إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةًۭ مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ
[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.
﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى: إلّا بُشْرى لَكم، وأُثْبِتَ في آلِ عِمْرانَ؛ لِأنَّ القِصَّةَ فِيها مُسْهِبَةٌ وهُنا مُوجَزَةٌ، فَناسَبَ هُنا الحَذْفُ، وهُنا قَدَّمَ وأخَّرَ هُناكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَنُّنِ والِاتِّساعِ في الكَلامِ، وهُنا جاءَ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مُراعاةً لِأواخِرِ الآيِ، وهُناكَ لَيْسَتْ آخِرَ آيَةٍ لِتَعَلُّقِ (يَقْطَعَ) بِما قَبْلَهُ، فَناسَبَ أنْ يَأْتِيَ (العَزِيزُ الحَكِيمُ) عَلى سَبِيلِ الصِّفَةِ، وكِلاهُما مُشْعِرٌ بِالعَلِيَّةِ، كَما تَقُولُ: أكْرِمْ زَيْدًا العالِمَ، وأكْرِمْ زَيْدًا إنَّهُ عالِمٌ، والضَّمِيرُ في ﴿وما جَعَلَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإمْدادِ المُنْسَبِكِ مِن ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، أوْ عَلى المَدَدِ، أوْ عَلى الوَعْدِ الدّالِّ عَلَيْهِ يَعِدُكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، أوْ عَلى الألْفِ، أوْ عَلى الِاسْتِجابَةِ، أوْ عَلى الإرْدافِ، أوْ عَلى الخَبَرِ بِالإمْدادِ، أوْ عَلى جِبْرِيلَ، أقْوالٌ مُحْتَمَلَةٌ مَقُولَةٌ أظْهَرُها الأوَّلُ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ.
﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ ثانٍ مِن إذْ يَعِدُكم، أوْ مَنصُوبٌ بِالنَّصْرِ، أوْ بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِما جَعَلَهُ اللَّهُ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرِ، انْتَهى. أمّا كَوْنُهُ بَدَلًا ثانِيًا مِن إذْ يَعِدُكم فَوافَقَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَإنَّ العامِلَ في إذْ هو العامِلُ في قَوْلِهِ: وإذْ يَعِدُكم بِتَقْدِيرِ تَكْرارِهِ؛ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في العامِلِ الأوَّلِ نَفْسِهِ لا يَكُونُ إلّا بِحَرْفِ عَطْفٍ، وإنَّما القَصْدُ أنْ يُعَدِّدَ نِعَمَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَقالَ: واذْكُرُوا إذْ فَعَلْنا بِكم كَذا، اذْكُرُوا إذْ فَعَلْنا كَذا، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِالنَّصْرِ فَفِيهِ ضَعْفٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَصْدَرٌ فِيهِ ألْ، وفي إعْمالِهِ خِلافٌ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إعْمالُهُ، الثّانِي: أنَّهُ مَوْصُولٌ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ الَّذِي هو إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ إعْمالٌ لا يَجُوزُ، لا يُقالُ ضَرْبُ زَيْدٍ شَدِيدٌ عَمْرًا، الثّالِثُ: أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ إعْمالُ ما قَبْلَ إلّا في ما بَعْدَها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَفْعُولُ مُسْتَثْنًى أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ صِفَةً لَهُ، وإذْ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلا يَجُوزُ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ فَيُضَعِّفُهُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ اسْتِقْرارُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِالظَّرْفِ، والنَّصْرُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُطْلَقًا في وقْتِ غَشْيِ النُّعاسِ وغَيْرِهِ، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِما جَعَلَهُ اللَّهُ فَقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا لِطُولِ الفَصْلِ، ولِكَوْنِهِ مَعْمُولَ ما قَبْلَ إلّا، ولَيْسَ أحَدَ تِلْكَ الثَّلاثَةِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: العامِلُ في إذْ قَوْلُهُ: ولِتَطْمَئِنَّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَعَ احْتِمالِهِ فِيهِ ضَعْفٌ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى …