Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 101–110 of 129

101

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ

And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madinah. They have become accustomed to hypocrisy. You, [O Muhammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.

﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ: السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مَن صَلّى إلى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: مَن شَهِدَ بَدْرًا، قالَ: وحُوِّلَتِ القِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، بَيْعَةَ الحُدَيْبِيَةِ ما بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ، ومَن فَسَّرَ السّابِقِينَ بِواحِدٍ كَأبِي بَكْرٍ، أوْ عَلِيٍّ، أوْ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، أوْ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، فَقَوْلُهُ بِعِيدٌ مِن لَفْظِ الجَمْعِ، وإنَّما يُناسِبُ ذَلِكَ في أوَّلِ مَن أسْلَمَ. والظّاهِرُ أنَّ السَّبْقَ هو إلى الإسْلامِ والإيمانِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ بِالمَوْتِ أوْ بِالشَّهادَةِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، سَبَقُوا إلى ثَوابِ اللَّهِ وحُسْنِ جَزائِهِ، و﴿مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾، أيْ: ومِنَ الأنْصارِ، وهم أهْلُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ أوَّلًا وكانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ، وأهْلُ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ وكانُوا سَبْعِينَ، والَّذِينَ آمَنُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ أبُو زُرارَةَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فَعَلَّمَهُمُ القُرْآنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ هم جَمِيعُ مَن هاجَرَ إلى أنِ انْقَضَتِ الهِجْرَةُ، لَكانَ قَوْلًا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ، وتَكُونُ ”مِن“ لِبَيانِ الجِنْسِ.

﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ هم سائِرُ الصَّحابَةِ، ويَدْخُلُ في هَذا اللَّفْظِ التّابِعُونَ، وسائِرُ الأُمَّةِ، لَكِنْ بِشَرْطِ الإحْسانِ. وقَدْ لَزِمَ هَذا الِاسْمُ الَّذِي هو التّابِعُونَ مَن رَأى مَن رَأى النَّبِيَّ ﷺ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّهُمُ السّابِقُونَ في الهِجْرَةِ والنَّصْرِ؛ لِأنَّ في لَفْظِ السّابِقَيْنِ إجْمالًا، ووَصْفُهم بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ يُوجِبُ صَرْفَ ذَلِكَ إلى ما اتَّصَفَ بِهِ وهي الهِجْرَةُ والنُّصْرَةُ، والسَّبْقُ إلى الهِجْرَةِ صِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِن حَيْثُ كَوْنِها شاقَّةً عَلى النَّفْسِ ومُخالِفَةً لِلطَّبْعِ، فَمَن أقْدَمَ أوَّلًا صارَ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ فِيها، وكَذَلِكَ السَّبْقُ في النُّصْرَةِ فازُوا بِمَنصِبٍ عَظِيمٍ. انْتَهى مُلَخَّصًا.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى فَضائِلَ الأعْرابِ المُؤْمِنِينَ المُتَصَدِّقِينَ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ؛ بَيَّنَ حالَ هَؤُلاءِ السّابِقِينَ وما أعَدَّ لَهم، وشَتّانَ ما بَيْنَ الإعْدادَيْنِ والثَّناءَيْنِ، هُناكَ قالَ: ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٩]، وهُنا ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، وهُناكَ ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ [التوبة: ٩٩]، وهُنا ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي﴾، وهُناكَ خَتَمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]، وهُنا ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعِيسى الكُوفِيُّ، وسَلامٌ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: (والأنْصارُ) بِرَفْعِ الرّاءِ عَطْفًا عَلى (والسّابِقُونَ)، فَيَكُونُ الأنْصارُ جَمِيعُهم مُنْدَرِجِينَ في هَذا اللَّفْظِ. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وهي الجَرُّ، يَكُونُونَ قِسْمَيْنِ: سابِقٌ أوَّلُ، وغَيْرُ أوَّلَ. ويَكُونُ المُخْبَرُ عَنْهم بِالرِّضا سابَقُوهم، ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ الضَّمِيرُ في القِراءَتَيْنِ عائِدٌ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. والظّاهِرُ أنَّ (السّابِقُونَ) مُبْتَدَأٌ، و(رَضِيَ …

At-Tawba 9:101Listen in Qur'an →
102

وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed a righteous deed with another that was bad. Perhaps Allah will turn to them in forgiveness. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في عَشَرَةِ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمّا دَنا الرَّسُولُ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ أوْثَقَ سَبْعَةً مِنهم. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً، مِنهم: كَرْدَمُ، ومِرْداسُ، وأبُو قَيْسٍ، وأبُو لُبابَةَ. وقِيلَ: سَبْعَةٌ. وقِيلَ: سِتَّةٌ، أوْثَقَ ثَلاثَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، فِيهِمْ أبُو لُبابَةَ. وقِيلَ: كانُوا خَمْسَةً. وقِيلَ: ثَلاثَةً: أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ خِذامٍ الأنْصارِيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ وحْدَهُ. ويَبْعُدُ ذَلِكَ مِن لَفْظِ (وآخَرُونَ)، لِأنَّهُ جَمْعٌ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ حِينَ قَدِمَ فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتَهُ كُلَّما قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَرَآهم مُوَثَّقِينَ، فَسَألَ عَنْهم: فَذَكَرُوا أنَّهم أقْسَمُوا لا يَحُلُّونَ أنْفُسَهم حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّهم، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وأنا أُقْسِمُ ألّا أحُلَّهم حَتّى أُؤْمَرَ فِيهِمْ، رَغِبُوا عَنِّي، وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ» فَنَزَلَتْ، فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ في شَأْنِهِ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ اسْتَشارُوهُ في النُّزُولِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَأشارَ هو لَهم إلى حَلْقِهِ، يُرِيدُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَذْبَحُهم إنْ نَزَلُوا، فَلَمّا افْتَضَحَ تابَ ونَدِمَ، ورَبَطَ نَفْسَهُ في سارِيَةٍ في المَسْجِدِ، وأقْسَمَ ألّا يَطْعَمَ ولا يَشْرَبَ حَتّى يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ أوْ يَمُوتَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ حَتّى عَفا اللَّهُ عَنْهُ. والِاعْتِرافُ: الإقْرارُ بِالذَّنْبِ. (عَمَلًا صالِحًا) تَوْبَةً ونَدَمًا، (وآخَرَ سَيِّئًا) أيْ: تَخَلُّفًا عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، أوْ خُرُوجًا إلى الجِهادِ قَبْلُ، وتَخَلُّفًا عَنْ هَذِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ. أوْ تَوْبَةً وإثْمًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ. وعَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، كَقَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ، وهو بِخِلافِ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّ الماءَ خُلِطَ بِاللَّبَنِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَتى خَلَطْتَ شَيْئًا بِشَيْءٍ صَدَقَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أنَّهُ مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، مِن حَيْثُ مَدْلُولِيَّةُ الخَلْطِ؛ لِأنَّها أمْرٌ نِسْبِيٌّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا، بِمَعْنى شاةً بِدِرْهَمٍ.

والِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ دَلِيلٌ عَلى التَّوْبَةِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ. انْتَهى. وجاءَ بِلَفْظِ عَسى لِيَكُونَ المُؤْمِنُ عَلى وجَلٍ، إذْ لَفْظَةُ (عَسى) طَمَعٌ وإشْفاقٌ، فَأُبْرِزَتِ التَّوْبَةُ في صُورَتِهِ، ثُمَّ خُتِمَ ذَلِكَ بِما دَلَّ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ، وذَلِكَ صِفَةُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في ناسٍ مَخْصُوصِينَ فَهي عامَّةٌ في الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ . وفي حَدِيثِ الإسْراءِ والمِعْراجِ مِن تَخْرِيجِ البَيْهَقِيِّ: أنَّ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا وتابُوا رَآهُمُ الرَّسُولُ ﷺ حَوْلَ إبْراهِيمَ، وفي …

At-Tawba 9:102Listen in Qur'an →
103

خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةًۭ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌۭ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Take, [O, Muhammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allah 's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allah is Hearing and Knowing.

﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في عَشَرَةِ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمّا دَنا الرَّسُولُ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ أوْثَقَ سَبْعَةً مِنهم. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً، مِنهم: كَرْدَمُ، ومِرْداسُ، وأبُو قَيْسٍ، وأبُو لُبابَةَ. وقِيلَ: سَبْعَةٌ. وقِيلَ: سِتَّةٌ، أوْثَقَ ثَلاثَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، فِيهِمْ أبُو لُبابَةَ. وقِيلَ: كانُوا خَمْسَةً. وقِيلَ: ثَلاثَةً: أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ خِذامٍ الأنْصارِيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ وحْدَهُ. ويَبْعُدُ ذَلِكَ مِن لَفْظِ (وآخَرُونَ)، لِأنَّهُ جَمْعٌ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ حِينَ قَدِمَ فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتَهُ كُلَّما قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَرَآهم مُوَثَّقِينَ، فَسَألَ عَنْهم: فَذَكَرُوا أنَّهم أقْسَمُوا لا يَحُلُّونَ أنْفُسَهم حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّهم، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وأنا أُقْسِمُ ألّا أحُلَّهم حَتّى أُؤْمَرَ فِيهِمْ، رَغِبُوا عَنِّي، وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ» فَنَزَلَتْ، فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ في شَأْنِهِ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ اسْتَشارُوهُ في النُّزُولِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَأشارَ هو لَهم إلى حَلْقِهِ، يُرِيدُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَذْبَحُهم إنْ نَزَلُوا، فَلَمّا افْتَضَحَ تابَ ونَدِمَ، ورَبَطَ نَفْسَهُ في سارِيَةٍ في المَسْجِدِ، وأقْسَمَ ألّا يَطْعَمَ ولا يَشْرَبَ حَتّى يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ أوْ يَمُوتَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ حَتّى عَفا اللَّهُ عَنْهُ. والِاعْتِرافُ: الإقْرارُ بِالذَّنْبِ. (عَمَلًا صالِحًا) تَوْبَةً ونَدَمًا، (وآخَرَ سَيِّئًا) أيْ: تَخَلُّفًا عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، أوْ خُرُوجًا إلى الجِهادِ قَبْلُ، وتَخَلُّفًا عَنْ هَذِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ. أوْ تَوْبَةً وإثْمًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ. وعَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، كَقَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ، وهو بِخِلافِ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّ الماءَ خُلِطَ بِاللَّبَنِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَتى خَلَطْتَ شَيْئًا بِشَيْءٍ صَدَقَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أنَّهُ مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، مِن حَيْثُ مَدْلُولِيَّةُ الخَلْطِ؛ لِأنَّها أمْرٌ نِسْبِيٌّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا، بِمَعْنى شاةً بِدِرْهَمٍ.

والِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ دَلِيلٌ عَلى التَّوْبَةِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ. انْتَهى. وجاءَ بِلَفْظِ عَسى لِيَكُونَ المُؤْمِنُ عَلى وجَلٍ، إذْ لَفْظَةُ (عَسى) طَمَعٌ وإشْفاقٌ، فَأُبْرِزَتِ التَّوْبَةُ في صُورَتِهِ، ثُمَّ خُتِمَ ذَلِكَ بِما دَلَّ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ، وذَلِكَ صِفَةُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في ناسٍ مَخْصُوصِينَ فَهي عامَّةٌ في الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ . وفي حَدِيثِ الإسْراءِ والمِعْراجِ مِن تَخْرِيجِ البَيْهَقِيِّ: أنَّ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا وتابُوا رَآهُمُ الرَّسُولُ ﷺ حَوْلَ إبْراهِيمَ، وفي …

At-Tawba 9:103Listen in Qur'an →
104

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Do they not know that it is Allah who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allah who is the Accepting of repentance, the Merciful?

﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في عَشَرَةِ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمّا دَنا الرَّسُولُ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ أوْثَقَ سَبْعَةً مِنهم. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً، مِنهم: كَرْدَمُ، ومِرْداسُ، وأبُو قَيْسٍ، وأبُو لُبابَةَ. وقِيلَ: سَبْعَةٌ. وقِيلَ: سِتَّةٌ، أوْثَقَ ثَلاثَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، فِيهِمْ أبُو لُبابَةَ. وقِيلَ: كانُوا خَمْسَةً. وقِيلَ: ثَلاثَةً: أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ خِذامٍ الأنْصارِيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ وحْدَهُ. ويَبْعُدُ ذَلِكَ مِن لَفْظِ (وآخَرُونَ)، لِأنَّهُ جَمْعٌ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ حِينَ قَدِمَ فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتَهُ كُلَّما قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَرَآهم مُوَثَّقِينَ، فَسَألَ عَنْهم: فَذَكَرُوا أنَّهم أقْسَمُوا لا يَحُلُّونَ أنْفُسَهم حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّهم، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وأنا أُقْسِمُ ألّا أحُلَّهم حَتّى أُؤْمَرَ فِيهِمْ، رَغِبُوا عَنِّي، وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ» فَنَزَلَتْ، فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ في شَأْنِهِ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ اسْتَشارُوهُ في النُّزُولِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَأشارَ هو لَهم إلى حَلْقِهِ، يُرِيدُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَذْبَحُهم إنْ نَزَلُوا، فَلَمّا افْتَضَحَ تابَ ونَدِمَ، ورَبَطَ نَفْسَهُ في سارِيَةٍ في المَسْجِدِ، وأقْسَمَ ألّا يَطْعَمَ ولا يَشْرَبَ حَتّى يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ أوْ يَمُوتَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ حَتّى عَفا اللَّهُ عَنْهُ. والِاعْتِرافُ: الإقْرارُ بِالذَّنْبِ. (عَمَلًا صالِحًا) تَوْبَةً ونَدَمًا، (وآخَرَ سَيِّئًا) أيْ: تَخَلُّفًا عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، أوْ خُرُوجًا إلى الجِهادِ قَبْلُ، وتَخَلُّفًا عَنْ هَذِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ. أوْ تَوْبَةً وإثْمًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ. وعَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، كَقَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ، وهو بِخِلافِ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّ الماءَ خُلِطَ بِاللَّبَنِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَتى خَلَطْتَ شَيْئًا بِشَيْءٍ صَدَقَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أنَّهُ مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، مِن حَيْثُ مَدْلُولِيَّةُ الخَلْطِ؛ لِأنَّها أمْرٌ نِسْبِيٌّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا، بِمَعْنى شاةً بِدِرْهَمٍ.

والِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ دَلِيلٌ عَلى التَّوْبَةِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ. انْتَهى. وجاءَ بِلَفْظِ عَسى لِيَكُونَ المُؤْمِنُ عَلى وجَلٍ، إذْ لَفْظَةُ (عَسى) طَمَعٌ وإشْفاقٌ، فَأُبْرِزَتِ التَّوْبَةُ في صُورَتِهِ، ثُمَّ خُتِمَ ذَلِكَ بِما دَلَّ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ، وذَلِكَ صِفَةُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في ناسٍ مَخْصُوصِينَ فَهي عامَّةٌ في الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ . وفي حَدِيثِ الإسْراءِ والمِعْراجِ مِن تَخْرِيجِ البَيْهَقِيِّ: أنَّ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا وتابُوا رَآهُمُ الرَّسُولُ ﷺ حَوْلَ إبْراهِيمَ، وفي …

At-Tawba 9:104Listen in Qur'an →
105

وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And say, "Do [as you will], for Allah will see your deeds, and [so, will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في عَشَرَةِ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمّا دَنا الرَّسُولُ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ أوْثَقَ سَبْعَةً مِنهم. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً، مِنهم: كَرْدَمُ، ومِرْداسُ، وأبُو قَيْسٍ، وأبُو لُبابَةَ. وقِيلَ: سَبْعَةٌ. وقِيلَ: سِتَّةٌ، أوْثَقَ ثَلاثَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، فِيهِمْ أبُو لُبابَةَ. وقِيلَ: كانُوا خَمْسَةً. وقِيلَ: ثَلاثَةً: أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ خِذامٍ الأنْصارِيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ وحْدَهُ. ويَبْعُدُ ذَلِكَ مِن لَفْظِ (وآخَرُونَ)، لِأنَّهُ جَمْعٌ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ حِينَ قَدِمَ فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتَهُ كُلَّما قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَرَآهم مُوَثَّقِينَ، فَسَألَ عَنْهم: فَذَكَرُوا أنَّهم أقْسَمُوا لا يَحُلُّونَ أنْفُسَهم حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّهم، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وأنا أُقْسِمُ ألّا أحُلَّهم حَتّى أُؤْمَرَ فِيهِمْ، رَغِبُوا عَنِّي، وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ» فَنَزَلَتْ، فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ في شَأْنِهِ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ اسْتَشارُوهُ في النُّزُولِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَأشارَ هو لَهم إلى حَلْقِهِ، يُرِيدُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَذْبَحُهم إنْ نَزَلُوا، فَلَمّا افْتَضَحَ تابَ ونَدِمَ، ورَبَطَ نَفْسَهُ في سارِيَةٍ في المَسْجِدِ، وأقْسَمَ ألّا يَطْعَمَ ولا يَشْرَبَ حَتّى يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ أوْ يَمُوتَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ حَتّى عَفا اللَّهُ عَنْهُ. والِاعْتِرافُ: الإقْرارُ بِالذَّنْبِ. (عَمَلًا صالِحًا) تَوْبَةً ونَدَمًا، (وآخَرَ سَيِّئًا) أيْ: تَخَلُّفًا عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، أوْ خُرُوجًا إلى الجِهادِ قَبْلُ، وتَخَلُّفًا عَنْ هَذِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ. أوْ تَوْبَةً وإثْمًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ. وعَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، كَقَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ، وهو بِخِلافِ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّ الماءَ خُلِطَ بِاللَّبَنِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَتى خَلَطْتَ شَيْئًا بِشَيْءٍ صَدَقَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أنَّهُ مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، مِن حَيْثُ مَدْلُولِيَّةُ الخَلْطِ؛ لِأنَّها أمْرٌ نِسْبِيٌّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا، بِمَعْنى شاةً بِدِرْهَمٍ.

والِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ دَلِيلٌ عَلى التَّوْبَةِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ. انْتَهى. وجاءَ بِلَفْظِ عَسى لِيَكُونَ المُؤْمِنُ عَلى وجَلٍ، إذْ لَفْظَةُ (عَسى) طَمَعٌ وإشْفاقٌ، فَأُبْرِزَتِ التَّوْبَةُ في صُورَتِهِ، ثُمَّ خُتِمَ ذَلِكَ بِما دَلَّ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ، وذَلِكَ صِفَةُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في ناسٍ مَخْصُوصِينَ فَهي عامَّةٌ في الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ . وفي حَدِيثِ الإسْراءِ والمِعْراجِ مِن تَخْرِيجِ البَيْهَقِيِّ: أنَّ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا وتابُوا رَآهُمُ الرَّسُولُ ﷺ حَوْلَ إبْراهِيمَ، وفي …

At-Tawba 9:105Listen in Qur'an →
106

وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

And [there are] others deferred until the command of Allah - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allah is Knowing and Wise.

﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في عَشَرَةِ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمّا دَنا الرَّسُولُ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ أوْثَقَ سَبْعَةً مِنهم. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً، مِنهم: كَرْدَمُ، ومِرْداسُ، وأبُو قَيْسٍ، وأبُو لُبابَةَ. وقِيلَ: سَبْعَةٌ. وقِيلَ: سِتَّةٌ، أوْثَقَ ثَلاثَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، فِيهِمْ أبُو لُبابَةَ. وقِيلَ: كانُوا خَمْسَةً. وقِيلَ: ثَلاثَةً: أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ خِذامٍ الأنْصارِيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ وحْدَهُ. ويَبْعُدُ ذَلِكَ مِن لَفْظِ (وآخَرُونَ)، لِأنَّهُ جَمْعٌ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ حِينَ قَدِمَ فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتَهُ كُلَّما قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَرَآهم مُوَثَّقِينَ، فَسَألَ عَنْهم: فَذَكَرُوا أنَّهم أقْسَمُوا لا يَحُلُّونَ أنْفُسَهم حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّهم، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وأنا أُقْسِمُ ألّا أحُلَّهم حَتّى أُؤْمَرَ فِيهِمْ، رَغِبُوا عَنِّي، وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ» فَنَزَلَتْ، فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ في شَأْنِهِ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ اسْتَشارُوهُ في النُّزُولِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَأشارَ هو لَهم إلى حَلْقِهِ، يُرِيدُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَذْبَحُهم إنْ نَزَلُوا، فَلَمّا افْتَضَحَ تابَ ونَدِمَ، ورَبَطَ نَفْسَهُ في سارِيَةٍ في المَسْجِدِ، وأقْسَمَ ألّا يَطْعَمَ ولا يَشْرَبَ حَتّى يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ أوْ يَمُوتَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ حَتّى عَفا اللَّهُ عَنْهُ. والِاعْتِرافُ: الإقْرارُ بِالذَّنْبِ. (عَمَلًا صالِحًا) تَوْبَةً ونَدَمًا، (وآخَرَ سَيِّئًا) أيْ: تَخَلُّفًا عَنْ هَذِهِ الغَزاةِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، أوْ خُرُوجًا إلى الجِهادِ قَبْلُ، وتَخَلُّفًا عَنْ هَذِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ. أوْ تَوْبَةً وإثْمًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ. وعَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، كَقَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ، وهو بِخِلافِ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّ الماءَ خُلِطَ بِاللَّبَنِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَتى خَلَطْتَ شَيْئًا بِشَيْءٍ صَدَقَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أنَّهُ مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، مِن حَيْثُ مَدْلُولِيَّةُ الخَلْطِ؛ لِأنَّها أمْرٌ نِسْبِيٌّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا، بِمَعْنى شاةً بِدِرْهَمٍ.

والِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ دَلِيلٌ عَلى التَّوْبَةِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ. انْتَهى. وجاءَ بِلَفْظِ عَسى لِيَكُونَ المُؤْمِنُ عَلى وجَلٍ، إذْ لَفْظَةُ (عَسى) طَمَعٌ وإشْفاقٌ، فَأُبْرِزَتِ التَّوْبَةُ في صُورَتِهِ، ثُمَّ خُتِمَ ذَلِكَ بِما دَلَّ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ، وذَلِكَ صِفَةُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في ناسٍ مَخْصُوصِينَ فَهي عامَّةٌ في الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ . وفي حَدِيثِ الإسْراءِ والمِعْراجِ مِن تَخْرِيجِ البَيْهَقِيِّ: أنَّ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا وتابُوا رَآهُمُ الرَّسُولُ ﷺ حَوْلَ إبْراهِيمَ، وفي …

At-Tawba 9:106Listen in Qur'an →
107

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا وَكُفْرًۭا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًۭا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allah and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allah testifies that indeed they are liars.

﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ طَرائِقَ ذَمِيمَةً لِأصْنافِ المُنافِقِينَ أقْوالًا وأفْعالًا؛ ذَكَرَ أنَّ مِنهم مَن بالَغَ في الشَّرِّ حَتّى ابْتَنى مَجْمَعًا لِلْمُنافِقِينَ يُدَبِّرُونَ فِيهِ ما شاءُوا مِنَ الشَّرِّ، وسَمَّوْهُ مَسْجِدًا. ولَمّا بَنى عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ مَسْجِدَ قُباءٍ وبَعَثُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ فَجاءَ وصَلّى فِيهِ ودَعا لَهم - حَسَدَهم بَنُو عَمِّهِمْ بَنُو غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ، وبَنُو سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وحَرَّضَهم أبُو عَمْرٍو الفاسِقُ عَلى بِنائِهِ حِينَ نَزَلَ الشّامَ هارِبًا مِن وقْعَةِ حُنَيْنٍفَراسَلَهم في بِنائِهِ وقالَ: ابْنُوا لِي مَسْجِدًا فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ آتِي بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، فَبَنَوْهُ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ: خِذامُ بْنُ خالِدٍ، ومِن دارِهِ أخْرَجَ المَسْجِدَ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وحارِثَةُ بْنُ عامِرٍ، وابْناهُ مُجَمِّعٌ وزَيْدٌ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ، ونِجادُ بْنُ عُثْمانَ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو حَنِيفَةَ الأزْهَرُ، وبَحْزَجُ بْنُ عَمْرٍو، ورَجُلٌ مِن بَنِي ضُبَيْعَةَ، وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ والشّاتِيَةِ، ونَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، وتَدْعُوَ لَنا بِالبَرَكَةِ، فَقالَ ﷺ: «إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ، وإذا قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ صَلَّيْنا فِيهِ»، وكانَ إمامُهم مُجَمِّعُ بْنُ جارِيَةَ وكانَ غُلامًا قارِئًا لِلْقُرْآنِ حَسَنَ الصَّوْتِ، وهو مِمَّنْ حَسُنَ إسْلامُهُ، ووَلّاهُ عُمَرُ إمامَةَ مَسْجِدِ قُباءٍ بَعْدَ مُراجَعَةٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ إلى الكُوفَةِ يُعَلِّمُهُمُ القُرْآنُ، فَلَمّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ نَزَلَ بِذِي أوانٍ بَلَدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةٌ مِن نَهارٍ، ونَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شَأْنِ مَسْجِدِ الضِّرارِ، فَدَعا مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ ومَعْنًا وعاصِمًا ابْنَيْ عَدِيٍّ. وقِيلَ: بَعَثَ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ ووَحْشِيًّا قاتِلَ حَمْزَةَ بِهَدْمِهِ وتَحْرِيقِهِ، فَهُدِمَ وحُرِّقَ بِنارٍ في سَعَفٍ، واتُّخِذَ كُناسَةً تُرْمى فِيها الجِيَفُ والقُمامَةُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: صَلَّوْا فِيهِ الجُمُعَةَ والسَّبْتَ والأحَدَ وانْهارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ولَمْ يُحَرَّقْ. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ: نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهم، وابْنُ عامِرٍ: ”الَّذِينَ“ بِغَيْرِ واوٍ، كَذا هي في مَصاحِفِ المَدِينَةِ والشّامِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦]، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. وقالَ الكِسائِيُّ: الخَبَرُ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ بِإضْمارِ إمّا في أوَّلِ الآيَةِ، وإمّا في آخِرِها، بِتَقْدِيرِ: لا تَقُمْ في مَسْجِدِهِمْ. وقالَ النَّحّاسُ والحَوْفِيُّ: الخَبَرُ (لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ) . وقالَ المَهْدَوِيُّ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مُعَذَّبُونَ أوْ نَحْوُهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: …

At-Tawba 9:107Listen in Qur'an →
108

لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًۭا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ

Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allah loves those who purify themselves.

﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ طَرائِقَ ذَمِيمَةً لِأصْنافِ المُنافِقِينَ أقْوالًا وأفْعالًا؛ ذَكَرَ أنَّ مِنهم مَن بالَغَ في الشَّرِّ حَتّى ابْتَنى مَجْمَعًا لِلْمُنافِقِينَ يُدَبِّرُونَ فِيهِ ما شاءُوا مِنَ الشَّرِّ، وسَمَّوْهُ مَسْجِدًا. ولَمّا بَنى عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ مَسْجِدَ قُباءٍ وبَعَثُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ فَجاءَ وصَلّى فِيهِ ودَعا لَهم - حَسَدَهم بَنُو عَمِّهِمْ بَنُو غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ، وبَنُو سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وحَرَّضَهم أبُو عَمْرٍو الفاسِقُ عَلى بِنائِهِ حِينَ نَزَلَ الشّامَ هارِبًا مِن وقْعَةِ حُنَيْنٍفَراسَلَهم في بِنائِهِ وقالَ: ابْنُوا لِي مَسْجِدًا فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ آتِي بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، فَبَنَوْهُ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ: خِذامُ بْنُ خالِدٍ، ومِن دارِهِ أخْرَجَ المَسْجِدَ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وحارِثَةُ بْنُ عامِرٍ، وابْناهُ مُجَمِّعٌ وزَيْدٌ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ، ونِجادُ بْنُ عُثْمانَ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو حَنِيفَةَ الأزْهَرُ، وبَحْزَجُ بْنُ عَمْرٍو، ورَجُلٌ مِن بَنِي ضُبَيْعَةَ، وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ والشّاتِيَةِ، ونَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، وتَدْعُوَ لَنا بِالبَرَكَةِ، فَقالَ ﷺ: «إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ، وإذا قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ صَلَّيْنا فِيهِ»، وكانَ إمامُهم مُجَمِّعُ بْنُ جارِيَةَ وكانَ غُلامًا قارِئًا لِلْقُرْآنِ حَسَنَ الصَّوْتِ، وهو مِمَّنْ حَسُنَ إسْلامُهُ، ووَلّاهُ عُمَرُ إمامَةَ مَسْجِدِ قُباءٍ بَعْدَ مُراجَعَةٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ إلى الكُوفَةِ يُعَلِّمُهُمُ القُرْآنُ، فَلَمّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ نَزَلَ بِذِي أوانٍ بَلَدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةٌ مِن نَهارٍ، ونَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شَأْنِ مَسْجِدِ الضِّرارِ، فَدَعا مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ ومَعْنًا وعاصِمًا ابْنَيْ عَدِيٍّ. وقِيلَ: بَعَثَ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ ووَحْشِيًّا قاتِلَ حَمْزَةَ بِهَدْمِهِ وتَحْرِيقِهِ، فَهُدِمَ وحُرِّقَ بِنارٍ في سَعَفٍ، واتُّخِذَ كُناسَةً تُرْمى فِيها الجِيَفُ والقُمامَةُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: صَلَّوْا فِيهِ الجُمُعَةَ والسَّبْتَ والأحَدَ وانْهارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ولَمْ يُحَرَّقْ. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ: نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهم، وابْنُ عامِرٍ: ”الَّذِينَ“ بِغَيْرِ واوٍ، كَذا هي في مَصاحِفِ المَدِينَةِ والشّامِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦]، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. وقالَ الكِسائِيُّ: الخَبَرُ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ بِإضْمارِ إمّا في أوَّلِ الآيَةِ، وإمّا في آخِرِها، بِتَقْدِيرِ: لا تَقُمْ في مَسْجِدِهِمْ. وقالَ النَّحّاسُ والحَوْفِيُّ: الخَبَرُ (لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ) . وقالَ المَهْدَوِيُّ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مُعَذَّبُونَ أوْ نَحْوُهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: …

At-Tawba 9:108Listen in Qur'an →
109

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍۢ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allah and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allah does not guide the wrongdoing people.

﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (أسَّسَ بُنْيانَهُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وجَماعَةٌ ذَلِكَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِنَصْبِ (بُنْيانَ) . وقَرَأ عُمارَةُ بْنُ عائِذٍ الأُولى عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، والثّانِيَةَ عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، ورُوِيَتْ عَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ: (أسَّسَ بُنْيانَهُ)، وعَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ وأبِي حَيْوَةَ ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ أيْضًا: (أساسُ) جَمْعُ أُسٍّ. وعَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ: (أسُسَ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَضْمُومَةٍ. وقُرِئَ: (إساسُ) بِالكَسْرِ، وهي جُمُوعٌ أُضِيفَتْ إلى البُنْيانِ. وقُرِئَ: ”أساسُ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، و”أُسُّ“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وهُما مُفْرَدانِ أُضِيفا إلى البُنْيانِ، فَهَذِهِ تِسْعُ قِراءاتٍ. وفي كِتابِ اللَّوامِحِ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ: (أفَمَن أسَسُ) بِالتَّخْفِيفِ والرَّفْعِ، (بُنْيانِهِ) بِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ، فَـ (أسَسُ) مَصْدَرُ أسَّ الحائِطَ يَؤُسُّهُ أسًّا وأسَسًا. وعَنْ نَصْرٍ أيْضًا: أساسُ بُنْيانِهِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالألِفِ، وأسٌّ وأسَسٌ وأساسٌ كُلٌّ مَصادِرُ. انْتَهى. والبُنْيانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، أُطْلِقَ عَلى المَبْنى كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ بُنْيانَةٌ، قالَ الشّاعِرَ:

؎كَبُنْيانَةِ القارِيِّ مَوْضِعُ رَحْلِها وآثارُ نِسْعَيْها مِنَ الدَّفِّ أبْلَقُ

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: (عَلى تَقْوًى) بِالتَّنْوِينِ، وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ، ورَدَّها النّاسُ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: قِياسُها أنْ تَكُونَ ألِفُها لِلْإلْحاقِ كَأرْطى. وقَرَأ جَماعَةٌ، مِنهم حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ: (جُرْفٍ) بِإسْكانِ الرّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ وجَماعَةٌ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ. وقِيلَ: الأصْلُ الضَّمُّ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (فانْهارَتْ بِهِ قَواعِدُهُ في نارِ جَهَنَّمَ)، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الكَلامَ فِيهِ تَبْيِينُ حالَيِ المَسْجِدَيْنِ: مَسْجِدِ قُباءٍ أوْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ، ومَسْجِدِ الضِّرارِ، وانْتِفاءُ تَساوِيهِما والتَّفْرِيقُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: رَأيْتُ الدُّخانَ يَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ وانْهارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنَّهُ إذْ أرْسَلَ الرَّسُولُ بِهَدْمِهِ رُئِيَ مِنهُ الدُّخانُ يَخْرُجُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يُدْخِلُ فِيهِ سَعَفَةً مِن سَعَفِ النَّخْلِ فَيُخْرِجُها سَوْداءَ مُحْتَرِقَةً، وكانَ يَحْفِرُ ذَلِكَ المَوْضِعَ الَّذِي انْهارَ فَيَخْرُجُ مِنهُ دُخانٌ. وقِيلَ: هَذا ضَرْبُ مَثَلٍ، أيْ: مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى الإسْلامِ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى الشِّرْكِ والنِّفاقِ، وبَيَّنَ أنَّ بِناءَ الكافِرِ كَبِناءٍ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ يَتَهَوَّرُ أهْلُهُ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قِيلَ: بَلْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ، وأنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ بِعَيْنِهِ انْهارَ في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ قَتادَةٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ. و(خَيْرٌ) لا شَرِكَةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في (خَيْرٌ) إلّا عَلى مُعْتَقَدٍ بانِي مَسْجِدِ الضِّرارِ، فَبِحَسَبِ ذَلِكَ المُعْتَقَدِ صَحَّ التَّفْضِيلُ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى: أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَ دِينِهِ عَلى قاعِدَةٍ قَوِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ وهي الحَقُّ الَّذِي هو تَقْوى اللَّهِ …

At-Tawba 9:109Listen in Qur'an →
110

لَا يَزَالُ بُنْيَٰنُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْا۟ رِيبَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are stopped. And Allah is Knowing and Wise.

﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (أسَّسَ بُنْيانَهُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وجَماعَةٌ ذَلِكَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبِنَصْبِ (بُنْيانَ) . وقَرَأ عُمارَةُ بْنُ عائِذٍ الأُولى عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، والثّانِيَةَ عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، ورُوِيَتْ عَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ: (أسَّسَ بُنْيانَهُ)، وعَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ وأبِي حَيْوَةَ ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ أيْضًا: (أساسُ) جَمْعُ أُسٍّ. وعَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ: (أسُسَ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَضْمُومَةٍ. وقُرِئَ: (إساسُ) بِالكَسْرِ، وهي جُمُوعٌ أُضِيفَتْ إلى البُنْيانِ. وقُرِئَ: ”أساسُ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، و”أُسُّ“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وهُما مُفْرَدانِ أُضِيفا إلى البُنْيانِ، فَهَذِهِ تِسْعُ قِراءاتٍ. وفي كِتابِ اللَّوامِحِ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ: (أفَمَن أسَسُ) بِالتَّخْفِيفِ والرَّفْعِ، (بُنْيانِهِ) بِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ، فَـ (أسَسُ) مَصْدَرُ أسَّ الحائِطَ يَؤُسُّهُ أسًّا وأسَسًا. وعَنْ نَصْرٍ أيْضًا: أساسُ بُنْيانِهِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالألِفِ، وأسٌّ وأسَسٌ وأساسٌ كُلٌّ مَصادِرُ. انْتَهى. والبُنْيانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، أُطْلِقَ عَلى المَبْنى كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ بُنْيانَةٌ، قالَ الشّاعِرَ:

؎كَبُنْيانَةِ القارِيِّ مَوْضِعُ رَحْلِها وآثارُ نِسْعَيْها مِنَ الدَّفِّ أبْلَقُ

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: (عَلى تَقْوًى) بِالتَّنْوِينِ، وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ، ورَدَّها النّاسُ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: قِياسُها أنْ تَكُونَ ألِفُها لِلْإلْحاقِ كَأرْطى. وقَرَأ جَماعَةٌ، مِنهم حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ: (جُرْفٍ) بِإسْكانِ الرّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ وجَماعَةٌ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ. وقِيلَ: الأصْلُ الضَّمُّ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (فانْهارَتْ بِهِ قَواعِدُهُ في نارِ جَهَنَّمَ)، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الكَلامَ فِيهِ تَبْيِينُ حالَيِ المَسْجِدَيْنِ: مَسْجِدِ قُباءٍ أوْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ، ومَسْجِدِ الضِّرارِ، وانْتِفاءُ تَساوِيهِما والتَّفْرِيقُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: رَأيْتُ الدُّخانَ يَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ وانْهارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنَّهُ إذْ أرْسَلَ الرَّسُولُ بِهَدْمِهِ رُئِيَ مِنهُ الدُّخانُ يَخْرُجُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يُدْخِلُ فِيهِ سَعَفَةً مِن سَعَفِ النَّخْلِ فَيُخْرِجُها سَوْداءَ مُحْتَرِقَةً، وكانَ يَحْفِرُ ذَلِكَ المَوْضِعَ الَّذِي انْهارَ فَيَخْرُجُ مِنهُ دُخانٌ. وقِيلَ: هَذا ضَرْبُ مَثَلٍ، أيْ: مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى الإسْلامِ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى الشِّرْكِ والنِّفاقِ، وبَيَّنَ أنَّ بِناءَ الكافِرِ كَبِناءٍ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ يَتَهَوَّرُ أهْلُهُ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قِيلَ: بَلْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ، وأنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ بِعَيْنِهِ انْهارَ في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ قَتادَةٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ. و(خَيْرٌ) لا شَرِكَةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في (خَيْرٌ) إلّا عَلى مُعْتَقَدٍ بانِي مَسْجِدِ الضِّرارِ، فَبِحَسَبِ ذَلِكَ المُعْتَقَدِ صَحَّ التَّفْضِيلُ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى: أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَ دِينِهِ عَلى قاعِدَةٍ قَوِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ وهي الحَقُّ الَّذِي هو تَقْوى اللَّهِ …

At-Tawba 9:110Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.