وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةًۭ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةًۭ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ
Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allah may reward them for the best of what they were doing.
﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ نَزَلَتْ فِيمَن تَخَلَّفَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وفِيمَن تَخَلَّفَ مِمَّنْ حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ مِن مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأشْجَعَ وأسْلَمَ وغِفارٍ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوى اللَّهِ، وأمَرَ بِكَيْنُونَتِهِمْ مَعَ الصّادِقِينَ، وأفْضَلُ الصّادِقِينَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، اقْتَضى ذَلِكَ مُوافَقَةَ الرَّسُولِ وصُحْبَتَهُ أنّى تَوَجَّهَ مِنَ الغَزَواتِ والمَشاهِدِ، فَعُوتِبَ العِتابَ الشَّدِيدَ مَن تَخَلَّفَ عَنِ الرَّسُولِ في غَزْوَةٍ، واقْتَضى ذَلِكَ الأمْرُ لِصُحْبَتِهِ وبَذْلِ النُّفُوسِ دُونَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأنْ يَصْحَبُوهُ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ، وأُمِرُوا أنْ يُكابِدُوا مَعَهُ الأهْوالَ بِرَغْبَةٍ ونَشاطٍ واغْتِباطٍ، وأنْ يُلْقُوا أنْفُسَهم في الشَّدائِدِ ما يَلْقاهُ نَفْسُهُ ﷺ، عِلْمًا بِأنَّها أعَزُّ نَفْسٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأكْرَمُها عَلَيْهِ، فَإذا تَعَرَّضَتْ مَعَ كَرامَتِها وعِزَّتِها لِلْخَوْضِ في شِدَّةٍ وهَوْنٍ وجَبَ عَلى سائِرِ الأنْفُسِ أنْ تَتَهافَتَ فِيما تَعَرَّضَتْ لَهُ، ولا يَكْتَرِثُ لَها أصْحابُها، ولا يُقِيمُوا لَها وزْنًا، وتَكُونُ أخَفَّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ وأهْوَنَهُ، فَضْلًا أنْ يَرْبَئُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ مُتابَعَتِها ومُصاحَبَتِها، ويَضِنُّوا بِها عَلى ما سَمَحَ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ، وهَذا نَهْيٌ بَلِيغٌ مَعَ تَقْبِيحٍ لِأمْرِهِمْ وتَوْبِيخٍ لَهم عَلَيْهِ، وتَهْيِيجٍ لِمُتابَعَتِهِ بِأنَفَةٍ وحَمِيَّةٍ. قالَ الكَرْمانِيُّ: هَذا نَفْيٌ مَعْناهُ النَّهْيُ، وخُصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ وكُلُّ النّاسِ في ذَلِكَ سَواءٌ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ خُرُوجُهُ. قالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الإلْزامُ خاصًّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وجَوابُ النَّفْرِ إلى الغَزْوِ إذا خَرَجَ هو بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَبْقَ هَذا الحُكْمُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الخُلَفاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ هَذا الأمْرُ والإلْزامُ في قِلَّةِ الإسْلامِ واحْتِياجٍ إلى اتِّصالِ الأيْدِي، ثُمَّ نُسِخَ عِنْدَ قُوَّةِ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] قالَ: وهَذا كُلُّهُ في الِانْبِعاثِ إلى غَزْوِ العَدُوِّ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، وأمّا إذا ألَمَّ العَدُوُّ بِجِهَةٍ فَيَتَعَيَّنُ عَلى كُلِّ أحَدٍ القِيامُ بِذَبِّهِ ومُكافَحَتِهِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَضَمَّنَهُ انْتِفاءُ التَّخَلُّفِ مِن وُجُوبِ الخُرُوجِ مَعَهُ وبَذْلِ النَّفْسِ دُونَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ الوُجُوبُ لِلْخُرُوجِ وبَذْلِ النَّفْسِ هو بِسَبَبِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الجَسِيمِ عَلى المَشاقِّ الَّتِي تَنالُهم، وما يَتَسَنّى عَلى أيْدِيهِمْ مِن إيذاءِ أعْداءِ الإسْلامِ. والظَّمَأُ: العَطَشُ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: (ظِماءٌ) بِالمَدِّ، مِثْلُ: سَفِهَ سِفاهًا، ولَمّا كانَ العَطَشُ أشَقَّ الأشْياءِ المُؤْذِيَةِ لِلْمُسافِرِ بِكَثْرَةِ الحَرَكَةِ وإزْعاجِ النَّفْسِ وخُصُوصًا …