Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 11–20 of 129

11

فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

But if they repent, establish prayer, and give zakah, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

ولَمّا بَيَّنَ ما أوْجَبَ بُعْدَهم مِنهم ومُعاداتَهم لَهُمْ، بَيَّنَ ما يَصِيرُونَ بِهِ أهْلًا فَقالَ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ: بِالإيمانِ بِسَبَبِ ما أبْدَيْتُمْ لَهم مِنَ الغِلْظَةِ ﴿وأقامُوا﴾ أيْ: أيَّدُوا ذَلِكَ بِأنْ أقامُوا ﴿الصَّلاةَ﴾ أيْ: بِجَمِيعِ حُدُودِها ﴿وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ أيْ: كَما حَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ أيْ: هُمْ، وبَيَّنَ أنَّها لَيْسَتْ أُخُوَّةَ النَّسَبِ فَقالَ: ﴿فِي الدِّينِ﴾ لَهم ما لَكم وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكُمْ، فَلا تَعْرِضُوا لَهم بِما يَكْرَهُونَهُ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ: قَدْ فَصَّلْنا لَكم أمْرَهم في هَذِهِ الآياتِ تَفْصِيلًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ونُفَصِّلُ﴾ أيْ: في كُلِّ أمْرٍ يَحْتاجُونَ جَمِيعَ ﴿الآياتِ﴾ وعَظَّمَ هَذِهِ الآياتِ وحَثَّهم عَلى تَدَبُّرِها بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: صارَ العِلْمُ لَهم صِفَةً فَلَهم مَلَكَةٌ يَتَصَرَّفُونَ بِها في أُصُولِهِ وفُرُوعِهِ، لا يَغْتَرُّونَ بِمُجَرَّدِ كَلامٍ مِن شَأْنِهِ الرَّداءَةُ والمُخالَفَةُ بَيْنَ القَوْلِ والعَمَلِ، والِاعْتِراضُ بِهَذا بَيْنَ هَذِهِ الجُمَلِ المُتَلاحِمَةِ إشارَةٌ إلى عِظَمِ الأمْرِ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ، وتَحْرِيضٌ عَلى إنْعامِ النَّظَرِ فِيهِ لِيُعْلَمَ أنَّ مَدُخُولَهُ جَلِيلُ الأمْرِ عَظِيمُ القَدْرِ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ تَكْرارٌ.

12

وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then fight the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

ولَمّا بَيَّنَ السَّبَبَ المُوجِبَ لِمُجازاتِهِمْ بِجِنْسِ عَمَلِهِمْ، وهو البَراءَةُ مِنهم وما يَتْبَعُ ذَلِكَ إلى أنْ خَتَمَ بِتَقْدِيرِ تَوْبَتِهِمْ، رَجَعَ إلى قَسِيمِ قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ﴾ [التوبة: ٧] فَقالَ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ أيِ الَّتِي حَلَفُوها لَكُمْ؛ ولَمّا كانَ النَّقْضُ ضارًّا وإنْ قَصُرَ زَمَنُهُ، أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ أيِ: الَّذِي عَقَدُوهُ ﴿وطَعَنُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الطَّعْنَ ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ أيْ: بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ.

ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ لا يَسْتَقِلُّ بِهِ في الأغْلَبِ إلّا الرُّؤَساءُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا﴾ ووُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَحْرِيضًا عَلى قِتالِهِمْ وإشارَةً إلى أنَّهم ما نَكَثُوا وأقْدَمُوا عَلى هُجْنَةِ الكَذِبِ ولَمْ يَسْتَهْجِنُوا الخُرُوجَ عَنْ عاداتِ الكِرامِ إلّا وقَدْ رَسَخُوا في الكُفْرِ فَقالَ: ﴿أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ ثُمَّ أشارَ - بِقَوْلِهِ: مُعَلِّلًا لِجَوازِ المُقاتَلَةِ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ إلى أنَّ ذَلِكَ ولَوْ فَعَلَهُ الأتْباعُ ولَمْ يَكُفَّهُمُ الرُّؤَساءُ فَهو عَنْ تَمالٍ مِنهم فابْدَؤُوا بِالرُّؤُوسِ فاقْطَعُوها تَنْقَطِعِ الأذْنابُ، وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِالكَسْرِ مَعْناها: لا أمانَ لَهم لِأنَّهم قَدْ نَقَضُوا العَهْدَ المُوجِبَ لَهُ بِما وقَعَ مِنهُمْ، ومَن طَعَنَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ في الإسْلامِ طَعْنًا ظاهِرًا جازَ قَتْلُهُ؛ فَإنَّ العَهْدَ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ أنْ لا يَطْعَنَ، ثُمَّ عَلَّلَ المُقاتَلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيِ: اجْعَلُوا قَصْدَكم لِقِتالِهِمْ أنْ يَكُونَ حالُهم حالَ مَن يَنْتَهِي عَنْ غَيِّهِ بِما يَرى مِنكم مِن صادِقِ الجِدِّ بِماضِي الحَدِّ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ما بَقِيَ مِن أصْحابِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا ثَلاثَةٌ ولا مِنَ المُنافِقِينَ إلّا أرْبَعَةٌ أحَدُهم شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الماءَ البارِدَ لَما وجَدَ بَرْدَهُ.

13

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًۭا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Would you not fight a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allah has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

ولَمّا نَفى أيْمانَهم بِنَفْيِ إيمانِهِمْ، شَرَعَ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ بِأُمُورٍ ارْتَكَبُوها، كُلٌّ مِنها بِسَبَبٍ باعِثٍ عَلى الإقْدامِ عَلَيْهِمْ، ويَحُثُّ عَلى قِتالِهِمْ في صُورَةِ تَعْجِيبٍ مِمَّنْ يَتَوانى فِيهِ فَقالَ: ﴿ألا﴾ وهو حَرْفُ عَرْضٍ، ومَعْناهُ هُنا الحَضُّ لِدُخُولِ هَمْزَةِ الإنْكارِ عَلى النّافِي فَنَفَتْهُ فَصارَ مَدْخُولُها مُثْبَتًا عَلى سَبِيلِ الحَثِّ عَلَيْهِ فَهو أبْلَغُ مِمّا لَوْ أُثْبِتَ بِغَيْرِ هَذا الأُسْلُوبِ ﴿تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ أيْ: وإنْ كانُوا ذَوِي مَنَعَةٍ عَظِيمَةٍ ﴿نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ أيْ: في قِصَّةِ عاصِمٍ وأصْحابِهِ والمُنْذِرِ وأصْحابِهِ والإعانَةِ عَلى خُزاعَةَ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكانَ النَّكْثُ لَهم عادَةً وخُلُقًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِتالَ النّاكِثِينَ أوْلى مِن قِتالِ غَيْرِهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ زاجِرًا عَنِ النَّقْضِ، وكانَتْ قِصَّةُ خُزاعَةَ أنَّهُ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَناةَ بْنِ كِنانَةَ قَتْلٌ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَتْ خُزاعَةُ قَدْ دَخَلَتْ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ لِما كانَ لَهم فِيهِ مِنَ المَحَبَّةِ مِن مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ لِما بَيْنَهم مِنَ الحِلْفِ - كَما تَقَدَّمَ آخِرَ الأنْفالِ، ودَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ في عَهْدِ قُرَيْشٍ فَمَرَّتْ عَلى ذَلِكَ مُدَّةٌ، ثُمَّ إنَّ أنَسَ بْنَ زَنِيمٍ الدِّيلِيَّ هَجا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَهُ غُلامٌ مِن خُزاعَةَ فَوَقَعَ بِهِ فَشَجَّهُ فَخَرَجَ إلى قَوْمِهِ فَأراهم شَجَّتْهُ فَثارَ الشَّرُّ مَعَ ما كانَ بَيْنَهُمْ، وما تَطْلُبُ بَنُو بَكْرٍ مِن خُزاعَةَ مِن دِمائِها، فَكَلَّمَتْ بَنُو نُفاثَةَ مِن بَنِي بَكْرٍ أشْرافِ قُرَيْشٍ فَوَجَدُوا القَوْمَ إلى ذَلِكَ سِراعًا فَأعانُوهم بِالسِّلاحِ والكُراعِ والرِّجالِ، فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعاوِيَةَ الدِّيلِيُّ وهو يَوْمَئِذٍ قائِدُهُمْ؛ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ولَيْسَ كُلُّ بَنِي بَكْرٍ بايَعَهُ - وقالَ الواقِدِيُّ: واعْتَزَلَتْ بَنُو مُدْلِجٍ فَلَمْ يَنْقَضُوا العَهْدَ - حَتّى بَيْتُ خُزاعَةَ وهم عَلى الوَتِيرِ ماءٍ لَهُمْ، فَأصابُوا مِنهم رَجُلًا وتَجاوَزُوا واقْتَتَلُوا وقاتَلَ مَعَهم مِن قُرَيْشٍ مَن قاتَلَ بِاللَّيْلِ مُسْتَخْفِيًا مُتَنَكِّرِينَ مُنْتَقِبِينَ: صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ ومِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الأخْيَفِ وحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ وأجْلَبُوا مَعَهم أرِقّاءَهُمْ، وكانَتْ خُزاعَةُ آمِنَةً لِمَكانِ العَهْدِ والمُوادَعَةِ.

ولَمّا ذَكَّرَهم بِمُطْلَقِ نَكْثِهِمْ في حَقِّهِمْ عامَّةً، وذَكَّرَهم بِما خَصُّوا بِهِ سَيِّدَهم بَلْ سَيِّدَ الخَلْقِ كُلِّهِمْ فَقالَ: ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ في عُمْرَةِ القَضاءِ، بَلْ أمَرُوهُ بِالخُرُوجِ عِنْدَ انْقِضاءِ الثَّلاثَةِ الأيّامِ وألَحُّوا في ذَلِكَ وهو وإنْ كانَ قاضاهم عَلى ذَلِكَ، لَكِنْ قَدْ نَقَلَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ في قِصَّةِ النِّداءِ بِسُورَةِ بَراءَةَ أنَّهُ كانَ في القَضِيَّةِ والعَهْدِ الَّذِي كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم أنْ لا يُمْنَعَ مِنَ البَيْتِ أحَدٌ جاءَهُ زائِرًا، ولَعَلَّهم هَمُّوا بِإخْراجِهِ قَبْلَ الثَّلاثَةِ الأيّامِ لِما داخَلَهم مِنَ الحَسَدِ عِنْدَما عايَنُوا مِن نَشاطِ أصْحابِهِ وكَثْرَتِهِمْ وحُسْنِ حالِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدٍ مِن أفْعالِهِمْ، وإظْهارِهِمُ التَّبَرُّؤَ بِهِ ﷺ حَتّى اجْتَرَؤُوا - وهو أعْلى الخَلْقِ مِقْدارًا، وأظْهَرُهم هَيْئَةً وأنْوارًا وأطْهَرُهم رُسُومًا وآثارًا - عَلى الإلْحاحِ عَلَيْهِ في الخُرُوجِ مِن بَلَدِ آبائِهِ وأجْدادِهِ الَّذِينَ هم أحَقُّهم بِها ومَسْقَطُ رَأْسِهِ …

14

قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍۢ مُّؤْمِنِينَ

Fight them; Allah will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts of a believing people

ولَمّا بَكَّتَ في التَّوانِي عَنْهُمْ، وعَدَهم بِما يُزِيلُ خَشْيَتَهم مِنهُمْ، بَلْ يُوجِبُ إقْدامَهم عَلَيْهِمْ ورَغْبَتَهم فِيهِمْ، فَقالَ مُصَرِّحًا بِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ فِي: ﴿ألا تُقاتِلُونَ﴾ [التوبة: ١٣] مِنَ الأمْرِ: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾ أيْ: لِلَّهِ لا لِغَرَضٍ غَيْرِهِ ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي أنْتُمْ مُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿بِأيْدِيكُمْ﴾ أيْ: بِأنْ تَقْتُلُوهم وتَأْسِرُوهم وتَهْزِمُوهم ﴿ويُخْزِهِمْ﴾ أيْ: بِالذُّلِّ في الدُّنْيا والفَضِيحَةِ والعَذابِ في الأُخْرى.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَوْلًا لا يَقْتَضِي النَّصْرَ الَّذِي هو عُلُوُّ العاقِبَةِ قالَ: ﴿ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: فَتُرْضُوا رَبَّكم بِذَلِكَ لِإذْلالِهِ مَن يُعادِيهِ بِكُمْ؛ ولَمّا كانَ نَكالُهم بِما ذُكِرَ يُثْمِرُ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ سُرُورًا لَهم فِيهِ حَظٌّ، بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُؤَثِّرُ في العَمَلِ بَعْدَ ثَباتِهِ عَلى أساسِ الإخْلاصِ فَقالَ: ﴿ويَشْفِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ ﴿صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: راسِخِينَ في الإيمانِ، أسْلَفُوا إلَيْهِمْ مَساوِئَ أوْجَبَتْ ضَغائِنَ وإحَنًا كَخُزاعَةَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أعانُوا عَلَيْهِ أوْ أساؤُوا إلَيْهِ.

15

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

And remove the fury in the believers' hearts. And Allah turns in forgiveness to whom He wills; and Allah is Knowing and Wise.

ولَمّا كانَ الشِّفاءُ قَدْ لا يُرادُ بِهِ الكَمالُ، أتْبَعَهُ تَحْقِيقًا لِكَمالِهِ قَوْلَهُ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: يُثْبِتْ بِها مِنَ اللَّذَّةِ ضِدَّ ما لَقَوْهُ مِنهم مَنِ المَكْرُوهِ، ويَنْفِي عَنْها مِنَ الألَمِ بِفِعْلِ مَن يُرِيدُ سُبْحانَهُ مِن أعْدائِهِمْ وذُلِّ الباقِينَ ما كانَ قَدْ بَرَّحَ بِها، ولَقَدْ وفى سُبْحانَهُ بِما وعَدَ بِهِ، فَكانَتِ الآيَةُ مِن ظَواهِرِ الدَّلائِلِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: قاتِلُوهم فَإنَّكم إنْ قاتَلْتُمُوهم كانَ كَذا، عَطَفَ سُبْحانَهُ عَلى أصْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلَهُ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مِنهم فَيَصِيرُوا إخْوانًا لَكم أوْلِياءَ، والمَعْنى: قاتِلُوهم يَكُنِ القِتالُ سَبَبًا لِهَذِهِ الخَمْسَةِ الأشْياءِ، وأمّا التَّوْبَةُ فَتارَةً تُسَبَّبُ عَنْهُ وتارَةً عَنْ غَيْرِهِ، ولِأجْلِ احْتِمالِ تَسَبُّبِها عَنْهُ قُرِئَ شاذًّا بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الواوَ لِلصَّرْفِ؛ ولَمّا كانَ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الوَعْدُ الصّادِقُ يَدُورُ عَلى القُدْرَةِ والعِلْمِ، وكانَ العِلْمُ يَسْتَلْزِمُ القُدْرَةَ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِكُلِّ شَيْءٍ وبِمَن يَصْلُحُ لِلتَّوْبَةِ ومَن لا يَصْلُحُ وما في قُلُوبِكم مِنَ الإقْدامِ والإحْجامِ لَوْ بَرَزَ إلى الخارِجِ كَيْفَ كانَ يَكُونُ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: أحْكَمَ جَمِيعَ أُمُورِهِ، ولَمْ يُعَلِّقِ الأحْكامَ الشَّرْعِيَّةَ مِن أفْعالِكُمُ الكَسْبِيَّةِ إلّا بِما تَعَلَّقَ العِلْمُ بِهِ في حالِ ظُهُورِهِ.

16

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

Do you think that you will be left [as you are] while Allah has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allah, His Messenger and the believers as intimates? And Allah is Acquainted with what you do.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - لِما أرْشَدَ إلَيْهِ تَقاعُدُهم عَنِ القِتالِ وإدْخالُ ”أمْ“ المُرْشِدِ إلى أنَّ مَدْخُولَهُ وسَطَ الكَلامِ فَإنَّ الِابْتِداءَ لَهُ الألِفُ وحْدَها: وهَلْ حَسِبْتُمْ أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ ذَلِكَ أوْ لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِكُمْ؟ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُوَبِّخًا لِمَن تَثاقَلَ عَنْ ذَلِكَ بِنَوْعِ تَثاقُلٍ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ أيْ: لِنَقْصٍ في العَقْلِ أنَّهُ يَبْنِي الأمْرَ فِيهِ عَلى غَيْرِ الحِكْمَةِ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تُتْرَكُوا﴾ أيْ: قارِّينِ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ تُبْتَلَوْا بِما يَظْهَرُ بِهِ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿ولَمّا﴾ عَبَّرَ بِها لِدَلالَتِها - مَعَ اسْتِغْراقِ الزَّمانِ الماضِي - عَلى أنْ يَتَبَيَّنَ ما بَعْدَها مُتَوَقَّعٌ كائِنٌ ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ أيْ: عِلْمًا ظاهِرًا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلَيْكم في مَجارِي عاداتِكم عَلى مُقْتَضى عُقُولِكم بِأنْ يَقَعَ الجِهادُ في الواقِعِ بِالفِعْلِ.

ولَمّا كانَ المَعْنى: جاهِدُوا مُخْلِصِينَ، تَرْجَمَهُ وبَسَطَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ﴾ أيْ: ولَمّا يَعْلَمِ الَّذِينَ لَمْ ﴿يَتَّخِذُوا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، ودَلَّ عَلى تَراخِي الرُّتَبِ عَنْ مَكانَتِهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا يَعْدِلُ عَنْهُ ويَرْغَبُ في غَيْرِهِ مِن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ الِافْتِعالُ - لِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالكَمالِ، وأكَّدَ النَّفْيَ بِتَكْرِيرِ ”لا“ فَقالَ: ﴿ولا رَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي هو خُلاصَةُ خَلْقِهِ ﴿ولا المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اصْطَفاهم مِن عِبادِهِ ﴿ولِيجَةً﴾ أيْ: بِطانَةً تُباطِنُونَها وتَسْكُنُونَ إلَيْها فَتَلِجُ أسْرارُكم إلَيْها وأسْرارُها إلَيْكُمْ، فَإنَّ الوَلِيجَةَ كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنهُ، والرَّجُلُ يَكُونُ في قَوْمٍ ولَيْسَ مِنهم ولِيجَةٌ، فَوَلِيجَةُ الرَّجُلِ مَن يَخْتَصُّهُ بِدَخِيلَةِ أمْرِهِ دُونَ النّاسِ، يُقالُ: هو ولِيجَتِي وهم ولِيجَتِي - لِلْواحِدِ والجَمْعِ - نَقَلَ ذَلِكَ البَغَوِيُّ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، قالَ ابْنُ هِشامٍ: ولِيجَةً: دَخِيلًا وجَمْعُها ولائِجُ، يَقُولُ: لَمْ يَتَّخِذُوا دَخِيلًا مِن دُونِهِ يُسِرُّونَ إلَيْهِ غَيْرَ ما يُظْهِرُونَ نَحْوَ ما يَصْنَعُ المُنافِقُونَ، يُظْهِرُونَ الإيمانَ لِلَّذِينَ آمَنُوا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا: إنّا مَعَكم.

والحاصِلُ أنَّهُ لا يَكُونُ التَّرْكُ بِدُونِ عِلْمِ الأمْرَيْنِ حاصِلَيْنِ، والمُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ، فالمَعْنى: ولَمّا يَكُنْ مُجاهِدُونَ مُخْلِصُونَ.

ولَمّا كانَ ظاهِرُ ذَلِكَ مَظِنَّةَ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ مَن لَمْ يَرْسَخْ قَدَمُهُ في المَعارِفِ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: سَواءٌ بَرَزَ إلى الخارِجِ أوْ لا.

17

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allah [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

ولَمّا حَذَّرَهم مِنَ اتِّخاذِ ولِيجَةٍ مِن دُونِهِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ أنَّ الوَلِيجَةَ الَّتِي يَتَّخِذُها بَعْضُهم لا تَصْلُحُ لِلْعاطِفَةِ بِما اتَّصَفَتْ بِهِ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ ما لَمْ تُوضَعْ تِلْكَ المَحاسِنُ عَلى الأساسِ الَّذِي هو الإيمانُ المُبَيَّنُ بِدَلائِلِهِ، فَقالَ سائِقًا لَهُ مَساقَ جَوابِ قائِلٍ قالَ: إنَّ فِيهِمْ مِن أفْعالِ الخَيْرِ ما يَدْعُو إلى الكَفِّ عَنْهم مِن عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ وخِدْمَتِهِ وتَعْظِيمِهِ! ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ عَبَّرَ بِالوَصْفِ دُونَ الفِعْلِ لِأنَّ جَماعَةً مِمَّنْ أشْرَكَ أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصارَ أهْلًا لِما نُفِيَ عَنْهم ﴿أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ أيْ: وهو المُنَزَّهُ بِإحاطَتِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ الحَسَنُ: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يُتْرَكُوا فَيَكُونُوا أهْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ، ثُمَّ قالَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجَمْعِ: قالَ الحَسَنُ: إنَّما قالَ: مَساجِدَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها - يَعْنِي فَعامِرُهُ عامِرٌ جَمِيعَ المَساجِدِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الجِنْسُ، وإذا لَمْ يَصْلُحُوا لِعِمارَةِ الجِنْسِ دَخَلَ المَسْجِدُ الحَرامُ لِأنَّهُ صَدْرُ الجِنْسِ، وذَلِكَ آكَدُ لِأنَّهُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ - قالَ الفَرّاءُ: ورُبَّما ذَهَبَ العَرَبُ بِالواحِدِ إلى الجَمْعِ وبِالجَمْعِ إلى الواحِدِ؛ ألا تَرى أنَّ الرَّجُلَ يَرْكَبُ البِرْذَوْنَ فَيَقُولُ: أخَذْتُ في رُكُوبِ البَراذِينِ، ويُقالُ: فُلانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ. انْتَهى.

فَتَحَرَّرَ أنَّ المَعْنى: مَنعُهم مِن إقامَةِ شَعائِرِهِ بِطَوافٍ أوْ زِيارَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِأنَّهم نَجَسٌ - كَما يَأْتِي.

﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيِ: الَّتِي هي مَعْدِنُ الأرْجاسِ والأهْوِيَةِ ﴿بِالكُفْرِ﴾ أيْ: بِإقْرارِهِمْ؛ لِأنَّهُ بَيْتُ اللَّهِ وهم يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ وقَدْ نَصَبُوا فِيهِ الأصْنامَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وادَّعَوْا أنَّها شُرَكاؤُهُ، فَإذْنُ عِمارَتِهِمْ تَخْرِيبٌ لِتَنافِي عَقْدِهِمْ وفِعْلِهِمْ، قالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: شَهادَتُهم سُجُودُهم لِلْأصْنامِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا نَصَبُوا أصْنامَهم خارِجَ البَيْتِ الحَرامِ عِنْدَ القَواعِدِ وكانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، كُلَّما طافُوا شَوْطًا سَجَدُوا لِأصْنامِهِمْ.

ولَمّا نَفى قَبِيحُ ما يَفْعَلُونَ حُسْنَ ما يَعْتَقِدُونَ، أشارَ إلى بُعْدِهِمْ عَنِ الخَيْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ العِمارَةِ والحِجابَةِ والسِّقايَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَسَدَتْ بِبُطْلانِ مَعانِيها لِبِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ ﴿وفِي النّارِ هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ومَن فَعَلَ كَفِعْلِهِمْ فَهو مِنهم ﴿خالِدُونَ﴾ أيْ: بِجَعْلِهِمُ الكُفْرَ مَكانَ الإيمانِ.

18

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

The mosques of Allah are only to be maintained by those who believe in Allah and the Last Day and establish prayer and give zakah and do not fear except Allah, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

ولَمّا نَفى عَنْهم أهْلِيَّةَ العِمارَةِ، بَيَّنَ مَن يَصْلُحُ لَها فَقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّما يُؤَهَّلُ لِذَلِكَ القُرْبِ مِمَّنْ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى والصِّفاتُ العُلى حِسًّا بِإصْلاحِ الذّاتِ ومَعْنى بِالتَّعْظِيمِ بِالقُرُباتِ مِن قَمِّها وتَنْظِيفِها ورَمِّ ما تَهَدَّمَ وتَنْوِيرِها بِالمَصابِيحِ الحِسِّيَّةِ وبِالمَعْنَوِيَّةِ مِنَ الذِّكْرِ والقِراءَةِ - ودَرْسُ العِلْمِ أجَلُّ ذَلِكَ - وصِيانَتُها مِمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ مِن أحادِيثِ الدُّنْيا ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: فَكانَ مِن أهْلِ المَعْرِفَةِ الَّذِينَ تَصِحُّ عِبادَتُهم وتُفِيدُهُمْ، فَإنَّها إنَّما تُفِيدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولَمْ يَذْكِرِ الإيمانَ بِالرَّسُولِ؛ لِأنَّ هَذِهِ البَراءَةَ عَنْ لِسانِهِ أُخِذَتْ، فالإيمانُ بِها إيمانٌ بِهِ لا مَحالَةَ، فَعَدَمُ ذِكْرِهِ أقْعَدُ في إيجابِ الإيمانِ بِهِ ﴿وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ أيْ: وأيَّدَ دَعْواهُ الإيمانَ بِهَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ؛ وذَلِكَ أنَّ عِمارَةَ المَساجِدِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذاتِها، بَلِ الدَّلالَةُ عَلى رُسُوخِ الإيمانِ، والصَّلاةُ أعْظَمُ عِمارَتُها، والزَّكاةُ هي المُعِينُ لِعُمْدَتِها عَلى عِمارَتِها.

ولَمّا كانَ رُبَّما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿آمَنَ﴾ أنَّهُ يَكْفِي في الإيمانِ مُجَرَّدُ الإقْرارِ بِاللِّسانِ، أعْلَمَ أنَّهُ لابُدَّ في ذَلِكَ مِن إيجادِ التَّصْدِيقِ حَقِيقَةِ المُثْمِرِ لِخَشْيَةِ اللَّهِ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولَمْ يَخْشَ﴾ أيْ: في الأعْمالِ الدِّينِيَّةِ ﴿إلا اللَّهَ﴾ أيْ: ولَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضى خَشْيَةِ غَيْرِ المَلِكِ الأعْظَمِ مِن كَفٍّ عَمّا يُرْضِي اللَّهَ بِما فِيهِ سُخْطُهُ، بَلْ تَقَدَّمَ عَلى ما انْحَصَرَ رِضى اللَّهِ فِيهِ ولَوْ أنَّ فِيهِ تَلَفَهُ، وحاصِلُهُ أنَّهُ يُقَدِّمُ خَشْيَتَهُ مِنَ اللَّهِ عَلى خَشْيَتِهِ مِن غَيْرِهِ، فَهو يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: ١٣] ولَكِنَّ هَذا أبْلَغُ لِكَوْنِهِ نَفى نَفْسَ الخَشْيَةِ وإنْ كانَ المُرادُ نَفْيَ لازِمِها عادَةً، وفِيهِ تَعَرُّضٌ لَهم بِأنَّهم لا يَصْلُحُونَ لِخِدْمَتِهِ؛ لِأنَّهم يَخافُونَ الأصْنامَ ويَفْعَلُونَ مَعَها بِعِبادَتِها فِعْلَ مَن يَخافُها؛ ولَمّا سَبَّبَ عَمّا مَضى نَفْيًا وإثْباتًا أنَّ المُتَّصِفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ يَكُونُ جَدِيرًا بِالهِدايَةِ وحَقِيقًا بِها، قالَ تَعالى: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ﴾ أيِ: العالُو الهِمَمِ ﴿أنْ يَكُونُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً ورُسُوخًا ﴿مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ فَأقامَهم - مَعَ ما قُدِّمَ لَهم مِنَ الكَمالِ بِالمَعارِفِ والأفْعالِ - بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ مَعَ الإشارَةِ بِإفْرادِ الخَشْيَةِ إلى تَرْجِيحِ الخَوْفِ عَلى الرَّجاءِ إيذانًا بِعُلُوِّ أمْرِهِ وعَظِيمِ كِبْرِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا حَقَّ لِأحَدٍ عَلَيْهِ وأنَّهُ إنْ شاءَ أثابَ، وإنْ أرادَ حَكَمَ - وهو الحَكَمُ العَدْلُ - بِالعِقابِ، لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ لِمَزِيدِ التَّرْغِيبِ لِخَطَرِ المَقامِ وعِزَّةِ المَرامِ، ومادَّةُ عَسى بِجَمِيعِ تَصارِيفِها تَدُورُ عَلى الحَرَكَةِ، وهَذِهِ بِخُصُوصِها لِلْإطْماعِ، والحاصِلُ أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالأوْصافِ الأرْبَعَةِ كانَ صالِحًا وخَلِيقًا وجَدِيرًا وحَقِيقًا بَأنْ يَتَحَرَّكَ طَمَعُهُ ويَمْتَدَّ أمَلُهُ إلى أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الهُدى، فَكَيْفَ تُوجِبُونَ أنْتُمْ لِمَن لَمْ يَتَّصِفْ بِواحِدٍ مِنها ما يَخْتَصُّ بِهِ المُهْتَدُونَ مِنَ المُوالاةِ، هَكَذا كانَ ظَهَرَ لِي أوَّلًا في مَدارِ المادَّةِ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي …

19

۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Haram equal to [the deeds of] one who believes in Allah and the Last Day and strives in the cause of Allah? They are not equal in the sight of Allah. And Allah does not guide the wrongdoing people.

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ الصّالِحَ لِذَلِكَ مِن غَيْرِهِ، أنْكَرَ عَلى مَن لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ فَقالَ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ أيْ: مُجَرَّدَةً عَنِ الإيمانِ ﴿وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: كَذَلِكَ كالإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والجِهادِ، وأهْلُ السِّقايَةِ والعِمارَةِ مِن غَيْرِ إيمانٍ في مُوالاتِهِمْ والكَفِّ عَنْ مُعاداتِهِمْ ﴿كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: الحامِلُ اعْتِقادُ كَمالِهِ عَلى كُلِّ كَمالٍ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيِ: الحاثُّ خَوْفُهُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ ﴿وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْلى المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، فالآيَةُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ أوَّلًا المُشَبَّهَ بِهِ لِدَلالَةِ المُشَبَّهِ عَلَيْهِ وثانِيًا المُشَبَّهَ لِدَلالَةِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلَيْهِ، وأمّا عَلى رِوايَةِ نَسِيِّ بْنِ ورْدانَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ شاذًّا: ”سُقاةَ وعَمَرَةَ“ - بِالجَمْعِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: كُنّا نَظُنُّ ذَلِكَ فَما حالُهُمْ؟ قالَ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ لِأنَّ المُشْرِكِينَ ظَلَمُوا بِتَرْكِ الإيمانِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ وضَعُوا الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها، والكُفْرُ أعْظَمُ الظُّلْمِ، فَلا تُوجِبُوا لَهُمُ الهِدايَةَ ولا المُساواةَ بِالمُهْتَدِينَ وإنْ باشَرُوا جَمِيعَ أفْعالِ المُهْتَدِينَ ما عَدا الإيمانَ، ومَن فَعَلَ ذَلِكَ مِنكم كانَ ظالِمًا وخِيفَ عَلَيْهِ سَلْبُ مُوجِبِ الهِدايَةِ.

20

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allah with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allah. And it is those who are the attainers [of success].

ولَمّا نَفى عَنْهُمُ المُساواةَ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِأهْلِ التَّرْجِيحِ لِيَشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى التَّصْرِيحِ فَيَكُونُ أثْبَتَ في النَّفْسِ وأوْقَرَ في القَلْبِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَنِ الرّاجِحُ؟ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا هَذا الفِعْلَ، وهو إيمانُ المُخاطَبِ مِن أنْ يُكَذِّبُوهُ بِشَيْءٍ مِمّا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ، وقَصَرَ الفِعْلَ وهو في الأصْلِ مُتَعَدٍّ لِيُفِيدَ أنَّهُ لا إيمانَ غَيْرُ هَذا، وإنْ وُجِدَ غَيْرُهُ فَهو عَدَمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وكَذا كُلُّ فِعْلٍ قُصِرَ فَهو عَلى هَذا المِنوالِ لِيُشارَ بِهِ إلى أنَّهُ لِعَظِيمِ نَفْعِهِ لا فِعْلَ مِن جِنْسِهِ غَيْرُهُ ﴿وهاجَرُوا وجاهَدُوا﴾

ولَمّا كانَ المُحَدَّثُ عَنْهُ فِيما قَبْلُ المُجاهِدَ في سَبِيلِ اللَّهِ، اقْتَضى المَقامُ تَقْدِيمَهُ عَلى الآلَةِ بِخِلافِ ما في آخِرِ الأنْفالِ؛ فَإنَّ المَقامَ اقْتَضى هُناكَ تَقْدِيمَ المالِ والنَّفْسِ لِما تَقَدَّمَ مِن مُوجِبِهِ في غَيْرِ آيَةٍ - كَما سَلَفَ بَيانُهُ، وأيْضًا فَفي هَذا الوَقْتِ كانَ المالُ قَدْ كَثُرَ، ومَواضِعُ الجِهادِ قَدْ بَعُدَتْ، فَناسَبَ الِاهْتِمامُ بِالسَّبِيلِ؛ فَلِذا قَدَّمَ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: مُخْلِصِينَ لَهُ؛ لِأنَّهُ المَلِكُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ فَصَرَّحَ بِالنَّفْسِ تَرْغِيبًا في المُباشَرَةِ بِها ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ أيْ: مِن جِهَةِ ارْتِفاعِ الدَّرَجَةِ، وهي الفَضِيلَةُ المُقَرِّبَةُ إلى اللَّهِ. ولَمّا لَمْ يَكُنِ العِبْرَةُ إلّا بِما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، لا بِما عِنْدَ النّاسِ، قالَ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ مِن أهْلِ السِّقايَةِ وما مَعَها مِن غَيْرِ إيمانٍ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ بِشَواهِدِهِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ لِيُفِيدَ أنَّ فَضِيلَتَهم عَلى الإطْلاقِ، فَيَكُونُ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ مِن جُمْلَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ، وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ لِمَزِيدِ التَّرْغِيبِ لِخَطَرِ المَقامِ وصُعُوبَةِ المَرامِ؛ وأفْهَمَ هَذا أنَّ تِلْكَ الأفْعالَ شَرِيفَةٌ في نَفْسِها، فَمَن باشَرَها كانَ عَلى دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن لَمْ يُباشِرْها، ومَن بَناها عَلى الأساسِ كانَ أعْظَمَ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما يَخُصُّ أهْلَ حِزْبِهِ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيِ: العالُو التُّرْبَةِ ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً لا أنْتُمْ أيُّها المُفاخِرُونَ مَعَ الشِّرْكِ ﴿الفائِزُونَ﴾ أيْ: بِالخَيْرِ الباقِي في الدّارَيْنِ دُونَ مَن عَداهم وإنْ فَعَلَ مِنَ الخَيْراتِ ما فَعَلَ؛ لِأنَّهم تَرَقَّوْا مِنَ العَبْدِيَّةِ إلى العِنْدِيَّةِ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.