Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 31–40 of 75

31

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَآ ۙ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."

﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ذَكَّرَهُ ﷺ نِعَمَهُ عَلَيْهِ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ تَشاوَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ بِما تَفْعَلُ بِهِ، فَمِن قائِلٍ: يُحْبَسُ ويُقَيَّدُ ويُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبُ المَنُونِ، ومِن قائِلٍ: يُخْرَجُ مِن مَكَّةَ تَسْتَرِيحُوا مِنهُ، وتَصَوَّرَ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وقِيلَ: هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ، ومِن قائِلٍ: يَجْتَمِعُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ويَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً بِأسْيافِهِمْ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ لِمُحارَبَةِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَرْضَوْنَ بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَصَوَّبَ إبْلِيسُ هَذا الرَّأْيَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ وأذِنَ لَهُ بِالخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ ويَتَّشِحَ بِبُرْدَتِهِ، وباتُوا راصِدِينَ فَبادَرُوا إلى المَضْجَعِ فَأبْصَرُوا عَلِيًّا فَبُهِتُوا، وخَلَّفَ عَلِيًّا لِيَرُدَّ ودائِعَ كانَتْ عِنْدَهُ وخَرَجَ إلى المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لِيُثْبِتُوكَ، أيْ: يُقَيِّدُوكَ، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: لِيُثْخِنُوكَ بِالجَرْحِ والضَّرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبُوهُ حَتّى أثْبَتُوهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، ورَمى الطّائِرَ فَأثْبَتَهُ، أيْ: أثْخَنَهُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎فَقُلْتُ ويْحَكَ ماذا في صَحِيفَتِكم قالَ الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعا

أيْ مُثْخَنًا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ لِيُبَيِّتُوكَ مِنَ البَياتِ، وهَذا المَكْرُ هُنا هو بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُّورَةِ، وهو الصَّوابُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ عَقِيبَ كِفايَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ، ويُتَأوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُما أشارا إلى قِصَّةِ الآيَةِ إلى وقْتِ نُزُولِها، وتَكَرَّرَ ويَمْكُرُونَ إخْبارًا بِاسْتِمْرارِ مَكْرِهِمْ وكَثْرَتِهِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ باقِي الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ.

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قائِلُ ذَلِكَ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ واتَّبَعَهُ قائِلُونَ كَثِيرُونَ، وكانَ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ، سافَرَ إلى فارِسَ والحِيرَةِ، وسَمِعَ مِن قَصَصِ الرُّهْبانِ والأناجِيلِ، وأخْبارِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، ويَرى اليَهُودَ والنَّصارى يَرْكَعُونَ ويَسْجُدُونَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبْرًا بِالصَّفْراءِ بِالأثِيلِ مِنها مُنْصَرَفَهُ مِن بَدْرٍ، وفي هَذا التَّرْكِيبِ جَوازُ وُقُوعِ المُضارِعِ بَعْدَ إذا وجَوابُهُ الماضِي جَوازًا فَصِيحًا، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ:

؎مَن يَكِدْنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ مِنهُ

ومَعْنى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ سَمِعْنا ولا نُطِيعُ، أوْ قَدْ سَمِعْنا مِنكَ هَذا، وقَوْلُهم: لَوْ نَشاءُ، أيْ: لَوْ نَشاءُ القَوْلَ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا الَّذِي تَتْلُوهُ، وذُكِرَ عَلى مَعْنى المَتْلُوِّ، وهَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ البَهْتِ والمُصادَمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، فَقَدْ طُولِبُوا بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، وكانَ أصْعَبَ شَيْءٍ إلَيْهِمُ الغَلَبَةُ وخُصُوصًا في بابِ البَيانِ، فَقَدْ كانُوا يَتَمالَطُونَ ويَتَعارَضُونَ …

Al-Anfaal 8:31Listen in Qur'an →
32

وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ

And [remember] when they said, "O Allah, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."

﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ذَكَّرَهُ ﷺ نِعَمَهُ عَلَيْهِ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ تَشاوَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ بِما تَفْعَلُ بِهِ، فَمِن قائِلٍ: يُحْبَسُ ويُقَيَّدُ ويُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبُ المَنُونِ، ومِن قائِلٍ: يُخْرَجُ مِن مَكَّةَ تَسْتَرِيحُوا مِنهُ، وتَصَوَّرَ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وقِيلَ: هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ، ومِن قائِلٍ: يَجْتَمِعُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ويَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً بِأسْيافِهِمْ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ لِمُحارَبَةِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَرْضَوْنَ بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَصَوَّبَ إبْلِيسُ هَذا الرَّأْيَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ وأذِنَ لَهُ بِالخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ ويَتَّشِحَ بِبُرْدَتِهِ، وباتُوا راصِدِينَ فَبادَرُوا إلى المَضْجَعِ فَأبْصَرُوا عَلِيًّا فَبُهِتُوا، وخَلَّفَ عَلِيًّا لِيَرُدَّ ودائِعَ كانَتْ عِنْدَهُ وخَرَجَ إلى المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لِيُثْبِتُوكَ، أيْ: يُقَيِّدُوكَ، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: لِيُثْخِنُوكَ بِالجَرْحِ والضَّرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبُوهُ حَتّى أثْبَتُوهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، ورَمى الطّائِرَ فَأثْبَتَهُ، أيْ: أثْخَنَهُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎فَقُلْتُ ويْحَكَ ماذا في صَحِيفَتِكم قالَ الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعا

أيْ مُثْخَنًا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ لِيُبَيِّتُوكَ مِنَ البَياتِ، وهَذا المَكْرُ هُنا هو بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُّورَةِ، وهو الصَّوابُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ عَقِيبَ كِفايَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ، ويُتَأوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُما أشارا إلى قِصَّةِ الآيَةِ إلى وقْتِ نُزُولِها، وتَكَرَّرَ ويَمْكُرُونَ إخْبارًا بِاسْتِمْرارِ مَكْرِهِمْ وكَثْرَتِهِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ باقِي الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ.

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قائِلُ ذَلِكَ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ واتَّبَعَهُ قائِلُونَ كَثِيرُونَ، وكانَ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ، سافَرَ إلى فارِسَ والحِيرَةِ، وسَمِعَ مِن قَصَصِ الرُّهْبانِ والأناجِيلِ، وأخْبارِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، ويَرى اليَهُودَ والنَّصارى يَرْكَعُونَ ويَسْجُدُونَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبْرًا بِالصَّفْراءِ بِالأثِيلِ مِنها مُنْصَرَفَهُ مِن بَدْرٍ، وفي هَذا التَّرْكِيبِ جَوازُ وُقُوعِ المُضارِعِ بَعْدَ إذا وجَوابُهُ الماضِي جَوازًا فَصِيحًا، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ:

؎مَن يَكِدْنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ مِنهُ

ومَعْنى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ سَمِعْنا ولا نُطِيعُ، أوْ قَدْ سَمِعْنا مِنكَ هَذا، وقَوْلُهم: لَوْ نَشاءُ، أيْ: لَوْ نَشاءُ القَوْلَ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا الَّذِي تَتْلُوهُ، وذُكِرَ عَلى مَعْنى المَتْلُوِّ، وهَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ البَهْتِ والمُصادَمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، فَقَدْ طُولِبُوا بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، وكانَ أصْعَبَ شَيْءٍ إلَيْهِمُ الغَلَبَةُ وخُصُوصًا في بابِ البَيانِ، فَقَدْ كانُوا يَتَمالَطُونَ ويَتَعارَضُونَ …

Al-Anfaal 8:32Listen in Qur'an →
33

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ

But Allah would not punish them while you, [O Muhammad], are among them, and Allah would not punish them while they seek forgiveness.

﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ذَكَّرَهُ ﷺ نِعَمَهُ عَلَيْهِ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ تَشاوَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ بِما تَفْعَلُ بِهِ، فَمِن قائِلٍ: يُحْبَسُ ويُقَيَّدُ ويُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبُ المَنُونِ، ومِن قائِلٍ: يُخْرَجُ مِن مَكَّةَ تَسْتَرِيحُوا مِنهُ، وتَصَوَّرَ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وقِيلَ: هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ، ومِن قائِلٍ: يَجْتَمِعُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ويَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً بِأسْيافِهِمْ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ لِمُحارَبَةِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَرْضَوْنَ بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَصَوَّبَ إبْلِيسُ هَذا الرَّأْيَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ وأذِنَ لَهُ بِالخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ ويَتَّشِحَ بِبُرْدَتِهِ، وباتُوا راصِدِينَ فَبادَرُوا إلى المَضْجَعِ فَأبْصَرُوا عَلِيًّا فَبُهِتُوا، وخَلَّفَ عَلِيًّا لِيَرُدَّ ودائِعَ كانَتْ عِنْدَهُ وخَرَجَ إلى المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لِيُثْبِتُوكَ، أيْ: يُقَيِّدُوكَ، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: لِيُثْخِنُوكَ بِالجَرْحِ والضَّرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبُوهُ حَتّى أثْبَتُوهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، ورَمى الطّائِرَ فَأثْبَتَهُ، أيْ: أثْخَنَهُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎فَقُلْتُ ويْحَكَ ماذا في صَحِيفَتِكم قالَ الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعا

أيْ مُثْخَنًا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ لِيُبَيِّتُوكَ مِنَ البَياتِ، وهَذا المَكْرُ هُنا هو بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُّورَةِ، وهو الصَّوابُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ عَقِيبَ كِفايَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ، ويُتَأوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُما أشارا إلى قِصَّةِ الآيَةِ إلى وقْتِ نُزُولِها، وتَكَرَّرَ ويَمْكُرُونَ إخْبارًا بِاسْتِمْرارِ مَكْرِهِمْ وكَثْرَتِهِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ باقِي الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ.

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قائِلُ ذَلِكَ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ واتَّبَعَهُ قائِلُونَ كَثِيرُونَ، وكانَ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ، سافَرَ إلى فارِسَ والحِيرَةِ، وسَمِعَ مِن قَصَصِ الرُّهْبانِ والأناجِيلِ، وأخْبارِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، ويَرى اليَهُودَ والنَّصارى يَرْكَعُونَ ويَسْجُدُونَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبْرًا بِالصَّفْراءِ بِالأثِيلِ مِنها مُنْصَرَفَهُ مِن بَدْرٍ، وفي هَذا التَّرْكِيبِ جَوازُ وُقُوعِ المُضارِعِ بَعْدَ إذا وجَوابُهُ الماضِي جَوازًا فَصِيحًا، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ:

؎مَن يَكِدْنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ مِنهُ

ومَعْنى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ سَمِعْنا ولا نُطِيعُ، أوْ قَدْ سَمِعْنا مِنكَ هَذا، وقَوْلُهم: لَوْ نَشاءُ، أيْ: لَوْ نَشاءُ القَوْلَ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا الَّذِي تَتْلُوهُ، وذُكِرَ عَلى مَعْنى المَتْلُوِّ، وهَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ البَهْتِ والمُصادَمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، فَقَدْ طُولِبُوا بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، وكانَ أصْعَبَ شَيْءٍ إلَيْهِمُ الغَلَبَةُ وخُصُوصًا في بابِ البَيانِ، فَقَدْ كانُوا يَتَمالَطُونَ ويَتَعارَضُونَ …

Al-Anfaal 8:33Listen in Qur'an →
34

وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

But why should Allah not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al- Haram and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.

﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ذَكَّرَهُ ﷺ نِعَمَهُ عَلَيْهِ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ تَشاوَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ بِما تَفْعَلُ بِهِ، فَمِن قائِلٍ: يُحْبَسُ ويُقَيَّدُ ويُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبُ المَنُونِ، ومِن قائِلٍ: يُخْرَجُ مِن مَكَّةَ تَسْتَرِيحُوا مِنهُ، وتَصَوَّرَ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وقِيلَ: هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ، ومِن قائِلٍ: يَجْتَمِعُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ويَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً بِأسْيافِهِمْ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ لِمُحارَبَةِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَرْضَوْنَ بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَصَوَّبَ إبْلِيسُ هَذا الرَّأْيَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ وأذِنَ لَهُ بِالخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ ويَتَّشِحَ بِبُرْدَتِهِ، وباتُوا راصِدِينَ فَبادَرُوا إلى المَضْجَعِ فَأبْصَرُوا عَلِيًّا فَبُهِتُوا، وخَلَّفَ عَلِيًّا لِيَرُدَّ ودائِعَ كانَتْ عِنْدَهُ وخَرَجَ إلى المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لِيُثْبِتُوكَ، أيْ: يُقَيِّدُوكَ، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: لِيُثْخِنُوكَ بِالجَرْحِ والضَّرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبُوهُ حَتّى أثْبَتُوهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، ورَمى الطّائِرَ فَأثْبَتَهُ، أيْ: أثْخَنَهُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎فَقُلْتُ ويْحَكَ ماذا في صَحِيفَتِكم قالَ الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعا

أيْ مُثْخَنًا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ لِيُبَيِّتُوكَ مِنَ البَياتِ، وهَذا المَكْرُ هُنا هو بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُّورَةِ، وهو الصَّوابُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ عَقِيبَ كِفايَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ، ويُتَأوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُما أشارا إلى قِصَّةِ الآيَةِ إلى وقْتِ نُزُولِها، وتَكَرَّرَ ويَمْكُرُونَ إخْبارًا بِاسْتِمْرارِ مَكْرِهِمْ وكَثْرَتِهِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ باقِي الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ.

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قائِلُ ذَلِكَ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ واتَّبَعَهُ قائِلُونَ كَثِيرُونَ، وكانَ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ، سافَرَ إلى فارِسَ والحِيرَةِ، وسَمِعَ مِن قَصَصِ الرُّهْبانِ والأناجِيلِ، وأخْبارِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، ويَرى اليَهُودَ والنَّصارى يَرْكَعُونَ ويَسْجُدُونَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبْرًا بِالصَّفْراءِ بِالأثِيلِ مِنها مُنْصَرَفَهُ مِن بَدْرٍ، وفي هَذا التَّرْكِيبِ جَوازُ وُقُوعِ المُضارِعِ بَعْدَ إذا وجَوابُهُ الماضِي جَوازًا فَصِيحًا، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ:

؎مَن يَكِدْنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ مِنهُ

ومَعْنى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ سَمِعْنا ولا نُطِيعُ، أوْ قَدْ سَمِعْنا مِنكَ هَذا، وقَوْلُهم: لَوْ نَشاءُ، أيْ: لَوْ نَشاءُ القَوْلَ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا الَّذِي تَتْلُوهُ، وذُكِرَ عَلى مَعْنى المَتْلُوِّ، وهَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ البَهْتِ والمُصادَمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، فَقَدْ طُولِبُوا بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، وكانَ أصْعَبَ شَيْءٍ إلَيْهِمُ الغَلَبَةُ وخُصُوصًا في بابِ البَيانِ، فَقَدْ كانُوا يَتَمالَطُونَ ويَتَعارَضُونَ …

Al-Anfaal 8:34Listen in Qur'an →
35

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءًۭ وَتَصْدِيَةًۭ ۚ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

And their prayer at the House was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved.

﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ لَمّا نَفى عَنْهم أنْ يَكُونُوا وُلاةَ البَيْتِ ذَكَرَ مِن فِعْلِهِمُ القَبِيحِ ما يُؤَكِّدُ ذَلِكَ، وأنَّ مَن كانَتْ صَلاتُهُ ما ذَكَرَ لا يَسْتَأْهِلُ أنْ يَكُونُوا أوْلِياءَهُ، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ الَّذِي يَقُومُ مَقامَ صَلاتِهِمْ هو المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ، وضَعُوا مَكانَ الصَّلاةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ التَّصْفِيرَ والتَّصْفِيقَ، كانُوا يَطُوفُونَ عُراةً، رِجالُهم ونِساؤُهم، مُشَبِّكِينَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ يُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا قَرَأ الرَّسُولُ ﷺ يَخْلِطُونَ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى قَوْلُهم: كانَتْ عُقُوبَتُكَ عُزْلَتَكَ، أيِ: القائِمُ مَقامَ العُقُوبَةِ هو العَزْلُ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ أداهِمَ سُودًا أوْ مُدَحْرَجَةً سُمْرا

أقامَ مَقامَ العَطاءِ القُيُودَ والسِّياطَ، كَما أقامُوا مَقامَ الصَّلاةِ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ ذَلِكَ عِبادَةً في ظَنِّهِمْ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا نَفى تَعالى ولايَتَهم لِلْبَيْتِ أمْكَنَ أنْ يَعْتَرِضَ مُعْتَرِضٌ بِأنْ يَقُولَ: كَيْفَ لا نَكُونُ أوْلِياءَهُ ونَحْنُ نَسْكُنُهُ ونُصَلِّي عِنْدَهُ فَقَطَعَ اللَّهُ هَذا الِاعْتِراضَ، وما كانَ صَلاتُهم إلّا المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: أنا أفْعَلُ الخَيْرَ، فَيُقالُ لَهُ: ما فِعْلُكَ الخَيْرَ إلّا أنْ تَشْرَبَ الخَمْرَ وتَقْتُلَ، أيْ: هَذِهِ عادَتُكَ وغايَتُكَ، قالَ: والَّذِي مَرَّ بِي مِن أمْرِ العَرَبِ في غَيْرِ ما دِيوانٍ أنَّ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ كانا مِن فِعْلِ العَرَبِ قَدِيمًا قَبْلَ الإسْلامِ عَلى جِهَةِ التَّقَرُّبِ والتَّشَرُّعِ، ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ أقْوِياءِ العَرَبِ أنَّهُ كانَ يَمْكُو عَلى الصَّفا فَيُسْمَعُ مِن جَبَلِ حِراءٍ وبَيْنَهُما أرْبَعَةُ أمْيالٍ، وعَلى هَذا يَسْتَقِيمُ تَعْيِيرُهم وتَنْقِيصُهم بِأنَّ شَرْعَهم وصَلاتَهم وعِبادَتَهم لَمْ تَكُنْ رَهْبَةً ولا رَغْبَةً، إنَّما كانَتْ مُكاءً وتَصْدِيَةً مِن نَوْعِ اللَّعِبِ، ولَكِنَّهم كانُوا يَتَزَيَّدُونَ فِيها وقْتَ قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَشْغَلُوهُ وأمَتَّهُ عَنِ القِراءَةِ والصَّلاةِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: والمُكاءُ: الصَّفِيرُ، والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: المُكاءُ إدْخالُهم أصابِعَهم في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ الصَّفِيرُ، والصَّفِيرُ بِالفَمِ، وقَدْ يَكُونُ بِالأصابِعِ والكَفِّ في الفَمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَدْ يُشارِكُ الأنْفُ، يُرِيدُونَ أنْ يَشْغَلُوا بِذَلِكَ الرَّسُولَ عَنِ الصَّلاةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: التَّصْدِيَةُ صَدُّهم عَنِ البَيْتِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: إنَّ صَلاتَهم ودُعاءَهم غَيْرُ رادِّينَ عَلَيْهِمْ ثَوابًا إلّا كَما يُجِيبُ الصَّدى الصّائِحَ، فَتَلَخَّصَ في مَعْنى الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما ظاهِرُهُ أنَّ الكُفّارَ كانَتْ لَهم صَلاةٌ وتَعَبُّدٌ، وذَلِكَ هو المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ، والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهم صَلاةٌ ولا جَدْوى لَها ولا ثَوابَ، فَجُعِلَتْ كَأنَّها أصْواتُ الصَّدا حَيْثُ لَها حَقِيقَةٌ، والثّالِثُ: أنَّهُ لا صَلاةَ لَهم لَكِنَّهم أقامُوا مَقامَها المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، وقالَ بَعْضُ شُيُوخِنا: أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ هُنا هي الطَّوافُ، وقَدْ سَمّاهُ الرَّسُولُ ﷺ صَلاةً، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ وعاصِمٌ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُما (صَلاتَهم) بِالنَّصْبِ (إلّا …

Al-Anfaal 8:35Listen in Qur'an →
36

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةًۭ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ

Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allah. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.

﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ لَمّا نَفى عَنْهم أنْ يَكُونُوا وُلاةَ البَيْتِ ذَكَرَ مِن فِعْلِهِمُ القَبِيحِ ما يُؤَكِّدُ ذَلِكَ، وأنَّ مَن كانَتْ صَلاتُهُ ما ذَكَرَ لا يَسْتَأْهِلُ أنْ يَكُونُوا أوْلِياءَهُ، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ الَّذِي يَقُومُ مَقامَ صَلاتِهِمْ هو المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ، وضَعُوا مَكانَ الصَّلاةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ التَّصْفِيرَ والتَّصْفِيقَ، كانُوا يَطُوفُونَ عُراةً، رِجالُهم ونِساؤُهم، مُشَبِّكِينَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ يُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا قَرَأ الرَّسُولُ ﷺ يَخْلِطُونَ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى قَوْلُهم: كانَتْ عُقُوبَتُكَ عُزْلَتَكَ، أيِ: القائِمُ مَقامَ العُقُوبَةِ هو العَزْلُ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ أداهِمَ سُودًا أوْ مُدَحْرَجَةً سُمْرا

أقامَ مَقامَ العَطاءِ القُيُودَ والسِّياطَ، كَما أقامُوا مَقامَ الصَّلاةِ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ ذَلِكَ عِبادَةً في ظَنِّهِمْ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا نَفى تَعالى ولايَتَهم لِلْبَيْتِ أمْكَنَ أنْ يَعْتَرِضَ مُعْتَرِضٌ بِأنْ يَقُولَ: كَيْفَ لا نَكُونُ أوْلِياءَهُ ونَحْنُ نَسْكُنُهُ ونُصَلِّي عِنْدَهُ فَقَطَعَ اللَّهُ هَذا الِاعْتِراضَ، وما كانَ صَلاتُهم إلّا المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: أنا أفْعَلُ الخَيْرَ، فَيُقالُ لَهُ: ما فِعْلُكَ الخَيْرَ إلّا أنْ تَشْرَبَ الخَمْرَ وتَقْتُلَ، أيْ: هَذِهِ عادَتُكَ وغايَتُكَ، قالَ: والَّذِي مَرَّ بِي مِن أمْرِ العَرَبِ في غَيْرِ ما دِيوانٍ أنَّ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ كانا مِن فِعْلِ العَرَبِ قَدِيمًا قَبْلَ الإسْلامِ عَلى جِهَةِ التَّقَرُّبِ والتَّشَرُّعِ، ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ أقْوِياءِ العَرَبِ أنَّهُ كانَ يَمْكُو عَلى الصَّفا فَيُسْمَعُ مِن جَبَلِ حِراءٍ وبَيْنَهُما أرْبَعَةُ أمْيالٍ، وعَلى هَذا يَسْتَقِيمُ تَعْيِيرُهم وتَنْقِيصُهم بِأنَّ شَرْعَهم وصَلاتَهم وعِبادَتَهم لَمْ تَكُنْ رَهْبَةً ولا رَغْبَةً، إنَّما كانَتْ مُكاءً وتَصْدِيَةً مِن نَوْعِ اللَّعِبِ، ولَكِنَّهم كانُوا يَتَزَيَّدُونَ فِيها وقْتَ قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَشْغَلُوهُ وأمَتَّهُ عَنِ القِراءَةِ والصَّلاةِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: والمُكاءُ: الصَّفِيرُ، والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: المُكاءُ إدْخالُهم أصابِعَهم في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ الصَّفِيرُ، والصَّفِيرُ بِالفَمِ، وقَدْ يَكُونُ بِالأصابِعِ والكَفِّ في الفَمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَدْ يُشارِكُ الأنْفُ، يُرِيدُونَ أنْ يَشْغَلُوا بِذَلِكَ الرَّسُولَ عَنِ الصَّلاةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: التَّصْدِيَةُ صَدُّهم عَنِ البَيْتِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: إنَّ صَلاتَهم ودُعاءَهم غَيْرُ رادِّينَ عَلَيْهِمْ ثَوابًا إلّا كَما يُجِيبُ الصَّدى الصّائِحَ، فَتَلَخَّصَ في مَعْنى الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما ظاهِرُهُ أنَّ الكُفّارَ كانَتْ لَهم صَلاةٌ وتَعَبُّدٌ، وذَلِكَ هو المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ، والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهم صَلاةٌ ولا جَدْوى لَها ولا ثَوابَ، فَجُعِلَتْ كَأنَّها أصْواتُ الصَّدا حَيْثُ لَها حَقِيقَةٌ، والثّالِثُ: أنَّهُ لا صَلاةَ لَهم لَكِنَّهم أقامُوا مَقامَها المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، وقالَ بَعْضُ شُيُوخِنا: أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ هُنا هي الطَّوافُ، وقَدْ سَمّاهُ الرَّسُولُ ﷺ صَلاةً، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ وعاصِمٌ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُما (صَلاتَهم) بِالنَّصْبِ (إلّا …

Al-Anfaal 8:36Listen in Qur'an →
37

لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًۭا فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

[This is] so that Allah may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُ الكُفّارِ في الآخِرَةِ مِن حَشْرِهِمْ إلى جَهَنَّمَ إذْ أخْبَرَ بِما آلَ إلَيْهِ حالُهم في الدُّنْيا مِن حَسْرَتِهِمْ وكَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومَعْنى قَوْلِهِ: والَّذِينَ كَفَرُوا، مَن وافى عَلى الكُفْرِ، وأعادَ الظّاهِرَ لِأنَّ مَن أنْفَقَ مالَهُ مِنَ الكُفّارِ أسْلَمَ مِنهم جَماعَةٌ، ولامُ لِيَمِيزَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ يُحْشَرُونَ، والخَبِيثُ والطَّيِّبُ وصْفانِ يَصْلُحانِ لِلْآدَمِيِّينَ ولِلْمالِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٦]، فَمِنَ المُفَسِّرِينَ مَن تَأوَّلَ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ عَلى الآدَمِيِّينَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَمِيزَ أهْلَ السَّعادَةِ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ، ونَحْوُهُ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ، قالا: أرادَ المُؤْمِنَ مِنَ الكُفّارِ وتَحْرِيرَهُ لِيَمِيزَ أهْلَ الشَّقاوَةِ مِن أهْلِ السَّعادَةِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرِيقَ الخَبِيثَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقِ الطَّيِّبِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى جَعْلِ الخَبِيثِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ ورَكْمِهِ ضَمُّهُ وجَمْعُهُ حَتّى لا يُفْلِتَ مِنهم أحَدٌ، واحْتَمَلَ الجَعْلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّصْيِيرِ ومِن بابِ الإلْقاءِ، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ بِتَأْخِيرِ عَذابِ كُفّارِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِيَسْتَخْرِجَ المُؤْمِنِينَ مِن أصْلابِ الكُفّارِ، انْتَهى، فَعَلى ما سَبَقَ يَكُونُ التَّمْيِيزُ في الآخِرَةِ، وعَلى القَوْلِ الأخِيرِ يَكُونُ في الدُّنْيا، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن تَأوَّلَ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ عَلى الأمْوالِ، فَقالَ ابْنُ سَلامٍ والزَّجّاجُ: المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ المالُ الَّذِي أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ كَمالِ أبِي سُفْيانَ وأبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِما المُنْفَقِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والإعانَةُ عَلَيْهِ في الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والطَّيِّبُ هو ما أنْفَقَهُ المُؤْمِنُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، كَمالِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، ولامُ لِيَمِيزَ عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: يُغْلَبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، والمَعْنى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الفَرْقَ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ، فَيَخْذُلَ أهْلَ الخَبِيثِ ويَنْصُرَ أهْلَ الطَّيِّبِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما يُعَذَّبُونَ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥]، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: الخَبِيثُ ما أُنْفِقَ في المَعاصِي، والطَّيِّبُ ما أُنْفِقَ في الطّاعاتِ، وقِيلَ: المالُ الحَرامُ مِنَ المالِ الحَلالِ، وقِيلَ: ما لَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ مِنَ الَّذِي أُدِّيَتْ زَكاتُهُ، وقِيلَ: هو عامٌّ في الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، ورَكْمُها خَتْمُها وجَعْلُها قَلائِدَ في أعْناقِ عُمّالِها في النّارِ، ولِكَثْرَتِها جَعَلَ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ، وإنْ كانَ المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ الأمْوالَ الَّتِي أنْفَقُوها في حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقِيلَ: الفائِدَةُ في إلْقائِها في النّارِ أنَّها لَمّا كانَتْ عَزِيزَةً في أنْفُسِها عَظِيمَةً بَيْنَهم، ألْقاها اللَّهُ في النّارِ لِيُرِيَهم هَوانَها كَما تُلْقى …

Al-Anfaal 8:37Listen in Qur'an →
38

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ

Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُ الكُفّارِ في الآخِرَةِ مِن حَشْرِهِمْ إلى جَهَنَّمَ إذْ أخْبَرَ بِما آلَ إلَيْهِ حالُهم في الدُّنْيا مِن حَسْرَتِهِمْ وكَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومَعْنى قَوْلِهِ: والَّذِينَ كَفَرُوا، مَن وافى عَلى الكُفْرِ، وأعادَ الظّاهِرَ لِأنَّ مَن أنْفَقَ مالَهُ مِنَ الكُفّارِ أسْلَمَ مِنهم جَماعَةٌ، ولامُ لِيَمِيزَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ يُحْشَرُونَ، والخَبِيثُ والطَّيِّبُ وصْفانِ يَصْلُحانِ لِلْآدَمِيِّينَ ولِلْمالِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٦]، فَمِنَ المُفَسِّرِينَ مَن تَأوَّلَ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ عَلى الآدَمِيِّينَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَمِيزَ أهْلَ السَّعادَةِ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ، ونَحْوُهُ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ، قالا: أرادَ المُؤْمِنَ مِنَ الكُفّارِ وتَحْرِيرَهُ لِيَمِيزَ أهْلَ الشَّقاوَةِ مِن أهْلِ السَّعادَةِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرِيقَ الخَبِيثَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقِ الطَّيِّبِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى جَعْلِ الخَبِيثِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ ورَكْمِهِ ضَمُّهُ وجَمْعُهُ حَتّى لا يُفْلِتَ مِنهم أحَدٌ، واحْتَمَلَ الجَعْلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّصْيِيرِ ومِن بابِ الإلْقاءِ، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ بِتَأْخِيرِ عَذابِ كُفّارِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِيَسْتَخْرِجَ المُؤْمِنِينَ مِن أصْلابِ الكُفّارِ، انْتَهى، فَعَلى ما سَبَقَ يَكُونُ التَّمْيِيزُ في الآخِرَةِ، وعَلى القَوْلِ الأخِيرِ يَكُونُ في الدُّنْيا، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن تَأوَّلَ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ عَلى الأمْوالِ، فَقالَ ابْنُ سَلامٍ والزَّجّاجُ: المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ المالُ الَّذِي أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ كَمالِ أبِي سُفْيانَ وأبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِما المُنْفَقِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والإعانَةُ عَلَيْهِ في الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والطَّيِّبُ هو ما أنْفَقَهُ المُؤْمِنُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، كَمالِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، ولامُ لِيَمِيزَ عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: يُغْلَبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، والمَعْنى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الفَرْقَ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ، فَيَخْذُلَ أهْلَ الخَبِيثِ ويَنْصُرَ أهْلَ الطَّيِّبِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما يُعَذَّبُونَ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥]، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: الخَبِيثُ ما أُنْفِقَ في المَعاصِي، والطَّيِّبُ ما أُنْفِقَ في الطّاعاتِ، وقِيلَ: المالُ الحَرامُ مِنَ المالِ الحَلالِ، وقِيلَ: ما لَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ مِنَ الَّذِي أُدِّيَتْ زَكاتُهُ، وقِيلَ: هو عامٌّ في الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، ورَكْمُها خَتْمُها وجَعْلُها قَلائِدَ في أعْناقِ عُمّالِها في النّارِ، ولِكَثْرَتِها جَعَلَ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ، وإنْ كانَ المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ الأمْوالَ الَّتِي أنْفَقُوها في حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقِيلَ: الفائِدَةُ في إلْقائِها في النّارِ أنَّها لَمّا كانَتْ عَزِيزَةً في أنْفُسِها عَظِيمَةً بَيْنَهم، ألْقاها اللَّهُ في النّارِ لِيُرِيَهم هَوانَها كَما تُلْقى …

Al-Anfaal 8:38Listen in Qur'an →
39

وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

And fight them until there is no fitnah and [until] the religion, all of it, is for Allah. And if they cease - then indeed, Allah is Seeing of what they do.

﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهُنا زِيادَةُ (كُلُّهُ) تَوْكِيدًا لِلدِّينِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ويَكُونُ، بِرَفْعِ النُّونِ والجُمْهُورُ بِنَصْبِها.

﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أيْ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ، ومَعْنى بَصِيرٌ بِإيمانِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ ويُثِيبُهم، وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وسَلّامُ بْنُ سُلَيْمانَ (بِما تَعْمَلُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِمَن أُمِرُوا بِالمُقاتَلَةِ، أيْ: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِهِ والدُّعاءِ إلى دِينِهِ بَصِيرٌ يُجازِيكم عَلَيْهِ أحْسَنَ الجَزاءِ.

﴿وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾، أيْ: مُوالِيكم ومُعِينُكم، وهَذا وعْدٌ صَرِيحٌ بِالظَّفَرِ والنَّصْرِ، والأعْرَقُ في الفَصاحَةِ أنْ يَكُونَ مَوْلاكم خَبَرَ إنَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرَ إنَّ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيِ: اللَّهُ أوْ هو، والمَعْنى: فَثِقُوا بِمُوالاتِهِ ونُصْرَتِهِ، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: وقاتِلُوهم، عَلى وُجُوبِ قِتالِ أصْنافِ أهْلِ الكُفْرِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وهم أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ، فَإنَّهم يُقِرُّونَ بِالجِزْيَةِ، وإنَّهُ لا يُقَرُّ سائِرُ الكُفّارِ عَلى دِينِهِمْ بِالذِّمَّةِ إلّا هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى جَوازِ إقْرارِها بِالجِزْيَةِ.

Al-Anfaal 8:39Listen in Qur'an →
40

وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَىٰكُمْ ۚ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ

But if they turn away - then know that Allah is your protector. Excellent is the protector, and Excellent is the helper.

﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهُنا زِيادَةُ (كُلُّهُ) تَوْكِيدًا لِلدِّينِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ويَكُونُ، بِرَفْعِ النُّونِ والجُمْهُورُ بِنَصْبِها.

﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أيْ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ، ومَعْنى بَصِيرٌ بِإيمانِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ ويُثِيبُهم، وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وسَلّامُ بْنُ سُلَيْمانَ (بِما تَعْمَلُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِمَن أُمِرُوا بِالمُقاتَلَةِ، أيْ: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِهِ والدُّعاءِ إلى دِينِهِ بَصِيرٌ يُجازِيكم عَلَيْهِ أحْسَنَ الجَزاءِ.

﴿وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾، أيْ: مُوالِيكم ومُعِينُكم، وهَذا وعْدٌ صَرِيحٌ بِالظَّفَرِ والنَّصْرِ، والأعْرَقُ في الفَصاحَةِ أنْ يَكُونَ مَوْلاكم خَبَرَ إنَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرَ إنَّ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيِ: اللَّهُ أوْ هو، والمَعْنى: فَثِقُوا بِمُوالاتِهِ ونُصْرَتِهِ، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: وقاتِلُوهم، عَلى وُجُوبِ قِتالِ أصْنافِ أهْلِ الكُفْرِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وهم أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ، فَإنَّهم يُقِرُّونَ بِالجِزْيَةِ، وإنَّهُ لا يُقَرُّ سائِرُ الكُفّارِ عَلى دِينِهِمْ بِالذِّمَّةِ إلّا هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى جَوازِ إقْرارِها بِالجِزْيَةِ.

Al-Anfaal 8:40Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.