Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 1–10 of 75

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

They ask you, [O Muhammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allah and the Messenger." So fear Allah and amend that which is between you and obey Allah and His Messenger, if you should be believers.

سُورَةُ الأنْفالِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً مَدَنِيَّةٌ

﷽

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣] ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤] ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٦] ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨] ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠] ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ [الأنفال: ١١] ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]

النَّفْلُ: الزِّيادَةُ عَلى الواجِبِ، وسُمِّيَتِ الغَنِيمَةُ بِهِ؛ لِأنَّها زِيادَةٌ عَلى القِيامِ بِحِمايَةِ الحَوْزَةِ، قالَ لَبِيَدٌ:

؎إنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفَلْ وبِإذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وعَجَلْ

أيْ: خَيْرُ غَنِيمَةٍ، وقالَ غَيْرُهُ:

؎إنّا إذا احْمَرَّ الوَغى ذَوِي الغِنا ∗∗∗ ونَعِفُّ عِنْدَ مَقاسِمِ الأنْفالِ

الوَجَلُ: الفَزَعُ. الشَّوْكَةُ قالَ المُبَرِّدُ: السِّلاحُ، وأصْلُهُ مِنَ الشَّوْكِ: النَّبْتُ الَّذِي لَهُ خَرْبَشَةٌ، السِّلاحُ بِهِ يُقالُ: رَجُلٌ شاكِي السِّلاحِ، إذا كانَ حَدِيدَ السِّنانِ والنَّصْلِ، وأصْلُهُ شائِكُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الشَّوْكَةِ، قالَ:

؎لَدى أسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفِ ∗∗∗ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الشّاكِي والشّائِكُ جَمِيعًا ذُو الشَّوْكَةِ، وانْجَرَّ في سِلاحِهِ ويُوصَفُ بِهِ السِّلاحُ، كَما يُوصَفُ بِهِ الرَّجُلُ، قالَ:

؎وألْبَسُ مِن رِضاهُ في طَرِيقِي ∗∗∗ سِلاحًا يَذْعَرُ الأبْطالَ شاكا

ويُقالُ: رَجُلٌ شاكٍ، وسِلاحٌ شاكٍ وشاكٍ، فَشاكٍ أصْلُهُ شَوْكٌ، نَحْوَ: كَبْشٌ صافٍ، أيْ: صُوفٌ، وشاكٍ إمّا مَحْذُوفَةٌ أوْ مَقْلُوبٌ، وإيضاحُ هَذا في عِلْمِ النَّحْوِ. الِاسْتِغاثَةُ طَلَبُ الغَوْثِ والنَّصْرِ، غَوَثَ الرَّجُلُ، قالَ: واغَوْثاهُ، والِاسْمُ الغَوْثُ والغِواثُ والغَواثُ. وقِيلَ: الِاسْتِغاثَةُ طَلَبُ سُرِّ الخَلَّةِ وقْتَ الحاجَةِ؛ وقِيلَ: الِاسْتِجارَةُ. رَدَفَ وأرْدَفَ بِمَعْنًى واحِدٍ: تَبِعَ، ويُقالُ أرْدَفْتُهُ إيّاهُ، أيِ: اتَّبَعْتَهُ. العُنُقُ مَعْرُوفٌ وجَمْعُهُ في القِلَّةِ عَلى أعْناقٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى عُنُوقٍ. البَنانُ الأصابِعُ، …

2

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَٰنًۭا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

The believers are only those who, when Allah is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قُرِئَ: وجَلَتْ، بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَرِقَتْ، وقَرَأ أُبَيٌّ: فَزِعَتْ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هاتانِ القِراءَتانِ عَلى التَّفْسِيرِ، ولَمّا كانَ مَعْنى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]، قالَ: إنَّما المُؤْمِنُونَ، أيِ: الكامِلُو الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِمَوْصُولٍ وُصِلَ بِثَلاثِ مَقاماتٍ عَظِيمَةٍ: مَقامِ الخَوْفِ، ومَقامِ زِيادَةِ الإيمانِ، ومَقامِ التَّوَكُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ إنْ يُذْكَرِ اسْمُهُ ويُلْفَظْ بِهِ تَفْزَعْ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا وإجْلالًا، ويَكُونُ هَذا الذِّكْرُ مُخالِفًا لِلذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هُناكَ رَأْفَتُهُ ورَحْمَتُهُ وثَوابُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُكِرَتْ عَظَمَةُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ وما خَوَّفَ بِهِ مَن عَصاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَفْزَعُ عَنْها، وفي الحَدِيثِ في السَّبْعِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: «ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةُ ذاتُ جِمالٍ ومَنصِبٍ، فَقالَ: إنِّي أخافُ اللَّهَ»، ومَعْنى زادَتْهم إيمانًا، أيْ: يَقِينًا وتَثْبِيتًا؛ لِأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَظافُرَها أقْوى عَلى الطُّمَأْنِينَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ وأرْسَخُ لِقَدَمِهِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ إذا كانَ لَمْ يَسْمَعْ حُكْمًا مِن أحْكامِ القُرْآنِ مُنَزَّلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ زادَ إيمانًا إلى سائِرِ ما قَدْ آمَنَ بِهِ؛ إذْ لِكُلِّ حُكْمٍ تَصْدِيقٌ خاصٌّ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ: عَبَّرَ بِزِيادَةِ الإيمانِ عَنْ زِيادَةِ العِلْمِ وأحْكامِهِ. وقِيلَ: زِيادَةُ الإيمانِ كِنايَةٌ عَنْ زِيادَةِ العَمَلِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ لِلْإيمانِ سُنَّةً وفَرائِضَ وشَرائِعَ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَها اسْتَكْمَلَ الإيمانَ؛ وقِيلَ: هَذا في الظّالِمِ يُوعَظُ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيُقْلِعُ فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إيمانًا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ داخِلٌ في صِلَةِ الَّذِينَ كَما قُلْنا قَبْلُ؛ وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ وتَرْتِيبُ هَذِهِ المَقاماتِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، فَبَدَأ بِمَقامِ الخَوْفِ إمّا خَوْفُ الإجْلالِ والهَيْبَةِ، وإمّا خَوْفُ العِقابِ، ثُمَّ ثانِيًا: بِالإيمانِ بِالتَّكالِيفِ الوارِدَةِ، ثُمَّ ثالِثًا: بِالتَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ ورُخْصِ ما سِواهُ.

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) صِفَةً لِلَّذِينَ السّابِقَةِ حَتّى تَدْخُلَ في حَيِّزِ الجُزْئِيَّةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ المُؤْمِنِينَ بِثَلاثٍ: الصِّفَةِ القَلْبِيَّةِ، وعَنْهم بِالصِّفَةِ البَدَنِيَّةِ، والصِّفَةِ المالِيَّةِ، وجَمَعَ أفْعالَ القُلُوبِ لِأنَّها أشْرَفُ، وجَمَعَ في أفْعالِ الجَوارِحِ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهُما عَمُودا أفْعالٍ، وأجازَ الحَوْفِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عامٌّ في الزَّكاةِ ونَوافِلِ الصَّدَقاتِ وصِلاتِ الرَّحِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَبارِّ …

3

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قُرِئَ: وجَلَتْ، بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَرِقَتْ، وقَرَأ أُبَيٌّ: فَزِعَتْ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هاتانِ القِراءَتانِ عَلى التَّفْسِيرِ، ولَمّا كانَ مَعْنى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]، قالَ: إنَّما المُؤْمِنُونَ، أيِ: الكامِلُو الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِمَوْصُولٍ وُصِلَ بِثَلاثِ مَقاماتٍ عَظِيمَةٍ: مَقامِ الخَوْفِ، ومَقامِ زِيادَةِ الإيمانِ، ومَقامِ التَّوَكُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ إنْ يُذْكَرِ اسْمُهُ ويُلْفَظْ بِهِ تَفْزَعْ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا وإجْلالًا، ويَكُونُ هَذا الذِّكْرُ مُخالِفًا لِلذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هُناكَ رَأْفَتُهُ ورَحْمَتُهُ وثَوابُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُكِرَتْ عَظَمَةُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ وما خَوَّفَ بِهِ مَن عَصاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَفْزَعُ عَنْها، وفي الحَدِيثِ في السَّبْعِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: «ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةُ ذاتُ جِمالٍ ومَنصِبٍ، فَقالَ: إنِّي أخافُ اللَّهَ»، ومَعْنى زادَتْهم إيمانًا، أيْ: يَقِينًا وتَثْبِيتًا؛ لِأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَظافُرَها أقْوى عَلى الطُّمَأْنِينَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ وأرْسَخُ لِقَدَمِهِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ إذا كانَ لَمْ يَسْمَعْ حُكْمًا مِن أحْكامِ القُرْآنِ مُنَزَّلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ زادَ إيمانًا إلى سائِرِ ما قَدْ آمَنَ بِهِ؛ إذْ لِكُلِّ حُكْمٍ تَصْدِيقٌ خاصٌّ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ: عَبَّرَ بِزِيادَةِ الإيمانِ عَنْ زِيادَةِ العِلْمِ وأحْكامِهِ. وقِيلَ: زِيادَةُ الإيمانِ كِنايَةٌ عَنْ زِيادَةِ العَمَلِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ لِلْإيمانِ سُنَّةً وفَرائِضَ وشَرائِعَ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَها اسْتَكْمَلَ الإيمانَ؛ وقِيلَ: هَذا في الظّالِمِ يُوعَظُ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيُقْلِعُ فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إيمانًا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ داخِلٌ في صِلَةِ الَّذِينَ كَما قُلْنا قَبْلُ؛ وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ وتَرْتِيبُ هَذِهِ المَقاماتِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، فَبَدَأ بِمَقامِ الخَوْفِ إمّا خَوْفُ الإجْلالِ والهَيْبَةِ، وإمّا خَوْفُ العِقابِ، ثُمَّ ثانِيًا: بِالإيمانِ بِالتَّكالِيفِ الوارِدَةِ، ثُمَّ ثالِثًا: بِالتَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ ورُخْصِ ما سِواهُ.

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) صِفَةً لِلَّذِينَ السّابِقَةِ حَتّى تَدْخُلَ في حَيِّزِ الجُزْئِيَّةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ المُؤْمِنِينَ بِثَلاثٍ: الصِّفَةِ القَلْبِيَّةِ، وعَنْهم بِالصِّفَةِ البَدَنِيَّةِ، والصِّفَةِ المالِيَّةِ، وجَمَعَ أفْعالَ القُلُوبِ لِأنَّها أشْرَفُ، وجَمَعَ في أفْعالِ الجَوارِحِ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهُما عَمُودا أفْعالٍ، وأجازَ الحَوْفِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عامٌّ في الزَّكاةِ ونَوافِلِ الصَّدَقاتِ وصِلاتِ الرَّحِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَبارِّ …

4

أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قُرِئَ: وجَلَتْ، بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَرِقَتْ، وقَرَأ أُبَيٌّ: فَزِعَتْ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هاتانِ القِراءَتانِ عَلى التَّفْسِيرِ، ولَمّا كانَ مَعْنى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]، قالَ: إنَّما المُؤْمِنُونَ، أيِ: الكامِلُو الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِمَوْصُولٍ وُصِلَ بِثَلاثِ مَقاماتٍ عَظِيمَةٍ: مَقامِ الخَوْفِ، ومَقامِ زِيادَةِ الإيمانِ، ومَقامِ التَّوَكُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ إنْ يُذْكَرِ اسْمُهُ ويُلْفَظْ بِهِ تَفْزَعْ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا وإجْلالًا، ويَكُونُ هَذا الذِّكْرُ مُخالِفًا لِلذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هُناكَ رَأْفَتُهُ ورَحْمَتُهُ وثَوابُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُكِرَتْ عَظَمَةُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ وما خَوَّفَ بِهِ مَن عَصاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَفْزَعُ عَنْها، وفي الحَدِيثِ في السَّبْعِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: «ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةُ ذاتُ جِمالٍ ومَنصِبٍ، فَقالَ: إنِّي أخافُ اللَّهَ»، ومَعْنى زادَتْهم إيمانًا، أيْ: يَقِينًا وتَثْبِيتًا؛ لِأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَظافُرَها أقْوى عَلى الطُّمَأْنِينَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ وأرْسَخُ لِقَدَمِهِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ إذا كانَ لَمْ يَسْمَعْ حُكْمًا مِن أحْكامِ القُرْآنِ مُنَزَّلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ زادَ إيمانًا إلى سائِرِ ما قَدْ آمَنَ بِهِ؛ إذْ لِكُلِّ حُكْمٍ تَصْدِيقٌ خاصٌّ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ: عَبَّرَ بِزِيادَةِ الإيمانِ عَنْ زِيادَةِ العِلْمِ وأحْكامِهِ. وقِيلَ: زِيادَةُ الإيمانِ كِنايَةٌ عَنْ زِيادَةِ العَمَلِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ لِلْإيمانِ سُنَّةً وفَرائِضَ وشَرائِعَ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَها اسْتَكْمَلَ الإيمانَ؛ وقِيلَ: هَذا في الظّالِمِ يُوعَظُ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيُقْلِعُ فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إيمانًا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ داخِلٌ في صِلَةِ الَّذِينَ كَما قُلْنا قَبْلُ؛ وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ وتَرْتِيبُ هَذِهِ المَقاماتِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، فَبَدَأ بِمَقامِ الخَوْفِ إمّا خَوْفُ الإجْلالِ والهَيْبَةِ، وإمّا خَوْفُ العِقابِ، ثُمَّ ثانِيًا: بِالإيمانِ بِالتَّكالِيفِ الوارِدَةِ، ثُمَّ ثالِثًا: بِالتَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ ورُخْصِ ما سِواهُ.

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) صِفَةً لِلَّذِينَ السّابِقَةِ حَتّى تَدْخُلَ في حَيِّزِ الجُزْئِيَّةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ المُؤْمِنِينَ بِثَلاثٍ: الصِّفَةِ القَلْبِيَّةِ، وعَنْهم بِالصِّفَةِ البَدَنِيَّةِ، والصِّفَةِ المالِيَّةِ، وجَمَعَ أفْعالَ القُلُوبِ لِأنَّها أشْرَفُ، وجَمَعَ في أفْعالِ الجَوارِحِ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهُما عَمُودا أفْعالٍ، وأجازَ الحَوْفِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عامٌّ في الزَّكاةِ ونَوافِلِ الصَّدَقاتِ وصِلاتِ الرَّحِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَبارِّ …

5

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ

[It is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قُرِئَ: وجَلَتْ، بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَرِقَتْ، وقَرَأ أُبَيٌّ: فَزِعَتْ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هاتانِ القِراءَتانِ عَلى التَّفْسِيرِ، ولَمّا كانَ مَعْنى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]، قالَ: إنَّما المُؤْمِنُونَ، أيِ: الكامِلُو الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِمَوْصُولٍ وُصِلَ بِثَلاثِ مَقاماتٍ عَظِيمَةٍ: مَقامِ الخَوْفِ، ومَقامِ زِيادَةِ الإيمانِ، ومَقامِ التَّوَكُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ إنْ يُذْكَرِ اسْمُهُ ويُلْفَظْ بِهِ تَفْزَعْ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا وإجْلالًا، ويَكُونُ هَذا الذِّكْرُ مُخالِفًا لِلذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هُناكَ رَأْفَتُهُ ورَحْمَتُهُ وثَوابُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُكِرَتْ عَظَمَةُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ وما خَوَّفَ بِهِ مَن عَصاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَفْزَعُ عَنْها، وفي الحَدِيثِ في السَّبْعِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: «ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةُ ذاتُ جِمالٍ ومَنصِبٍ، فَقالَ: إنِّي أخافُ اللَّهَ»، ومَعْنى زادَتْهم إيمانًا، أيْ: يَقِينًا وتَثْبِيتًا؛ لِأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَظافُرَها أقْوى عَلى الطُّمَأْنِينَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ وأرْسَخُ لِقَدَمِهِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ إذا كانَ لَمْ يَسْمَعْ حُكْمًا مِن أحْكامِ القُرْآنِ مُنَزَّلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ زادَ إيمانًا إلى سائِرِ ما قَدْ آمَنَ بِهِ؛ إذْ لِكُلِّ حُكْمٍ تَصْدِيقٌ خاصٌّ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ: عَبَّرَ بِزِيادَةِ الإيمانِ عَنْ زِيادَةِ العِلْمِ وأحْكامِهِ. وقِيلَ: زِيادَةُ الإيمانِ كِنايَةٌ عَنْ زِيادَةِ العَمَلِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ لِلْإيمانِ سُنَّةً وفَرائِضَ وشَرائِعَ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَها اسْتَكْمَلَ الإيمانَ؛ وقِيلَ: هَذا في الظّالِمِ يُوعَظُ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيُقْلِعُ فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إيمانًا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ داخِلٌ في صِلَةِ الَّذِينَ كَما قُلْنا قَبْلُ؛ وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ وتَرْتِيبُ هَذِهِ المَقاماتِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، فَبَدَأ بِمَقامِ الخَوْفِ إمّا خَوْفُ الإجْلالِ والهَيْبَةِ، وإمّا خَوْفُ العِقابِ، ثُمَّ ثانِيًا: بِالإيمانِ بِالتَّكالِيفِ الوارِدَةِ، ثُمَّ ثالِثًا: بِالتَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ ورُخْصِ ما سِواهُ.

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) صِفَةً لِلَّذِينَ السّابِقَةِ حَتّى تَدْخُلَ في حَيِّزِ الجُزْئِيَّةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ المُؤْمِنِينَ بِثَلاثٍ: الصِّفَةِ القَلْبِيَّةِ، وعَنْهم بِالصِّفَةِ البَدَنِيَّةِ، والصِّفَةِ المالِيَّةِ، وجَمَعَ أفْعالَ القُلُوبِ لِأنَّها أشْرَفُ، وجَمَعَ في أفْعالِ الجَوارِحِ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهُما عَمُودا أفْعالٍ، وأجازَ الحَوْفِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عامٌّ في الزَّكاةِ ونَوافِلِ الصَّدَقاتِ وصِلاتِ الرَّحِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَبارِّ …

6

يُجَٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قُرِئَ: وجَلَتْ، بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَرِقَتْ، وقَرَأ أُبَيٌّ: فَزِعَتْ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هاتانِ القِراءَتانِ عَلى التَّفْسِيرِ، ولَمّا كانَ مَعْنى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]، قالَ: إنَّما المُؤْمِنُونَ، أيِ: الكامِلُو الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِمَوْصُولٍ وُصِلَ بِثَلاثِ مَقاماتٍ عَظِيمَةٍ: مَقامِ الخَوْفِ، ومَقامِ زِيادَةِ الإيمانِ، ومَقامِ التَّوَكُّلِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ إنْ يُذْكَرِ اسْمُهُ ويُلْفَظْ بِهِ تَفْزَعْ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ وتَهَيُّبًا وإجْلالًا، ويَكُونُ هَذا الذِّكْرُ مُخالِفًا لِلذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هُناكَ رَأْفَتُهُ ورَحْمَتُهُ وثَوابُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُكِرَتْ عَظَمَةُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ وما خَوَّفَ بِهِ مَن عَصاهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَفْزَعُ عَنْها، وفي الحَدِيثِ في السَّبْعِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: «ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةُ ذاتُ جِمالٍ ومَنصِبٍ، فَقالَ: إنِّي أخافُ اللَّهَ»، ومَعْنى زادَتْهم إيمانًا، أيْ: يَقِينًا وتَثْبِيتًا؛ لِأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَظافُرَها أقْوى عَلى الطُّمَأْنِينَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ وأرْسَخُ لِقَدَمِهِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ إذا كانَ لَمْ يَسْمَعْ حُكْمًا مِن أحْكامِ القُرْآنِ مُنَزَّلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ زادَ إيمانًا إلى سائِرِ ما قَدْ آمَنَ بِهِ؛ إذْ لِكُلِّ حُكْمٍ تَصْدِيقٌ خاصٌّ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ: عَبَّرَ بِزِيادَةِ الإيمانِ عَنْ زِيادَةِ العِلْمِ وأحْكامِهِ. وقِيلَ: زِيادَةُ الإيمانِ كِنايَةٌ عَنْ زِيادَةِ العَمَلِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ لِلْإيمانِ سُنَّةً وفَرائِضَ وشَرائِعَ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَها اسْتَكْمَلَ الإيمانَ؛ وقِيلَ: هَذا في الظّالِمِ يُوعَظُ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيُقْلِعُ فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إيمانًا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ داخِلٌ في صِلَةِ الَّذِينَ كَما قُلْنا قَبْلُ؛ وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ وتَرْتِيبُ هَذِهِ المَقاماتِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، فَبَدَأ بِمَقامِ الخَوْفِ إمّا خَوْفُ الإجْلالِ والهَيْبَةِ، وإمّا خَوْفُ العِقابِ، ثُمَّ ثانِيًا: بِالإيمانِ بِالتَّكالِيفِ الوارِدَةِ، ثُمَّ ثالِثًا: بِالتَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ ورُخْصِ ما سِواهُ.

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) صِفَةً لِلَّذِينَ السّابِقَةِ حَتّى تَدْخُلَ في حَيِّزِ الجُزْئِيَّةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ المُؤْمِنِينَ بِثَلاثٍ: الصِّفَةِ القَلْبِيَّةِ، وعَنْهم بِالصِّفَةِ البَدَنِيَّةِ، والصِّفَةِ المالِيَّةِ، وجَمَعَ أفْعالَ القُلُوبِ لِأنَّها أشْرَفُ، وجَمَعَ في أفْعالِ الجَوارِحِ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهُما عَمُودا أفْعالٍ، وأجازَ الحَوْفِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ أنْ يَكُونَ: (الَّذِينَ) بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عامٌّ في الزَّكاةِ ونَوافِلِ الصَّدَقاتِ وصِلاتِ الرَّحِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَبارِّ …

7

وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَٰفِرِينَ

[Remember, O believers], when Allah promised you one of the two groups - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allah intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، والطّائِفَتانِ هُما كَطائِفَةِ عِيرِ قُرَيْشٍ، وكانَتْ فِيهِما تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهم ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا فِيها أبُو سُفْيانَ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وعَمْرُو بْنُ هِشامٍ، وطائِفَةُ الَّذِينَ اسْتَنْفَرَهم أبُو جَهْلٍ وكانُوا في العَدَدِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ﴿غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ هي العِيرُ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ ذاتَ قِتالٍ، وإنَّما هي غَنِيمَةٌ بارِدَةٌ، ومَعْنى إثْباتِ الحَقِّ تَثْبِيتُهُ وإعْلاؤُهُ، وبِكَلِماتِهِ بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ في مُحارَبَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وبِما أمَرَ المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ لِلنُّصْرَةِ، وبِما قَضى مِن أسْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ وطَرْحِهِمْ في قَلِيبِ بَدْرٍ، وبِما ظَهَرَ ما أخْبَرَ بِهِ ﷺ، وقَطْعُ الدّابِرِ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ، والمَعْنى: أنَّكم تَرْغَبُونَ في إبْقاءِ العاجِلَةِ وسَلامَةِ الأحْوالِ وسَفْسافِ الأُمُورِ وإعْلاءِ الحَقِّ والفَوْزِ في الدّارَيْنِ، وشَتّانَ ما بَيْنَ المُرادَيْنِ، ولِذَلِكَ اخْتارَ لَكم ذاتَ الشَّوْكَةِ وأراكَهم عِيانًا، خَذَلَهم ونَصَرَكم، وأذَلَّهم وأعَزَّكم، وحَصَّلَ لَكم ما أرْبى عَلى دائِرَةِ العِيرِ وما أدْناهُ خَيْرٌ مِنهُما، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: يَعِدْكم، بِسُكُونِ الدّالِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: اللَّهُ احْدى، بِإسْقاطِ هَمْزَةِ إحْدى عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: أحَدَ، عَلى التَّذْكِيرِ؛ إذْ تَأْنِيثُ الطّائِفَةِ مَجازٌ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو: الشَّوْكَة تَّكُونُ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ مُحارِبٍ: بِكَلِمَتِهِ، عَلى التَّوْحِيدِ، وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ شَيْبَةَ وأبِي جَعْفَرٍ ونافِعٍ، بِخِلافٍ عَنْهم وأطْلَقَ المُفْرَدَ مُرادًا بِهِ الجَمْعُ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ كَلِمَةُ تَكْوِينِ الأشْياءِ، وهو: كُنْ، قِيلَ: وكَلِماتُهُ هي ما وعَدَ نَبِيَّهُ في سُورَةِ الدُّخانِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، أيْ: مِن أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ؛ وقِيلَ: أوامِرُهُ ونَواهِيهِ؛ وقِيلَ: مَواعِيدُهُ النَّصْرُ والظَّفَرُ والِاسْتِيلاءُ عَلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ؛ وقِيلَ: كَلِماتُهُ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ، ومَعْنى ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ لِيُظْهِرَ ما يَجِبُ إظْهارُهُ، وهو الإسْلامُ ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ فَعَلَ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ، والباطِلُ إبْلِيسُ، وتَتَعَلَّقُ هَذِهِ اللّامُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ فَعَلَ ذَلِكَ، أيْ: ما فَعَلَهُ إلّا لَهُما، وهو إثْباتُ الإسْلامِ وإظْهارُهُ وإبْطالُ الكُفْرِ ومَحْوُهُ، ولَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، الأوَّلُ: تَبْيِينٌ بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، والثّانِي: بَيانٌ لِما فُعِلَ مِنِ اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ عَلى غَيْرِها لَهم ونُصْرَتِهِمْ عَلَيْها، وأنَّهُ ما نَصَرَهم ولا خَذَلَ أُولَئِكَ عَلى كَثْرَتِهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ الَّذِي هو أسْنى المَقاصِدِ، وتَقْدِيرُ ما تَعَلَّقَ بِهِ مُتَأخِّرًا أحْسَنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجِبُ أنْ يُقَدَّرَ المَحْذُوفُ مُتَأخِّرًا حَتّى يُفِيدَ مَعْنى الِاخْتِصاصِ ويَنْطَبِقَ عَلَيْهِ المَعْنى، انْتَهى، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِ في أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ والمَجْرُورِ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ والحَصْرِ، وذَلِكَ عِنْدَنا لا يَدُلُّ عَلى …

8

لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، والطّائِفَتانِ هُما كَطائِفَةِ عِيرِ قُرَيْشٍ، وكانَتْ فِيهِما تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهم ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا فِيها أبُو سُفْيانَ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وعَمْرُو بْنُ هِشامٍ، وطائِفَةُ الَّذِينَ اسْتَنْفَرَهم أبُو جَهْلٍ وكانُوا في العَدَدِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ﴿غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ هي العِيرُ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ ذاتَ قِتالٍ، وإنَّما هي غَنِيمَةٌ بارِدَةٌ، ومَعْنى إثْباتِ الحَقِّ تَثْبِيتُهُ وإعْلاؤُهُ، وبِكَلِماتِهِ بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ في مُحارَبَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وبِما أمَرَ المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ لِلنُّصْرَةِ، وبِما قَضى مِن أسْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ وطَرْحِهِمْ في قَلِيبِ بَدْرٍ، وبِما ظَهَرَ ما أخْبَرَ بِهِ ﷺ، وقَطْعُ الدّابِرِ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ، والمَعْنى: أنَّكم تَرْغَبُونَ في إبْقاءِ العاجِلَةِ وسَلامَةِ الأحْوالِ وسَفْسافِ الأُمُورِ وإعْلاءِ الحَقِّ والفَوْزِ في الدّارَيْنِ، وشَتّانَ ما بَيْنَ المُرادَيْنِ، ولِذَلِكَ اخْتارَ لَكم ذاتَ الشَّوْكَةِ وأراكَهم عِيانًا، خَذَلَهم ونَصَرَكم، وأذَلَّهم وأعَزَّكم، وحَصَّلَ لَكم ما أرْبى عَلى دائِرَةِ العِيرِ وما أدْناهُ خَيْرٌ مِنهُما، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: يَعِدْكم، بِسُكُونِ الدّالِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: اللَّهُ احْدى، بِإسْقاطِ هَمْزَةِ إحْدى عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: أحَدَ، عَلى التَّذْكِيرِ؛ إذْ تَأْنِيثُ الطّائِفَةِ مَجازٌ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو: الشَّوْكَة تَّكُونُ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ مُحارِبٍ: بِكَلِمَتِهِ، عَلى التَّوْحِيدِ، وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ شَيْبَةَ وأبِي جَعْفَرٍ ونافِعٍ، بِخِلافٍ عَنْهم وأطْلَقَ المُفْرَدَ مُرادًا بِهِ الجَمْعُ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ كَلِمَةُ تَكْوِينِ الأشْياءِ، وهو: كُنْ، قِيلَ: وكَلِماتُهُ هي ما وعَدَ نَبِيَّهُ في سُورَةِ الدُّخانِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، أيْ: مِن أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ؛ وقِيلَ: أوامِرُهُ ونَواهِيهِ؛ وقِيلَ: مَواعِيدُهُ النَّصْرُ والظَّفَرُ والِاسْتِيلاءُ عَلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ؛ وقِيلَ: كَلِماتُهُ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ، ومَعْنى ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ لِيُظْهِرَ ما يَجِبُ إظْهارُهُ، وهو الإسْلامُ ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ فَعَلَ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ، والباطِلُ إبْلِيسُ، وتَتَعَلَّقُ هَذِهِ اللّامُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ فَعَلَ ذَلِكَ، أيْ: ما فَعَلَهُ إلّا لَهُما، وهو إثْباتُ الإسْلامِ وإظْهارُهُ وإبْطالُ الكُفْرِ ومَحْوُهُ، ولَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، الأوَّلُ: تَبْيِينٌ بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، والثّانِي: بَيانٌ لِما فُعِلَ مِنِ اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ عَلى غَيْرِها لَهم ونُصْرَتِهِمْ عَلَيْها، وأنَّهُ ما نَصَرَهم ولا خَذَلَ أُولَئِكَ عَلى كَثْرَتِهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ الَّذِي هو أسْنى المَقاصِدِ، وتَقْدِيرُ ما تَعَلَّقَ بِهِ مُتَأخِّرًا أحْسَنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجِبُ أنْ يُقَدَّرَ المَحْذُوفُ مُتَأخِّرًا حَتّى يُفِيدَ مَعْنى الِاخْتِصاصِ ويَنْطَبِقَ عَلَيْهِ المَعْنى، انْتَهى، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِ في أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ والمَجْرُورِ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ والحَصْرِ، وذَلِكَ عِنْدَنا لا يَدُلُّ عَلى …

9

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ

[Remember] when you asked help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، والطّائِفَتانِ هُما كَطائِفَةِ عِيرِ قُرَيْشٍ، وكانَتْ فِيهِما تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهم ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا فِيها أبُو سُفْيانَ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وعَمْرُو بْنُ هِشامٍ، وطائِفَةُ الَّذِينَ اسْتَنْفَرَهم أبُو جَهْلٍ وكانُوا في العَدَدِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ﴿غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ هي العِيرُ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ ذاتَ قِتالٍ، وإنَّما هي غَنِيمَةٌ بارِدَةٌ، ومَعْنى إثْباتِ الحَقِّ تَثْبِيتُهُ وإعْلاؤُهُ، وبِكَلِماتِهِ بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ في مُحارَبَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وبِما أمَرَ المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ لِلنُّصْرَةِ، وبِما قَضى مِن أسْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ وطَرْحِهِمْ في قَلِيبِ بَدْرٍ، وبِما ظَهَرَ ما أخْبَرَ بِهِ ﷺ، وقَطْعُ الدّابِرِ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ، والمَعْنى: أنَّكم تَرْغَبُونَ في إبْقاءِ العاجِلَةِ وسَلامَةِ الأحْوالِ وسَفْسافِ الأُمُورِ وإعْلاءِ الحَقِّ والفَوْزِ في الدّارَيْنِ، وشَتّانَ ما بَيْنَ المُرادَيْنِ، ولِذَلِكَ اخْتارَ لَكم ذاتَ الشَّوْكَةِ وأراكَهم عِيانًا، خَذَلَهم ونَصَرَكم، وأذَلَّهم وأعَزَّكم، وحَصَّلَ لَكم ما أرْبى عَلى دائِرَةِ العِيرِ وما أدْناهُ خَيْرٌ مِنهُما، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: يَعِدْكم، بِسُكُونِ الدّالِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: اللَّهُ احْدى، بِإسْقاطِ هَمْزَةِ إحْدى عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: أحَدَ، عَلى التَّذْكِيرِ؛ إذْ تَأْنِيثُ الطّائِفَةِ مَجازٌ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو: الشَّوْكَة تَّكُونُ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ مُحارِبٍ: بِكَلِمَتِهِ، عَلى التَّوْحِيدِ، وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ شَيْبَةَ وأبِي جَعْفَرٍ ونافِعٍ، بِخِلافٍ عَنْهم وأطْلَقَ المُفْرَدَ مُرادًا بِهِ الجَمْعُ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ كَلِمَةُ تَكْوِينِ الأشْياءِ، وهو: كُنْ، قِيلَ: وكَلِماتُهُ هي ما وعَدَ نَبِيَّهُ في سُورَةِ الدُّخانِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، أيْ: مِن أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ؛ وقِيلَ: أوامِرُهُ ونَواهِيهِ؛ وقِيلَ: مَواعِيدُهُ النَّصْرُ والظَّفَرُ والِاسْتِيلاءُ عَلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ؛ وقِيلَ: كَلِماتُهُ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ، ومَعْنى ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ لِيُظْهِرَ ما يَجِبُ إظْهارُهُ، وهو الإسْلامُ ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ فَعَلَ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ، والباطِلُ إبْلِيسُ، وتَتَعَلَّقُ هَذِهِ اللّامُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ فَعَلَ ذَلِكَ، أيْ: ما فَعَلَهُ إلّا لَهُما، وهو إثْباتُ الإسْلامِ وإظْهارُهُ وإبْطالُ الكُفْرِ ومَحْوُهُ، ولَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، الأوَّلُ: تَبْيِينٌ بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، والثّانِي: بَيانٌ لِما فُعِلَ مِنِ اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ عَلى غَيْرِها لَهم ونُصْرَتِهِمْ عَلَيْها، وأنَّهُ ما نَصَرَهم ولا خَذَلَ أُولَئِكَ عَلى كَثْرَتِهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ الَّذِي هو أسْنى المَقاصِدِ، وتَقْدِيرُ ما تَعَلَّقَ بِهِ مُتَأخِّرًا أحْسَنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجِبُ أنْ يُقَدَّرَ المَحْذُوفُ مُتَأخِّرًا حَتّى يُفِيدَ مَعْنى الِاخْتِصاصِ ويَنْطَبِقَ عَلَيْهِ المَعْنى، انْتَهى، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِ في أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ والمَجْرُورِ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ والحَصْرِ، وذَلِكَ عِنْدَنا لا يَدُلُّ عَلى …

10

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

And Allah made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allah. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى: إلّا بُشْرى لَكم، وأُثْبِتَ في آلِ عِمْرانَ؛ لِأنَّ القِصَّةَ فِيها مُسْهِبَةٌ وهُنا مُوجَزَةٌ، فَناسَبَ هُنا الحَذْفُ، وهُنا قَدَّمَ وأخَّرَ هُناكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَنُّنِ والِاتِّساعِ في الكَلامِ، وهُنا جاءَ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مُراعاةً لِأواخِرِ الآيِ، وهُناكَ لَيْسَتْ آخِرَ آيَةٍ لِتَعَلُّقِ (يَقْطَعَ) بِما قَبْلَهُ، فَناسَبَ أنْ يَأْتِيَ (العَزِيزُ الحَكِيمُ) عَلى سَبِيلِ الصِّفَةِ، وكِلاهُما مُشْعِرٌ بِالعَلِيَّةِ، كَما تَقُولُ: أكْرِمْ زَيْدًا العالِمَ، وأكْرِمْ زَيْدًا إنَّهُ عالِمٌ، والضَّمِيرُ في ﴿وما جَعَلَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإمْدادِ المُنْسَبِكِ مِن ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، أوْ عَلى المَدَدِ، أوْ عَلى الوَعْدِ الدّالِّ عَلَيْهِ يَعِدُكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، أوْ عَلى الألْفِ، أوْ عَلى الِاسْتِجابَةِ، أوْ عَلى الإرْدافِ، أوْ عَلى الخَبَرِ بِالإمْدادِ، أوْ عَلى جِبْرِيلَ، أقْوالٌ مُحْتَمَلَةٌ مَقُولَةٌ أظْهَرُها الأوَّلُ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ.

﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ ثانٍ مِن إذْ يَعِدُكم، أوْ مَنصُوبٌ بِالنَّصْرِ، أوْ بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِما جَعَلَهُ اللَّهُ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرِ، انْتَهى. أمّا كَوْنُهُ بَدَلًا ثانِيًا مِن إذْ يَعِدُكم فَوافَقَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَإنَّ العامِلَ في إذْ هو العامِلُ في قَوْلِهِ: وإذْ يَعِدُكم بِتَقْدِيرِ تَكْرارِهِ؛ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في العامِلِ الأوَّلِ نَفْسِهِ لا يَكُونُ إلّا بِحَرْفِ عَطْفٍ، وإنَّما القَصْدُ أنْ يُعَدِّدَ نِعَمَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَقالَ: واذْكُرُوا إذْ فَعَلْنا بِكم كَذا، اذْكُرُوا إذْ فَعَلْنا كَذا، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِالنَّصْرِ فَفِيهِ ضَعْفٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَصْدَرٌ فِيهِ ألْ، وفي إعْمالِهِ خِلافٌ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إعْمالُهُ، الثّانِي: أنَّهُ مَوْصُولٌ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ الَّذِي هو إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ إعْمالٌ لا يَجُوزُ، لا يُقالُ ضَرْبُ زَيْدٍ شَدِيدٌ عَمْرًا، الثّالِثُ: أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ إعْمالُ ما قَبْلَ إلّا في ما بَعْدَها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَفْعُولُ مُسْتَثْنًى أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ صِفَةً لَهُ، وإذْ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلا يَجُوزُ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ فَيُضَعِّفُهُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ اسْتِقْرارُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِالظَّرْفِ، والنَّصْرُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُطْلَقًا في وقْتِ غَشْيِ النُّعاسِ وغَيْرِهِ، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِما جَعَلَهُ اللَّهُ فَقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا لِطُولِ الفَصْلِ، ولِكَوْنِهِ مَعْمُولَ ما قَبْلَ إلّا، ولَيْسَ أحَدَ تِلْكَ الثَّلاثَةِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: العامِلُ في إذْ قَوْلُهُ: ولِتَطْمَئِنَّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَعَ احْتِمالِهِ فِيهِ ضَعْفٌ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى …

Al-Anfaal 8:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.