Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 121–129 of 129

121

وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةًۭ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةًۭ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allah may reward them for the best of what they were doing.

﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ نَزَلَتْ فِيمَن تَخَلَّفَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وفِيمَن تَخَلَّفَ مِمَّنْ حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ مِن مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأشْجَعَ وأسْلَمَ وغِفارٍ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوى اللَّهِ، وأمَرَ بِكَيْنُونَتِهِمْ مَعَ الصّادِقِينَ، وأفْضَلُ الصّادِقِينَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، اقْتَضى ذَلِكَ مُوافَقَةَ الرَّسُولِ وصُحْبَتَهُ أنّى تَوَجَّهَ مِنَ الغَزَواتِ والمَشاهِدِ، فَعُوتِبَ العِتابَ الشَّدِيدَ مَن تَخَلَّفَ عَنِ الرَّسُولِ في غَزْوَةٍ، واقْتَضى ذَلِكَ الأمْرُ لِصُحْبَتِهِ وبَذْلِ النُّفُوسِ دُونَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأنْ يَصْحَبُوهُ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ، وأُمِرُوا أنْ يُكابِدُوا مَعَهُ الأهْوالَ بِرَغْبَةٍ ونَشاطٍ واغْتِباطٍ، وأنْ يُلْقُوا أنْفُسَهم في الشَّدائِدِ ما يَلْقاهُ نَفْسُهُ ﷺ، عِلْمًا بِأنَّها أعَزُّ نَفْسٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأكْرَمُها عَلَيْهِ، فَإذا تَعَرَّضَتْ مَعَ كَرامَتِها وعِزَّتِها لِلْخَوْضِ في شِدَّةٍ وهَوْنٍ وجَبَ عَلى سائِرِ الأنْفُسِ أنْ تَتَهافَتَ فِيما تَعَرَّضَتْ لَهُ، ولا يَكْتَرِثُ لَها أصْحابُها، ولا يُقِيمُوا لَها وزْنًا، وتَكُونُ أخَفَّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ وأهْوَنَهُ، فَضْلًا أنْ يَرْبَئُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ مُتابَعَتِها ومُصاحَبَتِها، ويَضِنُّوا بِها عَلى ما سَمَحَ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ، وهَذا نَهْيٌ بَلِيغٌ مَعَ تَقْبِيحٍ لِأمْرِهِمْ وتَوْبِيخٍ لَهم عَلَيْهِ، وتَهْيِيجٍ لِمُتابَعَتِهِ بِأنَفَةٍ وحَمِيَّةٍ. قالَ الكَرْمانِيُّ: هَذا نَفْيٌ مَعْناهُ النَّهْيُ، وخُصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ وكُلُّ النّاسِ في ذَلِكَ سَواءٌ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ خُرُوجُهُ. قالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الإلْزامُ خاصًّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وجَوابُ النَّفْرِ إلى الغَزْوِ إذا خَرَجَ هو بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَبْقَ هَذا الحُكْمُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الخُلَفاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ هَذا الأمْرُ والإلْزامُ في قِلَّةِ الإسْلامِ واحْتِياجٍ إلى اتِّصالِ الأيْدِي، ثُمَّ نُسِخَ عِنْدَ قُوَّةِ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] قالَ: وهَذا كُلُّهُ في الِانْبِعاثِ إلى غَزْوِ العَدُوِّ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، وأمّا إذا ألَمَّ العَدُوُّ بِجِهَةٍ فَيَتَعَيَّنُ عَلى كُلِّ أحَدٍ القِيامُ بِذَبِّهِ ومُكافَحَتِهِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَضَمَّنَهُ انْتِفاءُ التَّخَلُّفِ مِن وُجُوبِ الخُرُوجِ مَعَهُ وبَذْلِ النَّفْسِ دُونَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ الوُجُوبُ لِلْخُرُوجِ وبَذْلِ النَّفْسِ هو بِسَبَبِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الجَسِيمِ عَلى المَشاقِّ الَّتِي تَنالُهم، وما يَتَسَنّى عَلى أيْدِيهِمْ مِن إيذاءِ أعْداءِ الإسْلامِ. والظَّمَأُ: العَطَشُ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: (ظِماءٌ) بِالمَدِّ، مِثْلُ: سَفِهَ سِفاهًا، ولَمّا كانَ العَطَشُ أشَقَّ الأشْياءِ المُؤْذِيَةِ لِلْمُسافِرِ بِكَثْرَةِ الحَرَكَةِ وإزْعاجِ النَّفْسِ وخُصُوصًا …

At-Tawba 9:121Listen in Qur'an →
122

۞ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةًۭ ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌۭ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

And it is not for the believers to go forth [to battle] all at once. For there should separate from every division of them a group [remaining] to obtain understanding in the religion and warn their people when they return to them that they might be cautious.

﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾: لَمّا سَمِعُوا: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآيَةَ؛ أهَمَّهم ذَلِكَ، فَنَفَرُوا إلى المَدِينَةِ إلى الرَّسُولِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالَ المُنافِقُونَ حِينَ نَزَلَتْ ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآيَةَ: هَكَذا أهْلُ البَوادِي، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: لَمّا دَعا الرَّسُولُ عَلى مُضَرَ بِالسِّنِينَ أصابَتْهم مَجاعَةٌ، فَنَفَرُوا إلى المَدِينَةِ لِلْمَعاشِ وكادُوا يُفْسِدُونَها، وكانَ أكْثَرُهم غَيْرَ صَحِيحِ الإيمانِ، وإنَّما أقْدَمَهُ الجُوعُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَقالَ: وما كانَ مِن ضَعَفَةِ الإيمانِ لِيَنْفِرُوا مِثْلَ هَذا النَّفِيرِ، أيْ: لَيْسَ هَؤُلاءِ بِمُؤْمِنِينَ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ لا يَكُونُ النَّفِيرُ إلى الغَزْوِ، والضَّمِيرُ الَّذِي في ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ عائِدٌ عَلى الطّائِفَةِ النّافِرَةِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الآيَةُ في البُعُوثِ والسَّرايا. والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ ثابِتَةُ الحُكْمِ مَعَ خُرُوجِ الرَّسُولِ في الغَزْوِ، وهَذِهِ ثابِتَةُ الحُكْمِ إذا لَمْ يَخْرُجْ، أيْ: يَجِبُ إذا لَمْ يَخْرُجْ ألّا يَنْفِرَ النّاسُ كافَّةً، فَيَبْقى هو مُفْرَدًا. وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَنْفِرَ طائِفَةٌ وتَبْقى طائِفَةٌ لِتَتَفَقَّهَ هَذِهِ الطّائِفَةُ في الدِّينِ، وتُنْذِرَ النّافِرِينَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِكُلِّ ما ورَدَ مِن إلْزامِ النّاسِ كافَّةً النَّفِيرَ والقِتالَ، فَعَلى هَذا وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ يَكُونُ الضَّمِيرُ في ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ عائِدًا عَلى الطّائِفَةِ المُقِيمَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾، أيْ: الطّائِفَةَ النّافِرَةَ إلى الغَزْوِ يُعْلِمُونَهم بِما تَجَدَّدَ مِن أحْكامِ الشَّرِيعَةِ وتَكالِيفِها، وكانَ ثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ دَلَّ عَلَيْها تَقْسِيمُها، أيْ: فَهَلّا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ وقَعَدَتْ أُخْرى لِيَتَفَقَّهُوا. وقِيلَ: عَلى أنْ يَكُونَ النَّفِيرُ إلى الغَزْوِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ عائِدًا عَلى النّافِرِينَ، ويَكُونَ تَفَقُّهُهم في الغَزْوِ بِما يَرَوْنَ مِن نُصْرَةِ اللَّهِ لِدِينِهِ، وإظْهارِهِ الفِئَةَ القَلِيلَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَثِيرَةِ مِنَ الكافِرِينَ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الإسْلامِ، وإخْبارِ الرَّسُولِ بِظُهُورِ هَذا الدِّينِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما جاءَتْ لِلْحَضِّ عَلى طَلَبِ العِلْمِ والتَّفَقُّهِ في دِينِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَرْحَلَ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم في ذَلِكَ فَتَعْرى بِلادُهم مِنهم ويَسْتَوْلِي عَلَيْها وعَلى ذَرارِيِّهِمْ أعْداؤُهم، فَهَلّا رَحَلَ طائِفَةٌ مِنهم لِلتَّفَقُّهِ في الدِّينِ ولِإنْذارِ قَوْمِهِمْ، فَذَكَرَ العِلَّةَ لِلنَّفِيرِ وهي التَّفَقُّهُ أوَّلًا، ثُمَّ الإعْلامُ لِقَوْمِهِمْ بِما عَلِمُوهُ مِن أمْرِ الشَّرِيعَةِ، أيْ: فَهَلّا نَفَرَ مِن كُلِّ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ جَماعَةٌ قَلِيلَةٌ مِنهم فَكَفَوْهُمُ النَّفِيرَ، وقامَ كُلٌّ بِمَصْلَحَةٍ هَذِهِ بِحِفْظِ بِلادِهِمْ، وقِتالِ أعْدائِهِمْ، وهَذِهِ لِتَعَلُّمِ العِلْمِ وإفادَتِها المُقِيمِينَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ كِلِا النَّفِيرَيْنِ هو في سَبِيلِ اللَّهِ، وإحْياءِ دِينِهِ: هَذا بِالعِلْمِ، وهَذا بِالقِتالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في …

At-Tawba 9:122Listen in Qur'an →
123

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا۟ فِيكُمْ غِلْظَةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

O you who have believed, fight those adjacent to you of the disbelievers and let them find in you harshness. And know that Allah is with the righteous.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾: لَمّا حَضَّ تَعالى عَلى التَّفَقُّهِ في الدِّينِ، وحَرَّضَ عَلى رِحْلَةِ طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِيهِ، أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ كافَّةً بِقِتالِ مَن يَلِيهِمْ مِنَ الكُفّارِ، فَجَمَعَ مِنَ الجِهادِ جِهادَ الحُجَّةِ وجِهادَ السَّيْفِ. وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ في ذَلِكَ:

؎مَن لا يُعَدِّلُهُ القُرْآنُ كانَ لَهُ مِنَ الصَّغارِ وبِيضِ الهِنْدِ تَعْدِيلُ

قِيلَ: نَزَلَتْ قَبْلَ الأمْرِ بِقَتْلِ الكُفّارِ كافَّةً، فَهي مِنَ التَّدْرِيجِ الَّذِي كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ. وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُبَّما تَجاوَزَ قَوْمًا مِنَ الكُفّارِ غازِيًا لِقَوْمٍ آخَرِينَ أبْعَدَ مِنهم، فَأمَرَ اللَّهُ بِغَزْوِ الأدْنى فالأدْنى إلى المَدِينَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُبِيِّنَةٌ صُورَةَ القِتالِ كافَّةً، فَهي مُتَرَتِّبَةٌ مَعَ الأمْرِ بِقِتالِ الكُفّارِ كافَّةً، ومَعْناها أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ فِيها المُؤْمِنِينَ أنْ يُقاتِلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهُمُ الجَيْشَ الَّذِي يُضايِقُهُ مِنَ الكَفَرَةِ، وهَذا هو القِتالُ لِكَلِمَةِ اللَّهِ ورَدُّ البَأْسِ إلى الإسْلامِ. وأمّا إذا مالَ العَدُوُّ إلى صُقْعٍ مِن أصْقاعِ المُسْلِمِينَ فَفَرْضٌ عَلى مَنِ اتَّصَلَ بِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ كِفايَةُ عَدُوِّ ذَلِكَ الصُّقْعِ وإنْ بَعُدَتِ الدّارُ ونَأتِ البِلادُ. وقالَ قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ: نَزَلَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى قِتالِ الرُّومِ بِالشّامِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَوْمَئِذٍ العَدُوَّ الَّذِي يَلِي ويَقْرُبُ، إذْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ عَمَّها الإسْلامُ، وكانَتِ العِراقُ بَعِيدَةً، ثُمَّ لَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ تَوَجَّهَ الفَرْضُ في قِتالِ الفُرْسِ والدَّيْلَمِ وغَيْرُهُما مِنَ الأُمَمِ، وسَألَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلٌ عَنْ قِتالِ الدَّيْلَمِ فَقالَ: عَلَيْكَ بِالرُّومِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ والحَسَنُ: هُمُ الرُّومُ والدَّيْلَمُ، يَعْنِي في زَمَنِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ وقْتَ نُزُولِها العَرَبُ، فَلَمّا فُرِغَ مِنهم نَزَلَتْ في الرُّومِ وغَيْرِهِمْ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى آخِرِها. وقِيلَ: هم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وفَدَكٌ وخَيْبَرُ. وقالَ قَوْمٌ: تَحَرَّجُوا أنْ يُقاتِلُوا أقْرِباءَهم وجِيرانَهم، فَأُمِرُوا بِقِتالِهِمْ. و﴿يَلُونَكُمْ﴾: ظاهَرَهُ القُرْبُ في المَكانِ. وقِيلَ: هو عامٌّ في القُرْبِ في المَكانِ والنَّسَبِ، والبُداءَةِ بِقِتالِ مَن يَلِي؛ لِأنَّهُ مُتَعَذِّرٌ قِتالُ كُلِّهِمُ دُفْعَةً واحِدَةً، وقَدْ أُمِرْنا بِقِتالِ كُلِّهِمْ، فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالقُرْبِ كَما في سائِرِ المُهِمّاتِ كالدَّعْوَةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ ولِأنَّ النَّفَقاتِ فِيهِ، والحاجَةَ إلى الدَّوابِّ والأدَواتِ أقَلُّ، ولِأنَّ قِتالَ الأبْعَدِ تَعْرِيضٌ لِتَدارُكِ المُسْلِمِينَ إلى الفِتْنَةِ؛ ولِأنَّ الدِّينَ يَكُونُ إنْ كانُوا ضُعَفاءَ كانَ الِاسْتِيلاءُ عَلَيْهِمْ أسْهَلَ، وحُصُولُ غَيْرِ الإسْلامِ أيْسَرَ. وإنْ كانُوا أقْوِياءَ كانَ تَعَرُّضُهم لِدارِ الإسْلامِ أشَدَّ؛ ولِأنَّ المَعْرِفَةَ بِمَن يَلِي آكَدُ مِنها بِمَن بَعُدَ لِلْوُقُوفِ عَلى كَيْفِيَّةِ أحْوالِهِمْ وعُدَدِهِمْ وعَدَدِهِمْ، فَتَرَجَّحَتِ البُداءَةُ بِقِتالِ مَن يَلِي عَلى قِتالِ مَن بَعُدَ. وأمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالغِلْظَةِ عَلى الكُفّارِ …

At-Tawba 9:123Listen in Qur'an →
124

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنًۭا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَٰنًۭا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ

And whenever a surah is revealed, there are among the hypocrites those who say, "Which of you has this increased faith?" As for those who believed, it has increased them in faith, while they are rejoicing.

﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ والثّانِيَةُ في المُنافِقِينَ، كانُوا إذا نَزَلَتْ سُورَةٌ فِيها عَيْبُ المُنافِقِينَ خَطَبَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَرَّضَ بِهِمْ في خُطْبَتِهِ، فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ يُرِيدُونَ الهَرَبَ، ويَقُولُونَ: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ إنْ قُمْتُمْ ؟ فَإنْ لَمْ يَرَهم أحَدٌ خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ. ولَمّا اسْتَطْرَدَ مِن سَفَرِ الغَزْوِ وتَأْنِيبِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الرَّسُولِ إلى سَفَرِ التَّفَقُّهِ في الدِّينِ، ثُمَّ أمَرَ بِقِتالِ مَن يَلِي مِنَ الكُفّارِ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ - عادَ إلى ذِكْرِ مَخازِي المُنافِقِينَ إذْ هُمُ الَّذِينَ نَزَلَ مُعْظَمُ السُّورَةِ فِيهِمْ. وكانَ في الآيَةِ قَبْلَها إشارَةٌ إلى الغِلْظَةِ عَلى الكُفّارِ وهم مِنهم. وقَوْلُهم: ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابُ بَعْضِ المُنافِقِينَ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لِقَراباتِهِمُ المُؤْمِنِينَ يَسْتَقِيمُونَ إلَيْهِمْ ويَطْمَعُونَ في رَدِّهِمْ إلى النِّفاقِ. ومَعْنى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ هو عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيرِ لِلسُّورَةِ والِاسْتِخْفافِ بِها، كَما تَقُولُ: أيُّ غَرِيبٍ في هَذا ؟ ! وأيُّ دَلِيلٍ في هَذا ؟ ! وفي الغُنْيانِ قِيلَ: هو قَوْلُ المُؤْمِنِينَ لِلْبَحْثِ والتَّنْبِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أيُّكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ”أيَّكم“ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، والنَّصْبُ فِيهِ عِنْدَ الأخْفَشِ أفْصَحُ كَـ ”هو“ بَعْدَ أداةِ الِاسْتِفْهامِ، نَحْوُ: أزَيْدًا ضَرَبْتَهُ. والتَّقْسِيمُ يَقْتَضِي أنَّ الخِطابَ مِن أُولَئِكَ المُنافِقِينَ المُسْتَهْزِئِينَ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ والمُؤْمِنِينَ، وزِيادَةُ الإيمانِ عِبارَةٌ عَنْ حُدُوثِ تَصْدِيقٍ خاصٍّ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ نُزُولِ السُّورَةِ مِن قَصَصٍ وتَجْدِيدِ حُكْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ عِبارَةٌ عَنْ تَنْبِيهٍ عَلى دَلِيلٍ تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ ويَكُونُ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِأدِلَّةٍ، فَنَبَّهَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى دَلِيلٍ زادَ في أدِلَّتِهِ، أوْ عِبارَةٌ عَنْ إزالَةِ شَكٍّ يَسِيرٍ، أوْ شُبْهَةٍ عارِضَةٍ غَيْرِ مُسْتَحْكِمَةٍ، فَيَزُولُ ذَلِكَ الشَّكُّ وتَرْتَفِعُ الشُّبْهَةُ بِتِلْكَ السُّورَةِ. وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يُسَمِّي الطّاعَةَ إيمانًا، وذَلِكَ مَجازٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَتَتَرَتَّبُ الزِّيادَةُ بِالسُّورَةِ إذْ يَتَضَمَّنُ أحْكامًا. وقالَ الرَّبِيعُ: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ أيْ: خَشْيَةً، أطْلَقَ اسْمَ الشَّيْءِ عَلى بَعْضِ ثَمَراتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَزادَتْهم إيمانًا لِأنَّها أزْيَدُ لِلْمُتَّقِينَ عَلى الثَّباتِ، وأثْلَجُ لِلصُّدُورِ. أوْ فَزادَتْهم عَمَلًا، فَإنَّ زِيادَةَ العَمَلِ زِيادَةٌ في الإيمانِ؛ لِأنَّ الإيمانَ يَقَعُ عَلى الِاعْتِقادِ والعَمَلِ. انْتَهى. وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.

﴿وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ورِضْوانِهِ. وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ المُنافِقُونَ، والصِّحَّةُ والمَرَضُ في الأجْسامِ، فَنُقِلَ إلى الِاعْتِقادِ مَجازًا، والرِّجْسُ القَذَرُ، والرِّجْسُ العَذابُ، وزِيادَتُهُ عِبارَةٌ عَنْ تَعَمُّقِهِمْ في الكُفْرِ وخَبْطِهِمْ في الضَّلالِ. وإذا كَفَرُوا بِسُورَةٍ؛ فَقَدْ زادَ …

At-Tawba 9:124Listen in Qur'an →
125

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

But as for those in whose hearts is disease, it has [only] increased them in evil [in addition] to their evil. And they will have died while they are disbelievers.

﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ والثّانِيَةُ في المُنافِقِينَ، كانُوا إذا نَزَلَتْ سُورَةٌ فِيها عَيْبُ المُنافِقِينَ خَطَبَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَرَّضَ بِهِمْ في خُطْبَتِهِ، فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ يُرِيدُونَ الهَرَبَ، ويَقُولُونَ: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ إنْ قُمْتُمْ ؟ فَإنْ لَمْ يَرَهم أحَدٌ خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ. ولَمّا اسْتَطْرَدَ مِن سَفَرِ الغَزْوِ وتَأْنِيبِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الرَّسُولِ إلى سَفَرِ التَّفَقُّهِ في الدِّينِ، ثُمَّ أمَرَ بِقِتالِ مَن يَلِي مِنَ الكُفّارِ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ - عادَ إلى ذِكْرِ مَخازِي المُنافِقِينَ إذْ هُمُ الَّذِينَ نَزَلَ مُعْظَمُ السُّورَةِ فِيهِمْ. وكانَ في الآيَةِ قَبْلَها إشارَةٌ إلى الغِلْظَةِ عَلى الكُفّارِ وهم مِنهم. وقَوْلُهم: ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابُ بَعْضِ المُنافِقِينَ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لِقَراباتِهِمُ المُؤْمِنِينَ يَسْتَقِيمُونَ إلَيْهِمْ ويَطْمَعُونَ في رَدِّهِمْ إلى النِّفاقِ. ومَعْنى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ هو عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيرِ لِلسُّورَةِ والِاسْتِخْفافِ بِها، كَما تَقُولُ: أيُّ غَرِيبٍ في هَذا ؟ ! وأيُّ دَلِيلٍ في هَذا ؟ ! وفي الغُنْيانِ قِيلَ: هو قَوْلُ المُؤْمِنِينَ لِلْبَحْثِ والتَّنْبِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أيُّكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ”أيَّكم“ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، والنَّصْبُ فِيهِ عِنْدَ الأخْفَشِ أفْصَحُ كَـ ”هو“ بَعْدَ أداةِ الِاسْتِفْهامِ، نَحْوُ: أزَيْدًا ضَرَبْتَهُ. والتَّقْسِيمُ يَقْتَضِي أنَّ الخِطابَ مِن أُولَئِكَ المُنافِقِينَ المُسْتَهْزِئِينَ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ والمُؤْمِنِينَ، وزِيادَةُ الإيمانِ عِبارَةٌ عَنْ حُدُوثِ تَصْدِيقٍ خاصٍّ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ نُزُولِ السُّورَةِ مِن قَصَصٍ وتَجْدِيدِ حُكْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ عِبارَةٌ عَنْ تَنْبِيهٍ عَلى دَلِيلٍ تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ ويَكُونُ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِأدِلَّةٍ، فَنَبَّهَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى دَلِيلٍ زادَ في أدِلَّتِهِ، أوْ عِبارَةٌ عَنْ إزالَةِ شَكٍّ يَسِيرٍ، أوْ شُبْهَةٍ عارِضَةٍ غَيْرِ مُسْتَحْكِمَةٍ، فَيَزُولُ ذَلِكَ الشَّكُّ وتَرْتَفِعُ الشُّبْهَةُ بِتِلْكَ السُّورَةِ. وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يُسَمِّي الطّاعَةَ إيمانًا، وذَلِكَ مَجازٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَتَتَرَتَّبُ الزِّيادَةُ بِالسُّورَةِ إذْ يَتَضَمَّنُ أحْكامًا. وقالَ الرَّبِيعُ: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ أيْ: خَشْيَةً، أطْلَقَ اسْمَ الشَّيْءِ عَلى بَعْضِ ثَمَراتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَزادَتْهم إيمانًا لِأنَّها أزْيَدُ لِلْمُتَّقِينَ عَلى الثَّباتِ، وأثْلَجُ لِلصُّدُورِ. أوْ فَزادَتْهم عَمَلًا، فَإنَّ زِيادَةَ العَمَلِ زِيادَةٌ في الإيمانِ؛ لِأنَّ الإيمانَ يَقَعُ عَلى الِاعْتِقادِ والعَمَلِ. انْتَهى. وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.

﴿وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ورِضْوانِهِ. وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ المُنافِقُونَ، والصِّحَّةُ والمَرَضُ في الأجْسامِ، فَنُقِلَ إلى الِاعْتِقادِ مَجازًا، والرِّجْسُ القَذَرُ، والرِّجْسُ العَذابُ، وزِيادَتُهُ عِبارَةٌ عَنْ تَعَمُّقِهِمْ في الكُفْرِ وخَبْطِهِمْ في الضَّلالِ. وإذا كَفَرُوا بِسُورَةٍ؛ فَقَدْ زادَ …

At-Tawba 9:125Listen in Qur'an →
126

أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍۢ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ

Do they not see that they are tried every year once or twice but then they do not repent nor do they remember?

﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ والثّانِيَةُ في المُنافِقِينَ، كانُوا إذا نَزَلَتْ سُورَةٌ فِيها عَيْبُ المُنافِقِينَ خَطَبَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَرَّضَ بِهِمْ في خُطْبَتِهِ، فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ يُرِيدُونَ الهَرَبَ، ويَقُولُونَ: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ إنْ قُمْتُمْ ؟ فَإنْ لَمْ يَرَهم أحَدٌ خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ. ولَمّا اسْتَطْرَدَ مِن سَفَرِ الغَزْوِ وتَأْنِيبِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الرَّسُولِ إلى سَفَرِ التَّفَقُّهِ في الدِّينِ، ثُمَّ أمَرَ بِقِتالِ مَن يَلِي مِنَ الكُفّارِ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ - عادَ إلى ذِكْرِ مَخازِي المُنافِقِينَ إذْ هُمُ الَّذِينَ نَزَلَ مُعْظَمُ السُّورَةِ فِيهِمْ. وكانَ في الآيَةِ قَبْلَها إشارَةٌ إلى الغِلْظَةِ عَلى الكُفّارِ وهم مِنهم. وقَوْلُهم: ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابُ بَعْضِ المُنافِقِينَ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لِقَراباتِهِمُ المُؤْمِنِينَ يَسْتَقِيمُونَ إلَيْهِمْ ويَطْمَعُونَ في رَدِّهِمْ إلى النِّفاقِ. ومَعْنى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ هو عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيرِ لِلسُّورَةِ والِاسْتِخْفافِ بِها، كَما تَقُولُ: أيُّ غَرِيبٍ في هَذا ؟ ! وأيُّ دَلِيلٍ في هَذا ؟ ! وفي الغُنْيانِ قِيلَ: هو قَوْلُ المُؤْمِنِينَ لِلْبَحْثِ والتَّنْبِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أيُّكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ”أيَّكم“ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، والنَّصْبُ فِيهِ عِنْدَ الأخْفَشِ أفْصَحُ كَـ ”هو“ بَعْدَ أداةِ الِاسْتِفْهامِ، نَحْوُ: أزَيْدًا ضَرَبْتَهُ. والتَّقْسِيمُ يَقْتَضِي أنَّ الخِطابَ مِن أُولَئِكَ المُنافِقِينَ المُسْتَهْزِئِينَ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ والمُؤْمِنِينَ، وزِيادَةُ الإيمانِ عِبارَةٌ عَنْ حُدُوثِ تَصْدِيقٍ خاصٍّ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ نُزُولِ السُّورَةِ مِن قَصَصٍ وتَجْدِيدِ حُكْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ عِبارَةٌ عَنْ تَنْبِيهٍ عَلى دَلِيلٍ تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ ويَكُونُ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِأدِلَّةٍ، فَنَبَّهَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى دَلِيلٍ زادَ في أدِلَّتِهِ، أوْ عِبارَةٌ عَنْ إزالَةِ شَكٍّ يَسِيرٍ، أوْ شُبْهَةٍ عارِضَةٍ غَيْرِ مُسْتَحْكِمَةٍ، فَيَزُولُ ذَلِكَ الشَّكُّ وتَرْتَفِعُ الشُّبْهَةُ بِتِلْكَ السُّورَةِ. وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يُسَمِّي الطّاعَةَ إيمانًا، وذَلِكَ مَجازٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَتَتَرَتَّبُ الزِّيادَةُ بِالسُّورَةِ إذْ يَتَضَمَّنُ أحْكامًا. وقالَ الرَّبِيعُ: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ أيْ: خَشْيَةً، أطْلَقَ اسْمَ الشَّيْءِ عَلى بَعْضِ ثَمَراتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَزادَتْهم إيمانًا لِأنَّها أزْيَدُ لِلْمُتَّقِينَ عَلى الثَّباتِ، وأثْلَجُ لِلصُّدُورِ. أوْ فَزادَتْهم عَمَلًا، فَإنَّ زِيادَةَ العَمَلِ زِيادَةٌ في الإيمانِ؛ لِأنَّ الإيمانَ يَقَعُ عَلى الِاعْتِقادِ والعَمَلِ. انْتَهى. وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.

﴿وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ورِضْوانِهِ. وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ المُنافِقُونَ، والصِّحَّةُ والمَرَضُ في الأجْسامِ، فَنُقِلَ إلى الِاعْتِقادِ مَجازًا، والرِّجْسُ القَذَرُ، والرِّجْسُ العَذابُ، وزِيادَتُهُ عِبارَةٌ عَنْ تَعَمُّقِهِمْ في الكُفْرِ وخَبْطِهِمْ في الضَّلالِ. وإذا كَفَرُوا بِسُورَةٍ؛ فَقَدْ زادَ …

At-Tawba 9:126Listen in Qur'an →
127

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍۢ ثُمَّ ٱنصَرَفُوا۟ ۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ

And whenever a surah is revealed, they look at each other, [saying], "Does anyone see you?" and then they dismiss themselves. Allah has dismissed their hearts because they are a people who do not understand.

﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ والثّانِيَةُ في المُنافِقِينَ، كانُوا إذا نَزَلَتْ سُورَةٌ فِيها عَيْبُ المُنافِقِينَ خَطَبَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَرَّضَ بِهِمْ في خُطْبَتِهِ، فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ يُرِيدُونَ الهَرَبَ، ويَقُولُونَ: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ إنْ قُمْتُمْ ؟ فَإنْ لَمْ يَرَهم أحَدٌ خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ. ولَمّا اسْتَطْرَدَ مِن سَفَرِ الغَزْوِ وتَأْنِيبِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الرَّسُولِ إلى سَفَرِ التَّفَقُّهِ في الدِّينِ، ثُمَّ أمَرَ بِقِتالِ مَن يَلِي مِنَ الكُفّارِ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ - عادَ إلى ذِكْرِ مَخازِي المُنافِقِينَ إذْ هُمُ الَّذِينَ نَزَلَ مُعْظَمُ السُّورَةِ فِيهِمْ. وكانَ في الآيَةِ قَبْلَها إشارَةٌ إلى الغِلْظَةِ عَلى الكُفّارِ وهم مِنهم. وقَوْلُهم: ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابُ بَعْضِ المُنافِقِينَ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لِقَراباتِهِمُ المُؤْمِنِينَ يَسْتَقِيمُونَ إلَيْهِمْ ويَطْمَعُونَ في رَدِّهِمْ إلى النِّفاقِ. ومَعْنى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ هو عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيرِ لِلسُّورَةِ والِاسْتِخْفافِ بِها، كَما تَقُولُ: أيُّ غَرِيبٍ في هَذا ؟ ! وأيُّ دَلِيلٍ في هَذا ؟ ! وفي الغُنْيانِ قِيلَ: هو قَوْلُ المُؤْمِنِينَ لِلْبَحْثِ والتَّنْبِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أيُّكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ”أيَّكم“ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، والنَّصْبُ فِيهِ عِنْدَ الأخْفَشِ أفْصَحُ كَـ ”هو“ بَعْدَ أداةِ الِاسْتِفْهامِ، نَحْوُ: أزَيْدًا ضَرَبْتَهُ. والتَّقْسِيمُ يَقْتَضِي أنَّ الخِطابَ مِن أُولَئِكَ المُنافِقِينَ المُسْتَهْزِئِينَ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ والمُؤْمِنِينَ، وزِيادَةُ الإيمانِ عِبارَةٌ عَنْ حُدُوثِ تَصْدِيقٍ خاصٍّ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ نُزُولِ السُّورَةِ مِن قَصَصٍ وتَجْدِيدِ حُكْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ عِبارَةٌ عَنْ تَنْبِيهٍ عَلى دَلِيلٍ تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ ويَكُونُ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِأدِلَّةٍ، فَنَبَّهَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى دَلِيلٍ زادَ في أدِلَّتِهِ، أوْ عِبارَةٌ عَنْ إزالَةِ شَكٍّ يَسِيرٍ، أوْ شُبْهَةٍ عارِضَةٍ غَيْرِ مُسْتَحْكِمَةٍ، فَيَزُولُ ذَلِكَ الشَّكُّ وتَرْتَفِعُ الشُّبْهَةُ بِتِلْكَ السُّورَةِ. وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يُسَمِّي الطّاعَةَ إيمانًا، وذَلِكَ مَجازٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَتَتَرَتَّبُ الزِّيادَةُ بِالسُّورَةِ إذْ يَتَضَمَّنُ أحْكامًا. وقالَ الرَّبِيعُ: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ أيْ: خَشْيَةً، أطْلَقَ اسْمَ الشَّيْءِ عَلى بَعْضِ ثَمَراتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَزادَتْهم إيمانًا لِأنَّها أزْيَدُ لِلْمُتَّقِينَ عَلى الثَّباتِ، وأثْلَجُ لِلصُّدُورِ. أوْ فَزادَتْهم عَمَلًا، فَإنَّ زِيادَةَ العَمَلِ زِيادَةٌ في الإيمانِ؛ لِأنَّ الإيمانَ يَقَعُ عَلى الِاعْتِقادِ والعَمَلِ. انْتَهى. وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.

﴿وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ورِضْوانِهِ. وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ المُنافِقُونَ، والصِّحَّةُ والمَرَضُ في الأجْسامِ، فَنُقِلَ إلى الِاعْتِقادِ مَجازًا، والرِّجْسُ القَذَرُ، والرِّجْسُ العَذابُ، وزِيادَتُهُ عِبارَةٌ عَنْ تَعَمُّقِهِمْ في الكُفْرِ وخَبْطِهِمْ في الضَّلالِ. وإذا كَفَرُوا بِسُورَةٍ؛ فَقَدْ زادَ …

At-Tawba 9:127Listen in Qur'an →
128

لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

There has certainly come to you a Messenger from among yourselves. Grievous to him is what you suffer; [he is] concerned over you and to the believers is kind and merciful.

﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: لَمّا بَدَأ السُّورَةَ بِبَراءَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَصَّ فِيها أحْوالَ المُنافِقِينَ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ خاطَبَ العَرَبَ عَلى سَبِيلِ تَعْدادِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ والمَنِّ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِ جاءَهم رَسُولٌ مِن جِنْسِهِمْ، أوْ مِن نَسَبِهِمْ عَرَبِيًّا قُرَشِيًّا، يُبَلِّغُهم عَنِ اللَّهِ، مُتَّصِفٌ بِالأوْصافِ الجَمِيلَةِ مِن كَوْنِهِ يَعِزُّ عَلَيْهِ مَشَقَّتُهم في سُوءِ العاقِبَةِ مِنَ الوُقُوعِ في العَذابِ، ويَحْرِصُ عَلى هُداهم، ويَرْأفُ بِهِمْ، ويَرْحَمُهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما مِن قَبِيلَةٍ مِنَ العَرَبِ إلّا ولَدَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا مَعْشَرَ العَرَبِ، لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن بَنِي إسْماعِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِمَن بِحَضْرَتِهِ مِن أهْلِ المِلَلِ والنِّحَلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِبَنِي آدَمَ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن غَيْرِ جِنْسِ بَنِي آدَمَ، لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّنافُرِ بَيْنَ الأجْناسِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] ولَمّا كانَ المُخاطَبُونَ عامًّا، إمّا عامَّةَ العَرَبِ، وإمّا عامَّةَ بَنِي آدَمَ - جاءَ الخِطابُ عامًّا بِقَوْلِهِ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: عَلى هِدايَتِكم حَتّى لا يَخْرُجَ أحَدٌ عَنِ اتِّباعِهِ فَيَهْلَكَ. ولَمّا كانَتِ الرَّأْفَةُ والرَّحْمَةُ خاصَّةً؛ جاءَ مُتَعَلَّقُها خاصًّا، وهو قَوْلُهُ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] وقالَ: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وقالَ في زُناةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور: ٢] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يَقْتَضِي مَدْحًا لِنَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ وأنَّهُ مِن صَمِيمِ العَرَبِ وأشْرَفِها، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واصْطَفى بَنِي هاشِمٍ مِن قُرَيْشٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ» ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «: ”إنِّي مِن نِكاحٍ ولَسْتُ مِن سِفاحٍ“» مَعْناهُ أنَّ نَسَبَهُ ﷺ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنِ النَّسْلُ فِيهِ إلّا مِن نِكاحٍ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ زِنًا. انْتَهى. وصَفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسِتَّةِ أوْصافٍ: الرِّسالَةُ؛ وهي صِفَةُ كَمالِ الإنْسانِ؛ لِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِن كَمالِ ذاتِ الرَّسُولِ وطَهارَةِ نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ، وكَوْنِهِ مِنَ الخِيارِ بِحَيْثُ أُهِّلَ أنْ يَكُونَ واسِطَةً بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ أشْرَفَ بُدِئَ بِذِكْرِها. وكَوْنُهُ مِن أنْفُسِهِمْ وهي صِفَةٌ مُؤَثِّرَةٌ في التَّبْلِيغِ والفَهْمِ عَنْهُ والتَّآنُسِ بِهِ، فَإنْ كانَ خِطابًا لِلْعَرَبِ فَفي هَذِهِ الصِّفَةِ التَّنْبِيهُ عَلى شَرَفِهِمْ والتَّحْرِيضُ عَلى اتِّباعِهِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِبَنِي آدَمَ فَفِيهِ التَّنْوِيهُ بِهِمْ واللُّطْفُ في إيصالِ الخَبَرِ إلَيْهِمْ، وأنَّهُ مَعْرُوفٌ بَيْنَهم بِالصِّدْقِ والأمانَةِ والعَفافِ والصِّيانَةِ. وكَوْنُهُ يَعِزُّ عَلَيْهِ ما يَشُقُّ عَلَيْكم، فَهَذا الوَصْفُ مِن نَتائِجِ الرِّسالَةِ. ومِن كَوْنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ مَن كانَ مِنكَ ودَّ لَكَ الخَيْرَ وصَعُبَ عَلَيْهِ إيصالُ ما …

At-Tawba 9:128Listen in Qur'an →
129

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ

But if they turn away, [O Muhammad], say, "Sufficient for me is Allah; there is no deity except Him. On Him I have relied, and He is the Lord of the Great Throne."

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾: أيْ فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ بَعْدَ هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِها مِن إرْسالِكَ إلَيْهِمْ واتِّصافِكَ بِهَذِهِ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ.

﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أيْ: كافِيَّ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أيْ: فَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ، وقَدْ كَفاهُ اللَّهُ شَرَّهم ونَصَرَهُ عَلَيْهِمْ، إذْ لا إلَهَ غَيْرُهُ. وهي آيَةٌ مُبارَكَةٌ لِأنَّها مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وخَصَّ العَرْشَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرْشُ لا يَقْدُرُ أحَدٌ قَدْرَهُ. انْتَهى. وذُكِرَ في مَعْرِضِ شَرْحِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ، وكانَ الكُفّارُ يَسْمَعُونَ حَدِيثَ وُجُودِ العَرْشِ وعَظَمَتِهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ولا يَبْعُدُ أنَّهم كانُوا سَمِعُوا ذَلِكَ مِن أسْلافِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (العَظِيمُ) بِرَفْعِ المِيمِ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: وهَذِهِ القِراءَةُ أعْجَبُ إلَيَّ، لِأنَّ جَعْلَ (العَظِيمُ) صِفَةً لِلَّهِ تَعالى أوْلى مِن جَعْلِهِ صِفَةً لِلْعَرْشِ. وعِظَمُ العَرْشِ بِكِبَرِ جُثَّتِهِ واتِّساعِ جَوانِبِهِ عَلى ما ذُكِرَ في الأخْبارِ، وعِظَمُ الرَّبِّ بِتَقْدِيسِهِ عَنِ الحَجْمِيَّةِ والأجْزاءِ والأبْعاضِ، وبِكَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، وتَنْزِيهِهِ عَنْ أنْ يَتَمَثَّلَ في الأوْهامِ، أوْ تَصِلَ إلَيْهِ الأفْهامُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: آخِرُ ما نَزَلْ ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخِرِها. وعَنْ أُبَيٍّ: أقْرَبُ القُرْآنِ عَهْدًا بِاللَّهِ ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] الآيَتانِ، وهاتانِ الآيَتانِ لَمْ تُوجَدا حِينَ جُمِعَ المُصْحَفِ إلّا في حِفْظِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ ذِي الشَّهادَتَيْنِ، فَلَمّا جاءَ بِها تَذَكَّرَها كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وقَدْ كانَ زَيْدٌ يَعْرِفُها، ولِذَلِكَ قالَ: فَقَدْتُ آيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ، ولَوْ لَمْ يَعْرِفْها لَمْ نَدْرِ هَلْ فَقَدَ شَيْئًا أوْ لا، فَإنَّما ثَبَتَتِ الآيَةُ بِالإجْماعِ لا بِخُزَيْمَةَ وحْدَهُ. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ما فُرِغَ مِن تَنَزُّلِ ”بَراءَةٌ“ حَتّى ظَنَنّا أنْ لَنْ يَبْقى مِنّا أحَدٌ إلّا سَيَنْزِلُ فِيهِ شَيْءٌ. وفي كِتابِ أبِي داوُدَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: مَن قالَ إذا أصْبَحَ وإذا أمْسى حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ؛ سَبْعَ مَرّاتٍ؛ كَفاهُ اللَّهُ تَعالى ما أهَمَّهُ.

At-Tawba 9:129Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.