Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 111–120 of 129

111

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ ۚ فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Indeed, Allah has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allah, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur'an. And who is truer to his covenant than Allah? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.

﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾:

نَزَلَتْ في البَيْعَةِ الثّانِيَةِ وهي بَيْعَةُ العَقَبَةِ الكُبْرى، وهي الَّتِي أنافَ فِيها رِجالٌ الأنْصارِ عَلى السَّبْعِينَ، وكانَ أصْغَرُهم سِنًّا عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو. وذَلِكَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ العَقَبَةِ، فَقالُوا: اشْتَرِطْ لَكَ ولِرَبِّكَ، والمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فاشْتَرَطَ ﷺ حِمايَتَهُ مِمّا يَحْمُونَ مِنهُ أنْفُسَهم، واشْتَرَطَ لِرَبِّهِ التِزامَ الشَّرِيعَةِ وقِتالَ الأحْمَرِ والأسْوَدِ في الدَّفْعِ عَنِ الحَوْزَةِ، فَقالُوا: ما لَنا عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ: الجَنَّةُ، فَقالُوا: نَعَمْ رَبِحَ البَيْعُ، لا تُقِيلُ ولا نُقائِلُ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: ولا نَسْتَقِيلُ، فَنَزَلَتْ.

والآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ مَن جاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «نَزَلَتْ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ فَكَبَّرَ النّاسُ، فَأقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ ثانِيًا طَرَفَ رِكابِهِ عَلى أحَدِ عاتِقَيْهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“ فَقالَ: بَيْعٌ رَبِحٌ، لا تُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: فَخَرَجَ إلى الغَزْوِ فاسْتُشْهِدَ» . وقالَ الحَسَنُ: لا واللَّهِ إنْ في الأرْضِ مُؤْمِنٌ إلّا وقَدْ أحْدَثَ بَيْعَتَهُ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ والأعْمَشُ: ”وأمْوالَهم بِالجَنَّةِ“، مَثَّلَ تَعالى إثابَتَهم بِالجَنَّةِ عَلى بَذْلِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ في سَبِيلِهِ بِالشِّراءِ، وقَدَّمَ الأنْفُسَ عَلى الأمْوالِ ابْتِداءً بِالأشْرَفِ وبِما لا عِوَضَ لَهُ إذا فُقِدَ. وفي لَفْظَةِ (اشْتَرى) لَطِيفَةٌ وهي: رَغْبَةُ المُشْتَرِي فِيما اشْتَراهُ، واغْتِباطُهُ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ باعُوا، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الشِّراءَ هو مَعَ المُجاهِدِينَ. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: (اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهم) أنْ لا يَعْمَلُوها إلّا في طاعَةٍ، (وأمْوالَهم) أنْ لا يُنْفِقُوها إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ، فالآيَةُ عَلى هَذا أعَمُّ مِنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ (يُقاتِلُونَ) مُسْتَأْنَفًا، ذَكَرَ أعْظَمَ أحْوالِهِمْ، ونَبَّهَ عَلى أشْرَفَ مَقامِهِمْ. وعَلى الظّاهِرِ وقَوْلِ الجُمْهُورِ يَكُونُ (يُقاتِلُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والعَرَبِيّانِ، والحَرَمِيّانِ، وعاصِمٌ: أوَّلًا عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وثانِيًا عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ والأخَوانِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، والمَعْنى واحِدٌ، إذِ الغَرَضُ أنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتَلُونَ ويُؤْخَذُ مِنهم مَن يُقْتَلُ، وفِيهِمْ مَن يَقْتُلُ، وفِيهِمْ مَن يَجْتَمِعُ لَهُ الأمْرانِ، وفِيهِمْ مَن لا يَقَعُ لَهُ واحِدٌ مِنهُما، بَلْ تَحْصُلُ مِنهُمُ المُقاتَلَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقاتِلُونَ فِيهِ مَعْنى الأمْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] . انْتَهى. فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّ ما فِيهِ مَعْنى الأمْرِ لا يَقَعُ حالًا. وانْتَصَبَ (وعْدًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ …

At-Tawba 9:111Listen in Qur'an →
112

ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلْعَٰبِدُونَ ٱلْحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلْءَامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allah], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allah. And give good tidings to the believers.

﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾:

نَزَلَتْ في البَيْعَةِ الثّانِيَةِ وهي بَيْعَةُ العَقَبَةِ الكُبْرى، وهي الَّتِي أنافَ فِيها رِجالٌ الأنْصارِ عَلى السَّبْعِينَ، وكانَ أصْغَرُهم سِنًّا عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو. وذَلِكَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ العَقَبَةِ، فَقالُوا: اشْتَرِطْ لَكَ ولِرَبِّكَ، والمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فاشْتَرَطَ ﷺ حِمايَتَهُ مِمّا يَحْمُونَ مِنهُ أنْفُسَهم، واشْتَرَطَ لِرَبِّهِ التِزامَ الشَّرِيعَةِ وقِتالَ الأحْمَرِ والأسْوَدِ في الدَّفْعِ عَنِ الحَوْزَةِ، فَقالُوا: ما لَنا عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ: الجَنَّةُ، فَقالُوا: نَعَمْ رَبِحَ البَيْعُ، لا تُقِيلُ ولا نُقائِلُ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: ولا نَسْتَقِيلُ، فَنَزَلَتْ.

والآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ مَن جاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «نَزَلَتْ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ فَكَبَّرَ النّاسُ، فَأقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ ثانِيًا طَرَفَ رِكابِهِ عَلى أحَدِ عاتِقَيْهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“ فَقالَ: بَيْعٌ رَبِحٌ، لا تُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: فَخَرَجَ إلى الغَزْوِ فاسْتُشْهِدَ» . وقالَ الحَسَنُ: لا واللَّهِ إنْ في الأرْضِ مُؤْمِنٌ إلّا وقَدْ أحْدَثَ بَيْعَتَهُ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ والأعْمَشُ: ”وأمْوالَهم بِالجَنَّةِ“، مَثَّلَ تَعالى إثابَتَهم بِالجَنَّةِ عَلى بَذْلِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ في سَبِيلِهِ بِالشِّراءِ، وقَدَّمَ الأنْفُسَ عَلى الأمْوالِ ابْتِداءً بِالأشْرَفِ وبِما لا عِوَضَ لَهُ إذا فُقِدَ. وفي لَفْظَةِ (اشْتَرى) لَطِيفَةٌ وهي: رَغْبَةُ المُشْتَرِي فِيما اشْتَراهُ، واغْتِباطُهُ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ باعُوا، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الشِّراءَ هو مَعَ المُجاهِدِينَ. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: (اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهم) أنْ لا يَعْمَلُوها إلّا في طاعَةٍ، (وأمْوالَهم) أنْ لا يُنْفِقُوها إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ، فالآيَةُ عَلى هَذا أعَمُّ مِنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ (يُقاتِلُونَ) مُسْتَأْنَفًا، ذَكَرَ أعْظَمَ أحْوالِهِمْ، ونَبَّهَ عَلى أشْرَفَ مَقامِهِمْ. وعَلى الظّاهِرِ وقَوْلِ الجُمْهُورِ يَكُونُ (يُقاتِلُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والعَرَبِيّانِ، والحَرَمِيّانِ، وعاصِمٌ: أوَّلًا عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وثانِيًا عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ والأخَوانِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، والمَعْنى واحِدٌ، إذِ الغَرَضُ أنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتَلُونَ ويُؤْخَذُ مِنهم مَن يُقْتَلُ، وفِيهِمْ مَن يَقْتُلُ، وفِيهِمْ مَن يَجْتَمِعُ لَهُ الأمْرانِ، وفِيهِمْ مَن لا يَقَعُ لَهُ واحِدٌ مِنهُما، بَلْ تَحْصُلُ مِنهُمُ المُقاتَلَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقاتِلُونَ فِيهِ مَعْنى الأمْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] . انْتَهى. فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّ ما فِيهِ مَعْنى الأمْرِ لا يَقَعُ حالًا. وانْتَصَبَ (وعْدًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ …

At-Tawba 9:112Listen in Qur'an →
113

مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.

﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: ومَدارُهُ عَلى ابْنِ المُسَيِّبِ، والزُّهْرِيِّ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، «نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي طالِبٍ حِينَ احْتُضِرَ فَوَعَظَهُ وقالَ: ”أيْ عَمِّ قُلْ لا إلَهَ إلّا لِلَّهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ“ وكانَ بِالحَضْرَةِ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ فَقالا لَهُ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟ فَقالَ أبُو طالِبٍ: يا مُحَمَّدُ لَوْلا أنِّي أخافُ أنْ يُعَيَّرَ بِها ولَدِي مِن بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، ثُمَّ قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وماتَ، فَنَزَلَتْ: (إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ) فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ“ فَكانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَتَرَكَ الِاسْتِغْفارَ لِأبِي طالِبٍ» . ورُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا رَأوْهُ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ جَعَلُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتاهم، فَلِذَلِكَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ .

وقالَ فُضَيْلُ بْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ أتى قَبْرَ أُمِّهِ ووَقَفَ عَلَيْهِ حَتّى سَخُنَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وجَعَلَ يَرْغَبُ في أنْ يُؤْذَنَ لَهُ في الِاسْتِغْفارِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَأخْبَرَ أنَّهُ أُذِنَ لَهُ في زِيارَةِ قَبْرِها ومُنِعَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَها، ونَزَلَتِ الآيَةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِهِ: واللَّهِ لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: بِسَبَبِ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: نَسْتَغْفِرُ لِمَوْتانا كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ. وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ (ما كانَ لِلنَّبِيِّ) الآيَةَ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهم عَلى أيِّ حالٍ كانُوا، ولَوْ في حالِ كَوْنِهِمْ أُولِي قُرْبى. فَقَوْلُهُ: (ولَوْ كانُوا) جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى حالٍ مُقَدَّرَةٍ، وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، أنَّ ”ولَوْ“ تَأْتِي لِاسْتِقْصاءِ ما لَوْلاها لَمْ يَكُنْ لِيَدْخُلَ فِيما قَبْلَها ما بَعْدَها. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى المُبالَغَةِ في إظْهارِ البَراءَةِ عَنِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمَنعِ مِن مُواصَلَتِهِمْ ولَوْ كانُوا في غايَةِ القُرْبِ، ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الشَّرِيفِ مِنَ النُّبُوَّةِ والإيمانِ، وأنَّهُ مُنافٍ لِلِاسْتِغْفارِ لِمَن ماتَ عَلى ضِدِّهِ وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ. ومَعْنى (مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ)، أيْ: وضُحَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ لِمُوافاتِهِمْ عَلى الشِّرْكِ، والتَّبَيُّنُ هو بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى (إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ) والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ هُنا هو طَلَبُ المَغْفِرَةِ، وبِهِ تَظافَرَتْ أسْبابُ النُّزُولِ. وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الآيَةُ في النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ عَلى المُشْرِكِينَ، والِاسْتِغْفارُ هُنا يُرادُ بِهِ الصَّلاةُ. قالُوا: والِاسْتِغْفارُ لِلْمُشْرِكِ الحَيِّ جائِزٌ إذْ يُرْجى إسْلامُهُ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ: رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأبِي هُرَيْرَةَ ولِأُمِّهِ، قِيلَ لَهُ: ولِأبِيهِ ؟ قالَ: لا لِأنَّ أبِي ماتَ كافِرًا، فَإنْ ورَدَ نَصٌّ مِنَ اللَّهِ عَلى أحَدٍ أنَّهُ مِن …

At-Tawba 9:113Listen in Qur'an →
114

وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍۢ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّۭ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌۭ

And the request of forgiveness of Abraham for his father was only because of a promise he had made to him. But when it became apparent to Abraham that his father was an enemy to Allah, he disassociated himself from him. Indeed was Abraham compassionate and patient.

﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: ومَدارُهُ عَلى ابْنِ المُسَيِّبِ، والزُّهْرِيِّ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، «نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي طالِبٍ حِينَ احْتُضِرَ فَوَعَظَهُ وقالَ: ”أيْ عَمِّ قُلْ لا إلَهَ إلّا لِلَّهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ“ وكانَ بِالحَضْرَةِ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ فَقالا لَهُ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟ فَقالَ أبُو طالِبٍ: يا مُحَمَّدُ لَوْلا أنِّي أخافُ أنْ يُعَيَّرَ بِها ولَدِي مِن بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، ثُمَّ قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وماتَ، فَنَزَلَتْ: (إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ) فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ“ فَكانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَتَرَكَ الِاسْتِغْفارَ لِأبِي طالِبٍ» . ورُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا رَأوْهُ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ جَعَلُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتاهم، فَلِذَلِكَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ .

وقالَ فُضَيْلُ بْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ أتى قَبْرَ أُمِّهِ ووَقَفَ عَلَيْهِ حَتّى سَخُنَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وجَعَلَ يَرْغَبُ في أنْ يُؤْذَنَ لَهُ في الِاسْتِغْفارِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَأخْبَرَ أنَّهُ أُذِنَ لَهُ في زِيارَةِ قَبْرِها ومُنِعَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَها، ونَزَلَتِ الآيَةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِهِ: واللَّهِ لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: بِسَبَبِ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: نَسْتَغْفِرُ لِمَوْتانا كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ. وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ (ما كانَ لِلنَّبِيِّ) الآيَةَ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهم عَلى أيِّ حالٍ كانُوا، ولَوْ في حالِ كَوْنِهِمْ أُولِي قُرْبى. فَقَوْلُهُ: (ولَوْ كانُوا) جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى حالٍ مُقَدَّرَةٍ، وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، أنَّ ”ولَوْ“ تَأْتِي لِاسْتِقْصاءِ ما لَوْلاها لَمْ يَكُنْ لِيَدْخُلَ فِيما قَبْلَها ما بَعْدَها. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى المُبالَغَةِ في إظْهارِ البَراءَةِ عَنِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمَنعِ مِن مُواصَلَتِهِمْ ولَوْ كانُوا في غايَةِ القُرْبِ، ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الشَّرِيفِ مِنَ النُّبُوَّةِ والإيمانِ، وأنَّهُ مُنافٍ لِلِاسْتِغْفارِ لِمَن ماتَ عَلى ضِدِّهِ وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ. ومَعْنى (مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ)، أيْ: وضُحَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ لِمُوافاتِهِمْ عَلى الشِّرْكِ، والتَّبَيُّنُ هو بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى (إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ) والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ هُنا هو طَلَبُ المَغْفِرَةِ، وبِهِ تَظافَرَتْ أسْبابُ النُّزُولِ. وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الآيَةُ في النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ عَلى المُشْرِكِينَ، والِاسْتِغْفارُ هُنا يُرادُ بِهِ الصَّلاةُ. قالُوا: والِاسْتِغْفارُ لِلْمُشْرِكِ الحَيِّ جائِزٌ إذْ يُرْجى إسْلامُهُ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ: رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأبِي هُرَيْرَةَ ولِأُمِّهِ، قِيلَ لَهُ: ولِأبِيهِ ؟ قالَ: لا لِأنَّ أبِي ماتَ كافِرًا، فَإنْ ورَدَ نَصٌّ مِنَ اللَّهِ عَلى أحَدٍ أنَّهُ مِن …

At-Tawba 9:114Listen in Qur'an →
115

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

And Allah would not let a people stray after He has guided them until He makes clear to them what they should avoid. Indeed, Allah is Knowing of all things.

﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾: ماتَ قَوْمٌ كانَ عَمَلُهم عَلى الأمْرِ الأوَّلِ؛ كاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، فَسَألَ قَوْمٌ الرَّسُولَ بَعْدَ مَجِيءِ النَّسْخِ ونُزُولِ الفَرائِضِ عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: أسْلَمَ قَوْمٌ مِنَ الأعْرابِ فَعَمِلُوا بِما شاهَدُوا الرَّسُولَ يَفْعَلُهُ مِنَ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وصِيامِ الأيّامِ البِيضِ، ثُمَّ قَدِمُوا عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ ويَصُومُ رَمَضانَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ دِنّا بَعْدَكَ بِالضَّلالِ، إنَّكَ عَلى أمْرٍ وإنّا عَلى غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: خافَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُؤْنِسَةً، أيْ: ما كانَ اللَّهُ بَعْدَ أنْ هَدى لِلْإسْلامِ وأنْقَذَ مِنَ النّارِ لِيُحْبِطَ ذَلِكَ ويُضِلَّ أهْلَهُ لِمُقارَفَتِهِمْ ذَنْبًا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ نَهْيٌ عَنْهُ. فَأمّا إذْ بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ مِنَ الأمْرِ، ويَتَجَنَّبُونَ مِنَ الأشْياءِ - فَحِينَئِذٍ مَن واقَعَ بَعْدَ النَّهْيِ اسْتَوْجَبَ العُقُوبَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ما أمَرَ اللَّهُ بِاتِّقائِهِ واجْتِنابِهِ كالِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ وغَيْرِهِ مِمّا نَهى عَنْهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ مَحْظُورٌ، ولا يُؤاخِذُ بِهِ عِبادَهُ الَّذِينَ هَداهم لِلْإسْلامِ، ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا ولا يَخْذُلُهم إلّا إذا أقْدَمُوا عَلَيْهِ بَعْدَ بَيانِ حَظْرِهِ عَلَيْهِمْ، وعِلْمِهِ بِأنَّهُ واجِبُ الِاتِّقاءِ والِاجْتِنابِ، وأمّا قَبْلَ العِلْمِ والبَيانِ فَلا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، كَما لا يُؤاخَذُونَ بِشُرْبِ الخَمْرِ ولا بِبَيْعِ الصّاعِ بِالصّاعَيْنِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ. وهَذا بَيانٌ لِعُذْرِ مَن خافَ المُؤاخَذَةَ بِالِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ. في هَذِهِ الآيَةِ شَدِيدَةٌ ما يَنْبَغِي أنْ يُغْفَلَ عَنْها، وهي أنَّ المَهْدِيَّ لِلْإسْلامِ إذا أقْبَلَ عَلى بَعْضِ مَحْظُوراتِ اللَّهِ - داخِلٌ في حُكْمِ الضَّلالِ، والمُرادُ بِـ (ما يَتَّقُونَ) ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ لِلنَّهْيِ. فَأمّا ما يُعْلَمُ بِالعَقْلِ كالصِّدْقِ في الخَبَرِ ورَدِّ الوَدِيعَةِ فَغَيْرُ مَوْقُوفٌ عَلى التَّوْقِيفِ. انْتَهى. وفي هَذا الأخِيرِ مِن كَلامِهِ وفي قَوْلِهِ قَبْلُ في تَفْسِيرِ (لَيُضِلَّ): ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا ولا يَخْذُلُهم - دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وفي كَلامِهِ إسْهابٌ، وهو بَسْطُ ما قالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ما كانَ لِيُضِلَّكم بِالِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ إذْ هَداكم لِلْإيمانِ حَتّى يَتَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ويُبَيِّنَهُ لَكم فَتَتَّقُوهُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ فِي أسْبابِ النُّزُولِ ما يَشْرَحُ بِهِ الآيَةَ مِن سُؤالِهِمْ عَمَّنْ ماتَ وقَدْ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وشَرِبَ الخَمْرَ، ومِن قِصَّةِ الأعْرابِ.

والَّذِي يَظْهَرُ في مُناسَبَةِ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها وفي شَرْحِها - أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يَسْتَغْفِرُ لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، كانَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي الَّتِي بَعْدَها تَبايُنٌ ما بَيْنَ القَرابَةِ حَتّى مُنِعُوا مِنَ الِاسْتِغْفارِ لَهم، فَمُنِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ وهو الَّذِي تَوَلّى تَرْبِيَتَهُ ونَصْرَهُ وحِفْظَهُ إلى أنْ ماتَ، ومُنِعَ إبْراهِيمُ مِنَ …

At-Tawba 9:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ

Indeed, to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth; He gives life and causes death. And you have not besides Allah any protector or any helper.

﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾: ماتَ قَوْمٌ كانَ عَمَلُهم عَلى الأمْرِ الأوَّلِ؛ كاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، فَسَألَ قَوْمٌ الرَّسُولَ بَعْدَ مَجِيءِ النَّسْخِ ونُزُولِ الفَرائِضِ عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: أسْلَمَ قَوْمٌ مِنَ الأعْرابِ فَعَمِلُوا بِما شاهَدُوا الرَّسُولَ يَفْعَلُهُ مِنَ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وصِيامِ الأيّامِ البِيضِ، ثُمَّ قَدِمُوا عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ ويَصُومُ رَمَضانَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ دِنّا بَعْدَكَ بِالضَّلالِ، إنَّكَ عَلى أمْرٍ وإنّا عَلى غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: خافَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُؤْنِسَةً، أيْ: ما كانَ اللَّهُ بَعْدَ أنْ هَدى لِلْإسْلامِ وأنْقَذَ مِنَ النّارِ لِيُحْبِطَ ذَلِكَ ويُضِلَّ أهْلَهُ لِمُقارَفَتِهِمْ ذَنْبًا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ نَهْيٌ عَنْهُ. فَأمّا إذْ بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ مِنَ الأمْرِ، ويَتَجَنَّبُونَ مِنَ الأشْياءِ - فَحِينَئِذٍ مَن واقَعَ بَعْدَ النَّهْيِ اسْتَوْجَبَ العُقُوبَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ما أمَرَ اللَّهُ بِاتِّقائِهِ واجْتِنابِهِ كالِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ وغَيْرِهِ مِمّا نَهى عَنْهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ مَحْظُورٌ، ولا يُؤاخِذُ بِهِ عِبادَهُ الَّذِينَ هَداهم لِلْإسْلامِ، ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا ولا يَخْذُلُهم إلّا إذا أقْدَمُوا عَلَيْهِ بَعْدَ بَيانِ حَظْرِهِ عَلَيْهِمْ، وعِلْمِهِ بِأنَّهُ واجِبُ الِاتِّقاءِ والِاجْتِنابِ، وأمّا قَبْلَ العِلْمِ والبَيانِ فَلا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، كَما لا يُؤاخَذُونَ بِشُرْبِ الخَمْرِ ولا بِبَيْعِ الصّاعِ بِالصّاعَيْنِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ. وهَذا بَيانٌ لِعُذْرِ مَن خافَ المُؤاخَذَةَ بِالِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ. في هَذِهِ الآيَةِ شَدِيدَةٌ ما يَنْبَغِي أنْ يُغْفَلَ عَنْها، وهي أنَّ المَهْدِيَّ لِلْإسْلامِ إذا أقْبَلَ عَلى بَعْضِ مَحْظُوراتِ اللَّهِ - داخِلٌ في حُكْمِ الضَّلالِ، والمُرادُ بِـ (ما يَتَّقُونَ) ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ لِلنَّهْيِ. فَأمّا ما يُعْلَمُ بِالعَقْلِ كالصِّدْقِ في الخَبَرِ ورَدِّ الوَدِيعَةِ فَغَيْرُ مَوْقُوفٌ عَلى التَّوْقِيفِ. انْتَهى. وفي هَذا الأخِيرِ مِن كَلامِهِ وفي قَوْلِهِ قَبْلُ في تَفْسِيرِ (لَيُضِلَّ): ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا ولا يَخْذُلُهم - دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وفي كَلامِهِ إسْهابٌ، وهو بَسْطُ ما قالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ما كانَ لِيُضِلَّكم بِالِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ إذْ هَداكم لِلْإيمانِ حَتّى يَتَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ويُبَيِّنَهُ لَكم فَتَتَّقُوهُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ فِي أسْبابِ النُّزُولِ ما يَشْرَحُ بِهِ الآيَةَ مِن سُؤالِهِمْ عَمَّنْ ماتَ وقَدْ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وشَرِبَ الخَمْرَ، ومِن قِصَّةِ الأعْرابِ.

والَّذِي يَظْهَرُ في مُناسَبَةِ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها وفي شَرْحِها - أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يَسْتَغْفِرُ لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، كانَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي الَّتِي بَعْدَها تَبايُنٌ ما بَيْنَ القَرابَةِ حَتّى مُنِعُوا مِنَ الِاسْتِغْفارِ لَهم، فَمُنِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ وهو الَّذِي تَوَلّى تَرْبِيَتَهُ ونَصْرَهُ وحِفْظَهُ إلى أنْ ماتَ، ومُنِعَ إبْراهِيمُ مِنَ …

At-Tawba 9:116Listen in Qur'an →
117

لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍۢ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

Allah has already forgiven the Prophet and the Muhajireen and the Ansar who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.

﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ الكَلامُ في أحْوالِ المُنافِقِينَ مِن تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، واسْتَطْرَدَ إلى تَقْسِيمِ المُنافِقِينَ إلى أعْرابٍ وغَيْرِهِمْ، وذَكَرَ ما فَعَلُوا مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ، وذَكَرَ مُبايَعَةَ المُؤْمِنِينَ اللَّهَ في الجِهادِ وأثْنى عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُبايِنُوا المُشْرِكِينَ حَتّى الَّذِينَ ماتُوا مِنهم بِتَرْكِ الِاسْتِغْفارِ لَهم، عادَ إلى ذِكْرِ ما بَقِيَ مِن أحْوالِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهَذِهِ شَنْشَنَةُ كَلامِ العَرَبِ يَشْرَعُونَ في شَيْءٍ ثُمَّ يَذْكُرُونَ بَعْدَهُ أشْياءَ مُناسِبَةً ويُطِيلُونَ فِيها، ثُمَّ يَعُودُونَ إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا شَرَعُوا فِيهِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: التَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ رُجُوعُهُ لِعَبْدِهِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أرْفَعَ مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ في الأكْثَرِ رُجُوعًا عَنْ حالَةِ المَعْصِيَةِ إلى حالَةِ الطّاعَةِ، وقَدْ يَكُونُ رُجُوعًا مِن حالَةِ طاعَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها. وهَذِهِ تَوْبَتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهُ رَجَعَ بِهِ مِن حالَةٍ قَبْلَ تَحْصِيلِ الغَزْوَةِ وتَحَمُّلِ مَشاقِّها، إلى حالَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ أكْمَلَ مِنها. وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَحالُها مُعَرَّضَةٌ لِأنْ تَكُونَ مِن نُقْصانٍ إلى طاعَةٍ وجِدٍّ في الغَزْوِ ونُصْرَةِ الدِّينِ، وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى الفَرِيقِ فَرُجُوعٌ مِن حالَةٍ مَحْطُوطَةٍ إلى حالَةِ غُفْرانٍ ورِضًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] وهو بَعْثٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَّوْبَةِ، وأنَّهُ ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وهو مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، حَتّى النَّبِيُّ والمُهاجِرُونَ والأنْصارُ، وإبانَةٌ لِفَضْلِ التَّوْبَةِ ومِقْدارِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ صِفَةَ الأوّابِينَ صِفَةُ الأنْبِياءِ، كَما وصَفَهم بِالصّالِحِينَ لِتَظْهَرَ فَضِيلَةُ الصَّلاحِ. وقِيلَ: مَعْناهُ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن إذْنِهِ لِلْمُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . انْتَهى. وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ صَدَرَ عَنِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أنْواعٌ مِنَ المُخالَفاتِ، إلّا أنَّهُ تَعالى تابَ عَلَيْهِمْ وعَفا عَنْهم لِأجْلِ أنَّهم تَحَمَّلُوا مَشاقَّ ذَلِكَ السَّفَرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ضَمَّ ذِكْرُ الرَّسُولِ ﷺ إلى ذِكْرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَراتِبِهِمْ في قَبُولِ التَّوْبَةِ.

﴿اتَّبَعُوهُ﴾ أيْ: اتَّبَعُوا أمْرَهُ، فَهو مِن مَجازِ الحَذْفِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو ابْتَدَأ بِالخُرُوجِ، وخَرَجُوا بَعْدَهُ، فَيَكُونُ الِاتِّباعُ حَقِيقَةً.

﴿ساعَةِ العُسْرَةِ﴾، أيْ: في وقْتِ العُسْرَةِ، والسّاعَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلزَّمانِ المُطْلَقِ، كَما اسْتَعارُوا الغَداةَ والعَشِيَّةَ واليَوْمَ. قالَ:

؎غَداةَ طَفَتْ عَلْماءِ بَكْرِ بْنِ وائِلِ عَشِيَّةَ قارَعْنا جُذامَ وحِمْيَرا

وآخَرُ:

؎إذا جاءَ يَوْمًا وارِثِي يَبْتَغِي الغِنَـى …

At-Tawba 9:117Listen in Qur'an →
118

وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

And [He also forgave] the three who were left behind [and regretted their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness and their souls confined them and they were certain that there is no refuge from Allah except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allah is the Accepting of repentance, the Merciful.

﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ الكَلامُ في أحْوالِ المُنافِقِينَ مِن تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، واسْتَطْرَدَ إلى تَقْسِيمِ المُنافِقِينَ إلى أعْرابٍ وغَيْرِهِمْ، وذَكَرَ ما فَعَلُوا مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ، وذَكَرَ مُبايَعَةَ المُؤْمِنِينَ اللَّهَ في الجِهادِ وأثْنى عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُبايِنُوا المُشْرِكِينَ حَتّى الَّذِينَ ماتُوا مِنهم بِتَرْكِ الِاسْتِغْفارِ لَهم، عادَ إلى ذِكْرِ ما بَقِيَ مِن أحْوالِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهَذِهِ شَنْشَنَةُ كَلامِ العَرَبِ يَشْرَعُونَ في شَيْءٍ ثُمَّ يَذْكُرُونَ بَعْدَهُ أشْياءَ مُناسِبَةً ويُطِيلُونَ فِيها، ثُمَّ يَعُودُونَ إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا شَرَعُوا فِيهِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: التَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ رُجُوعُهُ لِعَبْدِهِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أرْفَعَ مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ في الأكْثَرِ رُجُوعًا عَنْ حالَةِ المَعْصِيَةِ إلى حالَةِ الطّاعَةِ، وقَدْ يَكُونُ رُجُوعًا مِن حالَةِ طاعَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها. وهَذِهِ تَوْبَتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهُ رَجَعَ بِهِ مِن حالَةٍ قَبْلَ تَحْصِيلِ الغَزْوَةِ وتَحَمُّلِ مَشاقِّها، إلى حالَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ أكْمَلَ مِنها. وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَحالُها مُعَرَّضَةٌ لِأنْ تَكُونَ مِن نُقْصانٍ إلى طاعَةٍ وجِدٍّ في الغَزْوِ ونُصْرَةِ الدِّينِ، وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى الفَرِيقِ فَرُجُوعٌ مِن حالَةٍ مَحْطُوطَةٍ إلى حالَةِ غُفْرانٍ ورِضًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] وهو بَعْثٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَّوْبَةِ، وأنَّهُ ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وهو مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، حَتّى النَّبِيُّ والمُهاجِرُونَ والأنْصارُ، وإبانَةٌ لِفَضْلِ التَّوْبَةِ ومِقْدارِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ صِفَةَ الأوّابِينَ صِفَةُ الأنْبِياءِ، كَما وصَفَهم بِالصّالِحِينَ لِتَظْهَرَ فَضِيلَةُ الصَّلاحِ. وقِيلَ: مَعْناهُ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن إذْنِهِ لِلْمُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . انْتَهى. وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ صَدَرَ عَنِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أنْواعٌ مِنَ المُخالَفاتِ، إلّا أنَّهُ تَعالى تابَ عَلَيْهِمْ وعَفا عَنْهم لِأجْلِ أنَّهم تَحَمَّلُوا مَشاقَّ ذَلِكَ السَّفَرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ضَمَّ ذِكْرُ الرَّسُولِ ﷺ إلى ذِكْرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَراتِبِهِمْ في قَبُولِ التَّوْبَةِ.

﴿اتَّبَعُوهُ﴾ أيْ: اتَّبَعُوا أمْرَهُ، فَهو مِن مَجازِ الحَذْفِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو ابْتَدَأ بِالخُرُوجِ، وخَرَجُوا بَعْدَهُ، فَيَكُونُ الِاتِّباعُ حَقِيقَةً.

﴿ساعَةِ العُسْرَةِ﴾، أيْ: في وقْتِ العُسْرَةِ، والسّاعَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلزَّمانِ المُطْلَقِ، كَما اسْتَعارُوا الغَداةَ والعَشِيَّةَ واليَوْمَ. قالَ:

؎غَداةَ طَفَتْ عَلْماءِ بَكْرِ بْنِ وائِلِ عَشِيَّةَ قارَعْنا جُذامَ وحِمْيَرا

وآخَرُ:

؎إذا جاءَ يَوْمًا وارِثِي يَبْتَغِي الغِنَـى …

At-Tawba 9:118Listen in Qur'an →
119

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ

O you who have believed, fear Allah and be with those who are true.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أُمِرُوا بِكَوْنِهِمْ مَعَ أهْلِ الصِّدْقِ بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ نَفَعَهم صِدْقُهم وأزاحَهم عَنْ رِبْقَةِ النِّفاقِ. واعْتَرَضَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَنْبِيهًا عَلى رُتْبَةِ الصِّدْقِ، وكَفى بِها أنَّها ثانِيَةٌ لِرُتْبَةِ النُّبُوَّةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: الصِّدْقُ هُنا صِدْقُ الحَدِيثِ. وقالَ الضَّحّاكُ ونافِعٌ ما مَعْناهُ: اللَّفْظُ أعَمُّ مِن صِدْقِ الحَدِيثِ، وهو بِمَعْنى الصِّحَّةِ في الدِّينِ، والتَّمَكُّنِ في الخَيْرِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: رَجُلُ صِدْقٍ. وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وخِيارِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ في الإسْلامِ. وقِيلَ: هُمُ الثَّلاثَةُ، أيْ: كُونُوا مِثْلَ هَؤُلاءِ في صِدْقِهِمْ وثَباتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانِهِمْ ومُعاهَدَتُهُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] وهُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا في دِينِ اللَّهِ نِيَّةً وقَوْلًا وعَمَلًا. انْتَهى. وقِيلَ: الخِطابُ بِالَّذِينَ آمَنُوا لِمَن تَخَلَّفَ مِنَ الطُّلَقاءِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الخِطابُ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، أيْ: كُونُوا مَعَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، و”مَعَ“ تَقْتَضِي الصُّحْبَةَ في الحالِ والمُشارَكَةَ في الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْمَدْحِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: (مِنَ الصّادِقِينَ)، ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأوَّلَهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ وقالَ: الكَذِبُ لا يَصْلُحُ مِنهُ جِدٌّ ولا هَزْلٌ، ولا أنْ يَعِدَ مِنكم أحَدٌ صَبِيَّهُ ثُمَّ لا يُنْجِزَهُ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: و(مِن) أعَمُّ مِن ”مَعَ“؛ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ مِن قَوْمٍ فَهو مَعَهم في المَعْنى المَأْمُورِ بِهِ، ولا يَنْعَكِسُ ذَلِكَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، ومُعاذٌ القارِئُ: ﴿مَعَ الصّادِقِينَ﴾ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ النُّونِ عَلى التَّثْنِيَةِ، ويَظْهَرُ أنَّهُما اللَّهُ ورَسُولُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢]، ولَمّا تَقَدَّمَ: ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨]؛ أُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِامْتِثالِ الأمْرِ واجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ كَما يُقالُ: كُنْ مَعَ اللَّهِ يَكُنْ مَعَكَ.

At-Tawba 9:119Listen in Qur'an →
120

مَا كَانَ لِأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌۭ وَلَا نَصَبٌۭ وَلَا مَخْمَصَةٌۭ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوْطِئًۭا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّۢ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌۭ صَٰلِحٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

It was not [proper] for the people of Madinah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allah or that they prefer themselves over his self. That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allah, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allah does not allow to be lost the reward of the doers of good.

﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ نَزَلَتْ فِيمَن تَخَلَّفَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وفِيمَن تَخَلَّفَ مِمَّنْ حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ مِن مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأشْجَعَ وأسْلَمَ وغِفارٍ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوى اللَّهِ، وأمَرَ بِكَيْنُونَتِهِمْ مَعَ الصّادِقِينَ، وأفْضَلُ الصّادِقِينَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، اقْتَضى ذَلِكَ مُوافَقَةَ الرَّسُولِ وصُحْبَتَهُ أنّى تَوَجَّهَ مِنَ الغَزَواتِ والمَشاهِدِ، فَعُوتِبَ العِتابَ الشَّدِيدَ مَن تَخَلَّفَ عَنِ الرَّسُولِ في غَزْوَةٍ، واقْتَضى ذَلِكَ الأمْرُ لِصُحْبَتِهِ وبَذْلِ النُّفُوسِ دُونَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأنْ يَصْحَبُوهُ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ، وأُمِرُوا أنْ يُكابِدُوا مَعَهُ الأهْوالَ بِرَغْبَةٍ ونَشاطٍ واغْتِباطٍ، وأنْ يُلْقُوا أنْفُسَهم في الشَّدائِدِ ما يَلْقاهُ نَفْسُهُ ﷺ، عِلْمًا بِأنَّها أعَزُّ نَفْسٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأكْرَمُها عَلَيْهِ، فَإذا تَعَرَّضَتْ مَعَ كَرامَتِها وعِزَّتِها لِلْخَوْضِ في شِدَّةٍ وهَوْنٍ وجَبَ عَلى سائِرِ الأنْفُسِ أنْ تَتَهافَتَ فِيما تَعَرَّضَتْ لَهُ، ولا يَكْتَرِثُ لَها أصْحابُها، ولا يُقِيمُوا لَها وزْنًا، وتَكُونُ أخَفَّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ وأهْوَنَهُ، فَضْلًا أنْ يَرْبَئُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ مُتابَعَتِها ومُصاحَبَتِها، ويَضِنُّوا بِها عَلى ما سَمَحَ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ، وهَذا نَهْيٌ بَلِيغٌ مَعَ تَقْبِيحٍ لِأمْرِهِمْ وتَوْبِيخٍ لَهم عَلَيْهِ، وتَهْيِيجٍ لِمُتابَعَتِهِ بِأنَفَةٍ وحَمِيَّةٍ. قالَ الكَرْمانِيُّ: هَذا نَفْيٌ مَعْناهُ النَّهْيُ، وخُصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ وكُلُّ النّاسِ في ذَلِكَ سَواءٌ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ خُرُوجُهُ. قالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الإلْزامُ خاصًّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وجَوابُ النَّفْرِ إلى الغَزْوِ إذا خَرَجَ هو بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَبْقَ هَذا الحُكْمُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الخُلَفاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ هَذا الأمْرُ والإلْزامُ في قِلَّةِ الإسْلامِ واحْتِياجٍ إلى اتِّصالِ الأيْدِي، ثُمَّ نُسِخَ عِنْدَ قُوَّةِ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] قالَ: وهَذا كُلُّهُ في الِانْبِعاثِ إلى غَزْوِ العَدُوِّ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، وأمّا إذا ألَمَّ العَدُوُّ بِجِهَةٍ فَيَتَعَيَّنُ عَلى كُلِّ أحَدٍ القِيامُ بِذَبِّهِ ومُكافَحَتِهِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَضَمَّنَهُ انْتِفاءُ التَّخَلُّفِ مِن وُجُوبِ الخُرُوجِ مَعَهُ وبَذْلِ النَّفْسِ دُونَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ الوُجُوبُ لِلْخُرُوجِ وبَذْلِ النَّفْسِ هو بِسَبَبِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الجَسِيمِ عَلى المَشاقِّ الَّتِي تَنالُهم، وما يَتَسَنّى عَلى أيْدِيهِمْ مِن إيذاءِ أعْداءِ الإسْلامِ. والظَّمَأُ: العَطَشُ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: (ظِماءٌ) بِالمَدِّ، مِثْلُ: سَفِهَ سِفاهًا، ولَمّا كانَ العَطَشُ أشَقَّ الأشْياءِ المُؤْذِيَةِ لِلْمُسافِرِ بِكَثْرَةِ الحَرَكَةِ وإزْعاجِ النَّفْسِ وخُصُوصًا …

At-Tawba 9:120Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.