Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 21–30 of 75

21

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ نَهى عَنْ أنْ يَكُونُوا كالَّذِينَ ادَّعَوُا السَّماعَ، والمُشَبَّهُ بِهِمُ اليَهُودُ أوِ المُنافِقُونَ أوِ المُشْرِكُونَ، أوِ الَّذِينَ قالُوا: قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، أوْ بَنُو عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ ولَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وسُوَيْدُ بْنُ حَرْمَلَةَ، أوِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ ومَن تابَعَهُ، سِتَّةُ أقْوالٍ، ولَمّا لَمْ يُجْدِ سَماعُهم، ولا أثَّرَ فِيهِمْ نَفى عَنْهُمُ السَّماعَ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ؛ إذْ ثَمَرَةُ سَماعِ الوَحْيِ تَصْدِيقُهُ والإيمانُ بِهِ، والمَعْنى: أنَّكم تُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ والنُّبُوَّةِ، فَإذا صَدَرَ مِنكم تَوَلٍّ عَنِ الطّاعَةِ كانَ تَصْدِيقُكم كَلا تَصْدِيقٍ، فَأشْبَهَ سَماعُكم سَماعَ مَن لا يُصَدِّقُ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ النّافِيَةُ عَلى غَيْرِ لَفْظِ المُثْبَتَةِ إذْ لَمْ تَأْتِ وهم ما سَمِعُوا؛ لِأنَّ لَفْظَ المُضِيِّ لا يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ الحالِ ولا دَيْمُومَتِهِ بِخِلافِ نَفْيِ المُضارِعِ، فَكَما يَدُلُّ إثْباتُهُ عَلى الدَّيْمُومَةِ في قَوْلِهِمْ: هو يُعْطِي ويَمْنَعُ، كَذَلِكَ يَجِيءُ نَفْيُهُ، وجاءَ حَرْفُ النَّفْيِ لا؛ لِأنَّها أوْسَعُ في نَفْسِ المُضارِعِ مِن ما، وأدَلُّ عَلى انْتِفاءِ السَّماعِ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ: هم مِمَّنْ لا يَقْبَلُ أنْ يَسْمَعَ.

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المُشَبَّهَ بِهِمْ لا يَسْمَعُونَ أخْبَرَ أنَّ شَرَّ الحَيَوانِ الَّذِي يَدِبُّ الصُّمُّ، أوْ أنَّ شَرَّ البَهائِمِ، فَجَمَعَ بَيْنَ هَؤُلاءِ وبَيْنَ جَمْعِ الدَّوابِّ، وأخْبَرَ أنَّهم شَرُّ الحَيَوانِ مُطْلَقًا، ومَعْنى الصُّمِّ عَنْ ما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ، البُكْمِ عَنِ الإقْرارِ بِالإيمانِ وما فِيهِ نَجاتُهم، ثُمَّ جاءَ بِانْتِفاءِ الوَصْفِ المُنْتِجِ لَهُمُ الصَّمَمَ والبَكَمَ النّاشِئَيْنِ عَنْهُ، وهو العَقْلُ، وكانَ الِابْتِداءُ بِالصَّمَمِ؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْهُ البَكَمُ؛ إذْ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ أصَمَّ خَلَقَهُ أبْكَمَ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَتَلَقَّنُهُ ويَتَعَلَّمُهُ مَن كانَ سالِمَ حاسَّةِ السَّمْعِ، وهَذا مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] إلّا أنَّهُ زادَ في هَذا وصْفَ العَمى، وكُلُّ هَذِهِ الأوْصافِ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ قَبُولِهِمْ لِلْإيمانِ وإعْراضِهِمْ عَمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وظاهِرُ هَذِهِ الأخْبارِ العُمُومُ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ عَمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ ولا نُجِيبُهُ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا بِبَدْرٍ وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ المُنافِقُونَ، وقالَ الحَسَنُ: هم أهْلُ الكِتابِ.

Al-Anfaal 8:21Listen in Qur'an →
22

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allah are the deaf and dumb who do not use reason.

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ نَهى عَنْ أنْ يَكُونُوا كالَّذِينَ ادَّعَوُا السَّماعَ، والمُشَبَّهُ بِهِمُ اليَهُودُ أوِ المُنافِقُونَ أوِ المُشْرِكُونَ، أوِ الَّذِينَ قالُوا: قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، أوْ بَنُو عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ ولَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وسُوَيْدُ بْنُ حَرْمَلَةَ، أوِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ ومَن تابَعَهُ، سِتَّةُ أقْوالٍ، ولَمّا لَمْ يُجْدِ سَماعُهم، ولا أثَّرَ فِيهِمْ نَفى عَنْهُمُ السَّماعَ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ؛ إذْ ثَمَرَةُ سَماعِ الوَحْيِ تَصْدِيقُهُ والإيمانُ بِهِ، والمَعْنى: أنَّكم تُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ والنُّبُوَّةِ، فَإذا صَدَرَ مِنكم تَوَلٍّ عَنِ الطّاعَةِ كانَ تَصْدِيقُكم كَلا تَصْدِيقٍ، فَأشْبَهَ سَماعُكم سَماعَ مَن لا يُصَدِّقُ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ النّافِيَةُ عَلى غَيْرِ لَفْظِ المُثْبَتَةِ إذْ لَمْ تَأْتِ وهم ما سَمِعُوا؛ لِأنَّ لَفْظَ المُضِيِّ لا يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ الحالِ ولا دَيْمُومَتِهِ بِخِلافِ نَفْيِ المُضارِعِ، فَكَما يَدُلُّ إثْباتُهُ عَلى الدَّيْمُومَةِ في قَوْلِهِمْ: هو يُعْطِي ويَمْنَعُ، كَذَلِكَ يَجِيءُ نَفْيُهُ، وجاءَ حَرْفُ النَّفْيِ لا؛ لِأنَّها أوْسَعُ في نَفْسِ المُضارِعِ مِن ما، وأدَلُّ عَلى انْتِفاءِ السَّماعِ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ: هم مِمَّنْ لا يَقْبَلُ أنْ يَسْمَعَ.

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المُشَبَّهَ بِهِمْ لا يَسْمَعُونَ أخْبَرَ أنَّ شَرَّ الحَيَوانِ الَّذِي يَدِبُّ الصُّمُّ، أوْ أنَّ شَرَّ البَهائِمِ، فَجَمَعَ بَيْنَ هَؤُلاءِ وبَيْنَ جَمْعِ الدَّوابِّ، وأخْبَرَ أنَّهم شَرُّ الحَيَوانِ مُطْلَقًا، ومَعْنى الصُّمِّ عَنْ ما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ، البُكْمِ عَنِ الإقْرارِ بِالإيمانِ وما فِيهِ نَجاتُهم، ثُمَّ جاءَ بِانْتِفاءِ الوَصْفِ المُنْتِجِ لَهُمُ الصَّمَمَ والبَكَمَ النّاشِئَيْنِ عَنْهُ، وهو العَقْلُ، وكانَ الِابْتِداءُ بِالصَّمَمِ؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْهُ البَكَمُ؛ إذْ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ أصَمَّ خَلَقَهُ أبْكَمَ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَتَلَقَّنُهُ ويَتَعَلَّمُهُ مَن كانَ سالِمَ حاسَّةِ السَّمْعِ، وهَذا مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] إلّا أنَّهُ زادَ في هَذا وصْفَ العَمى، وكُلُّ هَذِهِ الأوْصافِ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ قَبُولِهِمْ لِلْإيمانِ وإعْراضِهِمْ عَمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وظاهِرُ هَذِهِ الأخْبارِ العُمُومُ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ عَمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ ولا نُجِيبُهُ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا بِبَدْرٍ وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ المُنافِقُونَ، وقالَ الحَسَنُ: هم أهْلُ الكِتابِ.

Al-Anfaal 8:22Listen in Qur'an →
23

وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

Had Allah known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ عَدَمَ سَماعِهِمْ وهُداهم إنَّما هو بِما عَلِمَهُ اللَّهُ مِنهم وسَبَقَ مِن قَضائِهِ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ذَلِكَ في عِبارَةٍ بَلِيغَةٍ في ذَمِّهِمْ، ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم، والمُرادُ لَأسْمَعَهم إسْماعَ تَفَهُّمٍ وهُدًى، ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الخَبَرَ عَنْهم بِما هو عَلَيْهِ مِن خَتْمِهِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، فَقالَ: ولَوْ أسْمَعَهم، أيْ: ولَوْ فَهَّمَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ بِالقَضاءِ السّابِقِ فِيهِمْ، ولَأعْرَضُوا عَمّا تَبَيَّنَ لَهم مِنَ الهُدى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ خَيْرًا، أيِ: انْتِفاعًا بِاللُّطْفِ لَأسْمَعَهُمُ اللُّطْفَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا سَماعَ المُصَدِّقِينَ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا، يَعْنِي: ولَوْ لَطَفَ بِهِمْ لَما نَفَعَهُمُ اللُّطْفُ، فَلِذَلِكَ مَنَعَهم ألْطافَهُ، أيْ: ولَوْ لَطَفَ بِهِمْ فَصَدَّقُوا لارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ وكَذَّبُوا ولَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما سَألُوا، وحَكى ابْنُ الجَوْزِيِّ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهم؛ لِأنَّهم طَلَبُوا إحْياءَ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ لِيَشْهَدُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: التَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِهِ في نَفْسِهِ بِعَدَمِ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِهِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ لَوْ حَصَلَ فِيهِمْ خَيْرٌ لَأسْمَعَهُمُ اللَّهُ الحُجَجَ والمَواعِظَ سَماعَ تَعْلِيمٍ مُفْهِمٍ، ولَوْ أسْمَعَهم إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ، وقالَ أيْضًا: مَعْلُوماتُ اللَّهِ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ. أحَدُها: جُمْلَةُ المَوْجُوداتِ، الثّانِي: جُمْلَةُ المَعْدُوماتِ، الثّالِثُ: إنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ لَوْ كانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ حالُهُ، الرّابِعُ: إنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَعْدُوماتِ لَوْ كانَ مَوْجُودًا فَكَيْفَ حالُهُ، فالقِسْمانِ الأوَّلانِ عِلْمٌ بِالواقِعِ، والقِسْمانِ الثّانِيانِ عِلْمٌ بِالمَقْدُورِ الَّذِي هو غَيْرُ واقِعٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ مِنَ القِسْمِ الثّانِي، وهو العِلْمُ بِالمَقْدُوراتِ، ولَيْسَ مِن أقْسامِ العِلْمِ بِالواقِعاتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر: ١١] ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] فَقالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢] فَعِلْمُ اللَّهِ تَعالى في المَعْدُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] أخْبَرَ عَنِ المَعْدُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، انْتَهى. وأقُولُ: ظاهِرُ هاتَيْنِ المُلازَمَتَيْنِ يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ كانَ يَقَعُ إسْماعٌ مِنهُ لَهم عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ خَيْرًا فِيهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ كانَ يَقَعُ تَوَلِّيهِمْ عَلى تَقْدِيرِ إسْماعِهِمْ إيّاهم، فَأنْتَجَ أنَّهُ كانَ يَقَعُ تَوَلِّيهِمْ عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ تَعالى خَيْرًا فِيهِمْ، وذَلِكَ بِحَرْفِ الواسِطَةِ؛ لِأنَّ المُرَتَّبَ عَلى شَيْءٍ يَكُونُ مُرَتَّبًا عَلى ما رُتِّبَ …

Al-Anfaal 8:23Listen in Qur'an →
24

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

O you who have believed, respond to Allah and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allah intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في اسْتَجابَ في (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في دَعاكم، كَما أفْرَدَهُ في: ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ؛ لِأنَّ ذِكْرَ أحَدِهِما مَعَ الآخَرِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، والِاسْتِجابَةُ هُنا الِامْتِثالُ، والدُّعاءُ بِمَعْنى التَّحْرِيضِ والبَعْثِ عَلى ما فِيهِ حَياتُهم، وظاهِرُ اسْتَجِيبُوا الوُجُوبُ، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: لِأُبَيٍّ حِينَ دَعاهُ وهو في الصَّلاةِ مُتَلَبِّثٌ: «ما مَنَعَكَ عَنِ الِاسْتِجابَةِ ؟ ألَمْ تُخْبَرْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ»، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ”لِما“ بِقَوْلِهِ: دَعاكم، ودَعا يَتَعَدّى بِاللّامِ. قالَ:

؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا

وقالَ آخَرُ:

؎وإنْ أُدْعَ لِلْجُلّى أكُنْ مِن حُماتِها

وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى ويَتَعَلَّقُ بِاسْتَجِيبُوا، فَلِذَلِكَ قَدَّرَهُ بِإلى حَتّى يَتَغايَرَ مَدْلُولُ اللّامِ فَيَتَعَلَّقُ الحَرْفانِ بِفِعْلٍ واحِدٍ، قالَ مُجاهِدٌ والجُمْهُورُ: المَعْنى اسْتَجِيبُوا لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهٍ، فَفِيهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ والنِّعْمَةُ السَّرْمَدِيَّةُ؛ وقِيلَ: ما يُحْيِيكم هو مُجاهَدَةُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم لَوْ تَرَكُوها لَغَلَبُوهم وقَتَلُوهم، ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ؛ وقِيلَ: الشَّهادَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ؛ وقِيلَ: لِما يُحْيِيكم مِن عُلُومِ الدِّياناتِ والشَّرائِعِ؛ لِأنَّ العِلْمَ حَياةٌ كَما أنَّ الجَهْلَ مَوْتٌ. قالَ الشّاعِرُ:

؎لا تُعْجِبَنَّ الجَهُولَ حِلْيَتُهُ ∗∗∗ فَذاكَ مَيْتٌ وثَوْبُهُ كَفَنُ

وهَذا نَحْوٌ مِن قَوْلِ الجُمْهُورِ ومُجاهِدٍ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ما يُحْيِيكم هو الحَقُّ؛ وقِيلَ: هو إحْياءُ أُمُورِهِمْ وطِيبُ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا ورِفْعَتُهم، يُقالُ: حَيِيَتْ حالُهُ إذا ارْتَفَعَتْ؛ وقِيلَ: ما يَحْصُلُ لَكم مِنَ الغَنائِمِ في الجِهادِ ويَعِيشُونَ مِنها؛ وقِيلَ: الجُثَّةُ، والَّذِي يَظْهَرُ هو القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ في سِياقِ قَوْلِهِ: ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم، فالَّذِي يَحْيا بِهِ مِنَ الجَهْلِ هو سَماعُ ما يَنْفَعُ مِمّا أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ فَيَمْتَثِلُ المَأْمُورَ بِهِ ويَجْتَنِبُ المَنهِيَّ عَنْهُ، فَيَئُولُ إلى الحَياتَيْنِ الطَّيِّبَتَيْنِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ.

﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ والقادِرُ عَلى الحَيْلُولَةِ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ ما يَشْتَهِيهِ قَلْبُهُ، فَهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُسْتَجابَ لَهُ إذا دَعاهُ؛ إذْ بِيَدِهِ تَعالى مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وزِمامُهُ، وفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى المُراقَبَةِ والخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والبِدارِ إلى الِاسْتِجابَةِ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكُفْرِ، وبَيْنَ الكافِرِ والإيمانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ فَلا يَدْرِي ما يَعْمَلُ عُقُوبَةً عَلى عِنادِهِ، فَفي التَّنْزِيلِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، أيْ: عَقْلٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: يَحُولُ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ وقَلْبِهِ فَلا يَقْدِرُ عَلى إيمانٍ ولا كُفْرٍ إلّا بِإذْنِهِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَتَمَنّاهُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَيْنَهُ وبَيْنَ هَواهُ، وهَذانِ راجِعانِ إلى القَوْلِ الأوَّلِ، …

Al-Anfaal 8:24Listen in Qur'an →
25

وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And fear a trial which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allah is severe in penalty.

﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ هَذا الخِطابُ ظاهِرُهُ العُمُومُ بِاتِّقاءِ الفِتْنَةِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِالظّالِمِ بَلْ تَعُمُّ الصّالِحَ والطّالِحَ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ، فَفي البُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ «أنَّ النّاسَ إذا رَأوُا الظّالِمَ ولَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ»، وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: «نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ»؛ وقِيلَ: الخِطابُ لِلصَّحابَةِ؛ وقِيلَ: لِأهْلِ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: لِعَلِيٍّ وعَمّارٍ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ؛ وقِيلَ: لِرَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يُسَمِّهِما، والفِتْنَةُ هُنا القِتالُ في وقْعَةِ الجَمَلِ، أوِ الضَّلالَةُ، أوْ عَدَمُ إنْكارِ المُنْكَرِ، أوْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، أوْ بِظُهُورِ البِدَعِ، أوِ العُقُوبَةُ، أقْوالٌ، وقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ يَوْمَ الجَمَلِ: ما عَلِمْتُ أنّا أُرِدْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا اليَوْمَ، وما كُنْتُ أظُنُّها إلّا فِيمَن خُوطِبَ بِها في ذَلِكَ الوَقْتِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: لا تُصِيبَنَّ، خَبَرِيَّةٌ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: فِتْنَةً، أيْ: غَيْرَ مُصِيبَةٍ الظّالِمَ خاصَّةً، إلّا أنَّ دُخُولَ نُونِ التَّوْكِيدِ عَلى المَنفِيِّ بِلا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فالجُمْهُورُ لا يُجِيزُونَهُ ويَحْمِلُونَ ما جاءَ مِنهُ عَلى الضَّرُورَةِ، أوِ النُّدُورِ، والَّذِي نَخْتارُهُ الجَوازُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، وإذا كانَ قَدْ جاءَ لَحاقُها الفِعْلَ مَبْنِيًّا بِلا مَعَ الفَصْلِ، نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎فَلا ذا نَعِيمٌ يُتْرَكَنْ لِنَعِيمِهِ وإنْ قالَ قَرِّظْنِي وخُذْ رِشْوَةً أبى

؎ولا ذا بَئِيسٌ يُتْرَكَنَّ لِبُؤْسِهِ ∗∗∗ فَيَنْفَعُهُ شَكْوى إلَيْهِ إنِ اشْتَكى

فَلَأنْ يَلْحَقُهُ مَعَ غَيْرِ الفَصْلِ أوْلى، نَحْوُ: لا تُصِيبَنَّ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ وهي نَهْيٌ قالَ: وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَهُ صِفَةً عَلى إرادَةِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واتَّقَوْا فِتْنَةً مَقُولًا فِيها لا تُصِيبَنَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ:

؎حَتّى إذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطْ ∗∗∗ جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ

أيْ: بِمَذْقٍ مَقُولٌ فِيهِ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ فِيهِ لَوْنُ الزُّرْقَةِ الَّتِي هي مَعْنى الذِّئْبِ، انْتَهى. وتَحْرِيرُهُ أنَّ الجُمْلَةَ مَعْمُولَةٌ لِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْأمْرِ، نَحْوُ قَوْلِكَ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، أيْ: إنْ تَنْزِلْ عَنْها لا تَطْرَحَنَّكَ، قالَ: ومِنهُ ﴿لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ﴾ [النمل: ١٨]، أيْ: إنْ تَدْخُلُوا لا يَحْطِمَنَّكم، فَدَخَلَتِ النُّونُ لِما فِيها مِن مَعْنى الجَزاءِ، انْتَهى، وهَذا المِثالُ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] لَيْسَ نَظِيرَ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾؛ لِأنَّهُ يَنْتَظِمُ مِنَ المِثالِ، والآيَةُ شَرْطٌ وجَزاءٌ كَما قُدِّرَ، ولا يَنْتَظِمُ ذَلِكَ هُناكَ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَصِحُّ تَقْدِيرُ: إنْ تَتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً؛ لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ إذْ ذاكَ عَلى الشَّرْطِ، مُقْتَضاهُ مِن جِهَةِ المَعْنى، وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَ الفَرّاءِ، وزادَهُ فَسادًا وخَبَّطَ فِيهِ، فَقالَ: وقَوْلُهُ: لا تُصِيبَنَّ، لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ، أوْ …

Al-Anfaal 8:25Listen in Qur'an →
26

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌۭ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ هَذا الخِطابُ ظاهِرُهُ العُمُومُ بِاتِّقاءِ الفِتْنَةِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِالظّالِمِ بَلْ تَعُمُّ الصّالِحَ والطّالِحَ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ، فَفي البُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ «أنَّ النّاسَ إذا رَأوُا الظّالِمَ ولَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ»، وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: «نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ»؛ وقِيلَ: الخِطابُ لِلصَّحابَةِ؛ وقِيلَ: لِأهْلِ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: لِعَلِيٍّ وعَمّارٍ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ؛ وقِيلَ: لِرَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يُسَمِّهِما، والفِتْنَةُ هُنا القِتالُ في وقْعَةِ الجَمَلِ، أوِ الضَّلالَةُ، أوْ عَدَمُ إنْكارِ المُنْكَرِ، أوْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، أوْ بِظُهُورِ البِدَعِ، أوِ العُقُوبَةُ، أقْوالٌ، وقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ يَوْمَ الجَمَلِ: ما عَلِمْتُ أنّا أُرِدْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا اليَوْمَ، وما كُنْتُ أظُنُّها إلّا فِيمَن خُوطِبَ بِها في ذَلِكَ الوَقْتِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: لا تُصِيبَنَّ، خَبَرِيَّةٌ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: فِتْنَةً، أيْ: غَيْرَ مُصِيبَةٍ الظّالِمَ خاصَّةً، إلّا أنَّ دُخُولَ نُونِ التَّوْكِيدِ عَلى المَنفِيِّ بِلا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فالجُمْهُورُ لا يُجِيزُونَهُ ويَحْمِلُونَ ما جاءَ مِنهُ عَلى الضَّرُورَةِ، أوِ النُّدُورِ، والَّذِي نَخْتارُهُ الجَوازُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، وإذا كانَ قَدْ جاءَ لَحاقُها الفِعْلَ مَبْنِيًّا بِلا مَعَ الفَصْلِ، نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎فَلا ذا نَعِيمٌ يُتْرَكَنْ لِنَعِيمِهِ وإنْ قالَ قَرِّظْنِي وخُذْ رِشْوَةً أبى

؎ولا ذا بَئِيسٌ يُتْرَكَنَّ لِبُؤْسِهِ ∗∗∗ فَيَنْفَعُهُ شَكْوى إلَيْهِ إنِ اشْتَكى

فَلَأنْ يَلْحَقُهُ مَعَ غَيْرِ الفَصْلِ أوْلى، نَحْوُ: لا تُصِيبَنَّ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ وهي نَهْيٌ قالَ: وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَهُ صِفَةً عَلى إرادَةِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واتَّقَوْا فِتْنَةً مَقُولًا فِيها لا تُصِيبَنَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ:

؎حَتّى إذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطْ ∗∗∗ جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ

أيْ: بِمَذْقٍ مَقُولٌ فِيهِ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ فِيهِ لَوْنُ الزُّرْقَةِ الَّتِي هي مَعْنى الذِّئْبِ، انْتَهى. وتَحْرِيرُهُ أنَّ الجُمْلَةَ مَعْمُولَةٌ لِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْأمْرِ، نَحْوُ قَوْلِكَ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، أيْ: إنْ تَنْزِلْ عَنْها لا تَطْرَحَنَّكَ، قالَ: ومِنهُ ﴿لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ﴾ [النمل: ١٨]، أيْ: إنْ تَدْخُلُوا لا يَحْطِمَنَّكم، فَدَخَلَتِ النُّونُ لِما فِيها مِن مَعْنى الجَزاءِ، انْتَهى، وهَذا المِثالُ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] لَيْسَ نَظِيرَ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾؛ لِأنَّهُ يَنْتَظِمُ مِنَ المِثالِ، والآيَةُ شَرْطٌ وجَزاءٌ كَما قُدِّرَ، ولا يَنْتَظِمُ ذَلِكَ هُناكَ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَصِحُّ تَقْدِيرُ: إنْ تَتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً؛ لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ إذْ ذاكَ عَلى الشَّرْطِ، مُقْتَضاهُ مِن جِهَةِ المَعْنى، وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَ الفَرّاءِ، وزادَهُ فَسادًا وخَبَّطَ فِيهِ، فَقالَ: وقَوْلُهُ: لا تُصِيبَنَّ، لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ، أوْ …

Al-Anfaal 8:26Listen in Qur'an →
27

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَٰنَٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

O you who have believed, do not betray Allah and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦] نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُهاجِرِينَ خاصَّةً كانُوا بِمَكَّةَ قَلِيلِي العَدَدِ مَقْهُورِينَ فِيها يَخافُونَ أنْ يَسْلُبَهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَآواهم بِالمَدِينَةِ، وأيَّدَهم بِالنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، والطَّيِّباتُ الغَنائِمُ، وما فُتِحَ بِهِ عَلَيْهِمْ؛ وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ والصَّحابَةِ وهي حالُهم يَوْمَ بَدْرٍ، والطَّيِّباتُ الغَنائِمُ، والنّاسُ عَسْكَرُ مَكَّةَ وسائِرُ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ، والتَّأْيِيدُ هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ والتَّغَلُّبُ عَلى العَدَدِ، وقالَ وهْبٌ وقَتادَةُ: الخِطابُ لِلْعَرَبِ قاطِبَةً، فَإنَّها كانَتْ أعْرى النّاسِ أجْسامًا وأجْوَعَهم بُطُونًا وأقَلَّهم حالًا حَسَنَةً، والنّاسُ فارِسُ والرُّومُ، والمَأْوى النُّبُوَّةُ والشَّرِيعَةُ، والتَّأْيِيدُ بِالنَّصْرِ فَتْحُ البِلادِ وغَلَبَةُ المُلُوكِ، والطَّيِّباتُ تَعُمُّ المَآكِلَ والمَشارِبَ والمَلابِسَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا التَّأْوِيلُ يَرُدُّهُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كافِرَةً إلّا القَلِيلَ، ولَمْ تَتَرَتَّبِ الأحْوالُ الَّتِي ذَكَرَ هَذا المُتَأوِّلُ، وإنَّما كانَ يُمْكِنُ أنْ يُخاطِبَ العَرَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ زَمانِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنْ تَمَثَّلَ أحَدٌ بِهَذِهِ الآيَةِ بِحالِ العَرَبِ فَتَمْثِيلُهُ صَحِيحٌ، وأمّا أنْ يَكُونَ حالَةُ العَرَبِ هي سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ فَبَعِيدٌ لِما ذَكَرْناهُ، انْتَهى، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيلٌ لِنِعَمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذْ أنْتُمْ، نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِاذْكُرُوا ظَرْفٌ، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ كَوْنِكم أقِلَّةً أذِلَّةً، انْتَهى، وفِيهِ التَّصَرُّفُ في إذْ بِنَصْبِها مُفْعُولَةً وهي مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ إلّا بِأنْ أُضِيفَ إلَيْها الأزْمانُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذْ ظَرْفٌ لِمَعْمُولِ واذْكُرُوا، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرُوا حالَكُمُ الكائِنَةَ، أوِ الثّابِتَةَ؛ إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إذْ ظَرْفًا لِاذْكُرُوا، وإنَّما تُعْمَلُ اذْكُرْ في إذْ لَوْ قَدَّرْناها مَفْعُولَةً، انْتَهى، وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: إذْ أنْتُمْ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ اذْكُرُوا، انْتَهى، وهَذا لا يَتَأتّى أصْلًا؛ لِأنَّ اذْكُرْ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَلا يَكُونُ ظَرْفُهُ إلّا مُسْتَقْبَلًا، وإذْ ظَرْفٌ ماضٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَقَعَ فِيهِ المُسْتَقْبَلُ، ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَآواكم وما بَعْدَهُ، أيْ: فَعَلَ هَذا الإحْسانَ لِإرادَةِ الشُّكْرِ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ حِينَ اسْتَنْصَحَتْهُ قُرَيْظَةُ لَمّا أتى الرَّسُولُ ﷺ أنْ يُسَيِّرَهم إلى أذْرِعاتٍ وأرِيحا كَفِعْلِهِ بِبَنِي النَّضِيرِ، فَأشارَ أبُو لُبابَةَ إلى حَلْقِهِ، أيْ: لَيْسَ عِنْدَ الرَّسُولِ إلّا الذَّبْحُ، فَكانَتْ هَذِهِ خِيانَتَهُ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وقالَ جابِرٌ: في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ كَتَبَ إلى أبِي سُفْيانَ بِشَيْءٍ مِن أخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: في قَتْلِ عُثْمانَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يُتَمَثَّلَ بِالآيَةِ في قَتْلِهِ؛ فَقَدْ كانَ قَتْلُهُ خِيانَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ والأماناتِ، انْتَهى؛ …

Al-Anfaal 8:27Listen in Qur'an →
28

وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

And know that your properties and your children are but a trial and that Allah has with Him a great reward.

﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦] نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُهاجِرِينَ خاصَّةً كانُوا بِمَكَّةَ قَلِيلِي العَدَدِ مَقْهُورِينَ فِيها يَخافُونَ أنْ يَسْلُبَهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَآواهم بِالمَدِينَةِ، وأيَّدَهم بِالنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، والطَّيِّباتُ الغَنائِمُ، وما فُتِحَ بِهِ عَلَيْهِمْ؛ وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ والصَّحابَةِ وهي حالُهم يَوْمَ بَدْرٍ، والطَّيِّباتُ الغَنائِمُ، والنّاسُ عَسْكَرُ مَكَّةَ وسائِرُ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ، والتَّأْيِيدُ هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ والتَّغَلُّبُ عَلى العَدَدِ، وقالَ وهْبٌ وقَتادَةُ: الخِطابُ لِلْعَرَبِ قاطِبَةً، فَإنَّها كانَتْ أعْرى النّاسِ أجْسامًا وأجْوَعَهم بُطُونًا وأقَلَّهم حالًا حَسَنَةً، والنّاسُ فارِسُ والرُّومُ، والمَأْوى النُّبُوَّةُ والشَّرِيعَةُ، والتَّأْيِيدُ بِالنَّصْرِ فَتْحُ البِلادِ وغَلَبَةُ المُلُوكِ، والطَّيِّباتُ تَعُمُّ المَآكِلَ والمَشارِبَ والمَلابِسَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا التَّأْوِيلُ يَرُدُّهُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كافِرَةً إلّا القَلِيلَ، ولَمْ تَتَرَتَّبِ الأحْوالُ الَّتِي ذَكَرَ هَذا المُتَأوِّلُ، وإنَّما كانَ يُمْكِنُ أنْ يُخاطِبَ العَرَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ زَمانِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنْ تَمَثَّلَ أحَدٌ بِهَذِهِ الآيَةِ بِحالِ العَرَبِ فَتَمْثِيلُهُ صَحِيحٌ، وأمّا أنْ يَكُونَ حالَةُ العَرَبِ هي سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ فَبَعِيدٌ لِما ذَكَرْناهُ، انْتَهى، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيلٌ لِنِعَمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذْ أنْتُمْ، نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِاذْكُرُوا ظَرْفٌ، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ كَوْنِكم أقِلَّةً أذِلَّةً، انْتَهى، وفِيهِ التَّصَرُّفُ في إذْ بِنَصْبِها مُفْعُولَةً وهي مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ إلّا بِأنْ أُضِيفَ إلَيْها الأزْمانُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذْ ظَرْفٌ لِمَعْمُولِ واذْكُرُوا، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرُوا حالَكُمُ الكائِنَةَ، أوِ الثّابِتَةَ؛ إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إذْ ظَرْفًا لِاذْكُرُوا، وإنَّما تُعْمَلُ اذْكُرْ في إذْ لَوْ قَدَّرْناها مَفْعُولَةً، انْتَهى، وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: إذْ أنْتُمْ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ اذْكُرُوا، انْتَهى، وهَذا لا يَتَأتّى أصْلًا؛ لِأنَّ اذْكُرْ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَلا يَكُونُ ظَرْفُهُ إلّا مُسْتَقْبَلًا، وإذْ ظَرْفٌ ماضٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَقَعَ فِيهِ المُسْتَقْبَلُ، ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَآواكم وما بَعْدَهُ، أيْ: فَعَلَ هَذا الإحْسانَ لِإرادَةِ الشُّكْرِ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ حِينَ اسْتَنْصَحَتْهُ قُرَيْظَةُ لَمّا أتى الرَّسُولُ ﷺ أنْ يُسَيِّرَهم إلى أذْرِعاتٍ وأرِيحا كَفِعْلِهِ بِبَنِي النَّضِيرِ، فَأشارَ أبُو لُبابَةَ إلى حَلْقِهِ، أيْ: لَيْسَ عِنْدَ الرَّسُولِ إلّا الذَّبْحُ، فَكانَتْ هَذِهِ خِيانَتَهُ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وقالَ جابِرٌ: في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ كَتَبَ إلى أبِي سُفْيانَ بِشَيْءٍ مِن أخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: في قَتْلِ عُثْمانَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يُتَمَثَّلَ بِالآيَةِ في قَتْلِهِ؛ فَقَدْ كانَ قَتْلُهُ خِيانَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ والأماناتِ، انْتَهى؛ …

Al-Anfaal 8:28Listen in Qur'an →
29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًۭا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

O you who have believed, if you fear Allah, He will grant you a criterion and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allah is the possessor of great bounty.

﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦] نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُهاجِرِينَ خاصَّةً كانُوا بِمَكَّةَ قَلِيلِي العَدَدِ مَقْهُورِينَ فِيها يَخافُونَ أنْ يَسْلُبَهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَآواهم بِالمَدِينَةِ، وأيَّدَهم بِالنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، والطَّيِّباتُ الغَنائِمُ، وما فُتِحَ بِهِ عَلَيْهِمْ؛ وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ والصَّحابَةِ وهي حالُهم يَوْمَ بَدْرٍ، والطَّيِّباتُ الغَنائِمُ، والنّاسُ عَسْكَرُ مَكَّةَ وسائِرُ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ، والتَّأْيِيدُ هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ والتَّغَلُّبُ عَلى العَدَدِ، وقالَ وهْبٌ وقَتادَةُ: الخِطابُ لِلْعَرَبِ قاطِبَةً، فَإنَّها كانَتْ أعْرى النّاسِ أجْسامًا وأجْوَعَهم بُطُونًا وأقَلَّهم حالًا حَسَنَةً، والنّاسُ فارِسُ والرُّومُ، والمَأْوى النُّبُوَّةُ والشَّرِيعَةُ، والتَّأْيِيدُ بِالنَّصْرِ فَتْحُ البِلادِ وغَلَبَةُ المُلُوكِ، والطَّيِّباتُ تَعُمُّ المَآكِلَ والمَشارِبَ والمَلابِسَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا التَّأْوِيلُ يَرُدُّهُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كافِرَةً إلّا القَلِيلَ، ولَمْ تَتَرَتَّبِ الأحْوالُ الَّتِي ذَكَرَ هَذا المُتَأوِّلُ، وإنَّما كانَ يُمْكِنُ أنْ يُخاطِبَ العَرَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ زَمانِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنْ تَمَثَّلَ أحَدٌ بِهَذِهِ الآيَةِ بِحالِ العَرَبِ فَتَمْثِيلُهُ صَحِيحٌ، وأمّا أنْ يَكُونَ حالَةُ العَرَبِ هي سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ فَبَعِيدٌ لِما ذَكَرْناهُ، انْتَهى، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيلٌ لِنِعَمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذْ أنْتُمْ، نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِاذْكُرُوا ظَرْفٌ، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ كَوْنِكم أقِلَّةً أذِلَّةً، انْتَهى، وفِيهِ التَّصَرُّفُ في إذْ بِنَصْبِها مُفْعُولَةً وهي مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ إلّا بِأنْ أُضِيفَ إلَيْها الأزْمانُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذْ ظَرْفٌ لِمَعْمُولِ واذْكُرُوا، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرُوا حالَكُمُ الكائِنَةَ، أوِ الثّابِتَةَ؛ إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إذْ ظَرْفًا لِاذْكُرُوا، وإنَّما تُعْمَلُ اذْكُرْ في إذْ لَوْ قَدَّرْناها مَفْعُولَةً، انْتَهى، وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: إذْ أنْتُمْ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ اذْكُرُوا، انْتَهى، وهَذا لا يَتَأتّى أصْلًا؛ لِأنَّ اذْكُرْ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَلا يَكُونُ ظَرْفُهُ إلّا مُسْتَقْبَلًا، وإذْ ظَرْفٌ ماضٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَقَعَ فِيهِ المُسْتَقْبَلُ، ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَآواكم وما بَعْدَهُ، أيْ: فَعَلَ هَذا الإحْسانَ لِإرادَةِ الشُّكْرِ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ حِينَ اسْتَنْصَحَتْهُ قُرَيْظَةُ لَمّا أتى الرَّسُولُ ﷺ أنْ يُسَيِّرَهم إلى أذْرِعاتٍ وأرِيحا كَفِعْلِهِ بِبَنِي النَّضِيرِ، فَأشارَ أبُو لُبابَةَ إلى حَلْقِهِ، أيْ: لَيْسَ عِنْدَ الرَّسُولِ إلّا الذَّبْحُ، فَكانَتْ هَذِهِ خِيانَتَهُ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وقالَ جابِرٌ: في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ كَتَبَ إلى أبِي سُفْيانَ بِشَيْءٍ مِن أخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: في قَتْلِ عُثْمانَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يُتَمَثَّلَ بِالآيَةِ في قَتْلِهِ؛ فَقَدْ كانَ قَتْلُهُ خِيانَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ والأماناتِ، انْتَهى؛ …

Al-Anfaal 8:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ

And [remember, O Muhammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allah plans. And Allah is the best of planners.

﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ذَكَّرَهُ ﷺ نِعَمَهُ عَلَيْهِ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ تَشاوَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ بِما تَفْعَلُ بِهِ، فَمِن قائِلٍ: يُحْبَسُ ويُقَيَّدُ ويُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبُ المَنُونِ، ومِن قائِلٍ: يُخْرَجُ مِن مَكَّةَ تَسْتَرِيحُوا مِنهُ، وتَصَوَّرَ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وقِيلَ: هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ، ومِن قائِلٍ: يَجْتَمِعُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ويَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً بِأسْيافِهِمْ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ لِمُحارَبَةِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَرْضَوْنَ بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَصَوَّبَ إبْلِيسُ هَذا الرَّأْيَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ وأذِنَ لَهُ بِالخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ ويَتَّشِحَ بِبُرْدَتِهِ، وباتُوا راصِدِينَ فَبادَرُوا إلى المَضْجَعِ فَأبْصَرُوا عَلِيًّا فَبُهِتُوا، وخَلَّفَ عَلِيًّا لِيَرُدَّ ودائِعَ كانَتْ عِنْدَهُ وخَرَجَ إلى المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لِيُثْبِتُوكَ، أيْ: يُقَيِّدُوكَ، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: لِيُثْخِنُوكَ بِالجَرْحِ والضَّرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبُوهُ حَتّى أثْبَتُوهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، ورَمى الطّائِرَ فَأثْبَتَهُ، أيْ: أثْخَنَهُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎فَقُلْتُ ويْحَكَ ماذا في صَحِيفَتِكم قالَ الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعا

أيْ مُثْخَنًا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ لِيُبَيِّتُوكَ مِنَ البَياتِ، وهَذا المَكْرُ هُنا هو بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُّورَةِ، وهو الصَّوابُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ عَقِيبَ كِفايَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ، ويُتَأوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُما أشارا إلى قِصَّةِ الآيَةِ إلى وقْتِ نُزُولِها، وتَكَرَّرَ ويَمْكُرُونَ إخْبارًا بِاسْتِمْرارِ مَكْرِهِمْ وكَثْرَتِهِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ باقِي الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ.

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قائِلُ ذَلِكَ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ واتَّبَعَهُ قائِلُونَ كَثِيرُونَ، وكانَ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ، سافَرَ إلى فارِسَ والحِيرَةِ، وسَمِعَ مِن قَصَصِ الرُّهْبانِ والأناجِيلِ، وأخْبارِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، ويَرى اليَهُودَ والنَّصارى يَرْكَعُونَ ويَسْجُدُونَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبْرًا بِالصَّفْراءِ بِالأثِيلِ مِنها مُنْصَرَفَهُ مِن بَدْرٍ، وفي هَذا التَّرْكِيبِ جَوازُ وُقُوعِ المُضارِعِ بَعْدَ إذا وجَوابُهُ الماضِي جَوازًا فَصِيحًا، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ:

؎مَن يَكِدْنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ مِنهُ

ومَعْنى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ سَمِعْنا ولا نُطِيعُ، أوْ قَدْ سَمِعْنا مِنكَ هَذا، وقَوْلُهم: لَوْ نَشاءُ، أيْ: لَوْ نَشاءُ القَوْلَ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا الَّذِي تَتْلُوهُ، وذُكِرَ عَلى مَعْنى المَتْلُوِّ، وهَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ البَهْتِ والمُصادَمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، فَقَدْ طُولِبُوا بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، وكانَ أصْعَبَ شَيْءٍ إلَيْهِمُ الغَلَبَةُ وخُصُوصًا في بابِ البَيانِ، فَقَدْ كانُوا يَتَمالَطُونَ ويَتَعارَضُونَ …

Al-Anfaal 8:30Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.