Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 111–120 of 129

111

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ ۚ فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Indeed, Allah has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allah, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur'an. And who is truer to his covenant than Allah? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.

ولَمّا تَقَدَّمَ الإنْكارُ عَلى المُتَثاقِلِينَ عَنِ النَّفْرِ في سَبِيلِ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ [التوبة: ٣٨] - الآيَةَ. ثُمَّ الجَزْمُ بِالأمْرِ بِالجِهادِ بِالنَّفْسِ والمالِ في قَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١] الآيَةَ. وكانَ أمْرُهُ تَعالى كافِيًا لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي صَدَقَ إيمانُهُ بِالإسْلامِ في امْتِثالِهِ لِذَلِكَ في مَنشَطِهِ ومَكْرَهِهِ، وكانَ كَثِيرٌ مِنهم قَدْ فَعَلُوا بِتَثاقُلِهِمْ ما يَقْدَحُ في إيمانِهِمْ طَعَمًا في سَتْرِهِ بِمَعاذِيرِهِمْ وإيمانِهِمْ، اقْتَضى المَقامُ تَبْكِيتَ المُتَثاقِلِينَ وتَأْنِيبَ المُنافِقِينَ عَلى وجْهٍ مُهَتِّكٍ لِأسْتارِهِمْ مُكْشِفٌ لِأسْرارِهِمْ. فَلَمّا اسْتَوْفى تَعالى في ذَلِكَ أقْسامَهُمْ، ونَكَّسَ ألْوِيَتَهم وأعْلامَهُمْ، وخَتَمَهم بِهَذِهِ الطّائِفَةِ الَّتِي ظَهَرَ فِيها امْتِثالُهُ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] بِأنْ هَدَّ مَسْجِدَهم وحَرَّقَهُ بِالنّارِ وأزالَ بُنْيانَهُ وفَرَّقَهُ وقَدَّ أدِيمَهُ عَنْ جَدِيدِ الأرْضِ ومَزَّقَهُ، أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِتَذْكِيرِ المُؤْمِنِينَ ما أمَرَهم بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١] لِيَفْعَلُوا فِيهِ ما فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيما أُمِرَ بِهِ، فَساقَ مَساقَ الجَوابِ لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: لَقَدْ طالَ المَدى وعَظُمَ الخَطْبُ في هَذِهِ السُّورَةِ في إبانَةِ الفَضائِحِ وهَتْكِ السَّرائِرِ وإظْهارِ القَبائِحِ، فَلِمَ فَعَلَ ذَلِكَ وقَدْ جَرَتْ عادَتُهُ بِالأمْرِ بِالسَّتْرِ وأخْذِ العَفْوِ؟ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لا مَلِكَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، ولا يُخْشى إلّا عَذابُهُ، ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ،

﴿اشْتَرى﴾ [أيْ] بِعُهُودٍ أكِيدَةٍ ومَواثِيقَ غَلِيظَةٍ شَدِيدَةٍ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى اللَّجاجِ فِيها فَقالَ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِاللَّهِ وما جاءَ مِن عِنْدِهِ، وقَدَّمَ النَّفْسَ إشارَةً إلى المُبايَعَةِ سابِقَةً عَلى اكْتِسابِ المالِ فَقالَ مُقَدِّمًا لِلْأعَزِّ: ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ أيِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِخَلْقِها ﴿وأمْوالَهُمْ﴾ أيِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِرِزْقِها وهو يَمْلِكُها دُونَهم.

ولَمّا ذَكَرَ المَبِيعَ أتْبَعَهُ الثَّمَنَ فَقالَ: ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ أيْ خاصَّةً بِهِمْ مَقْصُورَةً عَلَيْهِمْ، لا يَكُونُ لِغَيْرِ مُؤْمِنٍ، فَمَيَّزَهم حَتّى يُقابَلَ كُلٌّ بِما يَسْتَحِقُّهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَرى مِنهم ذَلِكَ بِماذا؟ فَقِيلَ: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ [المَلِكِ الأعْلى] بِسَبَبِ دَيْنِهِ الَّذِي لا يَرْضى غَيْرَهُ، قِتالًا يَكُونُ الدِّينُ مُحِيطًا بِهِ وظَرْفًا، فَلا يَكُونُ فِيهِ شائِبَةٌ لِغَيْرِهِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما هو حَقِيقٌ بِهِ، فَقالَ: ﴿فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ أعَمُّ مَن يَكُونُ ذَلِكَ بِالقُوَّةِ أوْ بِالفِعْلِ، فَيَخُصُّهم بِالجَنَّةِ كَما وعَدَهُمْ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ «أمْدَحُ»، لِأنَّ مَن طَلَبَ المَوْتَ - لا يَقِفُ لَهُ خَصْمُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَطَلَبُوا أنْ يَكُونُوا مَقْتُولِينَ فَقَتَلُوا أقْرانَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّظَرُ إلى المَجْمُوعِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم يُقاتِلُونَ بَعْدَ رُؤْيَةِ مَصارِعِ أصْحابِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُوهِنَهم ذَلِكَ، وعَنْ بَعْضِ الأعْرابِ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: بَيْعٌ واللَّهِ مُرْبِحٌ! لا …

At-Tawba 9:111Listen in Qur'an →
112

ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلْعَٰبِدُونَ ٱلْحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلْءَامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allah], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allah. And give good tidings to the believers.

ولَمّا ثَبَتَتِ المُعاقَدَةُ وأحْكامُها، وصَفَ المُعاقَدِينَ عَلى طَرِيقِ المَدْحِ لِلْحَثِّ عَلى أوْصافِهِمْ فَقالَ: ﴿التّائِبُونَ﴾ مُبْتَدِئًا أوْصافَهم بِالتَّوْبَةِ الَّتِي هي أساسُ العَمَلِ الصّالِحِ، ثُمَّ ابْتَدَأ المُؤَسِّسُ بِمُطْلَقِ العِبادَةِ الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ أنْواعِ الدِّينِ مِنَ العِلْمِ وغَيْرِهِ فَقالَ: ﴿العابِدُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ أقْبَلُوا عَلى العِبادَةِ فَأخْلَصُوها لِلَّهِ؛ ولَمّا كانَ التِزامُ الدِّينِ لا يُعْرَفُ إلّا بِالإقْرارِ بِاللِّسانِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الحَمْدَ الَّذِي تَدُورُ مادَّتُهُ عَلى بُلُوغِ الغايَةِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الثَّناءُ اللِّسانِيُّ بِالجَمِيلِ الشّامِلِ لِلتَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ فَقالَ: ﴿الحامِدُونَ﴾ أيِ المُثْنُونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ثَناءً عَظِيمًا، تَطابَقَتْ عَلَيْهِ ألْسِنَتُهم وقُلُوبُهم فَتَبِعَتْهُ آثارُهُ؛ ولَمّا كانَ الإقْرارُ بِاللِّسانِ لا يُقْبَلُ إلّا عِنْدَ مُطابَقَةِ القَلْبِ تَلاهُ بِالسِّياحَةِ الَّتِي تَدُورُ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ عَلى الِاتِّساعِ الَّذِي مِنهُ إصْلاحُ القَلْبِ لِيَتَّسِعَ لِلتَّجَرُّدِ عَنْ ضِيقِ المَأْلُوفاتِ إلى فَضاءِ الحَضَراتِ الإلَهِيّاتِ فَقالَ: ﴿السّائِحُونَ﴾ ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ نَتِيجَةَ ذَلِكَ لِكَوْنِها جامِعَةً لِعَمَلِ القَلْبِ واللِّسانِ وغَيْرِهِما مِنَ الأرْكانِ، وهي أعْظَمُ مُوَصِّلٍ إلى بِساطِ الأُنْسِ في حَضَراتِ القُدْسِ وأعْلى مُجَرَّدٍ عَنِ الوُقُوفِ مَعَ المَأْلُوفِ. وكانَ أوَّلُ مَراتِبِ التَّواضُعِ القِيامَ وأوْسَطُها الرُّكُوعَ وغايَتُها السُّجُودَ، وكانَ جَمِيعُ أشْكالِ الصَّلاةِ مُوافِقًا لِلْعادَةِ إلّا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ، أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ مُخَصِّصًا لَها بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الصَّلاةِ نِهايَةُ الخُضُوعِ: ﴿الرّاكِعُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ تَمامَ هَذِهِ البُشْرى لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنَّ صَلاةَ غَيْرِهِمْ لا رُكُوعَ فِيها، وأتَمَّها بِقَوْلِهِ: ﴿السّاجِدُونَ﴾ ولَمّا كانَ النّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِتَهْذِيبِ لِسانِهِ وقَلْبِهِ وجَمِيعِ جَوارِحِهِ لا يُقْبَلُ إلّا إذا بَذَلَ الجُهْدَ في نَصِيحَةِ غَيْرِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ مِثالُ السَّفَرِ في السَّفِينَةِ لِيَحْصُلَ المَقْصُودُ مِنَ الدِّينِ وهو جَمْعُ الكُلِّ عَلى اللَّهِ المُقْتَضِي لِلتَّعاضُدِ والتَّناصُرِ المُوجِبِ لِدَوامِ العِبادَةِ والنُّصْرَةِ، وبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ التَّجَرُّدُ عَنْ كُلِّ مَأْلُوفٍ مُجانِسٍ وغَيْرِ مُجانِسٍ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيِ السُّنَّةِ.

ولَمّا كانَ الدِّينُ مَتِينًا فَلَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ، كانَ المُرادُ مِنَ المَأْمُوراتِ مُسَمّاها دُونَ تَمامِها ومُنْتَهاها ««إذا أمَرْتُكم بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ»» والمُرادُ مِنَ المَنهِيّاتِ تَرْكُها كُلِّها، ومِنَ الحُدُودِ الوُقُوفُ عِنْدَها مِن غَيْرِ مُجاوِزَةٍ ««وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ»» رَواهُ البُخارِيُّ في الِاعْتِصامِ مِن صَحِيحِهِ ومُسْلِمٌ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَتِ العَرَبُ - كَما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وفي آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] عَنِ الأُسْتاذِ أبِي الحَسَنِ الحَرالِّيِّ - إذا أتْبَعْتَ بَعْضَ الصِّفاتِ بَعْضًا مِن غَيْرِ عَطْفٍ عُلِمَ أنَّها غَيْرُ تامَّةٍ، فَإذا عَطَفْتَها أرَدْتَ التَّمَكُّنَ فِيها والعَراقَةَ والتَّمامَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ المُرادَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ الإتْيانُ بِما أمْكَنَ مِنها، فَأتى بِها اتِّباعًا دُونَ …

At-Tawba 9:112Listen in Qur'an →
113

مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.

ولَمّا كَثُرَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ الأوامِرُ بِالبَراءَةِ مِن أحْياءِ المُشْرِكِينَ وجاءَ الأمْرُ أيْضًا بِالبَراءَةِ مِن أمْواتِ المُنافِقِينَ بِالنَّهْيِ عَنِ الدُّعاءِ لَهُمْ، جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى البَراءَةِ مِن كُلِّ مُشْرِكٍ فَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بَعْدَها بِما أشارَتْ إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ في تَقْدِيمِ الجارِّ أنَّ المُبايَعَةَ وقَعَتْ عَلى تَخْصِيصِ الجَنَّةِ بِالمُؤْمِنِينَ وأنَّهُ تَعالى أوْفى مَن عاهَدَ، ثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ غَيْرُهُمُ الجَنَّةَ وأنَّ غَيْرَهم أصْحابُ النّارِ، لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّ الآخِرَةَ دارانِ: جَنَّةٌ ونارٌ، ولَمّا ثَبَتَ هَذا كُلُّهُ عُلِمَ قَطْعًا عِلْمُ النَّتِيجَةِ مِنَ المُقَدِّماتِ الصَّحِيحَةِ أنَّهُ ﴿ما كانَ﴾ أيْ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿لِلنَّبِيِّ﴾ أيِ الَّذِي لا يَنْطِقُ إلّا بِما عِنْدَهُ فِيهِ بَيانٌ مِنَ اللَّهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِأنَّهم صَدَّقُوا بِدَعْوَتِهِ فَلا يَفْعَلُونَ إلّا ما عِنْدَهم مِنهُ عِلْمٌ ﴿أنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾ أيْ يَطْلُبُوا المَغْفِرَةَ ويَدْعُوا بِها ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإشْراكِ في عِبادَةِ رَبِّهِمْ ﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيِ المُشْرِكِينَ ﴿أُولِي قُرْبى﴾ أيْ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ أيْ بِمَوْتِهِمْ عَلى الشِّرْكِ وإنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ لِلْخَتْمِ بِالتَّخْصِيصِ بِالجَنَّةِ ﴿أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أيْ لا أهْلِيَّةَ لَهم لِلْجَنَّةِ. فَإنَّ الِاسْتِغْفارَ مَعْناهُ مَحْوُ الذُّنُوبِ حَتّى يَنْجُوَ صاحِبُها مِنَ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ وما يَنْبَغِي لَهم أنْ يَكُونَ لَهم إلَيْهِمُ التِفاتٌ؛ فَإنَّ ذَلِكَ رُبَّما جَرَّ إلى مُلايَنَةٍ تَفْتُرُ عَنِ القِتالِ الواقِعِ عَلَيْهِ المُبايِعَةُ، فَما يَنْبَغِي إلّا مَحْضُ المُقاطَعَةِ والمُخاشَنَةِ والمُنازَعَةِ. وتَقْيِيدُ النَّهْيِ بِالتَّبْيِينِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الدُّعاءِ لِلْحَيِّ؛ فَإنَّ القَصْدَ بِالِاسْتِغْفارِ الإقْبالُ بِهِ إلى الإيمانِ المُوجِبِ لِلْغُفْرانِ.

At-Tawba 9:113Listen in Qur'an →
114

وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍۢ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّۭ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌۭ

And the request of forgiveness of Abraham for his father was only because of a promise he had made to him. But when it became apparent to Abraham that his father was an enemy to Allah, he disassociated himself from him. Indeed was Abraham compassionate and patient.

ولَمّا أنْكَرَ أنْ يَكُونَ لَهم ذَلِكَ، وكانَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ المَأْمُورُ بِالِاقْتِداءِ بِهِ واللُّزُومِ بِمِلَّتِهِ قَدِ اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ، بَيَّنَ أنَّهُ كانَ أيْضًا قَبْلَ العِلْمِ بِما في نَفْسِ الأمْرِ مِنَ اسْتِحْقاقِهِ لِلتَّأْبِيدِ في النّارِ، فَقالَ دالًّا بِواوِ العَطْفِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَما اسْتَغْفَرَ لَهم بَعْدَ العِلْمِ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ﴾ أيْ خَلِيلُ اللَّهِ ﴿لأبِيهِ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ خالَفَهُ في الدِّينِ ﴿إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ \ أيْ وهي قَوْلُهُ: ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] وأكَّدَ صُدُورَ الوَعْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَدَها إيّاهُ﴾ أيِ الخَلِيلُ لِأبِيهِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ أبْدى الشَّقاوَةَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِأبِيهِ، كانَ وعَدَهُ أنَّهُ يُسْلِمُ فاسْتَغْفَرَ لَهُ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ صَدَقَ في وعْدِهِ فَأسْلَمَ، [والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ [أيْ بَيانًا شافِيًا قاطِعًا] ﴿أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى مُؤَبِّدِ العَداوَةِ لَهُ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ أوْ بِالوَحْيِ بِأنَّهُ يَمُوتُ عَلَيْهِ.

﴿تَبَرَّأ﴾ أيْ أكْرَهَ نَفْسَهُ عَلى البَراءَةِ ﴿مِنهُ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ما أفْهَمَتْهُ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ مِنَ المُعالَجَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الرِّقَّةِ المُوجِبَةِ لِلتَّأوُّهِ مِن خَوْفِ اللَّهِ ومِنَ الشَّفَقَةِ عَلى العِبادِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: والتَّأوُّهُ أنْ يُسْمَعَ لِلصَّدْرِ صَوْتٌ مِن تَنَفُّسِ الصُّعَداءِ ﴿حَلِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ التَّحَمُّلِ والإغْضاءِ عَنِ المُؤْذِي لَهُ، هَكَذا خَلَقَهُ في حَدِّ ذاتِهِ فَكَيْفَ في حَقِّ أبِيهِ ولَوْ قالَ لَهُ: ﴿لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي﴾ [مريم: ٤٦] وأضْعافَ ذَلِكَ؛ قالَ الإمامُ أبُو مُحَمَّدٍ إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ إسْماعِيلَ البَسْتِيُّ القاضِي في تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنا حَرْمَلَةُ حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ أخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أيُّوبَ بْنِ هانِئٍ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا وخَرَجْنا مَعَهُ حَتّى انْتَهى إلى المَقابِرِ فَأمَرَنا فَجَلَسْنا ثُمَّ تَخَطّى القُبُورَ حَتّى انْتَهى إلى قَبْرٍ مِنها فَجَلَسَ إلَيْهِ فَناجاهُ طَوِيلًا، ثُمَّ ارْتَفَعَ نَحِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ باكِيًا فَبَكَيْنا لِبُكاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقْبَلَ إلَيْنا فَتَلَقّاهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: ما الَّذِي أبْكاكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ؟ فَقَدْ أبْكانا وأفْزَعَنا، فَأخَذَ بِيَدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ أقْبَلَ إلَيْنا فَأتَيْناهُ فَقالَ: أفْزَعَكم بُكائِي؟ قُلْنا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ: إنَّ القَبْرَ الَّذِي رَأيْتُمُونِي أُناجِي قَبْرُ آمِنَةَ بِنْتِ وهْبٍ وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يَأذَنْ لِي ونَزَلَ عَلَيَّ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة: ١١٣] حَتّى خَتَمَ الآيَةَ.

﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ فَأخَذَنِي ما يَأْخُذُ الوَلَدَ مِنَ الرِّقَّةِ؛ فَذَلِكَ الَّذِي أبْكانِي» - وهَذا سَنَدٌ حَسَنٌ، ولِمُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ في الجَنائِزِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «زارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكى وأبْكى مَن …

At-Tawba 9:114Listen in Qur'an →
115

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

And Allah would not let a people stray after He has guided them until He makes clear to them what they should avoid. Indeed, Allah is Knowing of all things.

ولَمّا كانَ الِاسْتِغْفارُ لِلْمُشْرِكِينَ أمْرًا عَظِيمًا، وكانَ فِيهِ نَوْعُ وِلايَةٍ لَهُمْ، أظْهَرَ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ ما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِالإقْدامِ عَلَيْهِ تَهْوِيلًا لِذَلِكَ وقَطْعًا لِما بَيْنَ أوْجِ الإيمانِ وحَضِيضِ الكُفْرانِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ فَقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ولَمّا كانَ الضَّلالُ سَبَبَ الهَلاكِ، وكانَ مَن شَرَعَ شَرِيعَةً ثُمَّ عاقَبَ مُلْتَزِمَها مِن غَيْرِ بَيانٍ كَمَن دَلَّ عَلى طَرِيقٍ غَيْرِ مُوصِلٍ فَهَلَكَ صاحِبُهُ فَكانَ الدّالُّ بِذَلِكَ مُضِلًّا، \ قالَ: ﴿لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ أيْ: يَفْعَلُ بِهِمْ ما يَفْعَلُ بِالضّالِّينَ مِنَ العُقُوبَةِ لِأجْلِ ارْتِكابِهِمْ لِما يَنْهى عَنْهُ بِناسِخٍ نَسَخَهُ ﴿بَعْدَ إذْ هَداهُمْ﴾ أيْ بِشَرِيعَةٍ نَصَبَها لَهم ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أيْ بَيانًا شافِيًا لِداءِ العِيِّ ﴿ما يَتَّقُونَ﴾ أيْ مِمّا هو جَدِيرٌ بِأنْ يَحْذَرُوهُ ويَتَجَنَّبُوهُ خَوْفًا مِن غائِلَتِهِ [بِناسِخٍ يَنْسَخُ حالَ الإباحَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها].

At-Tawba 9:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ

Indeed, to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth; He gives life and causes death. And you have not besides Allah any protector or any helper.

ولَمّا كانَ الَّذِي يَأْمُرُ بِسُلُوكِ طَرِيقٍ ثُمَّ يَتْرُكُ فِيها ما يَحْتاجُ إلى البَيانِ إنَّما يُؤْتى عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ أوِ النِّسْيانِ، نَفى ذَلِكَ سُبْحانَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَقالَ مُعَلِّلًا لِعَدَمِ الإضْلالِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] أيْ بالِغُ العِلْمِ فَلا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ خَفاءٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ فَهو يَبِينُ لَكم جَمِيعَ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الهُدى، وما تَرَكَهُ فَهو إنَّما يَتْرُكُهُ رَحْمَةً لَكم ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] فَلا تَبْحَثُوا عَنْهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ عِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِأنَّ قُدْرَتَهُ شامِلَةٌ فَهو قادِرٌ عَلى نُصْرَةِ مَن يُرِيدُ والِانْتِقامِ مِمَّنْ يُرِيدُ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُحِبَّ إلّا فِيهِ ولا يُبْغِضَ إلّا فِيهِ ولا يَهْتَمَّ بِعَداوَةِ أحَدٍ مِمَّنْ عاداهُ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿لَهُ﴾ أيْ بِكُلِّ اعْتِبارٍ تَعُدُّونَهُ مِنَ اعْتِباراتِ الكَمالِ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَهو خَبِيرٌ بِكُلِّ ما يَنْفَعُكم ويَضُرُّكم وهو ولِيُّكُمْ، يُبَيِّنُهُ لَكُمْ، ومَن كانَ لَهُ جَمِيعُ المُلْكِ كانَ بِحَيْثُ لا يَسْتَعْصِي عَلى أمْرِهِ شَيْءٌ: عِلْمٌ ولا غَيْرُهُ، لِأنَّ العِلْمَ مِن أعْظَمِ القُوى والقُدَرِ، ولا يَكُونُ المَلِكُ إلّا عالِمًا قادِرًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ قُدْرَتَهُ وعِلْمَهُ بِما يُشاهَدُ مُتَكَرِّرًا مِن فِعْلِهِ في الحَيَوانِ والنَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ بِكُلِّ مَعْنًى فَهو الَّذِي أحْياكم وغَيْرَكُمُ الحَياةَ الجُسْمانِيَّةَ وخَصَّكم أنْتُمْ بِالحَياةِ الإيمانِيَّةِ، وكَما جَعَلَ غَيْرَكم بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، وجَمَعَهم كُلَّهم عَلى وِلايَةِ عَدُوِّهِمُ الشَّيْطانِ جَعَلَكم أنْتُمْ أوْلِياءَ رَبِّكُمُ الرَّحْمَنِ؛ فَهو ولِيُّكم وناصِرُكم ”وما“ أيْ والحالُ أنَّهُ ”ما لَكم“ ولَمّا كانَ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَجُوزَ كُلَّ ما دُونَ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ [المَلِكِ] الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ قَرِيبٍ يَفْعَلُ مَعَكم مِنَ الحِياطَةِ والنُّصْحِ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مِنَ النُّصْرَةِ وغَيْرُهُ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَنْصُرُهُ غَيْرُ قَرِيبِهِ قالَ.

﴿ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ: فَلا تُوالُوا إلّا مَن كانَ مِن حِزْبِهِ وأهْلِ حُبِّهِ وقُرْبِهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ لِمَن أقْدَمَ عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَتَّقِيَ لا سِيَّما المُلايَنَةُ لِأعْداءِ اللَّهِ مِنَ المُساتِرِينَ والمُصارِحِينَ، فَإنَّ غايَةَ ذَلِكَ مُوالاتُهم وهي لا تُغْنِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.

At-Tawba 9:116Listen in Qur'an →
117

لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍۢ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

Allah has already forgiven the Prophet and the Muhajireen and the Ansar who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.

ولَمّا أشارَ إلى أنَّهُ هو ولِيُّهم أحْياهم بِرُوحٍ مِنهُ مُبَيِّنٌ لَهم ما يُصْلِحُهم وأنَّهُ لا ولِيَّ لَهم غَيْرُهُ، أقامَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿عَلى النَّبِيِّ﴾ أيِ الَّذِي لا يَزالُ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ خَبَرٌ عَظِيمٌ يُرْشِدُهُ إلى ما يُؤْذِنُ بِتَقْوِيَةِ حَياتِهِ بِرَفْعِ دَرَجاتِهِ، فَما مِن مَقامٍ يُرَقِّيهِ إلَيْهِ إلّا رَأى أنَّهُ لِمَزِيدِ عُلُوِّهِ وتَقَرُّبِهِ لِلْمَقامِ الَّذِي كانَ دُونَهُ، فَهو في كُلِّ لَمْحَةٍ في ارْتِقاءٍ مِن كامِلٍ إلى أكْمَلَ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِعُلُوِّ رُتْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَرْقِيَتِهِ في رُتَبِ الكَمالاتِ والأكْمَلِيّاتِ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ عَلى وجْهٍ هو في غايَةِ البَعْثِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ عَلى المُبادَرَةِ إلى التَّوْبَةِ، أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ بِمَحْوِ هَفَواتِهِمْ ورَفْعِ دَرَجاتِهِمْ ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أيِ النَّبِيَّ ﷺ ﴿فِي ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ أيْ أزْمِنَةِ عِزْوَةِ تَبُوكَ، كانُوا في عُسْرَةٍ مِنَ الزَّمانِ بِالجَدْبِ والضِّيقَةِ الشَّدِيدَةِ والحَرِّ الشَّدِيدِ، وعُسْرَةٍ مِنَ الظَّهْرِ ”يَعْتَقِبُ العَشَرَةُ“ عَلى بَعِيرٍ واحِدٍ. وعُسْرَةٍ مِنَ الزّادِ ”تَزَوَّدُوا التَّمْرَ [المُدَوِّدَ] والشَّعِيرَ [المُسَوِّسَ] والإهالَةَ الزَّنِخَةَ“، وبَلَغَتْ بِهِمُ الشِّدَّةُ أنِ اقْتَسَمَ التَّمْرَةَ اثْنانِ، ورُبَّما مَصَّها الجَماعَةُ لِيَشْرَبُوا عَلَيْها الماءَ، وفي عُسْرَةٍ مِنَ الماءِ حَتّى نَحَرُوا الإبِلَ واعْتَصَرُوا فُرُوثَها؛ وسَمّاها ساعَةً تَهْوِينًا لِأوْقاتِ الكُرُوبِ وتَشْجِيعًا عَلى مُواقَعَةِ المَكارِهِ؛ فَإنَّ أمَدَها يَسِيرٌ وأجْرَها عَظِيمٌ خَطِيرٌ، فَكانَتْ حالُهم بِاتِّباعِهِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ أكْمَلَ مِن حالِهِمْ قَبْلَها، \ وأشارَ سُبْحانَهُ إلى تَفاوُتِهِمْ في الثَّباتِ عَلى مَقاماتٍ عالِيَةٍ، تَرَقَّوْا بِالتَّوْبَةِ إلى أعْلى مِنها، وفي قَبُولِ وساوِسَ أبْعَدَتْهم التَّوْبَةُ عَنْ قَبُولِها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ﴾ أيْ قَرُبَ قُرْبًا عَظِيمًا ﴿يَزِيغُ﴾ أيْ تَزُولُ عَنْ أماكِنِها المُوجِبَةِ لِصَلاحِها، وأشارَ بِ ”مِن“ إلى تَقارُبِ ما بَيْنَ كَيْدُودَةِ الزَّيْغِ والتَّدارُكِ بِالتَّوْبَةِ. ولَمّا كانَ المَقامُ لِلزَّلازِلِ، ناسَبَ التَّعْبِيرُ بِما مِنهُ الِانْقِلابُ والفُرْقَةُ فَقالَ: ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ﴾ أيْ: هم بِحَيْثُ تَحْصُلُ مِنهُمُ الفُرْقَةُ لِما هُناكَ مِنَ الزَّلازِلِ المُمِيلَةِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن عَظِيمِ ما نالَهم مِنَ الشَّدائِدِ فَتَمِيلُ لِذَلِكَ عَنِ الحَقِّ كَأبِي خَيْثَمَةَ، ومَن أحَبَّ الرّاحَةَ وهّابَ السَّفَرَ في ذَلِكَ الحَرِّ الشَّدِيدِ إلى بَنِي الأصْفَرِ المُلُوكِ الصِّيدِ الأبْطالِ الصَّنادِيدِ، وهم مَلْءُ الأرْضِ كَثْرَةً، وقَدْرَ الحَصى عِدَّةً، ومِثْلُ الجِبالِ شِدَّةً، ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لَهُ فَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ سُبْحانَهُ بِالجَمِيعِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قُبَيْلَ مُقارَبَةِ الزَّيْغِ مِن مُباعَدَتِهِ، ولَمّا صارُوا كَمَن لَمْ يُقارِبِ الزَّيْغَ أعْلاهم إلى مَقامٍ آخَرَ عَبَّرَ عَنْ عَظَمَتِهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ [كُلِّهِمْ تَكْرِيرًا لِلرِّفْعَةِ، أوْ عَلى مَن كادَ يَزِيغُ] بِالثَّباتِ عَلى مُباعَدَةِ الزَّلّاتِ وبِالتَّرَقِّي في أعالِي الدَّرَجاتِ إلى المَماتِ: ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ زَيْغَها هَمُّها بِالِانْصِرافِ لِما لَقِيَتْ مِنَ المَشَقَّةِ، قالَ: وقِيلَ: ساءَ ظَنُّها بِما رَأتْهُ مِن شِدَّةِ العُسْرَةِ وقِلَّةِ …

At-Tawba 9:117Listen in Qur'an →
118

وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

And [He also forgave] the three who were left behind [and regretted their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness and their souls confined them and they were certain that there is no refuge from Allah except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allah is the Accepting of repentance, the Merciful.

ولَمّا صَرَّحَ بِالتَّوْبَةِ عَلى مَن قارَبَ الزَّيْغَ وخَلَطَ مَعَهم أهْلَ الثَّباتِ إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ فَقِيرٌ إلى الغَنِيِّ الكَبِيرِ [ولِيَكُونَ اقْتِرانُهم بِأهْلِ المَعالِي، وجَعَلَهم في حَيِّزِهِمْ تَشْرِيفًا لَهم وتَأْنِيسًا لِئَلّا يَشْتَدَّ إنْكارُهُمْ]، أتْبَعَهُ التَّوْبَةَ عَلى مَن وقَعَ مِنهُ الزَّيْغُ فَقالَ غَيْرَ مُصَرِّحٍ بِالزَّيْغِ تَعْلِيمًا [لِلْأدَبِ وجَبْرًا لِلْخَواطِرِ المُنْكَسِرَةِ]: ﴿وعَلى﴾ أيْ: ولَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى ﴿الثَّلاثَةِ الَّذِينَ﴾

ولَمّا كانَ الخالِعُ لِلْقُلُوبِ مُطْلَقَ التَّخْلِيفِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿خُلِّفُوا﴾ أيْ خَلَّفَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالهِجْرانِ ونَهى النّاسَ عَنْ كَلامِهِمْ، وأخَّرَ الحُكْمَ فِيهِمْ لِيَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ في بَيانِ أمْرِهِمْ واسْتَمَرَّ تَخْلِيفُهم ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ﴾ أشارَ إلى عَظِيمِ الأمْرِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمُ الأرْضُ﴾ أيْ كُلُّها ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ مَعَ شِدَّةِ اتِّساعِها، أيْ: ضاقَ عَلَيْهِمْ فَسِيحُها ووَسَعُها.

ولَمّا كانَ هَذا قَدْ يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ، وكانَ ضِيقُ المَحَلِّ [قَدْ] لا يَسْتَلْزِمُ ضِيقَ الصَّدْرِ. أتْبَعُهُ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ المُرادَ المَجازُ فَقالَ: ﴿وضاقَتْ عَلَيْهِمْ﴾ بِالهَمِّ المُزْعِجِ والغَمِّ المُقْلِقِ ﴿أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: مِن شِدَّةِ ما لاقَوْا مِنَ الهِجْرانِ حَتّى بِالكَلامِ حَتّى بِرَدِّ السَّلامِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي التَّوْبَةَ إلّا بِالمُراقَبَةِ، أتْبَعَهُ - ذَلِكَ لِلتَّخَلُّفِ بِها - قَوْلَهُ: ﴿وظَنُّوا﴾ أيْ: أيْقَنُوا، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالظَّنِّ إيذانٌ بِأنَّهم لِشِدَّةِ الحَيْرَةِ كانَتْ قُلُوبُهم لا تَسْتَقِرُّ عَلى حالٍ، فَكانَ يَقِينُهم لِشِدَّةِ الخَواطِرِ كَأنَّهُ ظَنٌّ، [أوْ يُقالُ - وهو حَسَنٌ -: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ عَنْ يَقِينِ المُخْلِصِينَ إشارَةٌ إلى أنَّ أعْلى اليَقِينِ في التَّوْحِيدِ لا يَبْلُغُ الحَقِيقَةَ عَلى ما هي عَلَيْهِ أنْ لا يَقْدِرَ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ لِلَّهِ حَقَّ قَدْرِهِ - كَما قالَ أصْدَقُ الخَلْقِ ﷺ: ««لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ»». وهَذا مِنَ النَّفائِسِ فاسْتَعْمَلَهُ في أمْثالِهِ] ﴿أنْ لا مَلْجَأ﴾ أيْ مَهْرَبَ ومَفْزَعَ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿إلا إلَيْهِ﴾ \ أيْ بِما يُرْضِيهِ، وهو مَثَلٌ لِتَحَيُّرِهِمْ في أمْرِهِمْ، وجَوابُ ﴿إذا﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ صَدْرُ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: تَدارَكَهم بِالتَّوْبَةِ فَرَدَّهم إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ مُواقَعَةِ الذَّنْبِ.

ولَمّا كانَ ما عَمِلُوهُ مِنَ التَّخَلُّفِ عَنْ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ عَظِيمًا بِمُجَرَّدِ المُخالَفَةِ ثُمَّ يَتْرُكُ المُواساةَ ثُمَّ بِالرَّغْبَةِ عَنْهُ ﷺ ثُمَّ بِأُمُورٍ عَظِيمَةٍ شَدِيدَةِ القُبْحِ وخِيمَةٍ فَكانَ يَبْعُدُ مَعَهُ الزِّيادَةُ عَنْ رُتْبَةِ التَّوْبَةِ، أعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ رَقّاهم في رُتَبِ الكَمالِ بِأنْ جَعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَطْهِيرِهِمْ مِن جَمِيعِ الأدْناسِ وتَنْقِيَتِهِمْ مِن سائِرِ الأرْدانِ المُقْتَضِي لِمَزِيدِ القُرْبِ بِالعُرُوجِ في مَصاعِدِ المَعارِفِ - كَما أشارَ إلَيْهِ «قَوْلُهُ ﷺ لِكَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ»»، أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ الإعْلامَ بِهِ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا إلى [ما] بَعْدَهُ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ - بِأداةِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ رَجَعَ بِهِمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ إلى مَقامٍ مِن مَقاماتِ سَلامَةِ الفِطْرَةِ الَّذِي هو أحْسَنُ تَقْوِيمٍ يَعْلُو …

At-Tawba 9:118Listen in Qur'an →
119

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ

O you who have believed, fear Allah and be with those who are true.

ولَمّا كانَ الَّذِي نالُوا بِهِ الإقْبالَ مِن مَوْلاهم عَلَيْهِمْ - مِمّا وصَفَهم بِهِ [مِنَ الضِّيقِ وما مَعَهُ] - هو التَّقْوى والصِّدْقُ في الإيمانِ كَما كانَ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِمّا المَوْتُ عِنْدَهُ والقَذْفُ في النّارِ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ التَّلَفُّظِ بِهِ صَرِيحَ الإيمانِ بِشَهادَةِ المُصْطَفى ﷺ، رَغَّبَ سُبْحانَهُ في الصِّدْقِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوْا ذَلِكَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ خافُوا سَطْوَةَ مَن لَهُ العَظَمَةُ الكامِلَةُ تَصْدِيقًا لِدَعْواكم فَلا تَفْعَلُوا إلّا ما يُرْضِيهِ ﴿وكُونُوا﴾ أيْ كَوْنًا صادِقًا بِجَمِيعِ الطَّبْعِ والجِبِلَّةِ ﴿مَعَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ في كُلِّ أمْرٍ يُطْلَبُ مِنهُمْ، ولَعَلَّهُ أخْرَجَ الأمْرَ مَخْرَجَ العُمُومِ لِيَشْمَلَ كُلَّ مُؤْمِنٍ، فَمَن كانَ مُقَصِّرًا كانَتْ آمِرَةً لَهُ بِاللَّحاقِ، ومَن كانَ مُسابِقًا كانَتْ حاثَّةً لَهُ عَلى حِفْظِ مَقامِ الِاسْتِباقِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِ ”مَعَ“ لِيَشْمَلَ أدْنى الدَّرَجاتِ، وهو الكَوْنُ بِالجَثِّ، وقَدْ رَوى البُخارِيُّ تَوْبَةَ كَعْبٍ أحَدِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في مَواضِعَ مِن صَحِيحِهِ مِنها التَّفْسِيرُ، وكَذا رَواهُ غَيْرُهُ عَنْ كَعْبٍ نَفْسِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««أنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةٍ غَزاها قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ: غَزْوَةُ العُسْرَةِ - يَعْنِي هَذِهِ - وغَزْوَةُ بَدْرٍ. وأنَّ تَخَلُّفَهُ بِبَدْرٍ إنَّما كانَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ] لَمْ يَنْدُبِ النّاسَ إلَيْها ولا حَثَّهم عَلَيْها؛ لِأنَّهُ ما خَرَجَ أوَّلًا إلّا لِأجْلِ العِيرِ، قالَ: فَأجْمَعْتُ صُدَقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانَ قَلَّ ما يَقْدَمُ مِن سَفَرٍ سافَرَهُ إلّا ضُحًى، وكانَ يَبْدَأُ بِالمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، ونَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلامِي وكَلامِ صاحِبَيَّ - يَعْنِي مُرارَةَ بْنَ الرَّبِيعِ العَمْرِيَّ وهِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ الواقِفِيَّ - ولَمْ يَنْهَ عَنْ كَلامِ أحَدٍ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ غَيْرَنا، فاجْتَنَبَ النّاسُ كَلامُنا فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتّى طالَ عَلَيَّ الأمْرُ، وما مِن شَيْءٍ أهَمَّ إلَيَّ مِن أنْ أمُوتَ فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أوْ يَمُوتَ النَّبِيُّ ﷺ فَأكُونَ مِنَ النّاسِ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ فَلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ مِنهم ولا يُصَلِّي عَلَيَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ تَوْبَتَنا عَلى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلْثُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وكانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً في شَأْنِي مَعْنِيَّةً في أمْرِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا أُمَّ سَلَمَةَ ! تِيبَ عَلى كَعْبٍ، قالَتْ: أفَلا أُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قالَ: «إذَنْ يَحْطِمَكُمُ النّاسُ فَيَمْنَعُوكُمُ النَّوْمَ سائِرَ اللَّيْلَةِ». حَتّى إذا صَلّى رَسُولُ اللَّهُ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلاةَ الفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنا، وكانَ إذا اسْتَبْشَرَ اسْتَنارَ وجْهُهُ حَتّى كَأنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ القَمَرِ، وكُنّا - أيُّها الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا - خُلِّفْنا عَنِ الأمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ لَنا التَّوْبَةَ، فَلَمّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ واعْتَذَرُوا بِالباطِلِ ذُكِرُوا بِشَرِّ ما ذُكِرَ بِهِ أحَدٌ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٤] الآيَةَ».

At-Tawba 9:119Listen in Qur'an →
120

مَا كَانَ لِأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌۭ وَلَا نَصَبٌۭ وَلَا مَخْمَصَةٌۭ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوْطِئًۭا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّۢ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌۭ صَٰلِحٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

It was not [proper] for the people of Madinah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allah or that they prefer themselves over his self. That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allah, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allah does not allow to be lost the reward of the doers of good.

ولَمّا كانَ ما نالَهم مِنَ الأهْوالِ إنَّما نالَهم بِتَخَلُّفِهِمْ عَنْ أشْرَفِ الخَلْقِ، والَّذِي التَفَتَ بِهِمْ إلى مَرابِعِ الإقْبالِ إنَّما هو الصِّدْقُ، قالَ تَعالى ناهِيًا بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِيَكُونَ أبْلَغَ، جامِعًا إلَيْهِمْ مَن كانَ عَلى مِثْلِ حالِهِمْ في مُطْلَقِ التَّخَلُّفِ: ﴿ما كانَ﴾ أيْ: ما صَحَّ وما انْبَغى بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿لأهْلِ المَدِينَةِ﴾ أيِ الَّتِي هي سَكَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي دارُ الهِجْرَةِ ومَعْدِنُ النُّصْرَةِ ﴿ومَن حَوْلَهُمْ﴾ أيْ: في جَمِيعِ نَواحِي المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ ﴿مِنَ الأعْرابِ﴾ أيْ مِن سُكّانِ البَوادِي الَّذِينَ أقْسَمُوا بِالإسْلامِ ﴿أنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ أيْ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى، ومِن شَأْنِ المُرْسَلِ إلَيْهِ أنْ لا يَبْرَحَ عَنْ جَنانِ الرَّسُولِ لا سِيَّما وهو رَأْسُ الصّادِقِينَ الَّذِينَ وقَعَ الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَهم ﴿ولا يَرْغَبُوا﴾ أيْ و[ما] كانَ لَهم أنْ يَرْغَبُوا، ولَعَلَّهُ قَلَّلَهم بِصِيغَةِ القِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن أيَّدَهُ بِهِ ﷺ مِن جُنُودِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيِ الَّتِي هي أشْرَفُ النُّفُوسِ مُطْلَقًا بِأنْ يَصُونُوا نُفُوسَهم عَمّا باشَرَهُ ﷺ بَلْ يُلْقُونَها في المَتالِفِ دُونَهُ وصِيانَةً لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ عَنْ أدْنى الأذى، فَهي كالتَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى؛ أيْ: خافُوا اللَّهَ وأصْدِقُوهُ كَما صَدَقَ هَؤُلاءِ "لِيَتُوبَ عَلَيْكم كَما تابَ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَكُمُ التَّخَلُّفُ فَهو نَهْيٌ بَلِيغٌ مَعَ تَقْبِيحٍ وتَوْبِيخٍ وإلْهابٍ وتَهْيِيجٍ.

ولَمّا عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّقْوى عَلَّلَ النَّهْيَ عَنِ التَّخَلُّفِ بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ الإيمانِ فَيَصِيرُ نَقِيضُهُ دالًّا عَلى نَقِيضِهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ النَّهْيُ العَظِيمُ عَنِ التَّخَلُّفِ في هَذا الأُسْلُوبِ النّافِي لِلْكَوْنِ ﴿بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ أيْ عَطَشٌ شَدِيدٌ ﴿ولا نَصَبٌ﴾ أيْ: تَعَبٌ بالِغٌ ﴿ولا مَخْمَصَةٌ﴾ أيْ شِدَّةُ مَجاعَةٍ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ طُرُقِ دِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُتَوَصِّلَةِ بِهِ إلى جِهادِ أعْدائِهِ، ورُتِّبَتْ هَذِهِ الأشْياءُ تَرْتِيبَها في الوُجُودِ؛ فَإنَّ مُطْلَقَ الحَرَكَةِ يُهَيِّجُ الحَرارَةَ فَيَنْشَأُ العَطَشُ وتَمادِيَها يُورِثُ التَّعَبَ، والأغْلَبُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُوعِ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن إجْهادِ النَّفْسِ بِما ذُكِرَ إرْغامَ الكُفّارِ بِاقْتِحامِ أرْضِهِمُ المُتَوَصِّلِ بِهِ إلى إيمانِهِمْ بِالنَّيْلِ مِنهُمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ أيْ: وطْأً أوْ مَكانًا وطْؤُهُ ﴿يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيْ وطْؤُهم لَهُ بِأرْجُلِهِمْ أوْ دَوابِّهِمْ ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا﴾ أيْ: كائِنًا ما كانَ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا ﴿إلا كُتِبَ لَهم بِهِ﴾ أيْ في صَحائِفِ الأعْمالِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ القَصْدَ إثْباتُهُ لا مِن مُعَيَّنٍ ﴿عَمَلٌ صالِحٌ﴾ أيْ تَرَتَّبَ لَهم عَلَيْهِ أجْرُ جَزِيلٌ.

ولَمّا كانَ فاعِلُ هَذِهِ الأشْياءِ مُقَدَّمًا عَلى المَعاطِبِ في نَفْسِهِ ومُحَصِّلًا لِعَرْضِ الجِهادِ، أُشِيرَ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ في جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ إلى أنَّهُ مُحْسِنٌ، أمّا في حَقِّ نَفْسِهِ فَبِإقامَةِ الدَّلِيلِ بِطاعَتِهِ عَلى صِدْقِ إيمانِهِ. وأمّا في غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَبِحِمايَتِهِمْ عَنْ طَمَعِ الكافِرِينَ. وأمّا في حَقِّ الكُفّارِ فَبِحَمْلِهِمْ عَلى الإيمانِ بِغايَةِ الإمْكانِ، فَقالَ تَعالى مُعَلِّلًا لِلْمُجازاةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿لا يُضِيعُ﴾ أيْ لا يَتْرُكُ …

At-Tawba 9:120Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.