Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 71–75 of 75

71

وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

But if they intend to betray you - then they have already betrayed Allah before, and He empowered [you] over them. And Allah is Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِيبَ بَدْرٍ في أسْرى بَدْرٍ، أُعْلِمُوا أنَّ لَهم مَيْلًا إلى الإسْلامِ وأنَّهم يُؤَمِّلُونَهُ إنْ فُدُوا ورَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ؛ وقِيلَ: في عَبّاسٍ وأصْحابِهِ قالُوا لِلرَّسُولِ: آمَنّا بِما جِئْتَ ونَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَنَنْصَحَنَّ لَكَ عَلى قَوْمِنا، ومَعْنى في أيْدِيكم، أيْ: مَلَّكْتُكم، كَأنَّ الأيْدِيَ قابِضَةٌ عَلَيْهِمْ، والصَّحِيحُ أنَّ الأُسارى كانُوا سَبْعِينَ والقَتْلى سَبْعِينَ، كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ المُسَيَّبِ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وكانَ عَلَيْهِمْ حِينَ جِيءَ بِهِمْ إلى المَدِينَةِ شُقْرانُ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ مالِكٌ: كانُوا مُشْرِكِينَ، ومِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أسَرَهُ أبُو اليُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو أخُو بَنِي سَلِمَةَ، وكانَ قَصِيرًا والعَبّاسُ ضَخْمٌ طَوِيلٌ، فَلَمّا جاءَ بِهِ قالَ الرَّسُولُ ﷺ: لَقَدْ أعانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وعَنِ العَبّاسِ: كَنْتُ مُسْلِمًا ولَكِنَّهُمُ اسْتَكْرَهُونِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنْ يَكُنْ ما تَقُولُ حَقًّا فاللَّهُ يَجْزِيكَ فَأمّا ظاهِرُ أمْرِكَ فَقَدْ كُنْتَ عَلَيْنا، وكانَ أحَدَ الَّذِينَ ضَمِنُوا إطْعامَ أهْلِ بَدْرٍ وخَرَجَ بِالذَّهَبِ لِذَلِكَ»، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِلْعَبّاسِ «افْدِ ابْنَيْ أخِيكَ» عَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ ونَوْفَلَ بْنَ الحارِثِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَرَكْتَنِي أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا ما بَقِيتُ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ المالُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ وقْتَ خُرُوجِكَ مِن مَكَّةَ وقُلْتَ لَها: لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا، فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهو لَكِ ولِعَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ والفَضْلِ، فَقالَ العَبّاسُ: وما يُدْرِيكَ ؟ قالَ: أخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي، قالَ العَبّاسُ: فَأنا أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنْتَ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، واللَّهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ ولَقَدْ كُنْتُ مُرْتابًا في أمْرِكَ فَأمّا إذا أخْبَرْتَنِي بِذَلِكَ فَلا رَيْبَ، قالَ العَبّاسُ: فَأبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ لِيَ الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا إنَّ أدْناهم لَيَضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا، وأعْطانِي زَمْزَمَ ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها جَمِيعَ أمْوالِ مَكَّةَ وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّي، ورُوِيَ أنَّهُ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مالُ البَحْرَيْنِ ثَمانُونَ ألْفًا فَتَوَضَّأ لِصَلاةِ الظُّهْرِ وما صَلّى حَتّى فَرَّقَهُ وأمَرَ العَبّاسَ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ فَأخَذَ ما قَدَرَ عَلى حَمْلِهِ، وكانَ يَقُولُ: هَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي وأرْجُو المَغْفِرَةَ، ومَعْنى ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ إنْ يَتَبَيَّنْ لِلنّاسِ عِلْمُ اللَّهِ في قُلُوبِكم خَيْرًا، أيْ: إسْلامًا كَما زَعَمْتُمْ بِأنْ تُظْهِرُوا الإسْلامَ فَإنَّهُ سَيُعْطِيكم أفْضَلَ مِمّا أُخِذَ مِنكم بِالفِداءِ، وسَيَغْفِرُ لَكم ما اجْتَرَحْتُمُوهُ، فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِنَ الأسْرى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: مِن أسْرى، مُنَكَّرًا، وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: مِنَ الأُسارى، واخْتُلِفَ عَنِ …

Al-Anfaal 8:71Listen in Qur'an →
72

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

Indeed, those who have believed and emigrated and fought with their wealth and lives in the cause of Allah and those who gave shelter and aided - they are allies of one another. But those who believed and did not emigrate - for you there is no guardianship of them until they emigrate. And if they seek help of you for the religion, then you must help, except against a people between yourselves and whom is a treaty. And Allah is Seeing of what you do.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قَسَّمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى: المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا، فَبَدَأ بِالمُهاجِرِينَ؛ لِأنَّهم أصْلُ الإسْلامِ وأوَّلُ مَنِ اسْتَجابَ لِلَّهِ، فَهاجَرَ قَوْمٌ إلى المَدِينَةِ، وقَوْمٌ إلى الحَبَشَةِ، وقَوْمٌ إلى ابْنِ ذِي يَزَنَ، ثُمَّ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ وكانُوا قُدْوَةً لِغَيْرِهِمْ في الإيمانِ وسَبَبَ تَقْوِيَةِ الدِّينِ، مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وثَنّى بِالأنْصارِ لِأنَّهم ساوَوْهم في الإيمانِ، وفي الجِهادِ بِالنَّفْسِ والمالِ، لَكِنَّهُ عادَلَ الهِجْرَةَ الإيواءَ والنَّصْرَ، وانْفَرَدَ المُهاجِرُونَ بِالسَّبْقِ، وذَكَرَ ثالِثًا مَن آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ ولَمْ يَنْصُرْ فَفاتَهم هاتانِ الفَضِيلَتانِ وحُرِمُوا الوَلايَةَ حَتّى يُهاجِرُوا، ومَعْنى (أوْلِياءُ بَعْضٍ) في النُّصْرَةِ والتَّعاوُنِ والمُؤازَرَةِ، كَما جاءَ في غَيْرِ آيَةٍ، نَحْوُ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: ذَلِكَ في المِيراثِ آخى الرَّسُولُ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَكانَ المُهاجِرِيُّ يَرِثُهُ أخُوهُ الأنْصارِيُّ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِالمَدِينَةِ ولِيٌّ مُهاجِرِيٌّ، ولا تَوارُثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَرِيبِهِ المُسْلِمِ غَيْرِ المُهاجِرِيِّ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: واسْتَمَرَّ أمْرُهم كَذَلِكَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ تَوارَثُوا بَعْدُ لَمّا لَمْ تَكُنْ هِجْرَةٌ، فَمَعْنى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ نَفْيُ المُوالاةِ في التَّوارُثِ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى﴾ [الأنفال: ٧٥] نَسْخًا لِذَلِكَ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى في نَفْيِ الوَلايَةِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلْحالِ؛ إذْ لا يُمْكِنُ ولايَتُهُ ونَصْرُهُ لِتَباعُدِ ما بَيْنَ المُهاجِرِينَ وبَيْنَهم، وفي ذَلِكَ حَضٌّ لِلْأعْرابِ عَلى الهِجْرَةِ، قِيلَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُوالاةُ؛ لِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الوَلايَةُ المَنفِيَّةُ غَيْرَ النُّصْرَةِ، انْتَهى. ولَمّا نَزَلَ: (ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا) قالَ الزُّبَيْرُ: هَلْ نُعِينُهم عَلى أمْرٍ إنِ اسْتَعانُوا بِنا ؟ فَنَزَلَ: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾، ومَعْنى (مِيثاقٌ): عَهْدٌ؛ لِأنَّ نَصْرَكم إيّاهم نَقْضٌ لِلْعَهْدِ فَلا تُقاتِلُونَ؛ لِأنَّ المِيثاقَ مانِعٌ مِن ذَلِكَ، وخَصَّ الِاسْتِنْصارَ بِالدِّينِ؛ لِأنَّهُ بِالحَمِيَّةِ والعَصَبِيَّةِ في غَيْرِ الدِّينِ مَنهِيٌّ عَنْهُ، وعَلى تَقْتَضِي الوُجُوبَ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: فَواجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهم. وقالَ زُهَيْرٌ:

؎عَلى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهِمُ وعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ

وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ: ﴿ولايَتِهِمْ﴾، بِالكَسْرِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وهُما لُغَتانِ، قالَهُ الأخْفَشُ، ولَحَّنَ الأصْمَعِيُّ الأخْفَشَ في قِراءَتِهِ بِالكَسْرِ وأخْطَأ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ …

Al-Anfaal 8:72Listen in Qur'an →
73

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌۭ كَبِيرٌۭ

And those who disbelieved are allies of one another. If you do not do so, there will be fitnah on earth and great corruption.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: أوْلى بِبَعْضٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الجَمْعُ المُوارَثَةُ والمُعاوَنَةُ والنُّصْرَةُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ظاهِرُهُ إثْباتُ المُوالاةِ بَيْنَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى في المُسْلِمِينَ ‏ (‏ ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] ‏) ومَعْناهُ ‏: ‏ نَهْيُ المُسْلِمِينَ عَنْ مُوالاةِ الَّذِينَ كَفَرُوا ومُوارَثَتِهِمْ وإيجابِ مُباعَدَتِهِمْ ومُصارَمَتِهِمْ وإنْ كانُوا أقارِبَ وأنْ يَتْرُكُوا يَتَوارَثُونَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا ذَكَرَ أقْسامَ المُؤْمِنِينَ الثَّلاثَةَ وأنَّهم أوْلِياءُ يَنْصُرُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَرِثُ بَعْضُهم بَعْضًا بَيَّنَ أنَّ فَرِيقَ الكُفّارِ كَذَلِكَ؛ إذْ كانُوا قَبْلَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ ﷺ يُنادِي أهْلُ الكِتابِ مِنهم قُرَيْشًا ويَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوائِرَ، فَصارُوا بَعْدَ بَعْثِهِ يُوالِي بَعْضُهم بَعْضًا وإلْبًا واحِدًا عَلى الرَّسُولِ صَوْنًا عَلى رِئاساتِهِمْ وتَحَزُّبًا عَلى المُؤْمِنِينَ.

﴿إنْ لا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في تَفْعَلُوهُ عائِدٌ عَلى المِيثاقِ، أيْ: عَلى حِفْظِهِ، أوْ عَلى النَّصْرِ، أوْ عَلى الإرْثِ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: إنْ لا تَفْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ مِن تَواصُلِ المُسْلِمِينَ وتَوَلِّي بَعْضِهِمْ بَعْضًا حَتّى في التَّوارُثِ تَفْضِيلًا لِنِسْبَةِ الإسْلامِ عَلى نِسْبَةِ القَرابَةِ، ولَمْ تَقْطَعُوا العَلائِقَ بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ، ولَمْ تَجْعَلُوا قَرابَتَهم كَلا قَرابَةَ تَحْصُلُ فِتْنَةٌ في الأرْضِ ومَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ ما لَمْ يَصِيرُوا يَدًا واحِدَةً عَلى الشِّرْكِ كانَ الشِّرْكُ ظاهِرًا والفَسادُ زائِدًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والفِتْنَةُ المِحْنَةُ بِالحَرْبِ وما انْجَرَّ مَعَها مِنَ الغاراتِ والجَلاءِ والأسْرِ، والفَسادُ الكَبِيرُ ظُهُورُ الشِّرْكِ، وقالَ البَغَوِيُّ: الفِتْنَةُ في الأرْضِ قُوَّةُ الكُفْرِ، والفَسادُ الكَبِيرُ ضَعْفُ الإسْلامِ، وقَرَأ أبُو مُوسى الحِجازِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: كَثِيرٌ، بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ، ورُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَرَأ: وفَسادٌ عَرِيضٌ.

Al-Anfaal 8:73Listen in Qur'an →
74

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ

But those who have believed and emigrated and fought in the cause of Allah and those who gave shelter and aided - it is they who are the believers, truly. For them is forgiveness and noble provision.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هَذِهِ الآيَةُ فِيها تَعْظِيمُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وهي مُخْتَصَرَةٌ؛ إذْ حُذِفَ مِنها بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، ولَيْسَتْ تَكْرارًا؛ لِأنَّ السّابِقَةَ تَضَمَّنَتْ ولايَةَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وتَقْسِيمَ المُؤْمِنِينَ إلى الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وبَيانَ حُكْمِهِمْ في ولايَتِهِمْ ونَصْرِهِمْ، وهَذِهِ تَضَمَّنَتِ الثَّناءَ والتَّشْرِيفَ والِاخْتِصاصَ، وما آلَ إلَيْهِ حالُهم مِنَ المَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ أواخِرِ نَظِيرَةِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] يَعْنِي الَّذِينَ لَحِقُوا بِالهِجْرَةِ مَن سَبَقَ إلَيْها، فَحَكَمَ تَعالى بِأنَّهم مِنَ المُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ في الثَّوابِ والأجْرِ، وإنْ كانَ لِلسّابِقِينَ شُفُوفُ السَّبْقِ، وتَقَدُّمُ الإيمانِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، ومَعْنى مِن بَعْدُ: مِن بَعْدِ الهِجْرَةِ الأُولى، وذَلِكَ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وزادَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبَيْعَةِ الرِّضْوانِ، وذَلِكَ أنَّ الهِجْرَةَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ كانَتْ أقَلَّ رُتْبَةً مِنَ الهِجْرَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وكانَ يُقالُ لَها: الهِجْرَةُ الثّانِيَةُ؛ لِأنَّ الحَرْبَ وضَعَتْ أوْزارَها نَحْوَ عامَيْنِ، ثُمَّ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ. وبِهِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» . وقالَ الطَّبَرِيُّ: مِن بَعْدِ ما بَيَّنْتُ حُكْمَ الوَلايَةِ، فَكانَ الحاجِزُ بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ نُزُولَ الآيَةِ، فَأخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم مِنَ الأوَّلِينَ في المُوازَرَةِ وسائِرِ أحْكامِ الإسْلامِ؛ وقِيلَ: مِن بَعْدِ يَوْمِ بَدْرٍ، وقالَ الأصَمُّ: مِن بَعْدِ الفَتْحِ، وفي قَوْلِهِ: مَعَكم، إشْعارٌ أنَّهم تَبَعٌ لا صَدْرٌ، كَما قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦]، وكَذَلِكَ: ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥]، كَما جاءَ مَوْلى القَوْمِ مِنهم، وابْنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنهم.

Al-Anfaal 8:74Listen in Qur'an →
75

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ

And those who believed after [the initial emigration] and emigrated and fought with you - they are of you. But those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allah. Indeed, Allah is Knowing of all things.

﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، أيْ: وأصْحابُ القَراباتِ، ومَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ في المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في المَوارِيثِ بِالأُخُوَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم، قالَ: هَذِهِ في المَوارِيثِ، وهي نَسْخٌ لِلْمِيراثِ بِتِلْكَ الأُخُوَّةِ، وإيجابُ أنْ يَرِثَ الإنْسانُ قَرِيبَهُ المُؤْمِنَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُهاجِرًا، واسْتَدَلَّ بِها أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم مالِكٌ: لَيْسَتْ في المَوارِيثِ، وهَذا فِرارٌ عَنْ تَوْرِيثِ الخالِ والعَمَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المَوارِيثِ إلّا أنَّها نَسَخَتْها آيَةُ المَوارِيثِ المُبَيِّنَةُ، والظّاهِرُ أنَّ كِتابَ اللَّهِ هو القُرْآنُ المُنَزَّلُ، وذَلِكَ في آيَةِ المَوارِيثِ؛ وقِيلَ: في كِتابِ اللَّهِ السّابِقِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ وقِيلَ: في كِتابِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ المُنَزَّلَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ في حُكْمِهِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: في حُكْمِهِ وقِسْمَتِهِ، وخَتْمُ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، في غايَةِ البَراعَةِ؛ إذْ قَدْ تَضَمَّنَتْ أحْكامًا كَثِيرَةً في مُهِمّاتِ الدِّينِ وقِوامِهِ وتَفْصِيلًا لِأحْوالِهِ، فَصِفَةُ العِلْمِ تَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ وتُحِيطُ بِمَبادِئِهِ وغاياتِهِ.

Al-Anfaal 8:75Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.