Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 111–120 of 129

111

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ ۚ فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Indeed, Allah has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allah, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur'an. And who is truer to his covenant than Allah? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.

لَمّا شَرَحَ فَضائِحَ المُنافِقِينَ وقَبائِحَهم بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وذَكَرَ أقْسامَهم، وفَرَّعَ عَلى كُلِّ قِسْمٍ مِنها ما هو لائِقٌ بِهِ عادَ عَلى بَيانِ فَضِيلَةِ الجِهادِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، وذِكْرُ الشِّراءِ تَمْثِيلٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] مَثَّلَ سُبْحانَهُ إثابَةَ المُجاهِدِينَ بِالجَنَّةِ عَلى بَذْلِهِمْ أنْفُسَهم وأمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ بِالشِّراءِ، وأصْلُ الشِّراءِ بَيْنَ العِبادِ هو إخْراجُ الشَّيْءِ عَنِ المِلْكِ بِشَيْءٍ آخَرَ مِثْلِهِ أوْ دُونِهِ أوْ أنْفَعَ مِنهُ، فَهَؤُلاءِ المُجاهِدُونَ باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ الَّتِي أعَدَّها لِلْمُؤْمِنِينَ: أيْ بِأنْ يَكُونُوا مِن جُمْلَةِ أهْلِ الجَنَّةِ، ومِمَّنْ يَسْكُنُها فَقَدْ جادُوا بِأنْفُسِهِمْ، وهي أنْفَسُ الأعْلاقِ، والجُودُ بِها غايَةُ الجُودِ:

؎يَجُودُ بِالنَّفْسِ إنْ ضَنَّ الجَبانُ بِها والجُودُ بِالنَّفْسِ أقْصى غايَةِ الجُودِ

وجادَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالجَنَّةِ، وهي أعْظَمُ ما يَطْلُبُهُ العِبادُ، ويَتَوَسَّلُونَ إلَيْهِ بِالأعْمالِ، والمُرادُ بِالأنْفُسِ هُنا: أنْفُسُ المُجاهِدِينَ، وبِالأمْوالِ: ما يُنْفِقُونَهُ في الجِهادِ.

قَوْلُهُ: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِلْبَيْعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَبِيعُونَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِالجَنَّةِ ؟ فَقِيلَ: يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ المُقاتَلَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى قَتْلِ الكُفّارِ في الحَرْبِ ويَبْذُلُونَ أنْفُسَهم في ذَلِكَ، فَإنْ فَعَلُوا فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الجَنَّةَ، وإنْ لَمْ يَقَعِ القَتْلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الإبْلاءِ في الجِهادِ والتَّعَرُّضِ لِلْمَوْتِ بِالإقْدامِ عَلى الكُفّارِ.

قَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ عَلى المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ عَلى المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنَّ فَرِيضَةَ الجِهادِ واسْتِحْقاقَ الجَنَّةِ بِها قَدْ ثَبَتَ الوَعْدُ بِها مِنَ اللَّهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، كَما وقَعَ في القُرْآنِ، وانْتِصابُ ( وعْدًا ) و( حَقًّا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الثّانِي: نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، و( في التَّوْراةِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: وعْدًا ثابِتًا فِيها.

قَوْلُهُ: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ في هَذا مِن تَأْكِيدِ التَّرْغِيبِ لِلْمُجاهِدِينَ في الجِهادِ والتَّنْشِيطِ لَهم عَلى بَذْلِ الأنْفُسِ والأمْوالِ ما لا يَخْفى فَإنَّهُ أوَّلًا أخْبَرَ بِأنَّهُ قَدِ اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، وجاءَ بِهَذِهِ العِبارَةِ الفَخِيمَةِ، وهي كَوْنُ الجَنَّةِ قَدْ صارَتْ مِلْكًا لَهم، ثُمَّ أخْبَرَ ثانِيًا بِأنَّهُ قَدْ وعَدَ بِذَلِكَ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ بَعْدَ هَذا الوَعْدِ الصّادِقِ لا بُدَّ مِن حُصُولِ المَوْعُودِ بِهِ فَإنَّهُ لا أحَدَ أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، ثُمَّ زادَهم سُرُورًا وحُبُورًا، فَقالَ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ أيْ أظْهِرُوا السُّرُورَ بِذَلِكَ، والبِشارَةُ هي إظْهارُ السُّرُورِ، وظُهُورُهُ يَكُونُ في بَشَرَةِ الوَجْهِ، ولِذا يُقالُ: أسارِيرُ الوَجْهِ: …

At-Tawba 9:111Listen in Qur'an →
112

ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلْعَٰبِدُونَ ٱلْحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلْءَامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allah], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allah. And give good tidings to the believers.

لَمّا شَرَحَ فَضائِحَ المُنافِقِينَ وقَبائِحَهم بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وذَكَرَ أقْسامَهم، وفَرَّعَ عَلى كُلِّ قِسْمٍ مِنها ما هو لائِقٌ بِهِ عادَ عَلى بَيانِ فَضِيلَةِ الجِهادِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، وذِكْرُ الشِّراءِ تَمْثِيلٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] مَثَّلَ سُبْحانَهُ إثابَةَ المُجاهِدِينَ بِالجَنَّةِ عَلى بَذْلِهِمْ أنْفُسَهم وأمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ بِالشِّراءِ، وأصْلُ الشِّراءِ بَيْنَ العِبادِ هو إخْراجُ الشَّيْءِ عَنِ المِلْكِ بِشَيْءٍ آخَرَ مِثْلِهِ أوْ دُونِهِ أوْ أنْفَعَ مِنهُ، فَهَؤُلاءِ المُجاهِدُونَ باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ الَّتِي أعَدَّها لِلْمُؤْمِنِينَ: أيْ بِأنْ يَكُونُوا مِن جُمْلَةِ أهْلِ الجَنَّةِ، ومِمَّنْ يَسْكُنُها فَقَدْ جادُوا بِأنْفُسِهِمْ، وهي أنْفَسُ الأعْلاقِ، والجُودُ بِها غايَةُ الجُودِ:

؎يَجُودُ بِالنَّفْسِ إنْ ضَنَّ الجَبانُ بِها والجُودُ بِالنَّفْسِ أقْصى غايَةِ الجُودِ

وجادَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالجَنَّةِ، وهي أعْظَمُ ما يَطْلُبُهُ العِبادُ، ويَتَوَسَّلُونَ إلَيْهِ بِالأعْمالِ، والمُرادُ بِالأنْفُسِ هُنا: أنْفُسُ المُجاهِدِينَ، وبِالأمْوالِ: ما يُنْفِقُونَهُ في الجِهادِ.

قَوْلُهُ: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِلْبَيْعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَبِيعُونَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِالجَنَّةِ ؟ فَقِيلَ: يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ المُقاتَلَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى قَتْلِ الكُفّارِ في الحَرْبِ ويَبْذُلُونَ أنْفُسَهم في ذَلِكَ، فَإنْ فَعَلُوا فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الجَنَّةَ، وإنْ لَمْ يَقَعِ القَتْلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الإبْلاءِ في الجِهادِ والتَّعَرُّضِ لِلْمَوْتِ بِالإقْدامِ عَلى الكُفّارِ.

قَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ عَلى المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ عَلى المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنَّ فَرِيضَةَ الجِهادِ واسْتِحْقاقَ الجَنَّةِ بِها قَدْ ثَبَتَ الوَعْدُ بِها مِنَ اللَّهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، كَما وقَعَ في القُرْآنِ، وانْتِصابُ ( وعْدًا ) و( حَقًّا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الثّانِي: نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، و( في التَّوْراةِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: وعْدًا ثابِتًا فِيها.

قَوْلُهُ: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ في هَذا مِن تَأْكِيدِ التَّرْغِيبِ لِلْمُجاهِدِينَ في الجِهادِ والتَّنْشِيطِ لَهم عَلى بَذْلِ الأنْفُسِ والأمْوالِ ما لا يَخْفى فَإنَّهُ أوَّلًا أخْبَرَ بِأنَّهُ قَدِ اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، وجاءَ بِهَذِهِ العِبارَةِ الفَخِيمَةِ، وهي كَوْنُ الجَنَّةِ قَدْ صارَتْ مِلْكًا لَهم، ثُمَّ أخْبَرَ ثانِيًا بِأنَّهُ قَدْ وعَدَ بِذَلِكَ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ بَعْدَ هَذا الوَعْدِ الصّادِقِ لا بُدَّ مِن حُصُولِ المَوْعُودِ بِهِ فَإنَّهُ لا أحَدَ أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، ثُمَّ زادَهم سُرُورًا وحُبُورًا، فَقالَ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ أيْ أظْهِرُوا السُّرُورَ بِذَلِكَ، والبِشارَةُ هي إظْهارُ السُّرُورِ، وظُهُورُهُ يَكُونُ في بَشَرَةِ الوَجْهِ، ولِذا يُقالُ: أسارِيرُ الوَجْهِ: …

At-Tawba 9:112Listen in Qur'an →
113

مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.

لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ وما بَعْدَهُ أنَّ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ واجِبَةٌ، بَيَّنَ سُبْحانَهُ هُنا ما يَزِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، وصَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ مُتَحَتِّمٌ، ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، وأنَّ القَرابَةَ في مِثْلِ هَذا الحُكْمِ لا تَأْثِيرَ لَها.

وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ " ما كانَ " في القُرْآنِ يَأْتِي عَلى وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: عَلى النَّفْيِ نَحْوِ ما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ١٤٥] .

والآخَرُ: عَلى مَعْنى النَّهْيِ نَحْوِ ما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣] و﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِقَطْعِ المُوالاةِ لِلْكَفّارِ، وتَحْرِيمِ الِاسْتِغْفارِ لَهم، والدُّعاءِ بِما لا يَجُوزُ لِمَن كانَ كافِرًا، ولا يُنافِي هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الصَّحِيحِ أنَّهُ «قالَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ كَسَرَ المُشْرِكُونَ رَباعِيَتَهُ وشَجُّوا وجْهَهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ»، لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَهُ تَحْرِيمُ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، وعَلى فَرْضِ أنَّهُ قَدْ كانَ بَلَغَهُ كَما يُفِيدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَإنَّهُ قَبْلَ يَوْمِ أُحُدٍ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وسَيَأْتِي، فَصُدُورُ هَذا الِاسْتِغْفارِ مِنهُ لِقَوْمِهِ إنَّما كانَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «كَأنِّي أنْظُرُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ ويَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» .

وفِي البُخارِيِّ، «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ نَبِيًّا قَبْلَهُ شَجَّهُ قَوْمُهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُخْبِرُ عَنْهُ بِأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» .

قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَضَمَّنُ التَّعْلِيلَ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ.

والمَعْنى: أنَّ هَذا التَّبَيُّنَ مُوجِبٌ لِقَطْعِ المُوالاةِ لِمَن كانَ هَكَذا، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالقَرابَةِ لِأنَّهم ماتُوا عَلى الشِّرْكِ.

وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] فَطَلَبُ المَغْفِرَةِ لَهم في حُكْمِ المُخالَفَةِ لِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ﴾ الآيَةَ: ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ السَّبَبَ في اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ أنَّهُ كانَ لِأجْلِ وعْدٍ تَقَدَّمَ مِن إبْراهِيمَ لِأبِيهِ بِالِاسْتِغْفارِ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ وتَبَرَّأ مِنهُ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ، وأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلِاسْتِغْفارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما وعَدَهُ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، ومِن أعْداءِ اللَّهِ، فَلا حاجَةَ إلى السُّؤالِ الَّذِي يُورِدُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كَيْفَ خَفِيَ ذَلِكَ عَلى إبْراهِيمَ، فَإنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الِاسْتِغْفارِ لِمَن أصَرَّ عَلى الكُفْرِ وماتَ عَلَيْهِ، وهو لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إلّا بِإخْبارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِأنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ، فَإنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ العَداوَةِ تَدُلُّ …

At-Tawba 9:113Listen in Qur'an →
114

وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍۢ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّۭ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌۭ

And the request of forgiveness of Abraham for his father was only because of a promise he had made to him. But when it became apparent to Abraham that his father was an enemy to Allah, he disassociated himself from him. Indeed was Abraham compassionate and patient.

لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ وما بَعْدَهُ أنَّ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ واجِبَةٌ، بَيَّنَ سُبْحانَهُ هُنا ما يَزِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، وصَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ مُتَحَتِّمٌ، ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، وأنَّ القَرابَةَ في مِثْلِ هَذا الحُكْمِ لا تَأْثِيرَ لَها.

وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ " ما كانَ " في القُرْآنِ يَأْتِي عَلى وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: عَلى النَّفْيِ نَحْوِ ما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ١٤٥] .

والآخَرُ: عَلى مَعْنى النَّهْيِ نَحْوِ ما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣] و﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِقَطْعِ المُوالاةِ لِلْكَفّارِ، وتَحْرِيمِ الِاسْتِغْفارِ لَهم، والدُّعاءِ بِما لا يَجُوزُ لِمَن كانَ كافِرًا، ولا يُنافِي هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الصَّحِيحِ أنَّهُ «قالَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ كَسَرَ المُشْرِكُونَ رَباعِيَتَهُ وشَجُّوا وجْهَهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ»، لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَهُ تَحْرِيمُ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، وعَلى فَرْضِ أنَّهُ قَدْ كانَ بَلَغَهُ كَما يُفِيدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَإنَّهُ قَبْلَ يَوْمِ أُحُدٍ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وسَيَأْتِي، فَصُدُورُ هَذا الِاسْتِغْفارِ مِنهُ لِقَوْمِهِ إنَّما كانَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «كَأنِّي أنْظُرُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ ويَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» .

وفِي البُخارِيِّ، «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ نَبِيًّا قَبْلَهُ شَجَّهُ قَوْمُهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُخْبِرُ عَنْهُ بِأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» .

قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَضَمَّنُ التَّعْلِيلَ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ.

والمَعْنى: أنَّ هَذا التَّبَيُّنَ مُوجِبٌ لِقَطْعِ المُوالاةِ لِمَن كانَ هَكَذا، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالقَرابَةِ لِأنَّهم ماتُوا عَلى الشِّرْكِ.

وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] فَطَلَبُ المَغْفِرَةِ لَهم في حُكْمِ المُخالَفَةِ لِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ﴾ الآيَةَ: ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ السَّبَبَ في اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ أنَّهُ كانَ لِأجْلِ وعْدٍ تَقَدَّمَ مِن إبْراهِيمَ لِأبِيهِ بِالِاسْتِغْفارِ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ وتَبَرَّأ مِنهُ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ، وأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلِاسْتِغْفارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما وعَدَهُ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، ومِن أعْداءِ اللَّهِ، فَلا حاجَةَ إلى السُّؤالِ الَّذِي يُورِدُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كَيْفَ خَفِيَ ذَلِكَ عَلى إبْراهِيمَ، فَإنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الِاسْتِغْفارِ لِمَن أصَرَّ عَلى الكُفْرِ وماتَ عَلَيْهِ، وهو لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إلّا بِإخْبارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِأنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ، فَإنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ العَداوَةِ تَدُلُّ …

At-Tawba 9:114Listen in Qur'an →
115

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

And Allah would not let a people stray after He has guided them until He makes clear to them what they should avoid. Indeed, Allah is Knowing of all things.

لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، خافَ جَماعَةٌ مِمَّنْ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم مِنَ العُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ إلَخْ: أيْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوقِعُ الضَّلالَ عَلى قَوْمٍ، ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا بَعْدَ أنْ هَداهم إلى الإسْلامِ، والقِيامِ بِشَرائِعِهِ ما لَمْ يُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّماتِ بَعْدَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مُحَرَّمٌ، وأمّا قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم ذَلِكَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِمْ ولا يُؤاخَذُونَ بِهِ، ومَعْنى ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مُحَرَّماتِ الشَّرْعِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِمّا يَحِلُّ لِعِبادِهِ ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ، ومِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي خَلَقَها.

﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ مُشارِكٌ، ولا يُنازِعُهُ مُنازِعٌ، يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ بِما شاءَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنَّهُ يُحْيِي مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإحْيائِهِ، ويُمِيتُ مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإماتَتِهِ، وما لِعِبادِهِ مَن دُونِهِ مَن ولِيٍّ يُوالِيهِمْ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُهم، فَلا يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، فَإنَّ القَرابَةَ لا تَنْفَعُ شَيْئًا ولا تُؤَثِّرُ أثَرًا، بَلِ التَّصَرُّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ لِلَّهِ وحْدَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ فِيما وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الإذْنِ في التَّخَلُّفِ، أوْ فِيما وقَعَ مِنهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، ولَيْسَ مِن لازِمِ التَّوْبَةِ أنْ يَسْبِقَ الذَّنْبُ مِمَّنْ وقَعَتْ مِنهُ أوْ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ العِبادِ مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، وقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مِنهُ تَعالى عَلى النَّبِيِّ مِن بابِ أنَّهُ تَرَكَ ما هو الأوْلى والألْيَقُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأجْلِ التَّعْرِيفِ لِلْمُذْنِبِينَ بِأنْ يَتَجَنَّبُوا الذُّنُوبَ ويَتُوبُوا عَمّا قَدْ لابَسُوهُ مِنها، وكَذَلِكَ تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فِيما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ.

ومِن هَذا القَبِيلِ ما صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم»، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وساعَةُ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَإنَّهم كانُوا في عُسْرَةٍ شَدِيدَةٍ، فالمُرادُ بِالسّاعَةِ جَمِيعُ أوْقاتِ تِلْكَ الغَزاةِ، ولَمْ يُرِدْ ساعَةً بِعَيْنِها، والعَسِرَةُ صُعُوبَةُ الأمْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم﴾ في كادَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و( قُلُوبُ ) مَرْفُوعٌ بِـ ( تَزِيغُ ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقِيلَ: هي مَرْفُوعَةٌ بِـ " كادَ "، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ ما كادَ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم تَزِيغُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ ( يَزِيغُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ.

قالَ …

At-Tawba 9:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ

Indeed, to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth; He gives life and causes death. And you have not besides Allah any protector or any helper.

لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، خافَ جَماعَةٌ مِمَّنْ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم مِنَ العُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ إلَخْ: أيْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوقِعُ الضَّلالَ عَلى قَوْمٍ، ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا بَعْدَ أنْ هَداهم إلى الإسْلامِ، والقِيامِ بِشَرائِعِهِ ما لَمْ يُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّماتِ بَعْدَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مُحَرَّمٌ، وأمّا قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم ذَلِكَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِمْ ولا يُؤاخَذُونَ بِهِ، ومَعْنى ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مُحَرَّماتِ الشَّرْعِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِمّا يَحِلُّ لِعِبادِهِ ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ، ومِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي خَلَقَها.

﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ مُشارِكٌ، ولا يُنازِعُهُ مُنازِعٌ، يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ بِما شاءَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنَّهُ يُحْيِي مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإحْيائِهِ، ويُمِيتُ مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإماتَتِهِ، وما لِعِبادِهِ مَن دُونِهِ مَن ولِيٍّ يُوالِيهِمْ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُهم، فَلا يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، فَإنَّ القَرابَةَ لا تَنْفَعُ شَيْئًا ولا تُؤَثِّرُ أثَرًا، بَلِ التَّصَرُّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ لِلَّهِ وحْدَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ فِيما وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الإذْنِ في التَّخَلُّفِ، أوْ فِيما وقَعَ مِنهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، ولَيْسَ مِن لازِمِ التَّوْبَةِ أنْ يَسْبِقَ الذَّنْبُ مِمَّنْ وقَعَتْ مِنهُ أوْ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ العِبادِ مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، وقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مِنهُ تَعالى عَلى النَّبِيِّ مِن بابِ أنَّهُ تَرَكَ ما هو الأوْلى والألْيَقُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأجْلِ التَّعْرِيفِ لِلْمُذْنِبِينَ بِأنْ يَتَجَنَّبُوا الذُّنُوبَ ويَتُوبُوا عَمّا قَدْ لابَسُوهُ مِنها، وكَذَلِكَ تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فِيما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ.

ومِن هَذا القَبِيلِ ما صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم»، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وساعَةُ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَإنَّهم كانُوا في عُسْرَةٍ شَدِيدَةٍ، فالمُرادُ بِالسّاعَةِ جَمِيعُ أوْقاتِ تِلْكَ الغَزاةِ، ولَمْ يُرِدْ ساعَةً بِعَيْنِها، والعَسِرَةُ صُعُوبَةُ الأمْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم﴾ في كادَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و( قُلُوبُ ) مَرْفُوعٌ بِـ ( تَزِيغُ ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقِيلَ: هي مَرْفُوعَةٌ بِـ " كادَ "، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ ما كادَ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم تَزِيغُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ ( يَزِيغُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ.

قالَ …

At-Tawba 9:116Listen in Qur'an →
117

لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍۢ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

Allah has already forgiven the Prophet and the Muhajireen and the Ansar who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.

لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، خافَ جَماعَةٌ مِمَّنْ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم مِنَ العُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ إلَخْ: أيْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوقِعُ الضَّلالَ عَلى قَوْمٍ، ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا بَعْدَ أنْ هَداهم إلى الإسْلامِ، والقِيامِ بِشَرائِعِهِ ما لَمْ يُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّماتِ بَعْدَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مُحَرَّمٌ، وأمّا قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم ذَلِكَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِمْ ولا يُؤاخَذُونَ بِهِ، ومَعْنى ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مُحَرَّماتِ الشَّرْعِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِمّا يَحِلُّ لِعِبادِهِ ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ، ومِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي خَلَقَها.

﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ مُشارِكٌ، ولا يُنازِعُهُ مُنازِعٌ، يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ بِما شاءَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنَّهُ يُحْيِي مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإحْيائِهِ، ويُمِيتُ مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإماتَتِهِ، وما لِعِبادِهِ مَن دُونِهِ مَن ولِيٍّ يُوالِيهِمْ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُهم، فَلا يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، فَإنَّ القَرابَةَ لا تَنْفَعُ شَيْئًا ولا تُؤَثِّرُ أثَرًا، بَلِ التَّصَرُّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ لِلَّهِ وحْدَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ فِيما وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الإذْنِ في التَّخَلُّفِ، أوْ فِيما وقَعَ مِنهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، ولَيْسَ مِن لازِمِ التَّوْبَةِ أنْ يَسْبِقَ الذَّنْبُ مِمَّنْ وقَعَتْ مِنهُ أوْ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ العِبادِ مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، وقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مِنهُ تَعالى عَلى النَّبِيِّ مِن بابِ أنَّهُ تَرَكَ ما هو الأوْلى والألْيَقُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأجْلِ التَّعْرِيفِ لِلْمُذْنِبِينَ بِأنْ يَتَجَنَّبُوا الذُّنُوبَ ويَتُوبُوا عَمّا قَدْ لابَسُوهُ مِنها، وكَذَلِكَ تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فِيما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ.

ومِن هَذا القَبِيلِ ما صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم»، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وساعَةُ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَإنَّهم كانُوا في عُسْرَةٍ شَدِيدَةٍ، فالمُرادُ بِالسّاعَةِ جَمِيعُ أوْقاتِ تِلْكَ الغَزاةِ، ولَمْ يُرِدْ ساعَةً بِعَيْنِها، والعَسِرَةُ صُعُوبَةُ الأمْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم﴾ في كادَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و( قُلُوبُ ) مَرْفُوعٌ بِـ ( تَزِيغُ ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقِيلَ: هي مَرْفُوعَةٌ بِـ " كادَ "، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ ما كادَ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم تَزِيغُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ ( يَزِيغُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ.

قالَ …

At-Tawba 9:117Listen in Qur'an →
118

وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

And [He also forgave] the three who were left behind [and regretted their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness and their souls confined them and they were certain that there is no refuge from Allah except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allah is the Accepting of repentance, the Merciful.

لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، خافَ جَماعَةٌ مِمَّنْ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم مِنَ العُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ إلَخْ: أيْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوقِعُ الضَّلالَ عَلى قَوْمٍ، ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا بَعْدَ أنْ هَداهم إلى الإسْلامِ، والقِيامِ بِشَرائِعِهِ ما لَمْ يُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّماتِ بَعْدَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مُحَرَّمٌ، وأمّا قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم ذَلِكَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِمْ ولا يُؤاخَذُونَ بِهِ، ومَعْنى ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مُحَرَّماتِ الشَّرْعِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِمّا يَحِلُّ لِعِبادِهِ ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ، ومِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي خَلَقَها.

﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ مُشارِكٌ، ولا يُنازِعُهُ مُنازِعٌ، يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ بِما شاءَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنَّهُ يُحْيِي مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإحْيائِهِ، ويُمِيتُ مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإماتَتِهِ، وما لِعِبادِهِ مَن دُونِهِ مَن ولِيٍّ يُوالِيهِمْ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُهم، فَلا يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، فَإنَّ القَرابَةَ لا تَنْفَعُ شَيْئًا ولا تُؤَثِّرُ أثَرًا، بَلِ التَّصَرُّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ لِلَّهِ وحْدَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ فِيما وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الإذْنِ في التَّخَلُّفِ، أوْ فِيما وقَعَ مِنهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، ولَيْسَ مِن لازِمِ التَّوْبَةِ أنْ يَسْبِقَ الذَّنْبُ مِمَّنْ وقَعَتْ مِنهُ أوْ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ العِبادِ مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، وقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مِنهُ تَعالى عَلى النَّبِيِّ مِن بابِ أنَّهُ تَرَكَ ما هو الأوْلى والألْيَقُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأجْلِ التَّعْرِيفِ لِلْمُذْنِبِينَ بِأنْ يَتَجَنَّبُوا الذُّنُوبَ ويَتُوبُوا عَمّا قَدْ لابَسُوهُ مِنها، وكَذَلِكَ تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فِيما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ.

ومِن هَذا القَبِيلِ ما صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم»، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وساعَةُ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَإنَّهم كانُوا في عُسْرَةٍ شَدِيدَةٍ، فالمُرادُ بِالسّاعَةِ جَمِيعُ أوْقاتِ تِلْكَ الغَزاةِ، ولَمْ يُرِدْ ساعَةً بِعَيْنِها، والعَسِرَةُ صُعُوبَةُ الأمْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم﴾ في كادَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و( قُلُوبُ ) مَرْفُوعٌ بِـ ( تَزِيغُ ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقِيلَ: هي مَرْفُوعَةٌ بِـ " كادَ "، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ ما كادَ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم تَزِيغُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ ( يَزِيغُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ.

قالَ …

At-Tawba 9:118Listen in Qur'an →
119

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ

O you who have believed, fear Allah and be with those who are true.

لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، خافَ جَماعَةٌ مِمَّنْ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم مِنَ العُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ إلَخْ: أيْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوقِعُ الضَّلالَ عَلى قَوْمٍ، ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا بَعْدَ أنْ هَداهم إلى الإسْلامِ، والقِيامِ بِشَرائِعِهِ ما لَمْ يُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّماتِ بَعْدَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مُحَرَّمٌ، وأمّا قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم ذَلِكَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِمْ ولا يُؤاخَذُونَ بِهِ، ومَعْنى ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مُحَرَّماتِ الشَّرْعِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِمّا يَحِلُّ لِعِبادِهِ ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ، ومِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي خَلَقَها.

﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ مُشارِكٌ، ولا يُنازِعُهُ مُنازِعٌ، يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ بِما شاءَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنَّهُ يُحْيِي مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإحْيائِهِ، ويُمِيتُ مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإماتَتِهِ، وما لِعِبادِهِ مَن دُونِهِ مَن ولِيٍّ يُوالِيهِمْ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُهم، فَلا يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، فَإنَّ القَرابَةَ لا تَنْفَعُ شَيْئًا ولا تُؤَثِّرُ أثَرًا، بَلِ التَّصَرُّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ لِلَّهِ وحْدَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ فِيما وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الإذْنِ في التَّخَلُّفِ، أوْ فِيما وقَعَ مِنهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، ولَيْسَ مِن لازِمِ التَّوْبَةِ أنْ يَسْبِقَ الذَّنْبُ مِمَّنْ وقَعَتْ مِنهُ أوْ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ العِبادِ مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، وقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مِنهُ تَعالى عَلى النَّبِيِّ مِن بابِ أنَّهُ تَرَكَ ما هو الأوْلى والألْيَقُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأجْلِ التَّعْرِيفِ لِلْمُذْنِبِينَ بِأنْ يَتَجَنَّبُوا الذُّنُوبَ ويَتُوبُوا عَمّا قَدْ لابَسُوهُ مِنها، وكَذَلِكَ تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فِيما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ.

ومِن هَذا القَبِيلِ ما صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم»، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وساعَةُ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَإنَّهم كانُوا في عُسْرَةٍ شَدِيدَةٍ، فالمُرادُ بِالسّاعَةِ جَمِيعُ أوْقاتِ تِلْكَ الغَزاةِ، ولَمْ يُرِدْ ساعَةً بِعَيْنِها، والعَسِرَةُ صُعُوبَةُ الأمْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم﴾ في كادَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و( قُلُوبُ ) مَرْفُوعٌ بِـ ( تَزِيغُ ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقِيلَ: هي مَرْفُوعَةٌ بِـ " كادَ "، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ ما كادَ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم تَزِيغُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ ( يَزِيغُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ.

قالَ …

At-Tawba 9:119Listen in Qur'an →
120

مَا كَانَ لِأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌۭ وَلَا نَصَبٌۭ وَلَا مَخْمَصَةٌۭ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوْطِئًۭا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّۢ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌۭ صَٰلِحٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

It was not [proper] for the people of Madinah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allah or that they prefer themselves over his self. That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allah, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allah does not allow to be lost the reward of the doers of good.

في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ﴾ إلَخْ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِوُجُوبِ الغَزْوِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَحْرِيمِ التَّخَلُّفِ عَنْهُ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ﴿ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ﴾ كَمُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأشْجَعَ وأسْلَمَ وغِفارٍ ﴿أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وإنَّما خَصَّهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهم قَدِ اسْتُنْفِرُوا فَلَمْ يَنْفِرُوا، بِخِلافِ غَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم لَمْ يُسْتَنْفَرُوا مَعَ كَوْنِ هَؤُلاءِ لِقُرْبِهِمْ وجِوارِهِمْ أحَقُّ بِالنُّصْرَةِ والمُتابَعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ وما كانَ لَهم أنْ يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ فَيَشِحُّونَ بِها ويَصُونُونَها، ولا يَشِحُّونَ بِنَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ويَصُونُونَها كَما شَحُّوا بِأنْفُسِهِمْ وصانُوها، يُقالُ: رَغِبْتُ عَنْ كَذا: أيْ تَرَفَّعْتُ عَنْهُ، بَلْ واجِبٌ عَلَيْهِمْ أنْ يُكابِدُوا مَعَهُ المَشاقَّ، ويُجاهِدُوا بَيْنَ يَدَيْهِ أهْلَ الشِّقاقِ، ويَبْذُلُوا أنْفُسَهم دُونَ نَفْسِهِ، وفي هَذا الإخْبارِ مَعْنى الأمْرِ لَهم مَعَ ما يُفِيدُهُ إيرادُهُ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنَ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّقْرِيعِ الشَّدِيدِ، والتَّهْيِيجِ لَهم، والإزْراءِ عَلَيْهِمْ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ( ذَلِكَ ) إلى ما يُفِيدُهُ السِّياقُ مِن وُجُوبِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: ذَلِكَ الوُجُوبُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم مُثابُونَ عَلى أنْواعِ المَتاعِبِ وأصْنافِ الشَّدائِدِ.

والظَّمَأُ: العَطَشُ، والنَّصَبُ: التَّعَبُ، والمَخْمَصَةُ: المَجاعَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي يَظْهَرُ عِنْدَها ضُمُورُ البَطْنِ.

وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " ظَماءٌ " بِالمَدِّ.

وقَرَأ غَيْرُهُ بِالقَصْرِ، وهُما لُغَتانِ مِثْلُ خَطَأٍ وخَطاءٍ.

و" لا " في هَذِهِ المَواضِعِ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.

ومَعْنى في سَبِيلِ اللَّهِ في طاعَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيْ لا يَدُوسُونَ مَكانًا مِن أمْكِنَةِ الكُفّارِ بِأقْدامِهِمْ أوْ بِحَوافِرِ خُيُولِهِمْ أوْ بِأخْفافِ رَواحِلِهِمْ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الغَيْظُ لِلْكُفّارِ.

والمَوْطِئُ: اسْمُ مَكانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ أيْ يُصِيبُونَ مَن عَدُوِّهِمْ قَتْلًا أوْ أسْرًا أوْ هَزِيمَةً أوْ غَنِيمَةً، وأصْلُهُ مِن: نِلْتُ الشَّيْءَ أنالُ: أيْ أُصِيبُ.

قالَ الكِسائِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمْ أمْرٌ مَنِيلٌ مِنهُ، ولَيْسَ هو مِنَ التَّناوُلِ، إنَّما التَّناوُلُ مِن نُلْتُهُ بِالعَطِيَّةِ.

قالَ غَيْرُهُ: نُلْتُ أنُولُ مِنَ العَطِيَّةِ، ونِلْتُهُ أنالُهُ: أدْرَكْتُهُ.

والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: الحَسَنَةُ المَقْبُولَةُ: أيْ إلّا كَتَبَهُ اللَّهُ لَهم حَسَنَةً مَقْبُولَةً يُجازِيهِمْ بِها، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما سَبَقَ مَعَ كَوْنِهِ يَشْمَلُ كُلَّ مُحْسِنٍ ويَصْدُقُ عَلى المَذْكُورِينَ هُنا صِدْقًا أوَّلِيًّا.

قَوْلُهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ ولا يَقَعُ مِنهُمُ الإنْفاقُ في الحَرْبِ وإنْ كانَ شَيْئًا صَغِيرًا يَسِيرًا ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ وهو في الأصْلِ كُلُّ مُنْفَرَجٍ بَيْنَ جِبالٍ وآكامٍ يَكُونُ مَنفَذًا …

At-Tawba 9:120Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.