فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ
But if they repent, establish prayer, and give zakah, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.
﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى.
﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ.
﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ.
﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ.
﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ …