Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 61–70 of 75

61

۞ وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allah. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.

﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ جَنَحَ الرَّجُلُ إلى الآخَرِ مالَ إلَيْهِ، وجَنَحَتِ الإبِلُ مالَتْ أعْناقُها في السَّيْرِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

؎إذا ماتَ فَوْقَ الرَّحْلِ أحْيَيْتُ رُوحَهُ بِذِكْراكَ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ

وجَنَحَ اللَّيْلُ أقْبَلَ وأمالَ أطْنابَهُ إلى الأرْضِ. وقالَ النّابِغَةُ يَصِفُ طُيُورًا تَتْبَعُ الجَيْشَ:

؎جَوانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قَبِيلَهُ ∗∗∗ إذا ما التَقى الجَيْشانِ أوَّلُ غالِبِ

ومِنهُ قِيلَ لِلْأضْلاعِ جَوانِحُ؛ لِأنَّها مالَتْ عَلى الحَشْوَةِ، ومِنهُ الجَناحُ لِمَيْلِهِ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى فُلانٍ وجَنَحَ لَهُ إذا تابَعَهُ وخَضَعَ لَهُ، والضَّمِيرُ في جَنَحُوا عائِدٌ عَلى الَّذِينَ نَبَذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، وهم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ؛ وقِيلَ: عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ والعَرَبِ؛ وقِيلَ: عَلى قَوْمٍ سَألُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ قَبُولَ الجِزْيَةِ مِنهم، وجَنَحَ يَتَعَدّى بِإلى وبِاللّامِ، والسَّلْمُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ. فَقِيلَ: التَّأْنِيثُ لُغَةٌ؛ وقِيلَ: عَلى مَعْنى المُسالَمَةِ؛ وقِيلَ: حَمْلًا عَلى النَّقِيضِ، وهو الحَرْبُ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎وأفْنَيْتُ في الحَرْبِ آلاتِها ∗∗∗ وعَدَّدْتُ لِلسَّلْمِ أوْزارَها

وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ السِّينِ وكَسْرِها، والسَّلْمُ الصُّلْحُ لُغَةً، فَقالَ قَتادَةُ هي مُوادَعَةُ المُشْرِكِينَ ومُهادَنَتُهم، وهَذا راجِعٌ إلى رَأْيِ الإمامِ، فَإنْ رَآهُ مَصْلَحَةً فَعَلَ وإلّا فَلا؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمِ مَعْتِبٍ سَألُوا المُوادَعَةَ فَأمْرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ الإجابَةَ إلَيْها، ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ وقِيلَ: أداءُ الجِزْيَةِ، وقالَ الحَسَنُ: السَّلْمُ الإسْلامُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وعَنْ مُجاهِدٍ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى ما يَرى فِيهِ الإمامُ صَلاحَ الإسْلامِ وأهْلِهِ مِن حَرْبٍ أوْ سَلْمٍ، ولَيْسَ بِحَتْمٍ أنْ يُقاتِلُوا أبَدًا، أوْ يُجابُوا إلى الهُدْنَةِ أبَدًا، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ: فاجْنُحْ، بِضَمِّ النُّونِ، وهي لُغَةُ قَيْسٍ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: القِياسُ في فِعْلِ اللّازِمِ ضَمُّ عَيْنِ الكَلِمَةِ في المُضارِعِ، وهي أقْيَسُ مِن يَفْعِلُ بِالكَسْرِ، وأمَرَهُ تَعالى بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ فَلا يُبالِي بِهِمْ، وإنْ أبَطَنُوا الخَدِيعَةَ في جُنُوحِهِمْ إلى السَّلْمِ فَإنَّ اللَّهَ كافٍ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وهو السَّمِيعُ لِأقْوالِهِمُ العَلِيمُ بِنِيّاتِهِمْ.

Al-Anfaal 8:61Listen in Qur'an →
62

وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ

But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allah. It is He who supported you with His help and with the believers

﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أيْ: وإنْ يُرِدِ الجانِحُونَ لِلسَّلْمِ بِأنْ يُظْهِرُوا السَّلْمَ ويُبْطِنُوا الخِيانَةَ والغَدْرَ مُخادَعَةً، فاجْنَحْ لَها فَما عَلَيْكَ مِن نِيّاتِهِمُ الفاسِدَةِ، فَإنَّ حَسْبَكَ وكافِيكَ هو اللَّهُ، ومَن كانَ اللَّهُ حَسْبُهُ لا يُبالِي بِمَن يَنْوِي سُوءًا، ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِما فَعَلَ مَعَهُ أوَّلًا مِن تَأْيِيدِهِ بِالنَّصْرِ وبِائْتِلافِ المُؤْمِنِينَ عَلى إعانَتِهِ ونَصْرِهِ عَلى أعْدائِهِ، فَكَما لَطَفَ بِكَ أوَّلًا يَلْطُفُ بِكَ آخِرًا، والمُؤْمِنُونَ هُنا الأوْسُ والخَزْرَجُ، وكانَ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ العَداوَةِ لِلْحُرُوبِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهم ما كانَ لَوْلا الإسْلامُ لَيَنْقَضِي أبَدًا، ولَكِنَّهُ تَعالى مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ فَأبْدَلَهم بِالعَداوَةِ مَحَبَّةً وبِالتَّباعُدِ قُرْبًا، ومَعْنى ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ عَلى تَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ واجْتِماعِها عَلى مَحَبَّةِ بَعْضِها بَعْضًا، وكَوْنُها في الأوْسِ والخَزْرَجِ تَظاهَرَ بِهِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ في المُتَحابِّينَ في اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى عُمُومِ المُؤْمِنِينَ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وجَعَلَ التَّأْلِيفَ ما كانَ بَيْنَ جَمْعِهِمْ فَكُلٌّ يَأْلَفُ في اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّأْلِيفُ بَيْنَ قُلُوبِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِما رَأوْا مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ؛ لِأنَّ العَرَبَ لِما فِيهِمْ مِنَ الحَمِيَّةِ والعَصَبِيَّةِ والِانْطِواءِ عَلى الضَّغِينَةِ في أدْنى شَيْءٍ وإلْقائِهِ بَيْنَ أعْيُنِهِمْ إلى أنْ يَنْتَقِمُوا لا يَكادُ يَأْتَلِفُ مِنهم قَلْبانِ، ثُمَّ ائْتَلَفَتْ قُلُوبُهم عَلى اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واتَّحَدُوا، وذَلِكَ لِما نَظَّمَ اللَّهُ مِن أُلْفَتِهِمْ، وجَمَعَ مِن كَلِمَتِهِمْ، وأحْدَثَ بَيْنَهم مِنَ التَّحابِّ والتَّوادِّ، وأماطَ عَنْهم مِنَ التَّباغُضِ، وكَلَّفَهم مِنَ الحُبِّ في اللَّهِ والبُغْضِ في اللَّهِ، ولا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا مَن يَمْلِكُ القُلُوبَ، فَهو يُقَلِّبُها كَما يَشاءُ، ويَصْنَعُ فِيها ما أرادَ، انْتَهى، وكَلامُهُ آخِرًا قَرِيبٌ مِن كَلامِ أهْلِ السُّنَّةِ؛ لِأنَّهم قالُوا: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَقائِدَ والإراداتِ والكَراهاتِ مِن خَلْقِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ما حَصَلَ مِنَ الأُلْفِ هو بِسَبَبِ الإيمانِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لَكانَتِ المَحَبَّةُ المُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهِ فِعْلًا لِلْعَبْدِ، وذَلِكَ خِلافُ صَرِيحِ الآيَةِ، وقالَ القاضِي: لَوْلا ألْطافُ اللَّهِ تَعالى ساعَةً ساعَةً ما حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ، فَأُضِيفَتْ إلى اللَّهِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ يُضافُ عِلْمُ الوَلَدِ وأدَبُهُ إلى أبِيهِ لِأجْلِ أنَّهُ لَمْ يَحَصِّلْ ذَلِكَ إلّا بِمَعُونَةِ الأبِ وتَرْبِيَتِهِ، فَكَذَلِكَ هُنا، انْتَهى، وهَذا هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ.

Al-Anfaal 8:62Listen in Qur'an →
63

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allah brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.

﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أيْ: وإنْ يُرِدِ الجانِحُونَ لِلسَّلْمِ بِأنْ يُظْهِرُوا السَّلْمَ ويُبْطِنُوا الخِيانَةَ والغَدْرَ مُخادَعَةً، فاجْنَحْ لَها فَما عَلَيْكَ مِن نِيّاتِهِمُ الفاسِدَةِ، فَإنَّ حَسْبَكَ وكافِيكَ هو اللَّهُ، ومَن كانَ اللَّهُ حَسْبُهُ لا يُبالِي بِمَن يَنْوِي سُوءًا، ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِما فَعَلَ مَعَهُ أوَّلًا مِن تَأْيِيدِهِ بِالنَّصْرِ وبِائْتِلافِ المُؤْمِنِينَ عَلى إعانَتِهِ ونَصْرِهِ عَلى أعْدائِهِ، فَكَما لَطَفَ بِكَ أوَّلًا يَلْطُفُ بِكَ آخِرًا، والمُؤْمِنُونَ هُنا الأوْسُ والخَزْرَجُ، وكانَ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ العَداوَةِ لِلْحُرُوبِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهم ما كانَ لَوْلا الإسْلامُ لَيَنْقَضِي أبَدًا، ولَكِنَّهُ تَعالى مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ فَأبْدَلَهم بِالعَداوَةِ مَحَبَّةً وبِالتَّباعُدِ قُرْبًا، ومَعْنى ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ عَلى تَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ واجْتِماعِها عَلى مَحَبَّةِ بَعْضِها بَعْضًا، وكَوْنُها في الأوْسِ والخَزْرَجِ تَظاهَرَ بِهِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ في المُتَحابِّينَ في اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى عُمُومِ المُؤْمِنِينَ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وجَعَلَ التَّأْلِيفَ ما كانَ بَيْنَ جَمْعِهِمْ فَكُلٌّ يَأْلَفُ في اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّأْلِيفُ بَيْنَ قُلُوبِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِما رَأوْا مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ؛ لِأنَّ العَرَبَ لِما فِيهِمْ مِنَ الحَمِيَّةِ والعَصَبِيَّةِ والِانْطِواءِ عَلى الضَّغِينَةِ في أدْنى شَيْءٍ وإلْقائِهِ بَيْنَ أعْيُنِهِمْ إلى أنْ يَنْتَقِمُوا لا يَكادُ يَأْتَلِفُ مِنهم قَلْبانِ، ثُمَّ ائْتَلَفَتْ قُلُوبُهم عَلى اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واتَّحَدُوا، وذَلِكَ لِما نَظَّمَ اللَّهُ مِن أُلْفَتِهِمْ، وجَمَعَ مِن كَلِمَتِهِمْ، وأحْدَثَ بَيْنَهم مِنَ التَّحابِّ والتَّوادِّ، وأماطَ عَنْهم مِنَ التَّباغُضِ، وكَلَّفَهم مِنَ الحُبِّ في اللَّهِ والبُغْضِ في اللَّهِ، ولا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا مَن يَمْلِكُ القُلُوبَ، فَهو يُقَلِّبُها كَما يَشاءُ، ويَصْنَعُ فِيها ما أرادَ، انْتَهى، وكَلامُهُ آخِرًا قَرِيبٌ مِن كَلامِ أهْلِ السُّنَّةِ؛ لِأنَّهم قالُوا: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَقائِدَ والإراداتِ والكَراهاتِ مِن خَلْقِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ما حَصَلَ مِنَ الأُلْفِ هو بِسَبَبِ الإيمانِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لَكانَتِ المَحَبَّةُ المُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهِ فِعْلًا لِلْعَبْدِ، وذَلِكَ خِلافُ صَرِيحِ الآيَةِ، وقالَ القاضِي: لَوْلا ألْطافُ اللَّهِ تَعالى ساعَةً ساعَةً ما حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ، فَأُضِيفَتْ إلى اللَّهِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ يُضافُ عِلْمُ الوَلَدِ وأدَبُهُ إلى أبِيهِ لِأجْلِ أنَّهُ لَمْ يَحَصِّلْ ذَلِكَ إلّا بِمَعُونَةِ الأبِ وتَرْبِيَتِهِ، فَكَذَلِكَ هُنا، انْتَهى، وهَذا هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ.

Al-Anfaal 8:63Listen in Qur'an →
64

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

O Prophet, sufficient for you is Allah and for whoever follows you of the believers.

﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ نَزَلَتْ بِالبَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وأنَسٌ: في إسْلامِ عُمَرَ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أسْلَمَ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ فَنَزَلَتْ، والظّاهِرُ رَفْعُ (ومَن) عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ، وعَلى هَذا فَسَّرَهُ الحَسَنُ وجَماعَةٌ، أيْ: حَسْبُكَ اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ، وقالَ الشَّعْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ مَعْنى الآيَةِ: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، قالَ ابْنَ عَطِيَّةَ: فَمَن في هَذا التَّأْوِيلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الكافِ؛ لِأنَّ مَوْضِعَها نَصْبٌ عَلى المَعْنى بِيَكْفِيكَ الَّذِي سَدَّتْ حَسْبُكَ مَسَدَّها، انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ (حَسْبُكَ) لَيْسَ مِمّا تَكُونُ الكافُ فِيهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، بَلْ هَذِهِ إضافَةٌ صَحِيحَةٌ لَيْسَتْ مِن نَصْبٍ، وحَسْبُكَ مُبْتَدَأٌ مُضافٌ إلى الضَّمِيرِ، ولَيْسَ مَصْدَرًا ولا اسْمَ فاعِلٍ، إلّا إنْ قِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّهُ قِيلَ: يَكْفِيكَ اللَّهُ، أوْ كَفاكَ اللَّهُ، ولَكِنَّ العَطْفَ عَلى التَّوَهُّمِ لا يَنْقاسُ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ ما وُجِدَتْ مَندُوحَةٌ عَنْهُ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ الشَّعْبِيِّ وابْنِ زَيْدٍ هو أنْ يَكُونَ (ومَن) مَجْرُورَةً عَلى حَذْفِ وحَسْبِ لِدَلالَةِ (حَسْبُكَ) عَلَيْهِ، فَيَكُونُ، كَقَوْلِهِ:

؎أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ونارٍ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نارا

أيْ: وكُلَّ نارٍ، فَلا يَكُونُ مِنَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الوَجْهُ مِن حَذْفِ المُضافِ مَكْرُوهٌ بِأنَّهُ ضَرُورَةُ الشِّعْرِ، انْتَهى، ولَيْسَ بِمَكْرُوهٍ ولا ضَرُورَةً، وقَدْ أجازَهُ سِيبَوَيْهِ في الكَلامِ، وخُرِّجَ عَلَيْهِ البَيْتَ وغَيْرُهُ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَنِ اتَّبَعَكَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ وما بَعْدَهُ مَنصُوبٌ، تَقُولُ: وحَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، ولا يُجَرُّ لِأنَّ عَطْفَ الظّاهِرِ المَجْرُورِ عَلى المُكَنّى مُمْتَنِعٌ. قالَ:

فَحَسْبُكَ والضَّحّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّدُ والمَعْنى: كَفاكَ وكَفى أتْباعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ اللَّهُ ناصِرًا، انْتَهى، وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُخالِفٌ لِكَلامِ سِيبَوَيْهِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: قالُوا حَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، لِما كانَ فِيهِ مِن مَعْنى كَفاكَ، وقَبَّحَ أنْ يَحْمِلُوهُ عَلى المُضْمَرِ نَوَوُا الفِعْلَ، كَأنَّهُ قالَ: حَسْبُكَ ويَحْسَبُ أخاكَ دِرْهَمٌ، ولِذَلِكَ كَفِيكَ، انْتَهى، كَفِيكَ هو مِن كَفاهُ يَكْفِيهِ، وكَذَلِكَ قَطُّكَ، تَقُولُ: كَفِيكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ وقَطُّكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، ولَيْسَ هَذا مِن بابِ المَفْعُولِ مَعَهُ، وإنَّما جاءَ سِيبَوَيْهِ بِهِ حُجَّةً لِلْحَمْلِ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ، فَحَسْبُكَ يَدُلُّ عَلى كَفاكَ، ويَحْسَبُنِي مُضارِعُ أحْسَبَنِي فُلانٌ إذا أعْطانِي حَتّى أقُولَ: حَسْبِي، فالنّاصِبُ في هَذا فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، وهو في كَفِيكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ أوْضَحُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ، أيْ: ويَكْفِي زَيْدًا، وفي: قَطُّكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، التَّقْدِيرُ فِيهِ أبْعَدُ؛ لِأنَّ قَطَّكَ لَيْسَ في الفِعْلِ المُضْمَرِ شَيْءٌ مِن لَفْظِهِ، إنَّما هو مُفَسِّرٌ مِن حَيْثُ المَعْنى فَقَطْ، وفي ذَلِكَ الفِعْلِ المُضْمَرِ فاعِلٌ يَعُودُ عَلى الدِّرْهَمِ، والنِّيَّةُ بِالدِّرْهَمِ التَّقْدِيمُ فَيَصِيرُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن …

Al-Anfaal 8:64Listen in Qur'an →
65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ

O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are] steadfast, they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ هاتانِ الجُمْلَتانِ شَرْطِيَّتانِ، في ضِمْنِهِما الأمْرُ بِصَبْرِ عِشْرِينَ لِمِائَتَيْنِ وبِصَبْرِ مِائَةٍ لِألْفٍ، ولِذَلِكَ دَخَلَها النَّسْخُ؛ إذْ لَوْ كانَ خَبَرًا مَحْضًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ النَّسْخُ، لَكِنَّ الشَّرْطَ إذا كانَ فِيهِ مَعْنى التَّكْلِيفِ جازَ فِيهِ النَّسْخُ، وهَذا مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ والتَّقْيِيدُ بِالصَّبْرِ في أوَّلِ كُلِّ شَرْطٍ لَفْظًا هو مَحْذُوفٌ مِنَ الثّانِيَةِ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في الأُولى، وتَقْيِيدُ الشَّرْطِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: (مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) لَفْظًا هو مَحْذُوفٌ مِنَ الشَّرْطِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فانْظُرْ إلى فَصاحَةِ هَذا الكَلامِ حَيْثُ أُثْبِتَ قَيْدٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى وحُذِفَ نَظِيرُهُ مِنَ الثّانِيَةِ، وأُثْبِتُ قَيْدٌ في الثّانِيَةِ وحُذِفَ مِنَ الأُولى، ولَمّا كانَ الصَّبْرُ شَدِيدَ المَطْلُوبِيَّةِ أُثْبِتَ في أُولى جُمْلَتَيِ التَّخْفِيفِ، وحُذِفَ مِنَ الثّانِيَةِ لِدَلالَةِ السّابِقَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ خُتِمَتِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] مُبالَغَةً في شِدَّةِ المَطْلُوبِيَّةِ، ولَمْ يَأْتِ في جُمْلَتَيِ التَّخْفِيفِ قَيْدُ الكُفْرِ اكْتِفاءً بِما قَبْلَ ذَلِكَ، وتَظاهَرَتِ الرِّواياتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ ثَباتَ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ كانَ فَرْضًا، لَمّا شَقَّ عَلَيْهِمُ انْتَقَلَ إلى ثَباتِ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ أيْضًا، وسَواءٌ كانَ فَرْضًا أمْ نَدْبًا هو نَسْخٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ تَخْفِيفٌ لا نَسْخٌ - كَمَكِّيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - ضَعِيفٌ، قالَ مَكِّيٌ: إنَّما هو كَتَخْفِيفِ الفِطْرِ في السَّفَرِ، ولَوْ صامَ لَمْ يَأْثَمْ وأجْزَأهُ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الأعْدادِ أنَّ فَرْضِيَّةَ الثَّباتِ أوْ نَدْبِيَّتَهُ كانَ أوَّلًا في ابْتِداءِ الإسْلامِ، فَكانَ العِشْرُونَ تَمْثِيلًا لِلسَّرِيَّةِ والمِائَةُ تَمْثِيلًا لِلْجَيْشِ، فَلَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ، وذَلِكَ بَعْدَ زَمانٍ، كانَ المِائَةُ تَمْثِيلًا لِلسَّرايا والألْفُ تَمْثِيلًا لِلْجَيْشِ، ولَيْسَ في أمْرِهِ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ دَلِيلٌ عَلى ابْتِداءِ فَرْضِيَّةِ القِتالِ بَلْ كانَ القِتالُ مُفْتَرَضًا قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ حَثًّا عَلى أمْرٍ كانَ وجَبَ عَلَيْهِمْ، ونَصَّ تَعالى عَلى سَبَبِ الغَلَبَةِ بِأنَّ الكُفّارَ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ، والمَعْنى: أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ يُقاتِلُونَ عَلى غَيْرِ احْتِسابٍ وطَلَبِ ثَوابٍ كالبَهائِمِ فَتُفَلُّ نِيّاتُهم، ويَعْدَمُونَ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ نُصْرَتَهُ، فَهو تَعالى يَخْذُلُهم، وذَلِكَ بِخِلافِ مَن يُقاتِلُ عَلى بَصِيرَةٍ، وهو مَوْعُودٌ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: كانَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرُّوا ويَثْبُتَ الواحِدُ لِلْعَشَرَةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَ حَمْزَةَ في ثَلاثِينَ راكِبًا فَلَقِيَ أبا جَهْلٍ في ثَلاثِمِائَةِ راكِبٍ، قِيلَ، ثُمَّ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وضَجُّوا مِنهُ، وذَلِكَ …

Al-Anfaal 8:65Listen in Qur'an →
66

ٱلْـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ صَابِرَةٌۭ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

Now, Allah has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allah. And Allah is with the steadfast.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ هاتانِ الجُمْلَتانِ شَرْطِيَّتانِ، في ضِمْنِهِما الأمْرُ بِصَبْرِ عِشْرِينَ لِمِائَتَيْنِ وبِصَبْرِ مِائَةٍ لِألْفٍ، ولِذَلِكَ دَخَلَها النَّسْخُ؛ إذْ لَوْ كانَ خَبَرًا مَحْضًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ النَّسْخُ، لَكِنَّ الشَّرْطَ إذا كانَ فِيهِ مَعْنى التَّكْلِيفِ جازَ فِيهِ النَّسْخُ، وهَذا مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ والتَّقْيِيدُ بِالصَّبْرِ في أوَّلِ كُلِّ شَرْطٍ لَفْظًا هو مَحْذُوفٌ مِنَ الثّانِيَةِ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في الأُولى، وتَقْيِيدُ الشَّرْطِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: (مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) لَفْظًا هو مَحْذُوفٌ مِنَ الشَّرْطِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فانْظُرْ إلى فَصاحَةِ هَذا الكَلامِ حَيْثُ أُثْبِتَ قَيْدٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى وحُذِفَ نَظِيرُهُ مِنَ الثّانِيَةِ، وأُثْبِتُ قَيْدٌ في الثّانِيَةِ وحُذِفَ مِنَ الأُولى، ولَمّا كانَ الصَّبْرُ شَدِيدَ المَطْلُوبِيَّةِ أُثْبِتَ في أُولى جُمْلَتَيِ التَّخْفِيفِ، وحُذِفَ مِنَ الثّانِيَةِ لِدَلالَةِ السّابِقَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ خُتِمَتِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] مُبالَغَةً في شِدَّةِ المَطْلُوبِيَّةِ، ولَمْ يَأْتِ في جُمْلَتَيِ التَّخْفِيفِ قَيْدُ الكُفْرِ اكْتِفاءً بِما قَبْلَ ذَلِكَ، وتَظاهَرَتِ الرِّواياتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ ثَباتَ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ كانَ فَرْضًا، لَمّا شَقَّ عَلَيْهِمُ انْتَقَلَ إلى ثَباتِ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ أيْضًا، وسَواءٌ كانَ فَرْضًا أمْ نَدْبًا هو نَسْخٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ تَخْفِيفٌ لا نَسْخٌ - كَمَكِّيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - ضَعِيفٌ، قالَ مَكِّيٌ: إنَّما هو كَتَخْفِيفِ الفِطْرِ في السَّفَرِ، ولَوْ صامَ لَمْ يَأْثَمْ وأجْزَأهُ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الأعْدادِ أنَّ فَرْضِيَّةَ الثَّباتِ أوْ نَدْبِيَّتَهُ كانَ أوَّلًا في ابْتِداءِ الإسْلامِ، فَكانَ العِشْرُونَ تَمْثِيلًا لِلسَّرِيَّةِ والمِائَةُ تَمْثِيلًا لِلْجَيْشِ، فَلَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ، وذَلِكَ بَعْدَ زَمانٍ، كانَ المِائَةُ تَمْثِيلًا لِلسَّرايا والألْفُ تَمْثِيلًا لِلْجَيْشِ، ولَيْسَ في أمْرِهِ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ دَلِيلٌ عَلى ابْتِداءِ فَرْضِيَّةِ القِتالِ بَلْ كانَ القِتالُ مُفْتَرَضًا قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ حَثًّا عَلى أمْرٍ كانَ وجَبَ عَلَيْهِمْ، ونَصَّ تَعالى عَلى سَبَبِ الغَلَبَةِ بِأنَّ الكُفّارَ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ، والمَعْنى: أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ يُقاتِلُونَ عَلى غَيْرِ احْتِسابٍ وطَلَبِ ثَوابٍ كالبَهائِمِ فَتُفَلُّ نِيّاتُهم، ويَعْدَمُونَ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ نُصْرَتَهُ، فَهو تَعالى يَخْذُلُهم، وذَلِكَ بِخِلافِ مَن يُقاتِلُ عَلى بَصِيرَةٍ، وهو مَوْعُودٌ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: كانَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرُّوا ويَثْبُتَ الواحِدُ لِلْعَشَرَةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَ حَمْزَةَ في ثَلاثِينَ راكِبًا فَلَقِيَ أبا جَهْلٍ في ثَلاثِمِائَةِ راكِبٍ، قِيلَ، ثُمَّ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وضَجُّوا مِنهُ، وذَلِكَ …

Al-Anfaal 8:66Listen in Qur'an →
67

مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allah 's enemies] in the land. Some Muslims desire the commodities of this world, but Allah desires [for you] the Hereafter. And Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

نَزَلَتْ في أسْرى بَدْرٍ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ قَدِ اسْتَشارَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا، فَأشارَ أبُو بَكْرٍ بِالِاسْتِحْياءِ، وعُمَرُ بِالقَتْلِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وأبُو حَيْوَةَ: ما كانَ لِلنَّبِيِّ مُعَرَّفًا، والمُرادُ بِهِ في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ الرَّسُولُ ﷺ، ولَكِنْ في التَّنْكِيرِ إبْهامٌ في كَوْنِ النَّفْيِ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا، وتَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ وكَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ، وهو هُنا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ما كانَ لِأصْحابِ نَبِيٍّ، أوْ لِأتْباعِ نَبِيٍّ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا، ولِذَلِكَ جاءَ الجَمْعُ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ تُرِيدُ أوْ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِاسْتِبْقاءِ الرِّجالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أرادَ عَرَضَ الدُّنْيا قَطُّ، وإنَّما فَعَلَهُ جُمْهُورُ مُباشِرِي الحَرْبِ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في قِصَّةِ هَؤُلاءِ الأُسارى، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في السِّيَرِ وحَذَفْناهُ نَحْنُ لِأنَّ في بَعْضِهِ ما لا يُناسِبُ ذِكْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَناصِبِ الرُّسُلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أنْ تَكُونَ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَمْعِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ عَلى التَّذْكِيرِ عَلى المَعْنى، وقَرَأ الجُمْهُورُ والسَّبْعَةُ: أسْرى عَلى وزْنِ فَعْلى، وهو قِياسُ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ إذا كانَ آفَةً كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ (أُسارى) وشُبِّهَ فَعِيلٌ بِفَعْلانَ، نَحْوَ: كَسْلانُ وكُسالى، كَما شَبَّهُوا كَسْلانَ بِأسِيرٍ، فَقالُوا فِيهِ جَمْعًا: كَسْلى، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: وهُما شاذّانِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ أُسارى جَمْعُ أسْرى، فَهو جَمْعُ جَمْعٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ الخِلافِ في فُعالى أهُوَ جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ وأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ، ومَدْلُولُ أسْرى وأُسارى واحِدٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ الأسْرى هم غَيْرُ المُوثَقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ والأُسارى هُمُ المُوثَقُونَ رَبْطًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِ، وقَدْ ذَكَرَهُ أيْضًا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وقالَ: العَرَبُ لا تَعْرِفُ هَذا كِلاهُما عِنْدَهم سَواءٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: حَتّى يُثَخِّنَ، مُشَدَّدًا عَدَّوْهُ بِالتَّضْعِيفِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ وعَدَّوْهُ بِالهَمْزَةِ؛ إذْ كانَ قَبْلَ التَّعْدِيَةِ ثَخَنَ، ومَعْنى ﴿عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ما أخَذْتُمْ في فِداءِ الأُسارى، وكانَ فِداءُ كُلِّ رَجُلٍ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وفِداءُ العَبّاسِ أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ مِائَةُ أُوقِيَّةٍ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا وسِتَّةُ دَنانِيرَ، وكانُوا مالُوا إلى الفِداءِ لِيَقْوَوْا ما يُصِيبُونَهُ عَلى الجِهادِ، وإيثارًا لِلْقَرابَةِ ورَجاءَ الإسْلامِ، وكانَ الإثْخانُ والقَتْلُ أهْيَبُ لِلْكُفّارِ وأرْفَعُ لِمَنارِ الإسْلامِ، وكانَ ذَلِكَ إذِ المُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَلَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ وعَزَّ أهْلُهُ نَزَلَ: (فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً)، وقُرِئَ: (يُرِيدُونَ) بِالياءِ مِن تَحْتُ …

Al-Anfaal 8:67Listen in Qur'an →
68

لَّوْلَا كِتَٰبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

If not for a decree from Allah that preceded, you would have been touched for what you took by a great punishment.

﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

نَزَلَتْ في أسْرى بَدْرٍ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ قَدِ اسْتَشارَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا، فَأشارَ أبُو بَكْرٍ بِالِاسْتِحْياءِ، وعُمَرُ بِالقَتْلِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وأبُو حَيْوَةَ: ما كانَ لِلنَّبِيِّ مُعَرَّفًا، والمُرادُ بِهِ في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ الرَّسُولُ ﷺ، ولَكِنْ في التَّنْكِيرِ إبْهامٌ في كَوْنِ النَّفْيِ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا، وتَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ وكَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ، وهو هُنا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ما كانَ لِأصْحابِ نَبِيٍّ، أوْ لِأتْباعِ نَبِيٍّ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا، ولِذَلِكَ جاءَ الجَمْعُ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ تُرِيدُ أوْ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِاسْتِبْقاءِ الرِّجالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أرادَ عَرَضَ الدُّنْيا قَطُّ، وإنَّما فَعَلَهُ جُمْهُورُ مُباشِرِي الحَرْبِ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في قِصَّةِ هَؤُلاءِ الأُسارى، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في السِّيَرِ وحَذَفْناهُ نَحْنُ لِأنَّ في بَعْضِهِ ما لا يُناسِبُ ذِكْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَناصِبِ الرُّسُلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أنْ تَكُونَ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَمْعِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ عَلى التَّذْكِيرِ عَلى المَعْنى، وقَرَأ الجُمْهُورُ والسَّبْعَةُ: أسْرى عَلى وزْنِ فَعْلى، وهو قِياسُ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ إذا كانَ آفَةً كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ (أُسارى) وشُبِّهَ فَعِيلٌ بِفَعْلانَ، نَحْوَ: كَسْلانُ وكُسالى، كَما شَبَّهُوا كَسْلانَ بِأسِيرٍ، فَقالُوا فِيهِ جَمْعًا: كَسْلى، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: وهُما شاذّانِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ أُسارى جَمْعُ أسْرى، فَهو جَمْعُ جَمْعٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ الخِلافِ في فُعالى أهُوَ جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ وأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ، ومَدْلُولُ أسْرى وأُسارى واحِدٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ الأسْرى هم غَيْرُ المُوثَقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ والأُسارى هُمُ المُوثَقُونَ رَبْطًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِ، وقَدْ ذَكَرَهُ أيْضًا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وقالَ: العَرَبُ لا تَعْرِفُ هَذا كِلاهُما عِنْدَهم سَواءٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: حَتّى يُثَخِّنَ، مُشَدَّدًا عَدَّوْهُ بِالتَّضْعِيفِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ وعَدَّوْهُ بِالهَمْزَةِ؛ إذْ كانَ قَبْلَ التَّعْدِيَةِ ثَخَنَ، ومَعْنى ﴿عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ما أخَذْتُمْ في فِداءِ الأُسارى، وكانَ فِداءُ كُلِّ رَجُلٍ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وفِداءُ العَبّاسِ أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ مِائَةُ أُوقِيَّةٍ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا وسِتَّةُ دَنانِيرَ، وكانُوا مالُوا إلى الفِداءِ لِيَقْوَوْا ما يُصِيبُونَهُ عَلى الجِهادِ، وإيثارًا لِلْقَرابَةِ ورَجاءَ الإسْلامِ، وكانَ الإثْخانُ والقَتْلُ أهْيَبُ لِلْكُفّارِ وأرْفَعُ لِمَنارِ الإسْلامِ، وكانَ ذَلِكَ إذِ المُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَلَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ وعَزَّ أهْلُهُ نَزَلَ: (فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً)، وقُرِئَ: (يُرِيدُونَ) بِالياءِ مِن تَحْتُ …

Al-Anfaal 8:68Listen in Qur'an →
69

فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allah. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

نَزَلَتْ في أسْرى بَدْرٍ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ قَدِ اسْتَشارَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا، فَأشارَ أبُو بَكْرٍ بِالِاسْتِحْياءِ، وعُمَرُ بِالقَتْلِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وأبُو حَيْوَةَ: ما كانَ لِلنَّبِيِّ مُعَرَّفًا، والمُرادُ بِهِ في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ الرَّسُولُ ﷺ، ولَكِنْ في التَّنْكِيرِ إبْهامٌ في كَوْنِ النَّفْيِ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا، وتَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ وكَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ، وهو هُنا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ما كانَ لِأصْحابِ نَبِيٍّ، أوْ لِأتْباعِ نَبِيٍّ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا، ولِذَلِكَ جاءَ الجَمْعُ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ تُرِيدُ أوْ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِاسْتِبْقاءِ الرِّجالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أرادَ عَرَضَ الدُّنْيا قَطُّ، وإنَّما فَعَلَهُ جُمْهُورُ مُباشِرِي الحَرْبِ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في قِصَّةِ هَؤُلاءِ الأُسارى، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في السِّيَرِ وحَذَفْناهُ نَحْنُ لِأنَّ في بَعْضِهِ ما لا يُناسِبُ ذِكْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَناصِبِ الرُّسُلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أنْ تَكُونَ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَمْعِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ عَلى التَّذْكِيرِ عَلى المَعْنى، وقَرَأ الجُمْهُورُ والسَّبْعَةُ: أسْرى عَلى وزْنِ فَعْلى، وهو قِياسُ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ إذا كانَ آفَةً كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ (أُسارى) وشُبِّهَ فَعِيلٌ بِفَعْلانَ، نَحْوَ: كَسْلانُ وكُسالى، كَما شَبَّهُوا كَسْلانَ بِأسِيرٍ، فَقالُوا فِيهِ جَمْعًا: كَسْلى، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: وهُما شاذّانِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ أُسارى جَمْعُ أسْرى، فَهو جَمْعُ جَمْعٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ الخِلافِ في فُعالى أهُوَ جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ وأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ، ومَدْلُولُ أسْرى وأُسارى واحِدٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ الأسْرى هم غَيْرُ المُوثَقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ والأُسارى هُمُ المُوثَقُونَ رَبْطًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِ، وقَدْ ذَكَرَهُ أيْضًا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وقالَ: العَرَبُ لا تَعْرِفُ هَذا كِلاهُما عِنْدَهم سَواءٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: حَتّى يُثَخِّنَ، مُشَدَّدًا عَدَّوْهُ بِالتَّضْعِيفِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ وعَدَّوْهُ بِالهَمْزَةِ؛ إذْ كانَ قَبْلَ التَّعْدِيَةِ ثَخَنَ، ومَعْنى ﴿عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ما أخَذْتُمْ في فِداءِ الأُسارى، وكانَ فِداءُ كُلِّ رَجُلٍ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وفِداءُ العَبّاسِ أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ مِائَةُ أُوقِيَّةٍ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا وسِتَّةُ دَنانِيرَ، وكانُوا مالُوا إلى الفِداءِ لِيَقْوَوْا ما يُصِيبُونَهُ عَلى الجِهادِ، وإيثارًا لِلْقَرابَةِ ورَجاءَ الإسْلامِ، وكانَ الإثْخانُ والقَتْلُ أهْيَبُ لِلْكُفّارِ وأرْفَعُ لِمَنارِ الإسْلامِ، وكانَ ذَلِكَ إذِ المُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَلَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ وعَزَّ أهْلُهُ نَزَلَ: (فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً)، وقُرِئَ: (يُرِيدُونَ) بِالياءِ مِن تَحْتُ …

Al-Anfaal 8:69Listen in Qur'an →
70

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًۭا يُؤْتِكُمْ خَيْرًۭا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

O Prophet, say to whoever is in your hands of the captives, "If Allah knows [any] good in your hearts, He will give you [something] better than what was taken from you, and He will forgive you; and Allah is Forgiving and Merciful."

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِيبَ بَدْرٍ في أسْرى بَدْرٍ، أُعْلِمُوا أنَّ لَهم مَيْلًا إلى الإسْلامِ وأنَّهم يُؤَمِّلُونَهُ إنْ فُدُوا ورَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ؛ وقِيلَ: في عَبّاسٍ وأصْحابِهِ قالُوا لِلرَّسُولِ: آمَنّا بِما جِئْتَ ونَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَنَنْصَحَنَّ لَكَ عَلى قَوْمِنا، ومَعْنى في أيْدِيكم، أيْ: مَلَّكْتُكم، كَأنَّ الأيْدِيَ قابِضَةٌ عَلَيْهِمْ، والصَّحِيحُ أنَّ الأُسارى كانُوا سَبْعِينَ والقَتْلى سَبْعِينَ، كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ المُسَيَّبِ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وكانَ عَلَيْهِمْ حِينَ جِيءَ بِهِمْ إلى المَدِينَةِ شُقْرانُ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ مالِكٌ: كانُوا مُشْرِكِينَ، ومِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أسَرَهُ أبُو اليُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو أخُو بَنِي سَلِمَةَ، وكانَ قَصِيرًا والعَبّاسُ ضَخْمٌ طَوِيلٌ، فَلَمّا جاءَ بِهِ قالَ الرَّسُولُ ﷺ: لَقَدْ أعانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وعَنِ العَبّاسِ: كَنْتُ مُسْلِمًا ولَكِنَّهُمُ اسْتَكْرَهُونِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنْ يَكُنْ ما تَقُولُ حَقًّا فاللَّهُ يَجْزِيكَ فَأمّا ظاهِرُ أمْرِكَ فَقَدْ كُنْتَ عَلَيْنا، وكانَ أحَدَ الَّذِينَ ضَمِنُوا إطْعامَ أهْلِ بَدْرٍ وخَرَجَ بِالذَّهَبِ لِذَلِكَ»، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِلْعَبّاسِ «افْدِ ابْنَيْ أخِيكَ» عَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ ونَوْفَلَ بْنَ الحارِثِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَرَكْتَنِي أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا ما بَقِيتُ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ المالُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ وقْتَ خُرُوجِكَ مِن مَكَّةَ وقُلْتَ لَها: لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا، فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهو لَكِ ولِعَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ والفَضْلِ، فَقالَ العَبّاسُ: وما يُدْرِيكَ ؟ قالَ: أخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي، قالَ العَبّاسُ: فَأنا أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنْتَ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، واللَّهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ ولَقَدْ كُنْتُ مُرْتابًا في أمْرِكَ فَأمّا إذا أخْبَرْتَنِي بِذَلِكَ فَلا رَيْبَ، قالَ العَبّاسُ: فَأبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ لِيَ الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا إنَّ أدْناهم لَيَضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا، وأعْطانِي زَمْزَمَ ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها جَمِيعَ أمْوالِ مَكَّةَ وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّي، ورُوِيَ أنَّهُ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مالُ البَحْرَيْنِ ثَمانُونَ ألْفًا فَتَوَضَّأ لِصَلاةِ الظُّهْرِ وما صَلّى حَتّى فَرَّقَهُ وأمَرَ العَبّاسَ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ فَأخَذَ ما قَدَرَ عَلى حَمْلِهِ، وكانَ يَقُولُ: هَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي وأرْجُو المَغْفِرَةَ، ومَعْنى ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ إنْ يَتَبَيَّنْ لِلنّاسِ عِلْمُ اللَّهِ في قُلُوبِكم خَيْرًا، أيْ: إسْلامًا كَما زَعَمْتُمْ بِأنْ تُظْهِرُوا الإسْلامَ فَإنَّهُ سَيُعْطِيكم أفْضَلَ مِمّا أُخِذَ مِنكم بِالفِداءِ، وسَيَغْفِرُ لَكم ما اجْتَرَحْتُمُوهُ، فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِنَ الأسْرى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: مِن أسْرى، مُنَكَّرًا، وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: مِنَ الأُسارى، واخْتُلِفَ عَنِ …

Al-Anfaal 8:70Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.