُ عَلى كُثُرٍ كَشَذْرَةٍ وشُذُرٍ، وكَسْرَةٍ وكُسُرٍ. وهَذِهِ الكَثْرَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنِ النَّحّاسِ: أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ إسْحاقَ والواقِدِيِّ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ مُقاتِلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أحَدَ عَشَرَ ألْفًا وخَمْسُمِائَةٍ. والباءُ في (بِما رَحُبَتْ) لِلْحالِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: ضاقَتْ بِكُمُ الأرْضُ مَعَ كَوْنِها رَحْبًا واسِعَةً؛ لِشِدَّةِ الحالِ عَلَيْهِمْ وصُعُوبَتِها كَأنَّهم لا يَجِدُونَ مَكانًا يَسْتَصْلِحُونَهُ لِلْهَرَبِ والنَّجاةِ لِفَرْطِ ما لَحِقَهم مِنَ الرُّعْبِ، فَكَأنَّها ضاقَتْ عَلَيْهِمْ. والرَّحْبُ: السَّعَةُ، وبِفَتْحِ الرّاءِ الواسِعُ. يُقالُ: فُلانٌ رَحْبُ الصَّدْرِ، وبَلَدٌ رَحْبٌ، وأرْضٌ رَحْبَةٌ، وقَدْ رَحُبَتْ رَحْبًا ورَحابَةً. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (بِما رَحْبَتْ) في المَوْضِعَيْنِ بِسُكُونِ الحاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، يُسَكِّنُونَ ضَمَّةَ فَعُلَ فَيَقُولُونَ في ظَرُفَ: ظَرْفَ.

﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾؛ أيْ: ولَّيْتُمْ فارِّينَ عَلى أدْبارِكم مُنْهَزِمِينَ تارِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وأسْنَدَ التَّوَلِّي إلى جَمِيعِهِمْ وهو واقِعٌ مِن أكْثَرِهِمْ، إذْ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ناسٌ مِنَ الأبْطالِ عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَيَقُولُ: لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ كانَ في عَشَرَةِ آلافٍ …

27

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then Allah will accept repentance after that for whom He wills; and Allah is Forgiving and Merciful.

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] واسْتَطْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِما اسْتَطْرَدَ ذَكَّرَهم تَعالى نَصْرَهُ إيّاهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، والمَواطِنُ مَقاماتُ الحَرْبِ ومَواقِفُها. وقِيلَ: مَشاهِدُ الحَرْبِ تُوَطِّنُونَ أنْفُسَكم فِيها عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، وهي جَمْعُ مَوْطِنٍ بِكَسْرِ الطّاءِ قالَ:

؎وكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَما هَوى بِأجْرامِهِ مِن قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوى

وهَذِهِ المَواطِنُ: وقَعاتُ بَدْرٍ، وقُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، والحُدَيْبِيَةِ، وخَيْبَرَ، وفَتْحِ مَكَّةَ. ووُصِفَتْ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّ أئِمَّةَ التّارِيخِ والعُلَماءِ والمَغازِي نَقَلُوا أنَّها كانَتْ ثَمانِينَ مَوْطِنًا. وحُنَيْنٌ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ قَرِيبٌ مِن ذِي المَجازِ. وصُرِفَ مَذْهُوبًا بِهِ مَذْهَبَ المَكانِ، ولَوْ ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ البُقْعَةِ لَمْ يُصْرَفْ كَما قالَ:

؎نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وشَدُّوا أزْرَهُ ∗∗∗ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكَلَ الأبْطالُ

وعَطَفَ الزَّمانَ عَلى المَكانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَوْطِنُ يَوْمِ حُنَيْنٍأوْ في أيّامِ مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(يَوْمَ) عُطِفَ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: (في مَواطِنَ)، أوْ عَلى لَفْظِهِ بِتَقْدِيرِ: وفي يَوْمِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الخَفْضِ انْتَهى. و(إذْ) بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) وأضافَ الإعْجابَ إلى جَمِيعِهِمْ، وإنْ كانَ صادِرًا مِن واحِدٍ لَمّا رَأى الجَمْعَ الكَثِيرَ أعْجَبَهُ ذَلِكَ وقالَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ. والقائِلُ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: هو أبُو بَكْرٍ، أوْ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ قُرَيْشٍ، أوِ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ رَجُلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ. ونُقِلَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ساءَهُ كَلامُ هَذا القائِلِ، ووُكِلُوا إلى كَلامِ الرَّجُلِ.

والكَثْرَةُ بِفَتْحِ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى كَثْراتٍ، وتَمِيمٌ تَكْسِرُ الكافَ، وتُجْمَعُ عَلى كُثُرٍ كَشَذْرَةٍ وشُذُرٍ، وكَسْرَةٍ وكُسُرٍ. وهَذِهِ الكَثْرَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنِ النَّحّاسِ: أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ إسْحاقَ والواقِدِيِّ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ مُقاتِلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أحَدَ عَشَرَ ألْفًا وخَمْسُمِائَةٍ. والباءُ في (بِما رَحُبَتْ) لِلْحالِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: ضاقَتْ بِكُمُ الأرْضُ مَعَ كَوْنِها رَحْبًا واسِعَةً؛ لِشِدَّةِ الحالِ عَلَيْهِمْ وصُعُوبَتِها كَأنَّهم لا يَجِدُونَ مَكانًا يَسْتَصْلِحُونَهُ لِلْهَرَبِ والنَّجاةِ لِفَرْطِ ما لَحِقَهم مِنَ الرُّعْبِ، فَكَأنَّها ضاقَتْ عَلَيْهِمْ. والرَّحْبُ: السَّعَةُ، وبِفَتْحِ الرّاءِ الواسِعُ. يُقالُ: فُلانٌ رَحْبُ الصَّدْرِ، وبَلَدٌ رَحْبٌ، وأرْضٌ رَحْبَةٌ، وقَدْ رَحُبَتْ رَحْبًا ورَحابَةً. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (بِما رَحْبَتْ) في المَوْضِعَيْنِ بِسُكُونِ الحاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، يُسَكِّنُونَ ضَمَّةَ فَعُلَ فَيَقُولُونَ في ظَرُفَ: ظَرْفَ.

﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾؛ أيْ: ولَّيْتُمْ فارِّينَ عَلى أدْبارِكم مُنْهَزِمِينَ تارِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وأسْنَدَ التَّوَلِّي إلى جَمِيعِهِمْ وهو واقِعٌ مِن أكْثَرِهِمْ، إذْ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ناسٌ مِنَ الأبْطالِ عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَيَقُولُ: لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ كانَ في عَشَرَةِ آلافٍ …

28

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًۭ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Haram after this, their [final] year. And if you fear privation, Allah will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allah is Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؛ لَمّا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا أنْ يَقْرَأ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ أوَّلَ (بَراءَةٌ)، ويَنْبِذُ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وأنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ قالَ أُناسٌ: يا أهْلَ مَكَّةَ سَتَعْلَمُونَ ما تَلْقَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ وانْقِطاعِ السُّبُلِ وفَقْدِ الحُمُولاتِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، شَقَّ عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: مَن يَأْتِينا بِطَعامِنا، وكانُوا يَقْدُمُونَ عَلَيْهِمْ بِالتِّجارَةِ، فَنَزَلَتْ ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآيَةَ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُشْرِكَ مَنِ اتَّخَذَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وعَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ، ومِنَ العُلَماءِ مَن أطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الإشْراكِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]؛ أيْ يُكْفَرَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَجَسٌ) بِفَتْحِ النُّونِ والجِيمِ، وهو مَصْدَرُ نَجِسَ نَجَسًا؛ أيْ قَذِرَ قَذَرًا، والظّاهِرُ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم نَجَسٌ أيْ ذَوُو نَجَسٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وغَيْرُهُ: الشِّرْكُ هو الَّذِي نَجَّسَهم، فَأعْيانُهم نَجِسَةٌ كالخَمْرِ والكِلابِ والخَنازِيرِ. وقالَ الحَسَنُ: مَن صافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ. وفي التَّحْرِيرِ: وبالَغَ الحَسَنُ حَتّى قالَ: إنَّ الوُضُوءَ يَجِبُ مِن مَسِّ المُشْرِكِ، ولَمْ يَأْخُذْ أحَدٌ بِقَوْلِ الحَسَنِ إلّا الهادِيَ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ. وقالَ قَتادَةُ، ومَعْمَرُ بْنُ راشِدٍ وغَيْرُهُما: وُصِفَ المُشْرِكُ بِالنَّجاسَةِ؛ لِأنَّهُ جُنُبٌ، إذْ غُسْلُهُ مِنَ الجَنابَةِ لَيْسَ بِغُسْلٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ الغُسْلُ عَلى مَن أسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: لا يَجِبُ، ولا شَكَّ أنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَغْتَسِلُونَ ولا يَجْتَنِبُونَ النَّجاساتِ، فَجُعِلُوا نَجَسًا مُبالَغَةً في وصْفِهِمْ بِالنَّجاسَةِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (نِجْسٌ) بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الجِيمِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المَوْصُوفِ، أيْ: جِنْسٌ نِجْسٌ، أوْ ضَرْبٌ نِجْسٌ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن نَجِسَ، فَخَفَّفُوهُ بَعْدَ الإتْباعِ كَما قالُوا في كَبِدٍ: كِبْدٌ، وكَرِشٍ: كِرْشٌ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: أنْجاسٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَجَسٍ المَصْدَرِ كَما قالُوا أصْنافٌ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نِجْسٍ اسْمِ فاعِلٍ.

وفِي النَّهْيِ عَنِ القُرْبانِ مَنعُهم عَنْ دُخُولِهِ والطَّوافِ بِهِ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ، وهَذا النَّهْيُ مِن حَيْثُ المَعْنى هو مُتَعَلِّقٌ بِالمُسْلِمِينَ؛ أيْ لا يَتْرُكُونَهم يَقْرَبُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ. والظّاهِرُ أنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالمُشْرِكِينَ وبِالمَسْجِدِ الحَرامِ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. وأباحَ دُخُولَ اليَهُودِ والنَّصارى المَسْجِدَ الحَرامَ وغَيْرَهُ، ودُخُولَ عَبَدَةِ الأوْثانِ في سائِرِ المَساجِدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ”فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ“: فَلا يَحُجُّوا ولا يَعْتَمِرُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَلِيٌّ حِينَ نادى بِـ (بَراءَةٌ): لا يَحُجُّ بَعْدَ عامِنا هَذا مُشْرِكٌ، قالَ: ولا يُمْنَعُونَ مِن دُخُولِ الحَرَمِ، والمَسْجِدِ الحَرامِ، وسائِرِ المَساجِدِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ …

29

قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ

Fight those who do not believe in Allah or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allah and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah willingly while they are humbled.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؛ لَمّا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا أنْ يَقْرَأ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ أوَّلَ (بَراءَةٌ)، ويَنْبِذُ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وأنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ قالَ أُناسٌ: يا أهْلَ مَكَّةَ سَتَعْلَمُونَ ما تَلْقَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ وانْقِطاعِ السُّبُلِ وفَقْدِ الحُمُولاتِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، شَقَّ عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: مَن يَأْتِينا بِطَعامِنا، وكانُوا يَقْدُمُونَ عَلَيْهِمْ بِالتِّجارَةِ، فَنَزَلَتْ ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآيَةَ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُشْرِكَ مَنِ اتَّخَذَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وعَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ، ومِنَ العُلَماءِ مَن أطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الإشْراكِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]؛ أيْ يُكْفَرَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَجَسٌ) بِفَتْحِ النُّونِ والجِيمِ، وهو مَصْدَرُ نَجِسَ نَجَسًا؛ أيْ قَذِرَ قَذَرًا، والظّاهِرُ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم نَجَسٌ أيْ ذَوُو نَجَسٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وغَيْرُهُ: الشِّرْكُ هو الَّذِي نَجَّسَهم، فَأعْيانُهم نَجِسَةٌ كالخَمْرِ والكِلابِ والخَنازِيرِ. وقالَ الحَسَنُ: مَن صافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ. وفي التَّحْرِيرِ: وبالَغَ الحَسَنُ حَتّى قالَ: إنَّ الوُضُوءَ يَجِبُ مِن مَسِّ المُشْرِكِ، ولَمْ يَأْخُذْ أحَدٌ بِقَوْلِ الحَسَنِ إلّا الهادِيَ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ. وقالَ قَتادَةُ، ومَعْمَرُ بْنُ راشِدٍ وغَيْرُهُما: وُصِفَ المُشْرِكُ بِالنَّجاسَةِ؛ لِأنَّهُ جُنُبٌ، إذْ غُسْلُهُ مِنَ الجَنابَةِ لَيْسَ بِغُسْلٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ الغُسْلُ عَلى مَن أسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: لا يَجِبُ، ولا شَكَّ أنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَغْتَسِلُونَ ولا يَجْتَنِبُونَ النَّجاساتِ، فَجُعِلُوا نَجَسًا مُبالَغَةً في وصْفِهِمْ بِالنَّجاسَةِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (نِجْسٌ) بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الجِيمِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المَوْصُوفِ، أيْ: جِنْسٌ نِجْسٌ، أوْ ضَرْبٌ نِجْسٌ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن نَجِسَ، فَخَفَّفُوهُ بَعْدَ الإتْباعِ كَما قالُوا في كَبِدٍ: كِبْدٌ، وكَرِشٍ: كِرْشٌ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: أنْجاسٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَجَسٍ المَصْدَرِ كَما قالُوا أصْنافٌ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نِجْسٍ اسْمِ فاعِلٍ.

وفِي النَّهْيِ عَنِ القُرْبانِ مَنعُهم عَنْ دُخُولِهِ والطَّوافِ بِهِ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ، وهَذا النَّهْيُ مِن حَيْثُ المَعْنى هو مُتَعَلِّقٌ بِالمُسْلِمِينَ؛ أيْ لا يَتْرُكُونَهم يَقْرَبُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ. والظّاهِرُ أنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالمُشْرِكِينَ وبِالمَسْجِدِ الحَرامِ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. وأباحَ دُخُولَ اليَهُودِ والنَّصارى المَسْجِدَ الحَرامَ وغَيْرَهُ، ودُخُولَ عَبَدَةِ الأوْثانِ في سائِرِ المَساجِدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ”فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ“: فَلا يَحُجُّوا ولا يَعْتَمِرُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَلِيٌّ حِينَ نادى بِـ (بَراءَةٌ): لا يَحُجُّ بَعْدَ عامِنا هَذا مُشْرِكٌ، قالَ: ولا يُمْنَعُونَ مِن دُخُولِ الحَرَمِ، والمَسْجِدِ الحَرامِ، وسائِرِ المَساجِدِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ …

30

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Jews say, "Ezra is the son of Allah "; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allah." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved [before them]. May Allah destroy them; how are they deluded?

﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ بَيَّنَ تَعالى لَحاقِ اليَهُودِ والنَّصارى بِأهْلِ الشِّرْكِ وإنِ اخْتَلَفَتْ طُرُقُ الشِّرْكِ في فَرْقٍ بَيْنَ مَن يَعْبُدُ الصَّنَمَ وبَيْنَ مَن يَعْبُدُ المَسِيحَ وغَيْرَهُ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ هو أنْ يَتَّخِذَ مَعَ اللَّهِ مَعْبُودًا، بَلْ عابِدُ الوَثَنِ أخَفُّ كُفْرًا مِنَ النَّصْرانِيِّ؛ لِأنَّهُ لا يَعْتَقِدُ أنَّ الوَثَنَ خالِقُ العالَمِ، والنَّصْرانِيُّ يَقُولُ بِالحُلُولِ والِاتِّحادِ، وقائِلُ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ كانُوا بِالمَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَها أرْبَعَةٌ مِن أحْبارِهِمْ: سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ونُعْمانُ بْنُ أوْفى، وشاسُ بْنُ قَيْسٍ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ. وقِيلَ: قالَهُ فِنْحاصُ. وقالَ النَّقّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُها بَلِ انْقَرَضُوا، وتُذَمُّ الطّائِفَةُ أوْ تُمْدَحُ بِصُدُورِ ما يُناسِبُ ذَلِكَ مِن بَعْضِها. قِيلَ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ فِيهِمْ أنَّ الآيَةَ تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ فَما أنْكَرُوا ولا كَذَّبُوا مَعَ تَهالُكِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ. وسَبَبُ هَذا القَوْلِ أنَّ اليَهُودَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ بَعْدَ مُوسى، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ التَّوْراةَ، ومَحاها مِن قُلُوبِهِمْ، فَخَرَجَ عُزَيْرٌ؛ وهو غُلامٌ يَسِيحُ في الأرْضِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ لَهُ: إلى أيْنَ تَذْهَبُ ؟ قالَ: أطْلُبُ العِلْمَ، فَحَفَّظَهُ التَّوْراةَ فَأمْلاها عَلَيْهِمْ عَنْ ظَهْرِ لِسانِهِ لا يَخْرِمُ حَرْفًا فَقالُوا: ما جَمَعَ اللَّهُ تَعالى التَّوْراةَ في صَدْرِهِ وهو غُلامٌ إلّا أنَّهُ ابْنُهُ، ونَقَلُوا حِكاياتٍ في ذَلِكَ. وظاهِرُ قَوْلِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ بُنُوَّةُ النَّسْلِ كَما قالَتِ العَرَبُ في المَلائِكَةِ، وكَذا يَقْتَضِي قَوْلُ الضَّحّاكِ والطَّبَرِيِّ وغَيْرِهِما عَنْهم: أنَّ المَسِيحَ إلَهٌ، وأنَّهُ ابْنُ الإلَهِ. ويُقالُ: إنَّ بَعْضَهم يَعْتَقِدُها بُنُوَّةَ حُنُوٍّ ورَحْمَةٍ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَظْهَرْ إلّا بَعْدَ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ وظُهُورِ دَلائِلِ صِدْقِها، وبَعْدَ أنْ خالَطُوا المُسْلِمِينَ وناظَرُوهم، فَرَجَعُوا عَمّا كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ في عِيسى. وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ: عُزَيْرٌ مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ، وباقِي السَّبْعَةِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، كَعاذِرَ وعِيذارَ وعِزْرائِيلَ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فابْنٌ خَبَرٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: هو أعْجَمِيٌّ خَفِيفٌ فانْصَرَفَ كَنُوحٍ ولُوطٍ وهُودٍ. قِيلَ: ولَيْسَ قَوْلُهُ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأنَّهُ عَلى أرْبَعَةِ أحْرُفٍ ولَيْسَ بِمُصَغَّرٍ، إنَّما هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ جاءَ عَلى هَيْئَةِ المُصَغَّرِ، كَسُلَيْمانَ جاءَ عَلى هَيْئَةِ عُثْمانَ ولَيْسَ بِمُصَغَّرٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ التَّنْوِينَ حُذِفَ مِن عُزَيْرٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَقِراءَةِ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] وقَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إذا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فَرّا

أوْ لِأنَّ ابْنًا صِفَةٌ لِعُزَيْرٍ وقَعَ بَيْنَ عَلَمَيْنِ فَحُذِفَ تَنْوِينُهُ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: إلاهُنا ومَعْبُودُنا. فَقَوْلُهُ مُتَمَحِّلٌ؛ لِأنَّ الَّذِي أنْكَرَ عَلَيْهِمْ إنَّما هو نِسْبَةُ البُنُوَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى بِأفْواهِهِمْ: أنَّهُ قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ بُرْهانٌ، فَما هو إلّا لَفْظٌ فارِغٌ يَفُوهُونَ بِهِ كالألْفاظِ المُهْمَلَةِ الَّتِي هي أجْراسٌ …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.