Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 11–20 of 129

11

فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

But if they repent, establish prayer, and give zakah, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى.

﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ.

﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ.

﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ.

﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ …

12

وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then fight the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى.

﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ.

﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ.

﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ.

﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ …

13

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًۭا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Would you not fight a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allah has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى.

﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ.

﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ.

﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ.

﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ …

14

قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍۢ مُّؤْمِنِينَ

Fight them; Allah will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts of a believing people

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى.

﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ.

﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ.

﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ.

﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ …

15

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

And remove the fury in the believers' hearts. And Allah turns in forgiveness to whom He wills; and Allah is Knowing and Wise.

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى.

﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ.

﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ.

﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ.

﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ …

16

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

Do you think that you will be left [as you are] while Allah has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allah, His Messenger and the believers as intimates? And Allah is Acquainted with what you do.

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ المَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: اشْتَرَوْا بِالقُرْآنِ وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو اتِّباعُ الشَّهَواتِ والأهْواءِ لَمّا تَرَكَتْ دِينَ اللَّهِ وآثَرَتِ الكُفْرَ، كانَ ذَلِكَ كالشِّراءِ والبَيْعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وآياتُ اللَّهِ التَّوْراةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الطّائِفِ كانُوا يَمُدُّونَ النّاسَ بِالأمْوالِ يَمْنَعُونَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ وعَدَلُوا عَنْهُ. والظّاهِرُ أنَّ (ساءَ) هُنا مُحَوَّلَةٌ إلى فِعْلٍ. ومَذْهَبُ بابِها مَذْهَبُ بِئْسَ، ويَجُوزُ إقْرارُها عَلى وصْفِها الأوَّلِ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً؛ أيْ: أنَّهم ساءَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَحُذِفَ المَفْهُومُ لِفَهْمِ المَعْنى.

﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَداوَةِ وهو الإيمانُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] يُتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُخاطَبِينَ، نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ، وأنَّ سَبَبَ المُنافاةِ هو الإيمانُ، (وأُولَئِكَ)؛ أيِ الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ (هُمُ المُعْتَدُونَ)؛ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ والشَّرِّ ونَقْضِ العَهْدِ.

﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَإنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانُكم، أيْ: فَهم إخْوانُكم، والإخْوانُ، والإخْوَةُ جَمْعُ أخٍ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ. ومَن زَعَمَ أنَّ الإخْوَةَ تَكُونُ في النَّسَبِ، والإخْوانَ في الصَّداقَةِ، فَقَدْ غَلَطَ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وعَلَّقَ حُصُولَ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ عَلى الِالتِباسِ بِمَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ.

﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ، بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، وقَوْلِهِ: (وإنْ نَكَثُوا)، بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ تَعالى مِنَ الأحْكامِ، وقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَتَأمَّلُ تَفْصِيلَها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ.

﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: وإنْ نَقَضُوا أقْسامَهم مِن بَعْدَما تَعاهَدُوا وتَحالَفُوا عَلى أنْ لا يَنْكُثُوا. (وطَعَنُوا): أيْ عابُوهُ وثَلَبُوهُ واسْتَنْقَصُوهُ، والطَّعْنُ هُنا مَجازٌ، وأصْلُهُ الإصابَةُ بِالرُّمْحِ أوِ العُودِ وشَبَهِهِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَيْبِ كَما جاءَ في حَدِيثِ إمارَةِ أُسامَةَ: «إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ»؛ أيْ عِبْتُمُوها واسْتَنْقَصْتُمُوها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْدِيدَ في الشَّرْطَيْنِ هو في حَقِّ الكُفّارِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؛ أيْ رُؤَساءَ الكُفْرِ وزُعَماءَهُ. والمَعْنى: فَقاتِلُوا الكُفّارَ، وخَصَّ …

17

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allah [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: أنْ يُعْمِرُوا بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، أنْ يُعِينُوا عَلى عِمارَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: مَسْجِدٌ بِالإفْرادِ، وباقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْيَةُ بِالجَمْعِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأنْواعًا مِن قَبائِحِهِمْ تُوجِبُ البَراءَةَ مِنهم، ذَكَرُوا أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ تُوجِبُ انْتِفاءَ البَراءَةِ مِنها كَوْنُهم عامِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ. رُوِيَ أنَّهُ أقْبَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ يُوَبِّخُ العَبّاسَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: واقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ. فَقالَ العَبّاسُ: تُظْهِرُونَ مَساوِينا، وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا ؟ فَقالَ: أوَلَكم مَحاسِنُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، ونَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا، إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): أيْ بِالحَقِّ الواجِبِ، وإلّا فَقَدَ عَمَرُوهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ انْتَهى. وعِمارَتُهُ دُخُولُهُ والقُعُودُ فِيهِ والمُكْثُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَعْمُرُ المَسْجِدَ؛ أيْ يُكْثِرُ غَشَيانَهُ، أوْ رَفْعَ بِنائِهِ، وإصْلاحَ ما تَهَدَّمَ مِنهُ، أوِ التَّعَبُّدَ فِيهِ، والطَّوافَ بِهِ. والصَّلاةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أوِ الجِنْسُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ، إذْ هو صَدْرُ ذَلِكَ الجِنْسِ مُقَدِّمَتُهُ. ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيَحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مَكانٍ مِنهُ مَسْجِدٌ، وإمّا لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَكانَ عامِرُهُ عامِرَ المَساجِدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ وهو آكَدُ؛ لِأنَّ طَرِيقَتَهُ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ كَما لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ، كُنْتَ أنْفى لِقِراءَةِ القُرْآنِ مِن تَصْرِيحِكَ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدِينَ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الكُفْرِ بِهِ وبِعِبادَتِهِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: شاهِدُونَ عَلى إضْمارِ هم شاهِدُونَ، وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ قَوْلُهم في الطَّوافِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، أوْ قَوْلُهم إذا سُئِلُوا عَنْ دِينِهِمْ: نَعْبُدُ اللّاتَ والعُزّى، أوْ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ، أوْ قَوْلُ المُشْرِكِ: أنا مُشْرِكٌ كَما يَقُولُ اليَهُودِيُّ هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ هو نَصْرانِيٌّ، والمَجُوسِيُّ هو مَجُوسِيٌّ، والصّابِئُ هو صابِئٌ، أوْ ظُهُورُ أفْعالِ الكَفَرَةِ مِن نَصْبِ أصْنامِهِمْ وطَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، وغَيْرُ ذَلِكَ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، هَذا إذا حُمِلَ (عَلى أنْفُسِهِمْ) عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ شاهِدِينَ عَلى رَسُولِهِمْ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ أنْفُسَهم؛ لِأنَّهُ ما مِن بَطْنٍ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا …

18

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

The mosques of Allah are only to be maintained by those who believe in Allah and the Last Day and establish prayer and give zakah and do not fear except Allah, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: أنْ يُعْمِرُوا بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، أنْ يُعِينُوا عَلى عِمارَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: مَسْجِدٌ بِالإفْرادِ، وباقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْيَةُ بِالجَمْعِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأنْواعًا مِن قَبائِحِهِمْ تُوجِبُ البَراءَةَ مِنهم، ذَكَرُوا أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ تُوجِبُ انْتِفاءَ البَراءَةِ مِنها كَوْنُهم عامِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ. رُوِيَ أنَّهُ أقْبَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ يُوَبِّخُ العَبّاسَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: واقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ. فَقالَ العَبّاسُ: تُظْهِرُونَ مَساوِينا، وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا ؟ فَقالَ: أوَلَكم مَحاسِنُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، ونَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا، إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): أيْ بِالحَقِّ الواجِبِ، وإلّا فَقَدَ عَمَرُوهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ انْتَهى. وعِمارَتُهُ دُخُولُهُ والقُعُودُ فِيهِ والمُكْثُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَعْمُرُ المَسْجِدَ؛ أيْ يُكْثِرُ غَشَيانَهُ، أوْ رَفْعَ بِنائِهِ، وإصْلاحَ ما تَهَدَّمَ مِنهُ، أوِ التَّعَبُّدَ فِيهِ، والطَّوافَ بِهِ. والصَّلاةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أوِ الجِنْسُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ، إذْ هو صَدْرُ ذَلِكَ الجِنْسِ مُقَدِّمَتُهُ. ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيَحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مَكانٍ مِنهُ مَسْجِدٌ، وإمّا لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَكانَ عامِرُهُ عامِرَ المَساجِدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ وهو آكَدُ؛ لِأنَّ طَرِيقَتَهُ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ كَما لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ، كُنْتَ أنْفى لِقِراءَةِ القُرْآنِ مِن تَصْرِيحِكَ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدِينَ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الكُفْرِ بِهِ وبِعِبادَتِهِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: شاهِدُونَ عَلى إضْمارِ هم شاهِدُونَ، وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ قَوْلُهم في الطَّوافِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، أوْ قَوْلُهم إذا سُئِلُوا عَنْ دِينِهِمْ: نَعْبُدُ اللّاتَ والعُزّى، أوْ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ، أوْ قَوْلُ المُشْرِكِ: أنا مُشْرِكٌ كَما يَقُولُ اليَهُودِيُّ هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ هو نَصْرانِيٌّ، والمَجُوسِيُّ هو مَجُوسِيٌّ، والصّابِئُ هو صابِئٌ، أوْ ظُهُورُ أفْعالِ الكَفَرَةِ مِن نَصْبِ أصْنامِهِمْ وطَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، وغَيْرُ ذَلِكَ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، هَذا إذا حُمِلَ (عَلى أنْفُسِهِمْ) عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ شاهِدِينَ عَلى رَسُولِهِمْ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ أنْفُسَهم؛ لِأنَّهُ ما مِن بَطْنٍ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا …

19

۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Haram equal to [the deeds of] one who believes in Allah and the Last Day and strives in the cause of Allah? They are not equal in the sight of Allah. And Allah does not guide the wrongdoing people.

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: أنْ يُعْمِرُوا بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، أنْ يُعِينُوا عَلى عِمارَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: مَسْجِدٌ بِالإفْرادِ، وباقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْيَةُ بِالجَمْعِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأنْواعًا مِن قَبائِحِهِمْ تُوجِبُ البَراءَةَ مِنهم، ذَكَرُوا أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ تُوجِبُ انْتِفاءَ البَراءَةِ مِنها كَوْنُهم عامِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ. رُوِيَ أنَّهُ أقْبَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ يُوَبِّخُ العَبّاسَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: واقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ. فَقالَ العَبّاسُ: تُظْهِرُونَ مَساوِينا، وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا ؟ فَقالَ: أوَلَكم مَحاسِنُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، ونَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا، إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): أيْ بِالحَقِّ الواجِبِ، وإلّا فَقَدَ عَمَرُوهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ انْتَهى. وعِمارَتُهُ دُخُولُهُ والقُعُودُ فِيهِ والمُكْثُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَعْمُرُ المَسْجِدَ؛ أيْ يُكْثِرُ غَشَيانَهُ، أوْ رَفْعَ بِنائِهِ، وإصْلاحَ ما تَهَدَّمَ مِنهُ، أوِ التَّعَبُّدَ فِيهِ، والطَّوافَ بِهِ. والصَّلاةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أوِ الجِنْسُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ، إذْ هو صَدْرُ ذَلِكَ الجِنْسِ مُقَدِّمَتُهُ. ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيَحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مَكانٍ مِنهُ مَسْجِدٌ، وإمّا لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَكانَ عامِرُهُ عامِرَ المَساجِدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ وهو آكَدُ؛ لِأنَّ طَرِيقَتَهُ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ كَما لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ، كُنْتَ أنْفى لِقِراءَةِ القُرْآنِ مِن تَصْرِيحِكَ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدِينَ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الكُفْرِ بِهِ وبِعِبادَتِهِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: شاهِدُونَ عَلى إضْمارِ هم شاهِدُونَ، وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ قَوْلُهم في الطَّوافِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، أوْ قَوْلُهم إذا سُئِلُوا عَنْ دِينِهِمْ: نَعْبُدُ اللّاتَ والعُزّى، أوْ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ، أوْ قَوْلُ المُشْرِكِ: أنا مُشْرِكٌ كَما يَقُولُ اليَهُودِيُّ هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ هو نَصْرانِيٌّ، والمَجُوسِيُّ هو مَجُوسِيٌّ، والصّابِئُ هو صابِئٌ، أوْ ظُهُورُ أفْعالِ الكَفَرَةِ مِن نَصْبِ أصْنامِهِمْ وطَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، وغَيْرُ ذَلِكَ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، هَذا إذا حُمِلَ (عَلى أنْفُسِهِمْ) عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ شاهِدِينَ عَلى رَسُولِهِمْ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ أنْفُسَهم؛ لِأنَّهُ ما مِن بَطْنٍ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا …

20

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allah with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allah. And it is those who are the attainers [of success].

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: أنْ يُعْمِرُوا بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، أنْ يُعِينُوا عَلى عِمارَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: مَسْجِدٌ بِالإفْرادِ، وباقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْيَةُ بِالجَمْعِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأنْواعًا مِن قَبائِحِهِمْ تُوجِبُ البَراءَةَ مِنهم، ذَكَرُوا أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ تُوجِبُ انْتِفاءَ البَراءَةِ مِنها كَوْنُهم عامِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ. رُوِيَ أنَّهُ أقْبَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ يُوَبِّخُ العَبّاسَ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: واقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ. فَقالَ العَبّاسُ: تُظْهِرُونَ مَساوِينا، وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا ؟ فَقالَ: أوَلَكم مَحاسِنُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، ونَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا، إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ. ومَعْنى (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): أيْ بِالحَقِّ الواجِبِ، وإلّا فَقَدَ عَمَرُوهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ انْتَهى. وعِمارَتُهُ دُخُولُهُ والقُعُودُ فِيهِ والمُكْثُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَعْمُرُ المَسْجِدَ؛ أيْ يُكْثِرُ غَشَيانَهُ، أوْ رَفْعَ بِنائِهِ، وإصْلاحَ ما تَهَدَّمَ مِنهُ، أوِ التَّعَبُّدَ فِيهِ، والطَّوافَ بِهِ. والصَّلاةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أوِ الجِنْسُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ، إذْ هو صَدْرُ ذَلِكَ الجِنْسِ مُقَدِّمَتُهُ. ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيَحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مَكانٍ مِنهُ مَسْجِدٌ، وإمّا لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَكانَ عامِرُهُ عامِرَ المَساجِدِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ المَسْجِدُ الحَرامُ وهو آكَدُ؛ لِأنَّ طَرِيقَتَهُ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ كَما لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ، كُنْتَ أنْفى لِقِراءَةِ القُرْآنِ مِن تَصْرِيحِكَ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدِينَ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الكُفْرِ بِهِ وبِعِبادَتِهِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: شاهِدُونَ عَلى إضْمارِ هم شاهِدُونَ، وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ قَوْلُهم في الطَّوافِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، أوْ قَوْلُهم إذا سُئِلُوا عَنْ دِينِهِمْ: نَعْبُدُ اللّاتَ والعُزّى، أوْ تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ، أوْ قَوْلُ المُشْرِكِ: أنا مُشْرِكٌ كَما يَقُولُ اليَهُودِيُّ هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ هو نَصْرانِيٌّ، والمَجُوسِيُّ هو مَجُوسِيٌّ، والصّابِئُ هو صابِئٌ، أوْ ظُهُورُ أفْعالِ الكَفَرَةِ مِن نَصْبِ أصْنامِهِمْ وطَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، وغَيْرُ ذَلِكَ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، هَذا إذا حُمِلَ (عَلى أنْفُسِهِمْ) عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ شاهِدِينَ عَلى رَسُولِهِمْ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ أنْفُسَهم؛ لِأنَّهُ ما مِن بَطْنٍ مِن بُطُونِ العَرَبِ إلّا …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.