Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 11–20 of 206

11

وَلَقَدْ خَلَقْنَٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ

And We have certainly created you, [O Mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees. He was not of those who prostrated.

﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى وتَأْخِيرُهُ عَنْ تَذْكِيرِ ما وقَعَ بَعْدَهُ مِن نِعْمَةِ التَّمَكُّنِ في الأرْضِ إمّا لِأنَّها فائِضَةٌ عَلى المُخاطَبِينَ بِالذّاتِ وهَذِهِ بِالواسِطَةُ وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما نِعْمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ والمُرادُ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَصْوِيرُهُ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ العَطْفِ الآتِي لَكِنْ لَمّا كانَ مَبْدَأٌ لِلْمُخاطَبِينَ جَعَلَ خَلْقَهُ خَلْقًا لَهم ونَزَلَ مُنْزِلَتَهُ فالتَّجَوُّزُ عَلى هَذا في ضَمِيرِ الجَمْعِ بِجَعْلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَجَمِيعِ الخَلْقِ لِتَفَرُّعِهِمْ عَنْهُ أوْ في الإسْنادِ إذْ أُسْنِدَ ما لِآدَمَ الَّذِي هو الأصْلُ والسَّبَبُ إلى ما تَفَرَّعَ عَنْهُ وتَسَبَّبَ.

وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ وذَهَبَ الإمامُ إلى أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والمَعْنى خَلَقْنا أباكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ طِينًا غَيْرَ مُصَوَّرٍ ثُمَّ صَوَّرْناهُ أبْدَعَ تَصْوِيرٍ وأحْسَنَ تَقْوِيمٍ سارَ ذَلِكَ إلَيْكم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في الفِعْلِ والمُرادُ ابْتَدَأْنا خَلْقَكم ثُمَّ تَصْوِيرَكم بِأنْ خَلَقْنا آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناهُ ويَعُودُ هَذا إلى ابْتِداءِ خَلْقِ الجِنْسِ وابْتِداءُ خَلْقِ كُلِّ جِنْسٍ بِإيجادِ أوَّلِ أفْرادِهِ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ وعَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ يَظْهَرُ وجْهُ العَطْفِ بِثُمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ ( ثُمَّ ) هُنا بِمَعْنى الواوِ وتَعَقَّبَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّهُ خَطَأٌ لا يُجِيزُهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ولا مَن يُوثَقُ بِعِلْمِهِ لِأنَّ ثُمَّ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ لا غَيْرُهُ وإنَّما المَعْنى إنّا ابْتَدَأْنا خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناهُ أيْ هَذا أصْلُ خَلْقِكم ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ مِن أصْلِكم قُلْنا .. إلَخْ. وقِيلَ: إنَّ ( ثُمَّ ) لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ لا لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَوْجِيهٍ والمَعْنى خَلَقْناكم يا بَنِي آدَمَ مُضَغًا غَيْرَ مُصَوَّرَةٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم بِشَقِّ السَّمْعِ والبَصَرِ وسائِرِ الأعْضاءِ كَما رُوِيَ عَنْ يَمانٍ أوْ خَلَقْناكم في أصْلابِ الرِّجالِ ثُمَّ صَوَّرْناكم في أرْحامِ النِّساءِ كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ثُمَّ نُخْبِرُكم أنّا قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ .. إلَخْ. وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهم عَلِيُّ بْنُ عِيسى والقاضِي أبُو سَعِيدٍ السِّيرافِيُّ وغَيْرُهُما وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ تُحْمَلَ ( ثُمَّ ) عَلى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِأنَّ مَقامَ الِامْتِنانِ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّ كَوْنَ أبِيهِمْ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ أرْفَعُ دَرَجَةً مِن خَلْقِهِمْ وتَصْوِيرِهِمْ وفِيهِ تَلْوِيحٌ إلى شَرَفِ العِلْمِ وتَنْبِيهٌ لِلْمُخاطَبِينَ عَلى تَحْصِيلِ ما فازَ بِهِ أبُوهم مِن تِلْكَ الفَضِيلَةِ ومِن ثَمَّ عَقَّبَ في البَقَرَةِ الأمْرَ بِالسُّجُودِ مَسْألَةَ التَّحَدِّي بِالعِلْمِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والرَّبِيعِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى خَلَقْنا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ ثُمَّ قُلْنا .. إلَخْ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المُرادِ بِالمَلائِكَةِ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ وكَذا الكَلامُ في المُرادِ بِالسُّجُودِ.

صفحة 87

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يُقالَ: ثُمَّ أمَرْنا المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْ …

Al-A'raaf 7:11Listen in Qur'an →
12

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ

[Allah] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْجَوابِ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ عَدَمِ سُجُودِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى

صفحة 88

حِينَئِذٍ وبِهِ كَما قِيلَ يَظْهَرُ وجْهُ الِالتِفاتِ إلى الغِيبَةِ إذْ لا وجْهَ لِتَقْدِيرِ السُّؤالِ عَلى وجْهِ المُخاطَبَةِ وفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى هي الإشْعارُ بِعَدَمِ تَعَلُّقِ المَحْكِيِّ بِالمُخاطَبِينَ كَما في حِكايَةِ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ أيْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِإبْلِيسَ حِينَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ المَشْهُورُ أنَّ لا مَزِيدَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾ وقَدْ جاءَتْ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ أيْ لِيَعْلَمَ وهي في ذَلِكَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الفِعْلِ الَّذِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ وتَحْقِيقِهِ.

واسْتُشْكِلَ بِأنَّها كَيْفَ تُؤَكِّدُ ثُبُوتَ الفِعْلِ مَعَ إيهامِ نَفْيِهِ قالَ الشِّهابُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّها لا تُؤَكِّدُهُ مُطْلَقًا بَلْ إذا صَحِبَ نَفْيًا مُقَدَّمًا أوْ مُؤَخَّرًا صَرِيحًا أوْ غَيْرَ صَرِيحٍ كَما في ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وكَما هُنا فَإنَّها تُؤَكِّدُ تَعَلُّقَ المَنعِ بِهِ ومِن هُنا قالُوا: إنَّها مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ المُوَبَّخَ عَلَيْهِ تَرْكُ السُّجُودِ وقِيلَ: إنَّها غَيْرُ زائِدَةٍ بِأنْ يَكُونَ المَنعُ مَجازًا عَنِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ فالمَعْنى ما اضْطَرَّكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ وجَعَلَهُ السَّكّاكِيُّ مَجازًا عَلى الحَمْلِ ولا قَرِينَةَ لِلْمَجازِ أيْ ما حَمَلَكَ ودَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ ولَيْسَ بَيْنَ الجَعْلَيْنِ كَثِيرُ فَرْقٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّضْمِينِ وقالَ الرّاغِبُ المَنعُ يُقالُ في ضِدِّ العَطِيَّةِ كَرَجُلٍ مانِعٍ ومَنّاعٍ أيْ بَخِيلٍ ويُقالُ في الحِمايَةِ ومِنهُ مَكانٌ مَنِيعٌ وقَدْ مَنَعَ وفُلانٌ ذُو مَنَعَةٍ أيْ عَزِيزٌ مُمْتَنِعٌ عَلى مَن يَرُومُهُ والمَنعُ في الآيَةِ مِنَ الثّانِي أيْ ما حَماكَ عَنْ عَدَمِ السُّجُودِ ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ بِالسُّجُودِ و( إذْ ) ظَرْفٌ لِتَسْجُدَ وهَذِهِ الآيَةُ أحَدُ أدِلَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ لِأنَّهُ ذَمٌّ عَلى تَرْكِ المُبادَرَةِ ولَوْلا أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ لَمْ يَتَوَجَّهِ الذَّمُّ عَلَيْهِ وكانَ لَهُ أنْ يُجِيبُ بِأنَّكَ ما أمَرْتَنِي بِالبِدارِ وسَوْفَ أسْجُدُ وأُجِيبَ بِأنَّ الفَوْرَ إنَّما هو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ولَيْسَ مِن صِيغَةِ الأمْرِ إلّا أنَّ بَعْضَهم مَنَعَ دَلالَةَ الفاءِ الجَزائِيَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ مِن غَيْرِ تَراخٍ وقالَ آخَرُونَ إنَّ الِاسْتِدْلالَ إنَّما هو بِتَرَتُّبِ اللَّوْمِ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ المُطْلَقِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ إذْ قُلْتُ فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَتَدَبَّرْ وفي حِكايَةِ التَّوْبِيخِ ها هُنا بِهَذِهِ العِبارَةِ وفي سُورَةِ الحِجْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ وفي سُورَةِ ص بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّعِينَ أدْمَجَ في مَعْصِيَةٍ واحِدَةٍ غَيْرَ واحِدَةٍ مِن هاتِيكَ المَعاصِي كافِيَةً في التَّوْبِيخِ وبُطْلانِ ما ارْتَكَبَهُ وقَدْ تُرِكَتْ حِكايَةُ التَّوْبِيخِ رَأْسًا في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ طَهَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحِكْمَةِ كُلٍّ.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما تَقَدَّمَ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ التَّوْبِيخِ …

Al-A'raaf 7:12Listen in Qur'an →
13

قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ

[Allah] said, "Descend from Paradise, for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما ظَهَرَ مِنهُ مِنَ

صفحة 90

الباطِلِ وضَمِيرُ ﴿مِنها﴾ قِيلَ لِلْجَنَّةِ وكَوْنُهُ مِن سُكّانِها مَشْهُورٌ والمُرادُ بِها عِنْدَ بَعْضٍ الجَنَّةُ الَّتِي يَسْكُنُها المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها رَوْضَةٌ بِعَدْنٍ وفِيها خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ عَلى نَشَزٍ مِنَ الأرْضِ في قَوْلٍ وأصْلُ الهُبُوطِ الِانْحِدارُ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ كَما في هُبُوطِ الحَجَرِ وإذا اسْتُعْمِلَ في الإنْسانِ ونَحْوِهِ فَعَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ كَما قالَهُ الرّاغِبُ.

ولَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُهم فِيهِ سِوى الِانْتِقالِ مِن شَرِيفٍ إلى ما دُونَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ والأمْرُ عَلَيْهِ واضِحٌ وإنْ لَمْ نَقُلْ: إنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ كانَتْ عَلى نَشَزٍ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ أيِ اخْرُجْ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُعَزَّزِينَ فَإنَّ الخُرُوجَ مِن زُمْرَتِهِمْ هُبُوطٌ وأيَّ هُبُوطٍ وفي سُورَةِ الحِجْرِ ﴿فاخْرُجْ مِنها﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلسَّماءِ وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ ورُدَّ بِأنَّ وسْوَسَتَهُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ بَعْدَ هَذا الطَّرْدِ فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ قَطْعًا ويَكُونُ وسْوَسَتُهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ النِّداءِ مِن بابِ الجَنَّةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ الجَنَّةَ أوْ زُمْرَةَ المَلائِكَةِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ الأُولى ومُعْظَمَ الثّانِيَةِ في السَّماءِ أوْ يُقالُ: إنَّ القِصَّةَ وقَعَتْ في الأرْضِ وكانَتِ الجَنَّةُ فِيها وبَعْدَ العِصْيانِ حُجِبَ اللَّعِينُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَقَرُّهُ ومَعْبَدُهُ ومَعْنى أمْرِهِ بِالخُرُوجِ مِنها أمْرُهُ بِقَطْعِ عَلائِقِهِ عَنْها واتِّخاذِها مَأْوًى لَهُ بَعْدُ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن غَصَبَ دارَكَ مَثَلًا عِنْدَ نَحْوِ القاضِي: اخْرُجْ مِن دارِي مَعَ أنَّهُ إذْ ذاكَ لَيْسَ فِيها تُرِيدُ لا تَدْخُلْها واقْطَعْ عَلائِقَكَ عَنْها وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأرْضِ.

فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ أُخْرِجَ مِنها إلى الجَزائِرِ وأُمِرَ أنْ لا يَدْخُلَها إلّا خِفْيَةً ويُبْعِدُهُ أنَّهُ لا يَظْهَرُ لِلتَّخْصِيصِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾ أيْ فَما يَصِحُّ ولا يَسْتَقِيمُ ولا يَلِيقُ بِشَأْنِكَ ﴿أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ عَلى هَذا وجْهٌ إلّا عَلى بُعْدٍ.

وأمّا عَلى الأوْجُهِ السّابِقَةِ فالوَجْهُ ظاهِرٌ وهو مَزِيدُ شَرافَةِ المُخْرَجِ مِنهُ وعُلُوُّ شَأْنِهِ وتَقَدُّسُ ساحَتِهِ ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّهُ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى جَوازِ التَّكَبُّرِ في غَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ ولا يَخْفى لَطافَةُ التَّعْبِيرِ بِهِ دُونَ الخُرُوجِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾ المُشِيرُ إلى ارْتِفاعِ عُنْصُرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ والتَّكَبُّرُ عَلى ما قِيلَ كالكِبْرِ وهو الحالَةُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الشَّخْصُ مِن إعْجابِهِ بِنَفْسِهِ وذَلِكَ أنْ يَرى نَفْسَهُ أكْبَرَ مِن غَيْرِهِ وأعْظَمَ والمُرادُ بِالتَّكَبُّرِ ها هُنا إمّا التَّكَبُّرُ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو أعْظَمُ التَّكَبُّرِ ويَكُونُ بِالِامْتِناعِ مِن قَبُولِ الحَقِّ والإذْعانِ لَهُ بِالعِبادَةِ.

وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالمَعْصِيَةِ وإمّا التَّكَبُّرُ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِزَعْمِهِ أنَّهُ خَيْرٌ مِنهُ وأكْبَرُ قَدْرًا وقِيلَ …

Al-A'raaf 7:13Listen in Qur'an →
14

قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ

[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّعِينُ بَعْدَ ما سَمِعَ ما سَمِعَ فَقِيلَ: قالَ ﴿أنْظِرْنِي﴾ أيْ أمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (14) أيْ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتُهُ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وأرادَ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً في الإغْواءِ وأخْذِ الثَّأْرِ ونَجاةً مِنَ المَوْتِ إذْ لا مَوْتَ بَعْدَ البَعْثِ

Al-A'raaf 7:14Listen in Qur'an →
15

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ

[Allah] said, "Indeed, you are of those reprieved."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ (15) ظاهِرُهُ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ حَيْثُ وقَعَ في مُقابَلَةِ كَلامِهِ لَكِنْ في سُورَةِ الحِجْرِ و ﴿ص﴾ التَّقْيِيدُ بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنهُ فالمَشْهُورُ أنَّهُ يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى دُونَ يَوْمِ البَعْثِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمِ مَوْتٍ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ البَعْثِ ولا يَلْزَمُ أنْ لا يَمُوتَ فَلَعَلَّهُ يَمُوتُ أوَّلَ اليَوْمِ ويُبْعَثُ مَعَ الخَلْقِ في تَضاعِيفِهِ: وفي كِتابِ العَرائِسِ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّ إبْلِيسَ إنَّما يَذُوقُ طَعْمَ المَوْتِ يَوْمَ الحَشْرِ وذَكَرَ في كَيْفِيَّةِ مَوْتِهِ وقَبْضِ عِزْرائِيلَ رُوحَهُ ما يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ الفاضِلُ السَّفارِينِيُّ وقالَ في كِتابِهِ ( البُحُورُ الزّاخِرَةُ ) أخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ لا يَلْبَثُونَ يَعْنِي النّاسَ بَعْدَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها فَتَجِفُّ الأقْلامُ وتُطْوى الصُّحُفُ فَلا يُقْبَلُ مِن أحَدً تَوْبَةٌ ويَخِرُّ إبْلِيسُ ساجِدًا يُنادِي إلَهِي مُرْنِي أنْ أسْجُدَ لِمَن شِئْتَ وتَجْتَمِعُ إلَيْهِ الشَّياطِينُ فَتَقُولُ يا سَيِّدَنا إلى مَن تَفْزَعُ فَيَقُولُ: إنَّما سَألْتُ رَبِّي أنْ يُنْظِرَنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ فَأنْظَرَنِي إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ وقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها وهَذا يَوْمُ الوَقْتِ المَعْلُومِ وتَصِيرُ الشَّياطِينُ ظاهِرَةً في الأرْضِ حَتّى يَقُولَ الرَّجُلُ هَذا

صفحة 92

قَرِينِي الَّذِي كانَ فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أخْزاهُ ولا يَزالُ إبْلِيسُ ساجِدًا باكِيًا حَتّى تَخْرُجَ الدّابَّةُ فَتَقْتُلُهُ وهو ساجِدٌ. انْتَهى.

ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ المَعْلُومِ ما صَرَّحَ بِهِ اللَّعِينُ وهو قَبْلَ يَوْمِ النَّفْخَةِ الأُولى بِكَثِيرٍ وهَذا قَوْلٌ لَمْ نَرَ أحَدًا مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرَهُ وهو الَّذِي ارْتَضاهُ هَذا الفاضِلُ وقالَ: إنَّ الخَبَرَ في حُكْمِ المَرْفُوعِ لِأنَّهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ ولَيْسَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَكَعْبِ الأحْبارِ مِمَّنْ يَتَلَقّى مِن كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إنْ صَحَّتْ نِسْبَةُ هَذا الخَبَرِ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ يَنْبَغِي أنْ لا يُعْدَلَ إلى القَوْلِ بِما يُخالِفُهُ ولَكِنْ في صِحَّةِ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدِي تَرَدُّدٌ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ وقْتٌ يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى انْتِهاءَ أجَلِهِ فِيهِ وقَدْ أخْفى عَنّا وكَذا عَنِ اللَّعِينِ وأوْجَبَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ واسْتَدَلَّ لَهُ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّعِينَ كانَ مُكَلَّفًا والمُكَلَّفُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ أجَلَهُ لِأنَّهُ يُقْدِمُ عَلى المَعْصِيَةِ بِقَلْبٍ فارِغٍ حَتّى إذا قَرُبَ أجَلُهُ تابَ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وهَذا كالإغْراءِ عَلى المَعاصِي فَيَكُونُ قَبِيحًا وأُجِيبَ بِأنَّ مَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الطَّهارَةِ والعِصْمَةِ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي كَإبْلِيسَ وأشْياعِهِ فَإنَّ إعْلامَهُ بِوَقْتِ أجَلِهِ لا يَكُونُ إغْراءً عَلى المَعْصِيَةِ لِأنَّهُ لا يَتَفاوَتُ حالُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ والإعْلامِ وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ هَذِهِ إجابَةٌ لِدُعائِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ لِمَن قالَ: إنَّ دُعاءَ الكافِرِ قَدْ يُسْتَجابُ وهو …

Al-A'raaf 7:15Listen in Qur'an →
16

قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them on Your straight path.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَنَظائِرِهِ ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدُ عَلى الإنْظارِ والباءُ إمّا لِلْقَسَمِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ وما عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأُقْسِمُ وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَ اللّامِ وفِيهِ أنَّ لَها الصَّدْرَ عَلى الصَّحِيحِ فَلا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ما اسْتِفْهامِيَّةً لَمْ يُحْذَفْ ألِفُها وأنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِأغْوَيْتَنِي ولا يَخْفى ضَعْفُهُ والإغْواءُ خَلْقُ الغَيِّ وأصْلُ الغَيِّ الفَسادُ ومِنهُ غَوِيَ الفَصِيلُ وغَوى إذا بَشِمَ وفَسَدَتْ مَعِدَتُهُ وجاءَ بِمَعْنى الجَهْلِ مِنِ اعْتِقادٍ فاسِدٍ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ وبِمَعْنى الخَيْبَةِ كَما في قَوْلِهِ.

فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوِ لا يُعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى العَذابِ مَجازًا بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ولا مانِعَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنْ يُرادَ بِالإغْواءِ هُنا خَلْقُ الغَيِّ بِمَعْنى الضَّلالِ أيْ بِما أضْلَلْتَنِي وهو المَرْوِيُّ عَنِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ونِسْبَةُ الإغْواءِ بِهَذا المَعْنى إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا يَقْتَضِيهِ عُمُومُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) والمُعْتَزِلَةُ يَأْبُونَ نِسْبَةَ مِثْلِ ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وقالُوا في هَذا تارَةً: إنَّهُ قَوْلٌ شَيْطانِيٌّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وأوَّلُوهُ أُخْرى بِأنَّ الإغْواءَ النِّسْبَةُ إلى الغَيِّ كَأكْفَرَهُ إذا نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ أوْ أنَّهُ بِمَعْنى إحْداثِ سَبَبِ الغَيِّ وإيقاعِهِ وهو الأمْرُ بِالسُّجُودِ.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الغَيَّ هُنا بِمَعْنى الخَيْبَةِ أيْ بِما خَيَّبْتَهُ مِن رَحْمَتِكَ أوِ الهَلاكِ أيْ بِما أهْلَكْتَهُ بِلَعْنِكَ إيّاهُ وطَرْدِكَ لَهُ والَّذِي دَعاهم إلى هَذا كُلِّهِ عَدَمُ قَوْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وأنَّهُ سُبْحانَهُ لا خالِقَ غَيْرُهُ ولَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتّى طَعَنُوا بِأهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ بِذَلِكَ وما الظَّنُّ بِطائِفَةٍ تَرْضى لِنَفْسِها مِن خَفايا الشِّرْكِ بِما لَمْ يَسْبِقْ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ نَعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى التَّعَرُّضَ لِسَخَطِهِ نَعَمِ الإغْواءُ بِمَعْنى التَّرْغِيبِ بِما فِيهِ الغَوايَةُ والأمْرُ بِهِ كَما هو مُرادُ اللَّعِينِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ مِمّا لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ كَما لا يَخْفى ثُمَّ إنْ كانَتِ الباءُ لِلْقَسَمِ يَكُونُ المُقْسَمُ بِهِ صِفَةً مِن صِفاتِ الأفْعالِ وهو مِمّا يُقْسَمُ بِهِ في العُرْفِ وإنْ لَمْ تُجْرِ الفُقَهاءُ بِهِ أحْكامَ اليَمِينِ.

ولَعَلَّ القَسَمَ وقَعَ مِنَ اللَّعِينِ بِهِما جَمِيعًا فَحَكى تارَةً قَسَمَهُ بِأحَدِهِما وأُخْرى بِالآخَرِ وإنْ كانَتْ سَبَبِيَّةً فالقَسَمُ بِالعِزَّةِ أيْ بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ لِأجْلِهِمْ أُقْسِمُ بِعِزَّتِكَ ﴿لأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ أيْ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتِهِ تَرَصُّدًا بِهِمْ كَما يَقْعُدُ القُطّاعُ لِلسّابِلَةِ ﴿صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ (16) المُوَصِّلَ إلى الجَنَّةِ وهو الحَقُّ الَّذِي فِيهِ رِضاكَ.

أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سَبْرَةَ بْنِ الفاكِهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: …

Al-A'raaf 7:16Listen in Qur'an →
17

ثُمَّ لَءَاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَٰكِرِينَ

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أيْ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي يُعْتادُ هُجُومُ العَدُوِّ مِنها والمُرادُ لَأُسَوِّلَنَّ لَهم ولَأُضِلَّنَّهم بِقَدْرِ الإمْكانِ إلّا أنَّهُ شَبَّهَ حالَ تَسْوِيلِهِ ووَسْوَسَتِهِ لَهم كَذَلِكَ بِحالٍ إتْيانِ العَدُوِّ لِمَن يُعادِيهِ مِن أيِّ جِهَةٍ أمْكَنَتْهُ ولِذا لَمْ يُذْكَرِ الفَوْقُ والتَّحْتُ إذْ لا إتْيانَ مِنهُما فالكَلامُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ و﴿لأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ عَلى ما قِيلَ تَرْشِيحٌ لَها وبَعْضُهم لَمْ يُخْرِجِ الكَلامَ عَلى التَّمْثِيلِ واعْتَذَرَ عَنْ تَرْكِ جِهَةِ الفَوْقِ بِأنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِنها وعَنْ تَرْكِ جِهَةِ التَّحْتِ بِأنَّ الإتْيانَ مِنها يُوحِشُ والِاعْتِذارُ عَنِ الأوَّلِ بِما ذُكِرَ أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ورُوِيَ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ والِاعْتِذارُ عَنِ الثّانِي نَسَبَهُ الطَّبَرْسِيُّ إلى الحَبْرِ أيْضًا ولا يَبْعُدُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمْثِيلًا أيْضًا ويَكُونُ الفَرْقُ بَيْنَ التَّوْجِيهَيْنِ بِأنَّ تَرْكَ هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ عَلى الأوَّلِ لِعَدَمِهِما في المُمَثَّلِ بِهِ وعَلى الثّانِي لِعَدَمِهِما في المُمَثَّلِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ مِن قِبَلِ الآخِرَةِ لِأنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ آتِيَةٌ وما هو كَذَلِكَ كَأنَّهُ بَيْنَ الأيْدِي ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ الدُّنْيا لِأنَّها ماضِيَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخِرَةِ ولِأنَّها فانِيَةٌ مَتْرُوكَةٌ مُخَلَّفَةٌ ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وسَيِّئاتِهِمْ وتَفْسِيرُ الأيْمانِ بِالحَسَناتِ والشَّمائِلِ بِالسَّيِّئاتِ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ المَحْبُوبَ في جِهَةِ اليَمِينِ وغَيْرَهُ في جِهَةِ الشَّمالِ كَما قالَ: بُثَيْنُ أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحَ أمْ صَيَّرْتِنِي في شَمائِلِكِ

وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ هو عِنْدَنا بِاليَمِينِ أيْ بِمَنزِلَةٍ حَسَنَةٍ وبِالشَّمالِ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ والكَلامُ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ مَجازاتٌ أوِ اسْتِعاراتٌ أوْ كِناياتٌ ونَظِيرُ هَذا ما قِيلَ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ مِن حَيْثُ يَعْلَمُونَ ويَقْدِرُونَ عَلى التَّحَرُّزِ عَنْهُ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن حَيْثُ يَتَيَسَّرُ لَهم أنْ يَعْلَمُوا ويَتَحَرَّزُوا ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلُوا لِعَدَمِ تَيَقُّظِهِمْ واحْتِياطِهِمْ ومِن حَيْثُ لا يَتَيَسَّرُ لَهم ذَلِكَ وقالَ بَعْضُ حُكَماءِ الإسْلامِ: إنَّ في البَدَنِ قُوًى أرْبَعًا القُوَّةُ الخالِيَةُ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيها مِثْلُ المَحْسُوساتِ ومَوْضِعُها البَطْنُ المُقَدَّمُ مِنَ الدِّماغِ وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ والقُوَّةُ الوَهْمِيَّةِ الَّتِي تَحْكُمُ في غَيْرِ المَحْسُوساتِ بِالأحْكامِ المُناسِبَةِ لِلْمَحْسُوساتِ ومَحَلُّها البَطْنُ المُؤَخَّرُ مِنَ الدِّماغِ وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ والقُوَّةُ الشَّهْوانِيَّةُ ومَحَلُّها الكَبِدُ وهو عَنْ يَمِينِ الإنْسانِ وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ والقُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ ومَحَلُّها القَلْبُ الَّذِي هو في الشَّقِّ الأيْسَرِ وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ والشَّيْطانُ ما لَمْ يَسْتَعِنْ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القُوى لا يَقْدِرُ عَلى إلْقاءِ …

Al-A'raaf 7:17Listen in Qur'an →
18

قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًۭا مَّدْحُورًۭا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ

[Allah] said, "Get out of Paradise, reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ: ﴿اخْرُجْ مِنها﴾ أيْ مِنَ الجَنَّةِ أوْ زُمْرَةِ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ السَّماءِ الخِلافُ السّابِقُ ﴿مَذْءُومًا﴾ أيْ مَذْمُومًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوْ مُهانًا لَعِيِنًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وفِعْلُهُ ذَأمَ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ ( مَذُومًا ) بِذالٍ مَضْمُومَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ وفِيهِ احْتِمالانِ الأوَّلُ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِنَ المَهْمُوزِ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى السّاكِنِ ثُمَّ حَذْفِها والثّانِي أنْ يَكُونَ مِن ذامَ بِالألِفِ كَباعَ وكانَ قِياسُهُ عَلى هَذا مَذِيمٌ كَمَبِيعٍ إلّا أنَّهُ أُبْدِلَتِ الواوُ مِنَ الياءِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ مَكُولٌ مِن مَكِيلٍ مَعَ أنَّهُ مِنَ الكَيْلِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَدْحُورًا﴾ وهو مِنَ الدَّحْرِ بِمَعْنى الطَّرْدِ والإبْعادِ وجُوِّزَ في هَذا أنْ يَكُونَ صِفَةً واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ عَلى ما في الدُّرِّ المَصُونِ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ و( مَن ) شَرْطِيَّةٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ (18) جَوابُ القَسَمِ وهو سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ والخِلافُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ في مِثْلِ ذَلِكَ مَشْهُورٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً صِلَتُها ( تَبِعَكَ ) والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ خَبَرٌ وقَرَأ عِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ لِمَن بِكَسْرِ اللّامِ فَقِيلَ إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالذَّأْمِ والدَّحْرِ عَلى التَّنازُعِ وإعْمالُ الثّانِي أيِ اخْرُجْ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأجْلِ اتِّباعِكَ وقِيلَ: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ

صفحة 97

يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا أيْ لِمَنِ اتَّبَعَكَ هَذا الوَعِيدُ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لأمْلأنَّ﴾ .. إلَخْ. ولَعَلَّ ذَلِكَ مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِقَوْلِهِ إنَّ ( لَأمْلَأنَّ ) في مَحَلِّ المُبْتَدَأِ و( لَمَن تَبِعَكَ ) خَبَرُهُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ بَيانُ المَعْنى و( مِنكم ) بِمَعْنى مِنكَ ومِنهم فَغُلِّبَ في المُخاطَبِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَباتِ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ كانَتْ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنها الإكْرامَ والتَّشْرِيفَ بَلِ التَّعْذِيبُ والتَّعْنِيفُ وذَهَبَ الجُبّائِيُّ إلى أنَّها كانَتْ بِواسِطَةِ بَعْضِ المَلائِكَةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُكَلِّمُ الكافِرَ وفِيهِ نَظَرٌ.

* * *

هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿المص﴾ الألِفُ إشارَةٌ إلى الذّاتِ الأحَدِيَّةِ واللّامُ إلى الذّاتِ مَعَ صِفَةِ العِلْمِ والمِيمُ إلى مَعْنى مُحَمَّدٍ وهي حَقِيقَتُهُ والصّادُ إلى صُورَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ يُقالُ: الألِفُ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ والمِيمُ إلى المُلْكِ واللّامُ بَيْنَهُما واسِطَةٌ لِتَكُونَ بَيْنَهُما رابِطَةً والصّادُ لِكَوْنِهِ حَرْفًا كَرِيِّ الشَّكْلِ قابِلًا لِجَمِيعِ الأشْكالِ كَما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ وإنْ ظَهَرَ بِالأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ والصُّوَرِ المُتَعَدِّدَةِ أوَّلُهُ وآخِرُهُ سِواهُ ولا يَخْفى لُطْفُ افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الأحْرُفِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ قَدَّسَ سِرَّهُ في فُتُوحاتِهِ مِن أنَّ لِكُلٍّ مِنها ما عَدا الألِفَ الأعْرافُ وأمّا الألِفُ فَقْدٍ ذَكَرَ نَفْعَنا اللَّهُ تَعالى بِبَرَكاتِ عُلُومِهِ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الحُرُوفِ عِنْدَ مَن شَمَّ رائِحَةً مِنَ …

Al-A'raaf 7:18Listen in Qur'an →
19

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ﴾ أيْ وقُلْنا كَما وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَهَذِهِ القِصَّةُ بِتَمامِها مَعْطُوفَةٌ عَلى مِثْلِها وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ وإنَّما لَمْ يَعْطِفُوهُ عَلى ما بَعُدَ قالَ أيْ قالَ يا إبْلِيسُ اخْرُجْ ويا آدَمُ اسْكُنْ لِأنَّ ذَلِكَ في مَقامِ الِاسْتِئْنافِ والجَزاءِ لِما حَلَفَ عَلَيْهِ اللَّعِينُ وهَذا مِن تَتِمَّةِ الِامْتِنانِ عَلى بَنِي آدَمَ والكَرامَةِ لِأبِيهِمْ ولا عَلى ما بَعُدَ ( قُلْنا ) لِأنَّهُ يُؤَوَّلُ إلى قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ يا آدَمُ.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْتِيبُ العَطْفُ عَلى ما بَعُدَ ﴿قالَ﴾ وبَيْنَهُ بِما لَهُ وجْهٌ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالنِّداءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِالمَأْمُورِ بِهِ وتَخْصِيصُ الخِطابِ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِ بِالتَّلَقِّي وتَعاطِي المَأْمُورِ بِهِ و﴿اسْكُنْ﴾ مِنَ السُّكْنى وهو اللَّيْثُ والإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ دُونَ السُّكُونِ الَّذِي هو ضِدُّ الحَرَكَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما﴾ لِتَعْمِيمِ التَّشْرِيفِ والإيذانِ بِتَساوِيهِما في مُباشَرَةِ المَأْمُورِ بِهِ فَإنَّ حَوّاءَ أُسْوَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في حَقِّ الأكْلِ بِخِلافِ السُّكْنى فَإنَّها تابِعَةٌ لَهُ فِيها ولِتَعْلِيقِ النَّهْيِ الآتِي بِهِما صَرِيحًا والمَعْنى فَكُلا مِنها حَيْثُ شِئْتُما كَما في البَقَرَةِ ولَمْ يَذْكُرْ رَغْدًا هُنا ثِقَةً بِما ذُكِرَ هُناكَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ مُبالَغَةٌ في النَّهْيِ عَنِ الأكْلِ مِنها وقُرِئَ ( هَذِي ) وهو الأصْلُ إلّا أنَّهُ حُذِفَتِ الياءُ وعُوِّضَ عَنْها الهاءُ فَهي هاءُ عِوَضٍ لا هاءُ سَكْتٍ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ هو الياءُ قَوْلُهم في المُذَكَّرِ: ذا والألِفُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ إذِ الأصْلُ ذِيٌّ بِالتَّشْدِيدِ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِهِ عَلى ذِيّا وإنَّما يُصَغَّرُ الثُّلاثِيُّ دُونَ الثُّنائِيِّ كَما ومَن فَحُذِفَتْ إحْدى الياءَيْنِ تَخْفِيفًا ثُمَّ أُبْدِلَتِ الأُخْرى ألِفًا كَراهَةَ أنْ يُشْبِهَ آخِرُهُ آخِرَ كَيْ.

﴿فَتَكُونا﴾ أيْ فَتَصِيرا ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (19) أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم و( تَكُونا ) يَحْتَمِلُ الجَزْمَ عَلى العَطْفِ عَلى تَقْرَبا والنَّصْبَ عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ.

Al-A'raaf 7:19Listen in Qur'an →
20

فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَٰلِدِينَ

But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."

﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ أيْ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِما أوْ ألْقى إلَيْهِما

صفحة 99

الوَسْوَسَةَ وهي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ المُكَرَّرُ ومِنهُ قِيلَ لِصَوْتِ الحُلِيِّ وسْوَسَةٌ وقَدْ كَثُرَتْ فَعْلَلَةٌ في الأصْواتِ كَهَيْنَمَةٍ وهَمْهَمَةٍ وخَشْخَشَةٍ وتُطْلَقُ عَلى حَدِيثِ النَّفْسِ أيْضًا وفِعْلُها وسْوَسَ وهو لازِمٌ ويُقالُ: رَجُلٌ مُوَسْوِسٌ بِكَسْرِ الواوِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ والكَلامُ في كَيْفِيَّةِ وسْوَسَةِ اللَّعِينِ قَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾ أيْ لِيَظْهَرَ لَهُما واللّامُ إمّا لِلْعاقِبَةِ لِأنَّ الشَّيْطانَ لَمْ يَقْصِدْ بِوَسْوَسَتِهِ ذَلِكَ ولَمْ يَخْطُرْ لَهُ بِبالٍ وإنَّما آلَ الأمْرُ إلَيْهِ وإمّا لِلتَّعْلِيلِ عَلى ما هو الأصْلُ فِيها ولا يَبْعُدُ أنَّهُ أرادَ بِوَسْوَسَتِهِ أنْ يَسُوءَهُما بِانْكِشافِ عَوْرَتَيْهِما ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُما بِالسَّوْأةِ ويَكُونُ هَذا مَبْنِيًّا عَلى الحَدْسِ أوِ العِلْمِ بِالسَّماعِ مِنَ المَلائِكَةِ أوِ الِاطِّلاعِ عَلى اللَّوْحِ قِيلَ: وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ في الخَلْوَةِ وعِنْدَ الزَّوْجِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ قَبِيحٌ مُسْتَهْجَنٌ في الطِّباعِ.

﴿ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ أيْ ما غُطِّيَ وسُتِرَ عَنْهُما مِن عَوْراتِهِما وكانا لا يَرَيانِها مِن أنْفُسِهِما ولا أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ وكانَتْ مَسْتُورَةً بِالنُّورِ عَلى ما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أوْ بِلِباسٍ كالظُّفُرِ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ وجَمَعَ السَّوْآتِ عَلى حَدِّ ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ واعْتِبارِ الأجْزاءِ بَعِيدٌ والمُتَبادَرُ مِن هَذا الكَلامِ حَقِيقَتُهُ: وقِيلَ هو كِنايَةٌ عَنْ إزالَةِ الحُرْمَةِ وإسْقاطِ الجاهِ و( وُورِيَ ) بِواوَيْنِ ماضِي وارى كَضارِبٍ وضُورِبَ أُبْدِلَتْ ألِفُهُ واوًا فالواوُ الأوْلى فاءُ الكَلِمَةِ والثّانِيَةُ زائِدَةٌ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( أُورِيَ ) بِالهَمْزَةِ لِأنَّ القاعِدَةَ إذا اجْتَمَعَ واوانِ في أوَّلِ كَلِمَةٍ فَإنْ تَحَرَّكَتِ الثّانِيَةُ كانَ لَها نَظِيرُ مُتَحَرِّكٍ وجَبَ إبْدالُ الأُولى هَمْزَةً تَخْفِيفًا مِثالُ الأوَّلِ أُوَيْصِلُ وأواصِلُ في تَصْغِيرِ واصِلٍ وتَصْغِيرِهِ ومِثالُ الثّانِي أُولى أصْلُهُ وُولى فُأُبْدِلَتِ الأوْلى لَمّا تَحَرَّكَتِ الثّانِيَةُ في الجَمْعِ وهو أُوَلٌ فَإنَّ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِالفِعْلِ أوِ القُوَّةِ جازَ الإبْدالُ وعَدَمُهُ كَما هُنا قالَهُ الشِّهابُ نَقْلًا عَنِ النُّحاةِ وقُرِئَ ( سَوْأتِهِما ) بِالإفْرادِ والهَمْزَةُ عَلى الأصْلِ و( سُوتَهُما ) بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا وإدْغامِ الواوِ في الواوِ وقُرِئَ ( سُواتِهِما ) بِالجَمْعِ وطَرْحِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى ما قَبْلَها وحَذْفِها و( سُوُّآتِهِما ) بِالطَّرْحِ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا والِإدْغامِ ﴿وقالَ﴾ عُطِفَ عَلى ( وسْوَسَ ) بِطَرِيقِ البَيانِ ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ أيِ الأكْلِ مِنها ﴿إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ لِيَكُونَ عِلَّةً أيْ كَراهِيَةَ أنْ تَكُونا أوْ لِئَلّا تَكُونا مَلَكَيْنِ ﴿أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ (20) أيِ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ أصْلًا أوِ الَّذِينَ يُخَلَّدُونَ في الجَنَّةِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ كَثِيرٍ ( مَلِكَيْنِ ) بِكَسْرِ اللّامِ قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ اللَّعِينِ ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ …

Al-A'raaf 7:20Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.