Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 121–129 of 129

121

وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةًۭ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةًۭ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allah may reward them for the best of what they were doing.

في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ﴾ إلَخْ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِوُجُوبِ الغَزْوِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَحْرِيمِ التَّخَلُّفِ عَنْهُ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ﴿ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ﴾ كَمُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأشْجَعَ وأسْلَمَ وغِفارٍ ﴿أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وإنَّما خَصَّهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهم قَدِ اسْتُنْفِرُوا فَلَمْ يَنْفِرُوا، بِخِلافِ غَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم لَمْ يُسْتَنْفَرُوا مَعَ كَوْنِ هَؤُلاءِ لِقُرْبِهِمْ وجِوارِهِمْ أحَقُّ بِالنُّصْرَةِ والمُتابَعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ وما كانَ لَهم أنْ يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ فَيَشِحُّونَ بِها ويَصُونُونَها، ولا يَشِحُّونَ بِنَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ويَصُونُونَها كَما شَحُّوا بِأنْفُسِهِمْ وصانُوها، يُقالُ: رَغِبْتُ عَنْ كَذا: أيْ تَرَفَّعْتُ عَنْهُ، بَلْ واجِبٌ عَلَيْهِمْ أنْ يُكابِدُوا مَعَهُ المَشاقَّ، ويُجاهِدُوا بَيْنَ يَدَيْهِ أهْلَ الشِّقاقِ، ويَبْذُلُوا أنْفُسَهم دُونَ نَفْسِهِ، وفي هَذا الإخْبارِ مَعْنى الأمْرِ لَهم مَعَ ما يُفِيدُهُ إيرادُهُ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنَ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّقْرِيعِ الشَّدِيدِ، والتَّهْيِيجِ لَهم، والإزْراءِ عَلَيْهِمْ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ( ذَلِكَ ) إلى ما يُفِيدُهُ السِّياقُ مِن وُجُوبِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: ذَلِكَ الوُجُوبُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم مُثابُونَ عَلى أنْواعِ المَتاعِبِ وأصْنافِ الشَّدائِدِ.

والظَّمَأُ: العَطَشُ، والنَّصَبُ: التَّعَبُ، والمَخْمَصَةُ: المَجاعَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي يَظْهَرُ عِنْدَها ضُمُورُ البَطْنِ.

وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " ظَماءٌ " بِالمَدِّ.

وقَرَأ غَيْرُهُ بِالقَصْرِ، وهُما لُغَتانِ مِثْلُ خَطَأٍ وخَطاءٍ.

و" لا " في هَذِهِ المَواضِعِ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.

ومَعْنى في سَبِيلِ اللَّهِ في طاعَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيْ لا يَدُوسُونَ مَكانًا مِن أمْكِنَةِ الكُفّارِ بِأقْدامِهِمْ أوْ بِحَوافِرِ خُيُولِهِمْ أوْ بِأخْفافِ رَواحِلِهِمْ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الغَيْظُ لِلْكُفّارِ.

والمَوْطِئُ: اسْمُ مَكانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ أيْ يُصِيبُونَ مَن عَدُوِّهِمْ قَتْلًا أوْ أسْرًا أوْ هَزِيمَةً أوْ غَنِيمَةً، وأصْلُهُ مِن: نِلْتُ الشَّيْءَ أنالُ: أيْ أُصِيبُ.

قالَ الكِسائِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمْ أمْرٌ مَنِيلٌ مِنهُ، ولَيْسَ هو مِنَ التَّناوُلِ، إنَّما التَّناوُلُ مِن نُلْتُهُ بِالعَطِيَّةِ.

قالَ غَيْرُهُ: نُلْتُ أنُولُ مِنَ العَطِيَّةِ، ونِلْتُهُ أنالُهُ: أدْرَكْتُهُ.

والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: الحَسَنَةُ المَقْبُولَةُ: أيْ إلّا كَتَبَهُ اللَّهُ لَهم حَسَنَةً مَقْبُولَةً يُجازِيهِمْ بِها، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما سَبَقَ مَعَ كَوْنِهِ يَشْمَلُ كُلَّ مُحْسِنٍ ويَصْدُقُ عَلى المَذْكُورِينَ هُنا صِدْقًا أوَّلِيًّا.

قَوْلُهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ ولا يَقَعُ مِنهُمُ الإنْفاقُ في الحَرْبِ وإنْ كانَ شَيْئًا صَغِيرًا يَسِيرًا ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ وهو في الأصْلِ كُلُّ مُنْفَرَجٍ بَيْنَ جِبالٍ وآكامٍ يَكُونُ مَنفَذًا …

At-Tawba 9:121Listen in Qur'an →
122

۞ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةًۭ ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌۭ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

And it is not for the believers to go forth [to battle] all at once. For there should separate from every division of them a group [remaining] to obtain understanding in the religion and warn their people when they return to them that they might be cautious.

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ فَذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ مِن بَقِيَّةِ أحْكامِ الجِهادِ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في الأمْرِ بِالجِهادِ والِانْتِدابِ إلى الغَزْوِ كانَ المُسْلِمُونَ إذا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَرِيَّةً مِنَ الكُفّارِ يَنْفِرُونَ جَمِيعًا ويَتْرُكُونَ المَدِينَةَ خالِيَةً، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ ما كانَ لَهم ذَلِكَ أيْ: ما صَحَّ لَهم ولا اسْتَقامَ أنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا، بَلْ يَنْفِرُ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ مِن تِلْكَ الفِرْقَةِ ويَبْقى مَن عَدا هَذِهِ الطّائِفَةِ النّافِرَةِ.

قالُوا: ويَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: لِيَتَفَقَّهُوا عائِدًا إلى الفِرْقَةِ الباقِيَةِ.

والمَعْنى: أنَّ الطّائِفَةَ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ تَخْرُجُ إلى الغَزْوِ، ومَن بَقِيَ مِنَ الفِرْقَةِ يَقِفُونَ لِطَلَبِ العِلْمِ، ويُعَلِّمُونَ الغُزاةَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ مِنَ الغَزْوِ، أوْ يَذْهَبُونَ في طَلَبِهِ إلى المَكانِ الَّذِي يَجِدُونَ فِيهِ مَن يَتَعَلَّمُونَ مِنهُ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ الفِقْهَ في الدِّينِ ويُنْذِرُوا قَوْمَهم وقْتَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهِمْ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ مِن بَقِيَّةِ أحْكامِ الجِهادِ، وهي حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ في مَشْرُوعِيَّةِ الخُرُوجِ لِطَلَبِ العِلْمِ والتَّفَقُّهِ في الدِّينِ، جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُتَّصِلًا بِما دَلَّ عَلى إيجابِ الخُرُوجِ إلى الجِهادِ، فَيَكُونُ السَّفَرُ نَوْعَيْنِ: الأوَّلُ: سَفَرُ الجِهادِ، والثّانِي: السَّفَرُ لِطَلَبِ العِلْمِ، ولا شَكَّ أنَّ وُجُوبَ الخُرُوجِ لِطَلَبِ العِلْمِ إنَّما يَكُونُ إذا لَمْ يَجِدِ الطّالِبُ مَن يَتَعَلَّمُ مِنهُ في الحَضَرِ مِن غَيْرِ سَفَرٍ.

والفِقْهُ: هو العِلْمُ بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وبِما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى العِلْمِ بِها مِن لُغَةٍ ونَحْوٍ وصَرْفٍ وبَيانٍ وأُصُولٍ.

ومَعْنى ( فَلَوْلا نَفَرَ ) فَهَلّا نَفَرَ، والطّائِفَةُ في اللُّغَةِ الجَماعَةُ.

وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الغَرَضَ مِن هَذا هو التَّفَقُّهَ في الدِّينِ، وإنْذارَ مَن لَمْ يَتَفَقَّهْ، فَجَمَعَ بَيْنَ المَقْصِدَيْنِ الصّالِحَيْنِ والمَطْلَبَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ، وهُما تَعَلُّمُ العِلْمِ وتَعْلِيمُهُ، فَمَن كانَ غَرَضُهُ بِطَلَبِ العِلْمِ غَيْرَ هَذَيْنِ، فَهو طالِبٌ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ لا لِغَرَضٍ دِينِيٍّ، فَهو كَما قُلْتُ:

؎وطالِبُ الدُّنْيا بِعِلْمِ الدِّينِ أيُّ بائِسٍ كَمَن غَدا لِنَعْلِهِ يَمْسَحُ بِالقَلانِسِ

ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ التَّرَجِّي لِوُقُوعِ الحَذَرِ مِنهم عَنِ التَّفْرِيطِ فِيما يَجِبُ فِعْلُهُ فَيُتْرَكُ، أوْ فِيما يَجِبُ تَرْكُهُ فَيُفْعَلُ.

ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَجْتَهِدُوا في مُقاتَلَةِ مَن يَلِيهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وأنْ يَأْخُذُوا في حَرْبِهِمْ بِالغِلْظَةِ والشِّدَّةِ، والجِهادُ واجِبٌ لِكُلِّ الكُفّارِ، وإنْ كانَ الِابْتِداءُ بِمَن يَلِي المُجاهِدِينَ مِنهم أهَمَّ وأقْدَمَ، ثُمَّ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ ثُمَّ أخْبَرَهُمُ اللَّهُ بِما يُقَوِّي عَزائِمَهم ويُثَبِّتُ أقْدامَهم فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ بِالنُّصْرَةِ لَهم وتَأْيِيدِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَقُمْ لَهُ شَيْءٌ.

وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَسَخَ هَؤُلاءِ الآياتِ ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] و﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم﴾ [التوبة: ٣٩] قَوْلُهُ: …

At-Tawba 9:122Listen in Qur'an →
123

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا۟ فِيكُمْ غِلْظَةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

O you who have believed, fight those adjacent to you of the disbelievers and let them find in you harshness. And know that Allah is with the righteous.

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ فَذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ مِن بَقِيَّةِ أحْكامِ الجِهادِ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في الأمْرِ بِالجِهادِ والِانْتِدابِ إلى الغَزْوِ كانَ المُسْلِمُونَ إذا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَرِيَّةً مِنَ الكُفّارِ يَنْفِرُونَ جَمِيعًا ويَتْرُكُونَ المَدِينَةَ خالِيَةً، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ ما كانَ لَهم ذَلِكَ أيْ: ما صَحَّ لَهم ولا اسْتَقامَ أنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا، بَلْ يَنْفِرُ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ مِن تِلْكَ الفِرْقَةِ ويَبْقى مَن عَدا هَذِهِ الطّائِفَةِ النّافِرَةِ.

قالُوا: ويَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: لِيَتَفَقَّهُوا عائِدًا إلى الفِرْقَةِ الباقِيَةِ.

والمَعْنى: أنَّ الطّائِفَةَ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ تَخْرُجُ إلى الغَزْوِ، ومَن بَقِيَ مِنَ الفِرْقَةِ يَقِفُونَ لِطَلَبِ العِلْمِ، ويُعَلِّمُونَ الغُزاةَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ مِنَ الغَزْوِ، أوْ يَذْهَبُونَ في طَلَبِهِ إلى المَكانِ الَّذِي يَجِدُونَ فِيهِ مَن يَتَعَلَّمُونَ مِنهُ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ الفِقْهَ في الدِّينِ ويُنْذِرُوا قَوْمَهم وقْتَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهِمْ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ مِن بَقِيَّةِ أحْكامِ الجِهادِ، وهي حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ في مَشْرُوعِيَّةِ الخُرُوجِ لِطَلَبِ العِلْمِ والتَّفَقُّهِ في الدِّينِ، جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُتَّصِلًا بِما دَلَّ عَلى إيجابِ الخُرُوجِ إلى الجِهادِ، فَيَكُونُ السَّفَرُ نَوْعَيْنِ: الأوَّلُ: سَفَرُ الجِهادِ، والثّانِي: السَّفَرُ لِطَلَبِ العِلْمِ، ولا شَكَّ أنَّ وُجُوبَ الخُرُوجِ لِطَلَبِ العِلْمِ إنَّما يَكُونُ إذا لَمْ يَجِدِ الطّالِبُ مَن يَتَعَلَّمُ مِنهُ في الحَضَرِ مِن غَيْرِ سَفَرٍ.

والفِقْهُ: هو العِلْمُ بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وبِما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى العِلْمِ بِها مِن لُغَةٍ ونَحْوٍ وصَرْفٍ وبَيانٍ وأُصُولٍ.

ومَعْنى ( فَلَوْلا نَفَرَ ) فَهَلّا نَفَرَ، والطّائِفَةُ في اللُّغَةِ الجَماعَةُ.

وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الغَرَضَ مِن هَذا هو التَّفَقُّهَ في الدِّينِ، وإنْذارَ مَن لَمْ يَتَفَقَّهْ، فَجَمَعَ بَيْنَ المَقْصِدَيْنِ الصّالِحَيْنِ والمَطْلَبَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ، وهُما تَعَلُّمُ العِلْمِ وتَعْلِيمُهُ، فَمَن كانَ غَرَضُهُ بِطَلَبِ العِلْمِ غَيْرَ هَذَيْنِ، فَهو طالِبٌ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ لا لِغَرَضٍ دِينِيٍّ، فَهو كَما قُلْتُ:

؎وطالِبُ الدُّنْيا بِعِلْمِ الدِّينِ أيُّ بائِسٍ كَمَن غَدا لِنَعْلِهِ يَمْسَحُ بِالقَلانِسِ

ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ التَّرَجِّي لِوُقُوعِ الحَذَرِ مِنهم عَنِ التَّفْرِيطِ فِيما يَجِبُ فِعْلُهُ فَيُتْرَكُ، أوْ فِيما يَجِبُ تَرْكُهُ فَيُفْعَلُ.

ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَجْتَهِدُوا في مُقاتَلَةِ مَن يَلِيهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وأنْ يَأْخُذُوا في حَرْبِهِمْ بِالغِلْظَةِ والشِّدَّةِ، والجِهادُ واجِبٌ لِكُلِّ الكُفّارِ، وإنْ كانَ الِابْتِداءُ بِمَن يَلِي المُجاهِدِينَ مِنهم أهَمَّ وأقْدَمَ، ثُمَّ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ ثُمَّ أخْبَرَهُمُ اللَّهُ بِما يُقَوِّي عَزائِمَهم ويُثَبِّتُ أقْدامَهم فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ بِالنُّصْرَةِ لَهم وتَأْيِيدِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَقُمْ لَهُ شَيْءٌ.

وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَسَخَ هَؤُلاءِ الآياتِ ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] و﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم﴾ [التوبة: ٣٩] قَوْلُهُ: …

At-Tawba 9:123Listen in Qur'an →
124

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنًۭا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَٰنًۭا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ

And whenever a surah is revealed, there are among the hypocrites those who say, "Which of you has this increased faith?" As for those who believed, it has increased them in faith, while they are rejoicing.

.

قَوْلُهُ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ حِكايَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِبَقِيَّةِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ: أيْ إذا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةً مِن كِتابِهِ العَزِيزِ فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِإخْوانِهِ مِنهم أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ النّازِلَةُ إيمانًا يَقُولُونَ هَذا اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قاصِدِينَ بِذَلِكَ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ وتَزْهِيدَهم فِيهِ، و( أيُّكم ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ( زادَتْهُ ) .

وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّورَةِ.

ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، والحالُ أنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مَعَ هَذِهِ الزِّيادَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.

﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ فَزادَتْهُمُ السُّورَةُ المُنَزَّلَةُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ أيْ خُبْثًا إلى خُبْثِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ، وإظْهارِ غَيْرِ ما يُضْمِرُونَهُ وثَبَتُوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إلى أنْ ماتُوا كُفّارًا مُنافِقِينَ، والمُرادُ بِالمَرَضِ هُنا الشَّكُّ والنِّفاقُ، وقِيلَ: المَعْنى: زادَتْهم إثْمًا إلى إثْمِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ .

قَرَأ الجُمْهُورُ ( يَرَوْنَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ " أوَلَمْ يَرَوْا " .

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " أوَلا تَرى " خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

ومَعْنى ( يُفْتَنُونَ ) يُخْتَبَرُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ أوْ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقَحْطِ والشِّدَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالأمْراضِ والأوْجاعِ.

وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِالغَزْوِ والجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَرَوْنَ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ.

﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ و( ثُمَّ ) لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى ( يَرَوْنَ )، والهَمْزَةُ في ( أوَلا يَرَوْنَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ لا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَصَلُّبِهِمْ في النِّفاقِ وإهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ، فَقالَ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ نَظَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ إلى البَعْضِ الآخَرِ قائِلِينَ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِنَنْصَرِفَ عَنِ المَقامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الوَحْيُ، فَإنَّهُ لا صَبْرَ لَنا عَلى اسْتِماعِهِ، ولِنَتَكَلَّمَ بِما نُرِيدُ مِنَ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ والضَّحِكِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أنْزَلَتْ سُورَةٌ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها فَضائِحَ المُنافِقِينَ ومُخازَيَهم، قالَ بَعْضُ مَن يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ مِنهم: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مَنازِلِهِمْ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: ( نَظَرَ ) في هَذِهِ الآيَةِ مَوْضُوعٌ …

At-Tawba 9:124Listen in Qur'an →
125

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

But as for those in whose hearts is disease, it has [only] increased them in evil [in addition] to their evil. And they will have died while they are disbelievers.

.

قَوْلُهُ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ حِكايَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِبَقِيَّةِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ: أيْ إذا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةً مِن كِتابِهِ العَزِيزِ فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِإخْوانِهِ مِنهم أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ النّازِلَةُ إيمانًا يَقُولُونَ هَذا اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قاصِدِينَ بِذَلِكَ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ وتَزْهِيدَهم فِيهِ، و( أيُّكم ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ( زادَتْهُ ) .

وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّورَةِ.

ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، والحالُ أنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مَعَ هَذِهِ الزِّيادَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.

﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ فَزادَتْهُمُ السُّورَةُ المُنَزَّلَةُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ أيْ خُبْثًا إلى خُبْثِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ، وإظْهارِ غَيْرِ ما يُضْمِرُونَهُ وثَبَتُوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إلى أنْ ماتُوا كُفّارًا مُنافِقِينَ، والمُرادُ بِالمَرَضِ هُنا الشَّكُّ والنِّفاقُ، وقِيلَ: المَعْنى: زادَتْهم إثْمًا إلى إثْمِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ .

قَرَأ الجُمْهُورُ ( يَرَوْنَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ " أوَلَمْ يَرَوْا " .

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " أوَلا تَرى " خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

ومَعْنى ( يُفْتَنُونَ ) يُخْتَبَرُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ أوْ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقَحْطِ والشِّدَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالأمْراضِ والأوْجاعِ.

وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِالغَزْوِ والجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَرَوْنَ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ.

﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ و( ثُمَّ ) لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى ( يَرَوْنَ )، والهَمْزَةُ في ( أوَلا يَرَوْنَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ لا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَصَلُّبِهِمْ في النِّفاقِ وإهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ، فَقالَ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ نَظَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ إلى البَعْضِ الآخَرِ قائِلِينَ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِنَنْصَرِفَ عَنِ المَقامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الوَحْيُ، فَإنَّهُ لا صَبْرَ لَنا عَلى اسْتِماعِهِ، ولِنَتَكَلَّمَ بِما نُرِيدُ مِنَ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ والضَّحِكِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أنْزَلَتْ سُورَةٌ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها فَضائِحَ المُنافِقِينَ ومُخازَيَهم، قالَ بَعْضُ مَن يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ مِنهم: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مَنازِلِهِمْ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: ( نَظَرَ ) في هَذِهِ الآيَةِ مَوْضُوعٌ …

At-Tawba 9:125Listen in Qur'an →
126

أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍۢ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ

Do they not see that they are tried every year once or twice but then they do not repent nor do they remember?

.

قَوْلُهُ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ حِكايَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِبَقِيَّةِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ: أيْ إذا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةً مِن كِتابِهِ العَزِيزِ فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِإخْوانِهِ مِنهم أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ النّازِلَةُ إيمانًا يَقُولُونَ هَذا اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قاصِدِينَ بِذَلِكَ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ وتَزْهِيدَهم فِيهِ، و( أيُّكم ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ( زادَتْهُ ) .

وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّورَةِ.

ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، والحالُ أنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مَعَ هَذِهِ الزِّيادَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.

﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ فَزادَتْهُمُ السُّورَةُ المُنَزَّلَةُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ أيْ خُبْثًا إلى خُبْثِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ، وإظْهارِ غَيْرِ ما يُضْمِرُونَهُ وثَبَتُوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إلى أنْ ماتُوا كُفّارًا مُنافِقِينَ، والمُرادُ بِالمَرَضِ هُنا الشَّكُّ والنِّفاقُ، وقِيلَ: المَعْنى: زادَتْهم إثْمًا إلى إثْمِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ .

قَرَأ الجُمْهُورُ ( يَرَوْنَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ " أوَلَمْ يَرَوْا " .

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " أوَلا تَرى " خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

ومَعْنى ( يُفْتَنُونَ ) يُخْتَبَرُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ أوْ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقَحْطِ والشِّدَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالأمْراضِ والأوْجاعِ.

وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِالغَزْوِ والجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَرَوْنَ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ.

﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ و( ثُمَّ ) لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى ( يَرَوْنَ )، والهَمْزَةُ في ( أوَلا يَرَوْنَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ لا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَصَلُّبِهِمْ في النِّفاقِ وإهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ، فَقالَ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ نَظَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ إلى البَعْضِ الآخَرِ قائِلِينَ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِنَنْصَرِفَ عَنِ المَقامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الوَحْيُ، فَإنَّهُ لا صَبْرَ لَنا عَلى اسْتِماعِهِ، ولِنَتَكَلَّمَ بِما نُرِيدُ مِنَ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ والضَّحِكِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أنْزَلَتْ سُورَةٌ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها فَضائِحَ المُنافِقِينَ ومُخازَيَهم، قالَ بَعْضُ مَن يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ مِنهم: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مَنازِلِهِمْ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: ( نَظَرَ ) في هَذِهِ الآيَةِ مَوْضُوعٌ …

At-Tawba 9:126Listen in Qur'an →
127

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍۢ ثُمَّ ٱنصَرَفُوا۟ ۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ

And whenever a surah is revealed, they look at each other, [saying], "Does anyone see you?" and then they dismiss themselves. Allah has dismissed their hearts because they are a people who do not understand.

.

قَوْلُهُ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ حِكايَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِبَقِيَّةِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ: أيْ إذا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةً مِن كِتابِهِ العَزِيزِ فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِإخْوانِهِ مِنهم أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ النّازِلَةُ إيمانًا يَقُولُونَ هَذا اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قاصِدِينَ بِذَلِكَ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ وتَزْهِيدَهم فِيهِ، و( أيُّكم ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ( زادَتْهُ ) .

وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّورَةِ.

ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، والحالُ أنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مَعَ هَذِهِ الزِّيادَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.

﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ فَزادَتْهُمُ السُّورَةُ المُنَزَّلَةُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ أيْ خُبْثًا إلى خُبْثِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ، وإظْهارِ غَيْرِ ما يُضْمِرُونَهُ وثَبَتُوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إلى أنْ ماتُوا كُفّارًا مُنافِقِينَ، والمُرادُ بِالمَرَضِ هُنا الشَّكُّ والنِّفاقُ، وقِيلَ: المَعْنى: زادَتْهم إثْمًا إلى إثْمِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ .

قَرَأ الجُمْهُورُ ( يَرَوْنَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ " أوَلَمْ يَرَوْا " .

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " أوَلا تَرى " خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

ومَعْنى ( يُفْتَنُونَ ) يُخْتَبَرُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ أوْ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقَحْطِ والشِّدَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالأمْراضِ والأوْجاعِ.

وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِالغَزْوِ والجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَرَوْنَ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ.

﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ و( ثُمَّ ) لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى ( يَرَوْنَ )، والهَمْزَةُ في ( أوَلا يَرَوْنَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ لا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَصَلُّبِهِمْ في النِّفاقِ وإهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ، فَقالَ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ نَظَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ إلى البَعْضِ الآخَرِ قائِلِينَ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِنَنْصَرِفَ عَنِ المَقامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الوَحْيُ، فَإنَّهُ لا صَبْرَ لَنا عَلى اسْتِماعِهِ، ولِنَتَكَلَّمَ بِما نُرِيدُ مِنَ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ والضَّحِكِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أنْزَلَتْ سُورَةٌ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها فَضائِحَ المُنافِقِينَ ومُخازَيَهم، قالَ بَعْضُ مَن يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ مِنهم: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مَنازِلِهِمْ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: ( نَظَرَ ) في هَذِهِ الآيَةِ مَوْضُوعٌ …

At-Tawba 9:127Listen in Qur'an →
128

لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

There has certainly come to you a Messenger from among yourselves. Grievous to him is what you suffer; [he is] concerned over you and to the believers is kind and merciful.

.

قَوْلُهُ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ حِكايَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِبَقِيَّةِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ: أيْ إذا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةً مِن كِتابِهِ العَزِيزِ فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِإخْوانِهِ مِنهم أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ النّازِلَةُ إيمانًا يَقُولُونَ هَذا اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قاصِدِينَ بِذَلِكَ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ وتَزْهِيدَهم فِيهِ، و( أيُّكم ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ( زادَتْهُ ) .

وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّورَةِ.

ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، والحالُ أنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مَعَ هَذِهِ الزِّيادَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.

﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ فَزادَتْهُمُ السُّورَةُ المُنَزَّلَةُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ أيْ خُبْثًا إلى خُبْثِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ، وإظْهارِ غَيْرِ ما يُضْمِرُونَهُ وثَبَتُوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إلى أنْ ماتُوا كُفّارًا مُنافِقِينَ، والمُرادُ بِالمَرَضِ هُنا الشَّكُّ والنِّفاقُ، وقِيلَ: المَعْنى: زادَتْهم إثْمًا إلى إثْمِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ .

قَرَأ الجُمْهُورُ ( يَرَوْنَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ " أوَلَمْ يَرَوْا " .

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " أوَلا تَرى " خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

ومَعْنى ( يُفْتَنُونَ ) يُخْتَبَرُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ أوْ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقَحْطِ والشِّدَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالأمْراضِ والأوْجاعِ.

وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِالغَزْوِ والجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَرَوْنَ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ.

﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ و( ثُمَّ ) لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى ( يَرَوْنَ )، والهَمْزَةُ في ( أوَلا يَرَوْنَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ لا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَصَلُّبِهِمْ في النِّفاقِ وإهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ، فَقالَ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ نَظَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ إلى البَعْضِ الآخَرِ قائِلِينَ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِنَنْصَرِفَ عَنِ المَقامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الوَحْيُ، فَإنَّهُ لا صَبْرَ لَنا عَلى اسْتِماعِهِ، ولِنَتَكَلَّمَ بِما نُرِيدُ مِنَ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ والضَّحِكِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أنْزَلَتْ سُورَةٌ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها فَضائِحَ المُنافِقِينَ ومُخازَيَهم، قالَ بَعْضُ مَن يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ مِنهم: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مَنازِلِهِمْ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: ( نَظَرَ ) في هَذِهِ الآيَةِ مَوْضُوعٌ …

At-Tawba 9:128Listen in Qur'an →
129

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ

But if they turn away, [O Muhammad], say, "Sufficient for me is Allah; there is no deity except Him. On Him I have relied, and He is the Lord of the Great Throne."

.

قَوْلُهُ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ حِكايَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِبَقِيَّةِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ: أيْ إذا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةً مِن كِتابِهِ العَزِيزِ فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِإخْوانِهِ مِنهم أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ النّازِلَةُ إيمانًا يَقُولُونَ هَذا اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قاصِدِينَ بِذَلِكَ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ وتَزْهِيدَهم فِيهِ، و( أيُّكم ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ( زادَتْهُ ) .

وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّورَةِ.

ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، والحالُ أنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مَعَ هَذِهِ الزِّيادَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.

﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ فَزادَتْهُمُ السُّورَةُ المُنَزَّلَةُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ أيْ خُبْثًا إلى خُبْثِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ، وإظْهارِ غَيْرِ ما يُضْمِرُونَهُ وثَبَتُوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إلى أنْ ماتُوا كُفّارًا مُنافِقِينَ، والمُرادُ بِالمَرَضِ هُنا الشَّكُّ والنِّفاقُ، وقِيلَ: المَعْنى: زادَتْهم إثْمًا إلى إثْمِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ .

قَرَأ الجُمْهُورُ ( يَرَوْنَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ " أوَلَمْ يَرَوْا " .

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " أوَلا تَرى " خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

ومَعْنى ( يُفْتَنُونَ ) يُخْتَبَرُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ أوْ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقَحْطِ والشِّدَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالأمْراضِ والأوْجاعِ.

وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِالغَزْوِ والجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَرَوْنَ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ.

﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ و( ثُمَّ ) لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى ( يَرَوْنَ )، والهَمْزَةُ في ( أوَلا يَرَوْنَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ لا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَصَلُّبِهِمْ في النِّفاقِ وإهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ، فَقالَ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ نَظَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ إلى البَعْضِ الآخَرِ قائِلِينَ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِنَنْصَرِفَ عَنِ المَقامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الوَحْيُ، فَإنَّهُ لا صَبْرَ لَنا عَلى اسْتِماعِهِ، ولِنَتَكَلَّمَ بِما نُرِيدُ مِنَ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ والضَّحِكِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أنْزَلَتْ سُورَةٌ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها فَضائِحَ المُنافِقِينَ ومُخازَيَهم، قالَ بَعْضُ مَن يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ مِنهم: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مَنازِلِهِمْ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: ( نَظَرَ ) في هَذِهِ الآيَةِ مَوْضُوعٌ …

At-Tawba 9:129Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.