Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 101–110 of 129

101

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ

And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madinah. They have become accustomed to hypocrisy. You, [O Muhammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.

ولَمّا اسْتَوْفى الأقْسامَ الأرْبَعَةَ: قِسْمَيِ الحَضَرِ وقِسْمَيِ البَدْوِ ثُمَّ خَلَطَ بَيْنَ قِسْمَيْنِ مِنهم تَشْرِيفًا لِلسّابِقِ وتَرْغِيبًا لِلّاحِقِ. خَلَطَ بَيْنَ الجَمِيعِ عَلى وجْهٍ آخَرَ ثُمَّ ذَكَرَ مِنهم فِرَقًا مِنهم مَن نَجَزَ الحُكْمَ بِجَزائِهِ بِإصْرارٍ أوْ مَتابٍ. ومِنهم مَن أُخِّرَ أمْرُهُ إلى يَوْمِ الحِسابِ، وابْتَدَأ الأقْسامَ بِالمَسْتُورِ عَنْ غَيْرِ عِلْمِهِ لِيَعْلَمَ أهْلُ ذَلِكَ القِسْمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِالخَفايا فَلا يَزالُوا أذِلّاءَ خَوْفًا مِمّا هَدَّدَهم بِهِ فَقالَ مُصَرِّحًا بِما لَمْ يَتَقَدَّمِ التَّصْرِيحُ بِهِ مِن نِفاقِهِمْ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ أيْ حَوْلَ بَلَدِكُمُ المَدِينَةِ ﴿مِنَ الأعْرابِ﴾ أيِ الَّذِينَ قَدَّمْنا أنَّهم أشَدُّ كُفْرًا لِما لَهم مِنَ الجَفاءِ ﴿مُنافِقُونَ﴾ أيْ: راسِخُونَ في النِّفاقِ، وكَأنَّهُ قِدَمُهم لِجَلافَتِهِمْ وعُتُوِّهِمْ، وأتْبَعَهم مَن هو أصْنَعُ مِنهم فِي النِّفاقِ فَقالَ: ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ أيْ مُنافِقُونَ أيْضًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لا يَتُوبُونَ بِوَصْفِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا﴾ أيْ: صُلِبُوا ودامُوا وعَتَوْا وعَسَوْا وعَصَوْا وصارَ لَهم [بِهِ] دُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ وضَراوَةٌ حَتّى ذَلَّتْ لَهم فِيهِ جَمِيعُ أعْضائِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ وصارَ لَهم خُلُقًا ﴿عَلى النِّفاقِ﴾ أيِ اسْتَعْلَوْا عَلى هَذا الوَصْفِ بِحَيْثُ صارُوا في غايَةِ المُكْنَةِ مِنهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ مَهارَتَهم فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ: بِأعْيانِهِمْ مَعَ ما لَكَ مِن عَظِيمِ الفَطِنَةِ وصِدْقِ الفِراسَةِ لِفَرْطِ تَوَقِّيهِمْ وتَحامِي ما يُشْكِلُ مِن أمْرِهِ؛ ثُمَّ هَدَّدَهم وبَيَّنَ خَسارَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿نَعْلَمُهُمْ﴾ [ثُمَّ] اسْتَأْنَفَ جَزاءَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾ أيْ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ أيْ: إحْداهُما بِرُجُوعِكَ سالِمًا وشُفُوفِ أمْرِكِ وعُلُوِّ شَأْنِهِ وضَخامَةِ أرْكانِهِ وعِزِّ سُلْطانِهِ وظُهُورِ بُرْهانِهِ، فَإنَّهم قَطَعُوا لِغَباوَتِهِمْ وجَلافَتِهِمْ وقَساوَتِهِمْ كَما أشَرْتُ إلَيْهِ بِقَوْلِي ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] - أنَّكَ لا تَرْجِعُ هَذِهِ المَرَّةَ مِن هَذِهِ السَّفْرَةِ لِما يَعْرِفُونَهُ مِن ثَباتِكَ لِلْأقْرانِ، وإقْدامِكَ عَلى اللُّيُوثِ الشُّجْعانِ، واقْتِحامِكَ لِلْأهْوالِ، إذا ضاقَ المَجالُ، ونَكَصَ الضَّراغِمَةُ الأبْطالُ، ومِن عَظَمَةِ الرُّومِ وقُوَّتِهِمْ وتَمَكُّنِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، وغابَ عَنِ الأغْبِياءِ وخَفِيَ عَنِ الأشْقِياءِ الأغْنِياءِ أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم أعْظَمُ مِنهم وأكْبَرُ، وجُنُودُهُ أقْوى مِن جُنُودِهِمْ وأكْثَرُ؛ والثّانِيَةُ بَعْدَ وفاتِكَ بِقَهْرِ أهْلِ الرِّدَّةٍ ومَحْقِهِمْ ورُجُوعِ ما أصَّلْتَهُ بِخَلِيفَتِكَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ في أيّامِكَ مِنَ الظُّهُورِ وانْتِشارِ الضِّياءِ والنُّورِ والحُكْمِ عَلى مَن خالَفَهُ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وسَيَأْتِي أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ المَرَّةُ الثّانِيَةُ إخْرابَ مَسْجِدِ الضِّرارِ والإخْبارُ بِما أضْمَرُوا في شَأْنِهِ مِن خَفِيِّ الأسْرارِ ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ ﴿إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ عَظَمَةَ حَقِّ عِلْمِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهو العَذابُ الأكْبَرُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ أصْلًا.

At-Tawba 9:101Listen in Qur'an →
102

وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed a righteous deed with another that was bad. Perhaps Allah will turn to them in forgiveness. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

ولَمّا ذَكَرَ هَذا القِسْمَ المارِدَ الجافِيَ، ثَنّى بِمُقابَلَةِ اللَّيِّنِ الصّافِي، وهي الفِرْقَةُ الَّتِي نُجِزَ المَتابُ عَلَيْها والنَّظَرُ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ إلَيْها فَقالَ: ﴿وآخَرُونَ﴾ أيْ: مِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ آخَرُونَ ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم ذِكْرَها تَوْبَةً مِنهم نَدَمًا وإقْلاعًا وعَزْمًا ولَمْ يَفْزَعُوا إلى المَعاذِيرِ الكاذِبَةِ [وهُمُ المُقْتَصِدُونَ].

ولَمّا كانَ الخَلْطُ جَمْعًا في امْتِزاجٍ، كانَ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِهِ يُفْهَمُ أنَّ المَخْلُوطَ امْتَزَجَ بِغَيْرِهِ، فالإتْيانُ بِالواوِ في «آخَرَ» يُفْهِمُ أنَّ المَعْنى: ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا﴾ بِسَيِّئٍ ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ بِصالِحٍ، فَهو مِن ألْطَفِ شاهِدٍ لِنَوْعِ الِاحْتِباكِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِما أفْهَمَ ذَلِكَ إشارَةً إلى تَساوِي العَمَلَيْنِ وأنَّهُ لَيْسَ أحَدُهُما بِأوْلى مِنَ الآخَرِ أنْ يَكُونَ أصْلًا، [وقَدْ فَسَّرَها النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ في أُناسٍ رَآهم في المَنامِ شَطْرٌ مِنهم حَسَنٌ وشَطْرٌ مِنهم قَبِيحٌ كَما رَواهُ البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] ثُمَّ أوْجَبَ تَحْقِيقَ تَوْبَتِهِمُ المَلْزُومَةِ لِلِاعْتِرافِ بِقَبُولِها بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَإنَّ ﴿عَسى﴾ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى واجِبَةٌ لِأنَّ هَذا دَأْبُ المُلُوكِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِها يُفِيدُ - مَعَ الإيذانِ بِأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ، وأنَّ كُلَّ إحْسانٍ يَفْعَلُهُ فَإنَّما هو عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ إشارَةً إلى أنَّهم صارُوا كَغَيْرِهِمْ مِن خُلَّصِ المُؤْمِنِينَ غَيْرِ المَعْصُومِينَ في مُواقَعَةِ التَّقْصِيرِ وتَوَقُّعِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ بِالرُّجُوعِ بِهِمْ إلى المُراقَبَةِ، فَكَما أنَّ أُولَئِكَ مَعْدُودُونَ في حِزْبِ اللَّهِ مَعَ هَذا التَّقْصِيرِ المَرْجُوِّ لَهُ العَفْوُ فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ فِعْلَهُ بِهِمْ مُرَجِّيًا لِلْمَزِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ ذا الجَلالِ والإكْرامِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِقَبُولِ المُعْرِضِ إذا أقْبَلَ وإبْدالِ سَيِّئِهِ بِحَسَنٍ فَضْلًا مِنهُ وإكْرامًا؛ رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في التَّفْسِيرِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَنا: ««أتانِي اللَّيْلَةَ آتِيانِ فابْتَعَثانِي فانْتَهَيا إلى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبَنٍ ذَهَبٍ ولَبَنٍ فِضَّةٍ، فَتَلَقّانا رِجالٌ شَطْرٌ مِن خَلْقِهِمْ كَأحْسَنِ ما أنْتَ راءٍ، وشَطْرٌ كَأقْبَحِ ما أنْتَ راءٍ، قالا [لَهُمْ]: اذْهَبُوا فَقَعُوا في ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهم فَصارُوا في أحْسَنِ صُورَةٍ، قالا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وهَذاكَ مَنزِلُكَ، قالا: أمّا القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا شَطْرٌ مِنهم حَسَنٌ وشَطْرٌ مِنهم قَبِيحٌ فَإنَّهم خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَفا اللَّهُ عَنْهم»».

At-Tawba 9:102Listen in Qur'an →
103

خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةًۭ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌۭ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Take, [O, Muhammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allah 's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allah is Hearing and Knowing.

ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الرِّضْوانِ قَبُولُ القُرْبانِ، أمَرَهُ ﷺ تَطْهِيرًا لَهم وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ بِقَوْلِهِ: «﴿خُذْ﴾» ورَحِمَهم بِالتَّبْعِيضِ فَقالَ: ﴿مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ أيْ تُطَيِّبُ أنْفُسَهم بِإخْراجِها ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أيْ هي مِن ذُنُوبِهِمْ وتَجْرِي بِهِمْ مَجْرى الكَفّارَةِ ﴿وتُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ أنْتَ تَزِيدُهم وتُنَمِّيهِمْ ﴿بِها﴾ بِتَكْثِيرِ حَسَناتِهِمْ ﴿وصَلِّ﴾ أيِ اعْطِفْ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وأظْهِرْ شَرَفَهم بِدُعائِكَ لَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ صَلاتَكَ﴾ أيْ دَعَواتِكَ الَّتِي تَصِلُهم بِها فَتَكُونُ مُوَصِّلَةٌ لَهم إلى اللَّهِ ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أيْ: تَطْمَئِنُّ بِها قُلُوبُهم بَعْدَ قَلَقِ الخَوْفِ مِن عاقِبَةِ الذَّنْبِ لِما يَعْلَمُونَ مِن أنَّ القَبُولَ لا يَكُونُ إلّا مِمَّنْ حَصَلَ لَهُ الرِّضى عَنْهُمْ، ومِن [أنَّ] اللَّهَ سَمِعَ قَوْلَكَ إجابَةً لَكَ ويَعْلَمُ صِدْقَكَ في صَلاحِهِمْ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ لِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُسْمَعَ وما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ مِنكَ ومِنهم ومِن غَيْرِكُمْ، فَهو جَدِيرٌ بِالإجابَةِ والإثابَةِ، وذَلِكَ أنَّ هَذا الصِّنْفَ «لَمّا اشْتَدَّ نَدَمُهم عَلى التَّخَلُّفِ أوْثَقُوا أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ فَسَألَ عَنْهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ فَقِيلَ: نَدِمُوا عَلى التَّخَلُّفِ عَنْكَ فَحَلَفُوا: لا يُطْلِقُهم إلّا أنْتَ، فَقالَ: وأنا لا أُطْلِقُهم حَتّى أُومَرَ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ الآياتِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي خَلَّفَتْنا عَنْكَ فَتَصَدَّقْ بِها! فَقالَ: ما أُمِرْتُ بِذَلِكَ، فَلَمّا أنْزَلَ [اللَّهُ] هَذِهِ الآيَةَ أخَذَ الثُّلُثَ فَتَصَدَّقَ بِهِ».

At-Tawba 9:103Listen in Qur'an →
104

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Do they not know that it is Allah who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allah who is the Accepting of repentance, the Merciful?

ولَمّا ساقَ تَوْبَتَهم سُبْحانَهُ في حَيِّزِ ﴿عَسى﴾ [التوبة: ١٠٢] وكانَ الأصْلُ فِيها التَّرْجِيَةَ في المَحْبُوبِ والإشْفاقَ في المَكْرُوهِ، [و] أمَرَ سُبْحانَهُ بِالأخْذِ مِن أمْوالِهِمْ لِذَلِكَ، وكانَ إخْراجُ المالِ شَدِيدًا عَلى النُّفُوسِ لا سِيَّما في ذَلِكَ الزَّمانِ، كانَ رُبَّما اسْتَوْقَفَ الشَّيْطانُ مَن لَمْ يَرْسَخْ قَدَمُهُ في الإيمانِ عَنِ التَّوْبَةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الصَّدَقَةِ لِعَدَمِ الجَزْمِ بِأنَّها تُقْبَلُ، فَأتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُعْتَرِفُونَ بِالذُّنُوبِ حَتّى تَسْمَحَ أنْفُسُهم بِالصَّدَقَةِ أوْ غَيْرُهم حَتّى يَرْغَبُوا في التَّوْبَةِ والصَّدَقَةِ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿يَقْبَلُ﴾ أيْ: مِن شَأْنِهِ أنْ يَقْبَلَ ﴿التَّوْبَةَ﴾ تَجاوُزًا ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ أيِ التّائِبِينَ المُخْلِصِينَ ﴿ويَأْخُذُ﴾ أيْ يَقْبَلُ قَبُولَ الآخِذِ لِنَفْسِهِ ﴿الصَّدَقاتِ﴾ أيْ مِمَّنْ يَتَقَرَّبُ بِها إلَيْهِ بِنِيَّةٍ خالِصَةٍ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفَتَيِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ لَمْ يَزَلِ التَّجاوُزُ والإكْرامُ مِن شَأْنِهِ وصِفَتِهِ، وفي ذَلِكَ إنْكارٌ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ المُخْتَلِفِينَ في كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِمْ مِنَ النَّدَمِ الحامِلِ عَلى أنْ يُعَذِّبُوا أنْفُسَهم بِالإيثاقِ في السَّوارِي ويُقَرِّبُوا بَعْضَ أمْوالِهِمْ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِرافِ والنَّدَمِ.

At-Tawba 9:104Listen in Qur'an →
105

وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And say, "Do [as you will], for Allah will see your deeds, and [so, will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

ولَمّا أمَرَهُ مِن تَطْهِيرِهِمْ بِما يُعِيدُهم إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الذَّنْبِ، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿خُذْ﴾ [التوبة: ١٠٣] قَوْلَهُ تَحْذِيرًا لَهم مِن مِثْلِ ما وقَعُوا فِيهِ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا﴾ أيْ بَعْدَ طَهارَتِكم ﴿فَسَيَرى اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿عَمَلَكُمْ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ فاعْمَلُوا عَمَلَ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ ﴿ورَسُولُهُ﴾ أيْ: بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ. ولَمّا كانَ هَذا القِسْمُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَكانَتْ أعْمالُهم خَفاءً فِيها، قالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ فَزَيِّنُوا أعْمالَكم جُهْدَكم وأخْلِصُوا، وفي الأحادِيثِ: ««لَوْ أنَّ رَجُلًا عَمِلَ في صَخْرَةٍ لا بابَ لَها لَأظْهَرَ اللَّهُ عَمَلَهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ»».

ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ لِلْمُؤْمِنِينَ حُذِفَ مِنهُ ”ثُمَّ“ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ لِلْمُذْنِبِينَ أُكِّدَ بِالسِّينِ فَقالَ: ﴿وسَتُرَدُّونَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ والبَعْثِ ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: بِعِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: ما أظْهَرْتُمْ عَمَلَهُ وما كانَ في غَرائِزِكُمْ، فَلَوْ تَأخَّرْتُمْ تَطَهَّرْتُمْ، يُجارِيكم عَلى حَسَنَةٍ ويَزِيدُ مِن فَضْلِهِ، وعَلى سَيِّئَةٍ عَدْلًا إنْ شاءَ ولا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ.

At-Tawba 9:105Listen in Qur'an →
106

وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

And [there are] others deferred until the command of Allah - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allah is Knowing and Wise.

ولَمّا ذَكَرَ القِسْمَيْنِ المُنْجَزَ عَذابُهم ومَثابُهُمْ، ذَكَرَ المُؤَخَّرَ أمْرُهم [وهُوَ القِسْمُ الظّالِمُ لِنَفَسِهِ في الَّذِي بَدَأ بِهِ في سُورَةِ فاطِرٍ سُورَةِ الحَشْرِ الآخَرِ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ سُورَةَ الحَشْرِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ ﷺ ساقَ النّاسَ إلى أرْضِ المَحْشَرِ] فَقالَ: ﴿وآخَرُونَ﴾ أيْ: ومِنهم آخَرُونَ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ أيْ: مُؤَخَّرُونَ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ ﴿لأمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: لِما يَأْمُرُ بِهِ فِيهِمُ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا يَدْرُونَ أيُعَذَّبُونَ أمْ يُرْحَمُونَ؛ وقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ أصَرُّوا - تَخْوِيفًا [لَهُمْ] حَمْلًا عَلى المُبادَرَةِ إلى التَّوْبَةِ وتَصْفِيَتِها والإخْلاصِ فِيها وحَثًّا عَلى أنْ يَكُونَ الخَوْفُ ما دامَ الإنْسانُ صَحِيحًا أغْلَبَ، وثَنّى بِقَوْلِهِ: ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: إنْ تابُوا تَرْجِيَةً لَهم وتَرْقِيقًا لِقُلُوبِهِمْ بِالتَّذْكِيرِ بِمَنزِلِ الأُنْسِ الَّذِي أخْرَجُوا أنْفُسَهم مِنهُ ومَنَعُوها مِن حُلُولِهِ وطِيبِ مُسْتَقَرِّهِ ومَقِيلِهِ وحَلْيِ أوْقاتِهِ وعَلِيِّ مَقاماتِهِ وشَهِيِّ أقْواتِهِ.

ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ قائِلٌ: ما فائِدَةُ التَّأْخِيرِ وما المانِعُ مِنَ التَّنْجِيزِ؟ قالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا وتَبْعِيدًا وتَقْرِيبًا واحْتِراسًا مِمّا قَدْ يُوهِمُهُ التَّرْدِيدُ مِنَ الشَّكِّ وتَدْرِيبًا، وقِراءَةُ ”غَفُورٌ رَحِيمٌ“ لِلزِّيادَةِ في التَّرْجِيَةِ.

At-Tawba 9:106Listen in Qur'an →
107

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا وَكُفْرًۭا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًۭا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allah and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allah testifies that indeed they are liars.

ولَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ أقامَهم في مَقامِ الخَطَرِ أتْبَعَهُ تَعْيِينَ طائِفَةٍ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ المَسْتُورِ المَوْصُوفِ بِالمُرُودِ. فَألْحَقَ بِهِمُ الضَّرَرَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ الواوَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ﴾ [التوبة: ١٠٦] وخَبَرُهُ عَلى ما يَلِيقُ بِالقِصَّةِ: مُنافِقُونَ \ مارِدُونَ، وأمّا عَلى قِراءَةِ المَدَنِيِّينَ وابْنِ عامِرٍ بِحَذْفِها فَيَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ [لَمّا] قالَ تَعالى: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى الإعْلامِ بِهِمْ، فَلَمّا قالَ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] اشْتَغَلَ السّامِعُ بِتَفَهُّمِهِ، ورُبَّما ظَنَّ أنَّهُ يَأْتِي في آخِرِ الكَلامِ مِن تَسْمِيَتِهِمْ ما يُغْنِيهِ عَنِ السُّؤالِ، فَلَمّا انْتَقَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦] إلى قِسْمٍ آخَرَ، وخَتَمَ الآيَةَ بِصِفَتَيِ العِلْمِ والحِكْمَةِ لِيُعْلَمَ أنَّ التَّرْدِيدَ لِلتَّقْسِيمِ وأنَّهُ إنْ كانَ شَكٌّ فَهو بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَمُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَذَكَّرَ السّامِعَ بِالصِّفَتَيْنِ ما كانَ دارَ فِي خَلَدِهِ ومالَ إلَيْهِ قَلْبُهُ مِنَ الإعْلامِ بِالمارِدِينَ عَلى النِّفاقِ، فاشْتَدَّ تَشَوُّفُهُ إلَيْهِ فَكانَ كَأنَّهُ قالَ: مَن مِنَ المارِدِينَ مِنهُمْ؟ فَقالَ تَعالى [الَّذِينَ] ﴿اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ [أيْ] مِنَ المارِدِينَ وهم مِن أعْظَمِهِمْ مَهارَةً في النِّفاقِ وإخْفاءِ الكَيْدِ والشِّقاقِ لِأنَّهم تَوَصَّلُوا إلى ذَلِكَ بِأنْ كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ الأخْذَ لِأعْظَمِ عُرى الدِّينِ مَعَ المُنازَعَةِ لِلْفِطْرَةِ الأُولى والحَذَرِ مِن أنْ يُفْضَحُوا، فَكانَ خِتامُ هَذِهِ الآيَةِ مِن بَدِيعِ الخِتامِ فَإنَّهُ احْتِراسٌ عَمّا يُتَوَهَّمُ فِيما قَلْبَهُ ودَلِيلٌ عَلى ما بَعْدَهُ، ولِذَلِكَ خَتَمَ قِصَّتَهم أيْضًا بِصِفَتَيِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، ولاحَ مِن هَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ: مَرَّةً بِرُجُوعِكَ، ومَرَّةً بِإخْرابِكَ مَسْجِدَهم وتَفْرِيقِكَ لِشَمْلِهِمْ بَعْدَ هَتْكِ سَرائِرِهِمْ بِكَشْفِ ضَمائِرِهِمْ، وبَيَّنَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ اتِّخاذِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ضِرارًا﴾ أيْ: لِأهْلِ مَسْجِدِ قُباءَ أوْ لِحِزْبِ اللَّهِ [عامَّةً] ﴿وكُفْرًا﴾ أيْ بِاللَّهِ لِاتِّخاذِ دِينِهِ هُزُؤًا ﴿وتَفْرِيقًا﴾ أيْ [مِمّا] يُبَيِّتُونَهُ مِنَ المَكايِدِ بِاسْتِجْلابِهِمْ لِبَعْضِ مَن يَخْدَعُونَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويَطْمَعُونَ فِيهِ لِيَأْتِيَ مَسْجِدَهم ويَتْرُكَ المَسْجِدَ المُؤَسَّسَ عَلى التَّقْوى ﴿بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ بِما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِأنَّهم كانُوا يَجْتَمِعُونَ في مَسْجِدِ قُباءَ فَيَغْتَصُّ بِهِمْ ﴿وإرْصادًا﴾ أيْ: إعْدادًا وانْتِظارًا ﴿لِمَن حارَبَ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿ورَسُولَهُ﴾ ولَمّا لَمْ تَكُنْ مُحارَبَتُهم مُسْتَغْرِقَةً لِلزَّمَنِ الماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ اتِّخاذِهِمْ لِهَذا المَسْجِدِ بِزَمَنٍ قَرِيبٍ وهو أبُو عامِرٍ الفاسِقُ لِيَأْتِيَ إلَيْهِمْ فَيَزِيدَهم قُوَّةً عَلى نِفاقِهِمْ بِأنْ يَصِيرَ كَهْفًا يَأْوُونَ إلَيْهِ ورَأْسًا [لَهُمْ] يَتَجَمَّعُونَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ «أنَّهُ كانَ مِن بَنِي غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ، وهو والِدُ حَنْظَلَةَ الغَسِيلِ الَّذِي كانَ مِن خِيارِ الصَّحابَةِ، وكانَ أبُو عامِرٍ قَدْ تَرَهَّبَ في الجاهِلِيَّةِ ولَبِسَ المُسُوحَ. فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ قالَ لَهُ: ما هَذا الدِّينُ …

At-Tawba 9:107Listen in Qur'an →
108

لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًۭا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ

Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allah loves those who purify themselves.

ثُمَّ قالَ ناهِيًا عَنْ إجابَتِهِمْ إلى ما أرادُوا بِهِ مِنَ التَّلْبِيسِ إنْتاجًا عَنْ هَذا الكَلامِ الَّذِي هو أمْضى مِنَ السِّهامِ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ﴾ أيْ مَسْجِدِ الضِّرارِ ﴿أبَدًا﴾ أيْ سَواءً تابُوا أوْ لا، وأرادَ بَعْضُ المُخْلِصِينَ أنْ يَأْخُذَهُ أوَّلًا، أيْ لا بُدَّ مِن إخْرابِهِ ومَحْوِ أثَرِهِ عَنْ وجْهِ الأرْضِ.

ولَمّا ذَمَّهُ وذَمَّ أهْلَهُ مَدَحَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ، إمّا الَّذِي بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وإمّا الَّذِي بِبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُباءَ عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ. وهو الَّذِي اتُّخِذَ في أوَّلِ الإسْلامِ مَسْجِدًا إحْسانًا وإيمانًا وجَمْعًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإعْدادًا لِمَن صادَقَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ومَدَحَ أهْلَهُ إرْشادًا لِكُلِّ مَن كانَ مالٌ إلَيْهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِقُرْبٍ أوْ غَيْرِهِ إلى العِوَضِ عَنْهُ، ولَعَلَّهُ أبْهَمَ تَعْيِينَهُ وذَكَرَ وصْفَهُ لِيَكُونَ صالِحًا لِكُلٍّ مِنَ المَسْجِدَيْنِ.

لِما اتَّصَفَ بِهَذا الوَصْفِ مِن غَيْرِهِما فَقالَ مُؤَكِّدًا تَعْرِيفًا بِما لَهُ مِنَ الحَقِّ ولِما لِلْمُنافِقِينَ مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ﴾ أيْ: وقَعَ تَأْسِيسُهُ ﴿عَلى التَّقْوى﴾ أيْ: فَأحاطَتِ التَّقْوى بِهِ لِأنَّها إذا أحاطَتْ بِأوَّلِهِ أحاطَتْ بِآخِرِهِ؛ ولَمّا كانَ التَّأْسِيسُ قَدْ تَطُولُ مُدَّةُ أيّامِهِ فَيَكُونُ أوَّلُهُ مُخالِفًا لِآخِرِهِ، قالَ: ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ أيْ مِن أيّامِ تَأْسِيسِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ احْتِمالِ أنْ يُرِيدَ أحَدٌ مِن أهْلِ الإخْلاصِ أنْ يَتَّخِذَهُ مُصَلًّى. فَبَيَّنَ أنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ لِأنَّ تَأْسِيسَهُ كانَ لِما هو مُباعِدٌ لَهُ ﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أيْ بِالصَّلاةِ والوَعْظِ وغَيْرِهِ مِن مَسْجِدٍ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّقْوى عَلى التَّقْدِيرِ فَرْضٍ مُحالٍ إلّا في ثانِي الحالِ.

ولَمّا مَدَحَهُ مَدَحَ أهْلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ رِجالٌ﴾ أيْ لَهم كَمالُ الرُّجُولِيَّةِ ﴿يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ أيْ: في أبْدانِهِمْ وقُلُوبِهِمْ كَمالَ الطِّهارَةِ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ، فَهم دائِمًا في جِهادِ أنْفُسِهِمْ في ذَلِكَ فَأحَبَّهُمُ اللَّهُ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿يُحِبُّ﴾ أيْ يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ المُحِبُّ مِنَ الإكْرامِ بِالفَضْلِ والإحْسانِ، ولِإثْباتِ ما أفْهَمَ الِاجْتِهادُ حَصَلَ الغِنى عَنْ إظْهارِ تاءِ التَّفَعُّلِ أوْ لِلنَّدْبِ إلى الطَّهارَةِ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ المُجَزِّئَةِ فَقالَ: ﴿المُطَّهِّرِينَ﴾ أيْ قاطِبَةً مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ.

At-Tawba 9:108Listen in Qur'an →
109

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍۢ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allah and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allah does not guide the wrongdoing people.

ولِما عُلِمَ مِن هَذا بِطْرِيقِ الإشارَةِ والتَّلْوِيحِ أنَّ التَّأْسِيسَ مِثْلَ ابْتِداءِ خَلْقِ الحَيَوانِ، فَمَن جُبِلَ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ جِبِلَّةَ شَرٍّ لا يَصْلُحُ لِلْخَيْرِ أبَدًا ولا يَقْبَلُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ فَسَبَّبَ عَمّا مَضى قَوْلَهُ مُمَثِّلًا الباطِلَ بِبِناءٍ عَلى حَرْفِ وادٍ واهٍ جِدًّا عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ أيْ كَما أشَرْتُ إلَيْهِ في المَسْجِدِ المَحْثُوثِ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ ﴿عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿ورِضْوانٍ﴾ فَكانَ كَمَن بَنى بُنْيانَهُ عَلى جَبَلٍ لا تَهْدِمُهُ الأمْطارُ ولا تُؤَثِّرُ فِيهِ السُّيُولُ ﴿خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ عَلى فِسْقٍ وفُجُورٍ وعَدَمِ اكْتِراثٍ بِالأُمُورِ فَكانَ كَمَن بَنى بُنْيانَهُ ﴿عَلى شَفا﴾ أيْ حَرْفٍ، ومِنهُ الشَّفَهُ ﴿جُرُفٍ﴾ أيْ مَكانِ جَفْرَةِ السَّيْلِ \ وجَرْفِهِ فَصارَ مُشْرِفًا عَلى السُّقُوطِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿هارٍ﴾ أيْ هائِرٍ، مِن هارَ الجَرْفُ - إذا أشْرَفَ لِتَخْرِيقِ السُّيُولِ عَلى السُّقُوطِ ﴿فانْهارَ﴾ أيْ: فَكانَ بِناؤُهُ لِذَلِكَ سَبَبًا لِأنَّهُ سَقَطَ سُقُوطًا لا تَماسُكَ مَعَهُ ﴿بِهِ﴾ أيْ: وهو فِيهِ آمِنًا مِن سُقُوطِهِ بِقِلَّةِ عَقْلِهِ وسَفاهَةِ رَأْيِهِ ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ فالجَوابُ: لا شَكَّ الأوَّلُ خَيْرٌ، بَلْ لا خَيْرَ في الثّانِي أصْلًا، والعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِن كَوْنِهِ بَنى هَذا البِناءَ هَكَذا، فَأُجِيبَ بِأنَّهُ لا عَجَبَ لِأنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ، لا مَفَرَّ مِن قَضائِهِ، وهو قَدْ هَدى الأوَّلَ إلى ما فِيهِ صَلاحُهُ، ولَمْ يَهْدِ الثّانِيَ لِما عَلِمَ فِيهِ مِن عَدَمِ قابِلِيَّةِ الخَيْرِ ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِما يُرِيدُونَ ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ المَطْبُوعِينَ عَلى ظَلامِ البَصائِرِ، فَهم لا يَكْفُرُونَ في شَيْءٍ إلّا جاءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وعَلى غَيْرِ نِظامٍ كَخُطُواتِ الماشِي في الظَّلامِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الآيَةَ مِن قَبِيلِ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا التَّقْوى؛ لِأنَّ أهْلَ الإسْلامِ أحَقُّ بِها، فَدَلَّتْ عَلى حَذْفِ ضِدِّها ثانِيًا، وأثْبَتَ ثانِيًا ضَعْفَ البِناءِ حِسًّا لِأنَّ مَسْجِدَ الضِّرارِ أوْلى بِهِ، فَدَلَّ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا، فَذَكَرَ النِّهايَةَ المَعْقُولَةَ لِأهْلِها والبِدايَةَ المَحْسُوسَةَ لِلنّاظِرِينَ لَها؛ ورُوِيَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ الدُّخانَ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ؛ وحُكِيَ عَنْ خَلَفِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ رَأى فِيهِ حَجَرًا يَخْرُجُ مِنهُ الدُّخانُ في أوَّلِ دَوْلَةِ بَنِي العَبّاسِ.

At-Tawba 9:109Listen in Qur'an →
110

لَا يَزَالُ بُنْيَٰنُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْا۟ رِيبَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are stopped. And Allah is Knowing and Wise.

ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ غَيْرَ قاطِعٍ في إخْرابِهِ لِما ثَبَتَ لِلْمَساجِدِ مِنَ الحُرْمَةِ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ أنَّهُ لا يُعَدُّ في عِدادِ المَساجِدِ بِوَجْهٍ، وإنَّما هو في عِدادِ بُيُوتِ الأصْنامِ فَهو واجِبُ الإعْدامِ فَقالَ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ﴾ أيْ نَفْسُ المَبْنى وهو المَسْجِدُ ﴿الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً﴾ أيْ شَكًّا ونِفاقًا ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ كَمًّا أنَّ بُيُوتَ الأصْنامِ كَذَلِكَ لِأهْلِها، فَكانَ ذَلِكَ حَثًّا عَلى إخْرابِهِ ومَحْوِهِ وقَطْعِ أثَرِهِ. والمَعْنى أنَّهُ جامِعٌ لَهم عَلى الرِّيبَةِ في كُلِّ زَمانٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ﴿إلا أنْ﴾ ولَمّا كانَ القَطْعُ مُحَصِّلًا لِلْمَقْصُودِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى قاطِعٍ مُعَيَّنٍ، قالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: إلّا زَمانٌ يُوجَدُ فِيهِ القَطْعُ البَلِيغُ الكَثِيرُ لِقُلُوبِهِمْ وعَزائِمِهِمْ ويُباعِدُ بَيْنَهم ويُفَرِّقُ شَمْلَهم بِإخْراجِهِ، وقِراءَةُ يَعْقُوبَ: بِ ”إلى“ الجارَّةِ واضِحَةٌ في المُرادِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّهُ لا يَزالُ حامِلًا لَهم عَلى التَّصْمِيمِ عَلى النِّفاقِ إلى أنْ يَمُوتُوا، فَهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ عَلِيمٌ بِما أخْبَرَكم بِهِ فَلا تَشُكُّوا فِيهِ، عَطْفٌ عَلَيْهِ تَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ وتَعْظِيمًا لِلْأمْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ ﴿حَكِيمٌ﴾ فَهو يُتْقِنُ ما يَأْمُرُ بِهِ.

At-Tawba 9:110Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.