Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 1–10 of 75

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

They ask you, [O Muhammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allah and the Messenger." So fear Allah and amend that which is between you and obey Allah and His Messenger, if you should be believers.

صفحة 160

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ جَمْعُ نَفَلٍ بِالفَتْحِ وهو الزِّيادَةُ ولِذا قِيلَ لِلتَّطَوُّعِ نافِلَةٌ، وكَذا لِوَلَدِ الوَلَدِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في العَطِيَّةِ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:

إنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفْلٍ وبِإذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وعَجَلْ

لِأنَّها لِكَوْنِها تَبَرُّعًا غَيْرَ لازِمٍ كَأنَّها زِيادَةٌ، ويُسَمّى بِهِ الغَنِيمَةُ أيْضًا وما يَشْتَرِطُهُ الإمامُ لِلْغازِي زِيادَةً عَلى سَهْمِهِ لِرَأْيٍ يَراهُ سَواءٌ كانَ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ أوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَمَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ ما يَزِيدُهُ الإمامُ لِمَن صَدَرَ مِنهُ أثَرٌ مَحْمُودٌ في الحَرْبِ كَبِرازٍ وحُسْنِ إقْدامٍ وغَيْرِهِما، وإطْلاقُهُ عَلى الغَنِيمَةِ بِاعْتِبارِ أنَّها مِنحَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ وُجُوبٍ، وقالَ الإمامُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لِأنَّ المُسْلِمِينَ فُضِّلُوا بِها عَلى سائِرِ الأُمَمِ الَّتِي لَمْ تُحَلَّ لَهُمْ، ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ لا يَلْزَمُ اطِّرادُهُ.

وفِي الخَبَرِ أنَّ المَغانِمَ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى الأُمَمِ فَنَفَلَها اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ.

وقِيلَ: لِأنَّها زِيادَةٌ عَلى ما شُرِعَ الجِهادُ لَهُ وهو إعْلاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى وحِمايَةُ حَوْزَةِ الإسْلامِ، فَإنِ اعْتُبِرَ كَوْنُ ذَلِكَ مَظْفُورًا بِهِ سَمِّيَ غَنِيمَةً، ومِنَ النّاسِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الغَنِيمَةِ والنَّفْلِ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ، فَقِيلَ: الغَنِيمَةُ ما حُصِّلَ مُسْتَغْنِمًا سَواءٌ كانَ بِبَعْثٍ أوْ لا بِاسْتِحْقاقٍ أوْ لا قَبْلَ الظَّفَرِ أوْ بَعْدَهُ، والنَّفْلُ ما قَبْلَ الظَّفَرِ أوْ ما كانَ بِغَيْرِ قِتالٍ وهو الفَيْءُ. وقِيلَ: ما يَفْضُلُ عَنِ القِسْمَةِ ثُمَّ إنَّ السُّؤالَ كَما قالَ الطِّيبِيُّ، ونُقِلَ عَنِ الفارِسِيِّ إمّا لِاسْتِدْعاءِ مَعْرِفَةٍ أوْ ما يُؤَدِّي إلَيْها وإمّا لِاسْتِدْعاءِ جِدالٍ أوْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، وجَوابُ الأوَّلِ بِاللِّسانِ ويَنُوبُ عَنْهُ اليَدُ بِالكِتابَةِ أوِ الإشارَةِ ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِعَنْ والباءِ، وجَوابُ الثّانِي بِاليَدِ ويَنُوبُ عَنْها اللِّسانُ مَوْعِدًا ورَدًّا ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ أوْ بِمَن وقَدْ يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ كَ أعْطى واخْتارَ، وقَدْ يَكُونُ الثّانِي جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً نَحْوَ ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ﴾ والمُرادُ بِالأنْفالِ هُنا الغَنائِمُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ وطائِفَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ، وبِالسُّؤالِ السُّؤالُ لِاسْتِدْعاءِ المَعْرِفَةِ كَما اخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ لِتَعَدِّيهِ بِعْنَ، والأصْلُ عَدَمُ ارْتِكابِ التَّأْوِيلِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو سَبَبُ النُّزُولِ «أنَّ المُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا في غَنائِمِ بَدْرٍ وفي قِسْمَتِها فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَيْفَ تُقَسَّمُ ولِمَنِ الحُكْمُ فِيها؛ أهُوَ لِلْمُهاجِرِينَ أمْ لِلْأنْصارِ أمْ لَهم جَمِيعًا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ».

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ السُّؤالَ اسْتِعْطاءٌ، والمُرادُ بِالنَّفْلِ ما شُرِطَ لِلْغازِي زائِدًا عَلى سَهْمِهِ، وسَبَبُ النُّزُولِ غَيْرُ ما ذُكِرَ.

فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ …

2

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَٰنًۭا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

The believers are only those who, when Allah is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

ويُؤَيِّدُ إرادَةَ الكَمالِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: إنَّما المُؤْمِنُونَ إلَخْ. إذِ المُرادُ بِهِ قَطْعًا الكامِلُونَ في الإيمانِ وإلّا لَمْ يَصِحَّ الحَصْرُ، وهو حِينَئِذٍ جارٍ عَلى ما هو الأصْلُ المَشْهُورُ في النَّكِرَةِ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا يَكُونُ هَذا عَيْنَ النَّكِرَةِ السّابِقَةِ، ويَلْتَزِمُ القَوْلُ بِأنَّ القاعِدَةَ أغْلَبِيَّةٌ كَما قَدْ صَرَّحُوا بِهِ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، أيْ: إنَّما المُؤْمِنُونَ الكامِلُونَ في الإيمانِ المُخْلِصُونَ فِيهِ ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: فَزِعَتِ اسْتِعْظامًا لِشَأْنِهِ الجَلِيلِ وتَهَيُّبًا مِنهُ جَلَّ وعَلا، والِاطْمِئْنانُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ لا يُنافِي الوَجَلَ والخَوْفَ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ ثَلْجِ الفُؤادِ وشَرْحِ الصَّدْرِ بِنُورِ المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ وهو يُجامِعِ الخَوْفَ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ الخازِنِ، ووَفَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ الذِّكْرَ في إحْداهُما ذِكْرُ رَحْمَةٍ وفي الأُخْرى ذِكْرُ عُقُوبَةٍ فَلا مُنافاةَ بَيْنَهُما. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هو الرَّجُلُ يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ أوْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى فَيَجِلُ قَلْبُهُ، وحَمْلُ الوَجَلِ فِيها عَلى الخَوْفِ مِنهُ تَعالى كُلَّما ذُكِرَ أبْلَغُ في المَدْحِ مِن حَمْلِهِ عَلى الخَوْفِ وقْتَ الهَمِّ بِمَعْصِيَةٍ أوْ إرادَةِ ظُلْمٍ. وهَذا الوَجَلُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ كَضَرْمَةِ السَّعَفَةِ كَما جاءَ عَنْ عائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ أنَّ الدُّعاءَ عِنْدَ ذَلِكَ مُسْتَجابٌ، وعَلامَتُهُ حُصُولُ القُشْعَرِيرَةِ.

وقُرِئَ: (وجَلَتْ) بِفَتْحِ الجِيمِ ومُضارِعُهُ يَجِلُ، وأمّا وجِلَ بِالكَسْرِ فَمُضارِعُهُ يَوْجَلُ وجاءَ يَيْجَلُ ويَأْجَلُ وهي لُغاتٌ أرْبَعٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (فَرِقَتْ) أيْ: خافَتْ.

﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ أيِ: القُرْآنُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ أيْ: تَصْدِيقًا كَما هو المُتَبادِرُ فَإنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَعاضُدَ الحُجَجِ مِمّا لا رَيْبَ في كَوْنِهِ مُوجِبًا لِذَلِكَ، وهَذا أحَدُ أدِلَّةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الإيمانَ يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ، وهو مَذْهَبُ الجَمِّ الغَفِيرِ مِنَ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ والمُتَكَلِّمِينَ وبِهِ أقُولُ لِكَثْرَةِ الظَّواهِرِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ لَها عَقْلًا، بَلْ قَدِ احْتَجَّ عَلَيْهِ بَعْضُهم بِالعَقْلِ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّهُ لَوْ لَمْ تَتَفاوَتْ حَقِيقَةُ الإيمانِ لَكانَ إيمانُ آحادِ الأُمَّةِ بَلِ المُنْهَمِكِينَ في الفِسْقِ والمَعاصِي مُساوِيًا لِإيمانِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واللّازِمُ باطِلٌ فَكَذا المَلْزُومُ، وقالَ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ في مَعْرِضِ بَيانِ ذَلِكَ: إنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ ما في قَلْبِهِ يَتَفاضَلُ حَتّى يَكُونَ في بَعْضِ الأحْيانِ أعْظَمَ يَقِينًا وإخْلاصًا مِنهُ في بَعْضِها، فَكَذَلِكَ التَّصْدِيقُ والمَعْرِفَةُ بِحَسْبِ ظُهُورِ البَراهِينِ وكَثْرَتِها، وأجابُوا عَمّا اعْتُرِضَ بِهِ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ مَتى قُبِلَ ذَلِكَ كانَ شَكًّا وهو خُرُوجٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِأنَّ مَراتِبَ اليَقِينِ مُتَفاوِتَةٌ إلى عِلْمِ اليَقِينِ وحَقِّ اليَقِينِ وعَيْنِ اليَقِينِ مَعَ أنَّهُ لا شَكَّ مَعَها، وذَهَبَ …

3

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ المُنْبِئِ عَنِ المَدْحِ، وقَدْ مَدَحَهم سُبْحانَهُ وتَعالى أوَّلًا بِمَكارِمِ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ مِنَ الخَشْيَةِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ، وهَذا مَدْحٌ لَهم بِمَحاسِنِ الأعْمالِ القالَبِيَّةِ مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ

4

أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المُتَّصِفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ مِن حَيْثُ إنَّهم كَذَلِكَ ﴿هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لِأنَّهم حَقَّقُوا إيمانَهم بِأنْ ضَمُّوا إلَيْهِ ما فَضَلَ مِن أفاضِلِ الأعْمالِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، «عَنِ الحارِثِ بْنِ مالِكٍ الأنْصارِيِّ أنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهُ: «كَيْفَ أصْبَحْتَ يا حارِثُ؟ قالَ: أصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا. فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: انْظُرْ ما تَقُولُ؛ فَإنَّ لِكُلِّ شَيْءِ حَقِيقَةً. فَما حَقِيقَةُ إيمانِكَ؟ فَقالَ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيا فَأسْهَرْتُ لَيْلِي وأظْمَأْتُ نَهارِي، وكَأنِّي أنْظُرُ إلى أهْلِ الجَنَّةِ يَتَزاوَرُونَ فِيها، وكَأنِّي أنْظُرُ إلى أهْلِ النّارِ يَتَصارَخُونَ فِيها. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا حارِثُ عَرَفْتَ فالزَمْ ثَلاثًا»».

ونُصِبَ (حَقًّا) عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، فالعامِلُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ أيْ: إيمانًا حَقًّا أوْ هو مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ فالعامِلُ فِيهِ حَقٌّ مُقَدَّرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ فَهو ابْتِداءُ كَلامٍ، وهو مَعَ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ إنَّما يَتَّجِهُ عَلى القَوْلِ بِجَوازِ تَقْدِيمِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلَيْها، والظّاهِرُ مَنعُهُ كالتَّأْكِيدِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَصِفَ أحَدٌ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا حَقًّا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما وصَفَ بِذَلِكَ أقْوامًا

صفحة 168

عَلى أوْصافٍ مَخْصُوصَةٍ، وكُلُّ أحَدٍ لا يَتَحَقَّقُ وُجُودُ تِلْكَ الأوْصافِ فِيهِ، بَلْ يَلْزَمُهُ أنْ يَقُولَ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وقَرَّرَ بَعْضُهم وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن زَعَمَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ تَعالى حَقًّا ثُمَّ لَمْ يَشْهَدْ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ آمَنَ بِنِصْفِ الآيَةِ، ولَمْ يُؤْمِن بِالنِّصْفِ الآخَرِ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ مَذْهَبَهُ الِاسْتِثْناءُ، وهو كَما قالَ الإمامُ: مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَبِعَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ: ونُسِبَ إلى مالِكٍ وأحْمَدَ، ومَنَعَهُ الإمامُ الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِقَتادَةَ: لِمَ تَسْتَثْنِي في إيمانِكَ؟ قالَ: اتِّباعًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فَقالَ لَهُ: هَلّا اقْتَدَيْتَ بِهِ في قَوْلِهِ: بَلى حِينَ قِيلَ لَهُ: أوَلَمْ تُؤْمِن؟ فانْقَطَعَ قَتادَةُ. قالَ الرّازِيُّ: كانَ لِقَتادَةَ أنْ يُجِيبَ أبا حَنِيفَةَ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ ويَقُولُ: قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: بَلى طَلَبٌ لِمَزِيدِ الطُّمَأْنِينَةِ؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِاسْتِثْناءِ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ الحَقَّ أنَّ مَن جَوَّزَ الِاسْتِثْناءَ إنَّما جَوَّزَ إذا سُئِلَ عَنِ الإيمانِ مُطْلَقًا، أما إذا قِيلَ: هَلْ أنْتَ مُؤْمِنٌ بِالقَدَرِ مَثَلًا فَقالَ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ، لا لِأنَّ التَّبَرُّكَ لا مَعْنى لَهُ بَلْ لِلْإبْهامِ فِيما لَيْسَ لَهُ فائِدَةٌ، وأمّا في الأوَّلِ فَلَمّا كانَ الإطْلاقُ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ وهو الإيمانُ المُنْتَفَعُ بِهِ في الآخِرَةِ عُلِّقَ بِالمَشِيئَةِ تَفاؤُلًا وتَيَمُّنًا، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ …

5

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ

[It is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: إخْراجًا مُتَلَبِّسًا بِهِ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، وقِيلَ: هي سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ الحَقِّ الَّذِي وجَبَ عَلَيْكَ وهو الجِهادُ.

والمُرادُ بِالبَيْتِ مَسْكَنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالمَدِينَةِ أوِ المَدِينَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها مَثْواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِهِ مَكَّةُ ولَيْسَ بِذاكَ، وإضافَةُ الإخْراجِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى إشارَةٌ إلى أنَّهُ كانَ بِوَحْيٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَخْفى لُطْفُ ذِكْرِ الرَّبِّ وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والكافُ يَسْتَدْعِي مُشَبِّهًا وهو غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ في الآيَةِ وفِيهِ خَفاءٌ، ومِن هُنا اخْتَلَفُوا في بَيانِهِ وكَذا في إعْرابِهِ عَلى وُجُوهٍ فاخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو المُشَبَّهُ أيْ: حالُهم هَذِهِ في كَراهَةِ ما وقَعَ في أمْرِ الأنْفالِ كَحالِ إخْراجِكَ مِن بَيْتِكَ في كَراهَتِهِمْ لَهُ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامِ الفَرّاءِ حَيْثُ قالَ: الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن بَيْتِهِ بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ وكَراهَتُهم لِما وقَعَ فِيها مَعَ أنَّهُ أوْلى بِحالِهِمْ أوْ أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ في ﴿لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ أيِ: الأنْفالُ ثَبَتَتْ لِلَّهِ تَعالى ولِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ كَراهَتِهِمْ ثَباتًا كَثَباتِ إخْراجِكَ وضَعَّفَ هَذا ابْنُ الشَّجَرِيِّ، وادَّعى أنَّ الوَجْهَ هو الأوْلى لِتُباعِدِ ما بَيْنَ ذَلِكَ الفِعْلِ وهَذا بِعَشْرِ جُمَلٍ، وأيْضًا جَعْلُهُ في حَيِّزِ قُلْ لَيْسَ بِحَسَنٍ في الِانْتِظامِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مَعْنًى ولا يَظْهَرُ لِلتَّشْبِيهِ فِيهِ وجْهٌ، وأيْضًا لَمْ يَعْهَدْ مِثْلُ هَذا المَصْدَرِ، وادَّعى العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ هَذا الوَجْهَ أدَقُّ التِئامًا مِنَ الأوَّلِ والتَّشْبِيهَ فِيهِ أكْثَرُ تَفْصِيلًا لِأنَّهُ حِينَئِذٍ مِن تَتِمَّةِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ داخِلٌ في حَيِّزِ المَقُولِ مَعَ مُراعاةِ الِالتِفاتِ وأطالَ الكَلامَ في بَيانِ ذَلِكَ واعْتَذَرَ عَنِ الفَصْلِ بِأنَّ الفاصِلَ جارٍ مَجْرى الِاعْتِراضِ ولا أراهُ سالِمًا مِنَ الِاعْتِراضِ، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم كَما أخْرَجَكَ، وقَدِ التُفِتَ مِن خِطابِ جَماعَةٍ إلى خِطابِ واحِدٍ، وقِيلَ: المُرادُ وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ كَما أخْرَجَكَ إخْراجًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ يَتَوَكَّلُونَ تَوَكُّلًا كَما أخْرَجَكَ، وقِيلَ: إنَّهم لَكارِهُونَ كَراهَةً ثابِتَةً كَإخْراجِكَ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِـ (حَقًّا) أيْ: أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا مِثْلُ ما أخْرَجَكَ، وقِيلَ: صِفَةٌ لِمَصْدَرِ (يُجادِلُونَ) أيْ: يُجادِلُونَكَ جِدالًا كَإخْراجِكَ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الكِسائِيِّ، وقِيلَ: الكافُ بِمَعْنى إذْ؛ أيْ: واذْكُرْ إذْ أخْرَجَكَ وهو مَعَ بُعْدِهِ لَمْ يَثْبُتْ وقِيلَ: الكافُ لِلْقَسَمِ ولَمْ يَثْبُتْ أيْضًا وإنْ

صفحة 170

نُقِلَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ وجَعَلَ (يُجادِلُونَكَ) الجَوابَ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ اللّامِ والتَّأْكِيدِ و(ما) حِينَئِذٍ مَوْصُولَةٌ أيْ: والَّذِي أخْرَجَكَ، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى عَلى وما مَوْصُولَةٌ أيْضًا؛ أيِ امْضِ عَلى الَّذِي أخْرَجَكَ رَبُّكَ لَهُ مِن بَيْتِكَ فَإنَّهُ حَقٌّ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: هي مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ وهو رَكِيكٌ جِدًّا، وقِيلَ: في مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ …

6

يُجَٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ الَّذِي هو تَلَقِّي النَّفِيرِ المُعْلِي لِلدِّينِ؛ لِإيثارِهِمْ عَلَيْهِ تَلَقِّيَ العِيرِ.

والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لَكارِهُونَ)، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَعْدِما تَبَيَّنَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ يُجادِلُونَ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرُ تَبَيَّنَ لِلْحَقِّ أيْ: يُجادِلُونَ بَعْدَ تَبَيُّنِ الحَقِّ لَهم بِإعْلامِكَ أنَّهم يُنْصَرُونَ ويَقُولُونَ: ما كانَ خُرُوجُنا إلّا لِلْعِيرِ وهَلّا ذَكَرْتَ لَنا القِتالَ حَتّى نَسْتَعِدَّ لَهُ ونَتَأهَّبَ ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ أيْ: مُشَبَّهِينَ بِالَّذِينِ يُساقُونَ بِالعُنْفِ والصَّغارِ إلى القَتْلِ، فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ لَكارِهُونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ لِكارِهُونَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: لَكارِهُونَ كَراهَةً كَكَراهَةِ مَن سِيقَ لِلْمَوْتِ ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُساقُونَ وقَدْ شاهَدُوا أسْبابَهُ وعَلاماتِهِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿كَأنَّما﴾ إلَخْ إيماءٌ إلى أنَّ مُجادَلَتَهم كانَتْ لِفَرْطِ فَزَعِهِمْ ورُعْبِهِمْ لِأنَّهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا في قَوْلٍ فِيهِمْ فارِسانِ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ، والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: ما كانَ مِنّا فارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلّا المِقْدادُ، وكانَ المُشْرِكُونَ ألْفًا قَدِ اسْتَعَدُّوا لِلْقِتالِ.

7

وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَٰفِرِينَ

[Remember, O believers], when Allah promised you one of the two groups - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allah intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ جَمِيلِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى بِالمُؤْمِنِينَ مَعَ ما بِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وقِلَّةِ الحَزْمِ، فَإذْ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ إنْ كانَتْ مُتَصَرِّفَةً أوْ ظَرْفٍ لِمَفْعُولِ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والِالتِفاتِ و(إحْدى) مَفْعُولٌ ثانٍ لِ يَعِدُ وهو يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِنَفْسِهِ وبِالباءِ، أيِ اذْكُرُوا وقْتَ أوِ الحادِثَ وقْتَ وعْدِ اللَّهِ تَعالى إيّاكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ.

وقُرِئَ: (يَعِدْكُمْ) بِسُكُونِ الدّالِ تَخْفِيفًا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أنَّها لَكُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إحْدى مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الوَعْدِ، أيْ: يَعِدُكم أنَّ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ كائِنَةٌ لَكم مُخْتَصَّةٌ بِكم تَتَسَلَّطُونَ عَلَيْها تَسَلُّطَ المَلائِكِ وتَتَصَرَّفُونَ فِيها كَيْفَما شِئْتُمْ ﴿وتَوَدُّونَ﴾ عُطِفَ عَلى يَعِدُكم داخِلٌ مَعَهُ حَيْثُ دَخَلَ أيْ: تُحِبُّونَ ﴿أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ تَكُونُ لَكم مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وذاتُ الشَّوْكَةِ هي النَّفِيرُ ورَئِيسُهم أبُو جَهْلٍ، وغَيْرُها العِيرُ ورَئِيسُهم أبُو سُفْيانَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سَبَبِ وِدادَتِهِمْ لِمُلاقاتِهِمْ ومُوجَبُ كَراهَتِهِمْ ونُفْرَتِهِمْ عَنْ مُوافاةِ النَّفِيرِ، والشَّوْكَةُ في الأصْلِ واحِدَةُ الشَّوْكِ المَعْرُوفِ ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِلشِّدَّةِ والحِدَّةِ وتُطْلَقُ عَلى السِّلاحِ أيْضًا وفَسَّرَها بَعْضُهم بِهِ هُنا ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أيْ: يُظْهِرَ

صفحة 172

كَوْنَهُ حَقًّا ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ المُوحى بِها في هَذِهِ القِصَّةِ أوْ أوامِرِهِ لِلْمَلائِكَةِ بِالإمْدادِ أوْ بِما قُضِيَ مِن أسْرِ الكُفّارِ وقَتْلِهِمْ وطَرْحِهِمْ في قُلَيْبِ بَدْرٍ، وقُرِئَ: (بِكَلِمَتِهِ) بِالإفْرادِ لِجَعْلِ المُتَعَدِّدِ كالشَّيْءِ الواحِدِ أوْ عَلى أنَّ المُرادَ بِها كَلِمَةُ كُنْ الَّتِي هي عِنْدَ الكَثِيرِ عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ والتَّكْوِينِ.

﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: آخِرَهم والمُرادُ يُهْلِكُهم جُمْلَةً مِن أصْلِهِمْ لِأنَّهُ لا يَفْنى الآخِرُ إلّا بَعْدَ فَناءِ الأوَّلِ، ومِنهُ سُمِّيَ الهَلاكُ دِبارًا. والمَعْنى: أنْتُمْ تُرِيدُونَ سَفْسافَ الأُمُورِ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يُرِيدُ مَعالِيَها وما يَرْجِعُ إلى عُلُوِّ كَلِمَةِ الحَقِّ وسُمُوِّ رُتْبَةِ الدِّينِ وشَتّانَ بَيْنِ المُرادَيْنِ، وكَأنَّهُ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ عَبَّرَ أوَّلًا بِالوِدادَةِ وثانِيًا بِالإرادَةِ،

8

لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ ونَصْرِهِمْ عَلَيْها مَعَ إرادَتِهِمْ لِغَيْرِها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُؤَخَّرٍ عَنْها، أيْ: لِهَذِهِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ فُعِلَ ما فُعِلَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، ولَيْسَ فِيهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ تَكْرارٌ؛ إذِ الأوَّلُ لِبَيانِ تَفاوُتِ ما بَيْنَ الإرادَتَيْنِ وهَذا لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ما ذُكِرَ.

وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِكَ: أرَدْتَ أنْ تَفْعَلَ الباطِلَ وأرَدْتُ أنْ أفْعَلَ الحَقَّ فَفَعَلْتُ ما أرَدْتُهُ لِكَذا لا لِمُقْتَضى إرادَتِكَ ولَيْسَ نَظِيرَ قَوْلِكَ: أرَدْتُ أنْ أُكْرِمَ زَيْدًا لِإكْرامِهِ لِيَكُونَ فِيهِ ما يَكُونُ، ومَعْنى إبْطالِ الباطِلِ عَلى طَرْزِ ما أشَرْنا إلَيْهِ في إحْقاقِ الحَقِّ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ذَلِكَ أعْنِي إحْقاقَ الحَقِّ وإبْطالَ الباطِلِ، والمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ لا مَن كَرِهَ الذَّهابَ إلى النَّفِيرِ لِأنَّهُ جُرْمٌ مِنهم كَما قِيلَ.

9

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ

[Remember] when you asked help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ( إذْ يَعِدُكُمُ ) وإنْ كانَ زَمانُ الوَعْدِ غَيْرَ زَمانِ الِاسْتِغاثَةِ لِأنَّهُ بِتَأْوِيلِ أنَّ الوَعْدَ والِاسْتِغاثَةَ وقَعا في زَمَنٍ واسِعٍ كَما قالَ الطِّيبِيُّ، قِيلَ: وهو يَحْتَمِلُ بَدَلَ الكُلِّ إنْ جُعِلا مُتَّسِعَيْنِ وبَدَلَ البَعْضِ إنْ جُعِلَ الأوَّلُ مُتَّسَعًا والثّانِي مِعْيارًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيُحِقَّ﴾ . واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لِنَصْبِهِ بِأنْ، (وإذْ) لِلزَّمانِ الماضِي فَكَيْفَ يُعْمَلُ بِها. وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النُّحاةِ كابْنِ مالِكٍ مِن أنَّ (إذْ) قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى إذا لِلْمُسْتَقْبَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ .

وقَدْ يُجْعَلُ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الجَوابِ: إنَّ كَوْنَ الإحْقاقِ مُسْتَقْبَلًا إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ ما هو غايَةٌ لَهُ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الِاسْتِغاثَةِ حَتّى لا يَعْمَلَ فِيهِ بَلْ هُما في وقْتٍ واحِدٍ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ زَمانِها بِإذْ نَظَرًا إلى زَمَنِ النُّزُولِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في (تَسْتَغِيثُونَ) لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ أيِ اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِ (تَوَدُّونَ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والِاسْتِغاثَةُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: طَلَبُ الغَوْثِ وهو التَّخْلِيصُ مِنَ الشِّدَّةِ والنِّقْمَةِ والعَوْنُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ الكَرِيمِ إلّا كَذَلِكَ، وقَدْ يَتَعَدّى بِالحَرْفِ كَقَوْلِهِ:

حَتّى اسْتَغاثَ بِماءٍ لا رَشادَ لَهُ مِنَ الأباطِحِ في حافاتِهِ البِرَكُ

وكَذا اسْتَعْمَلَهُ سِيبَوَيْهِ وزَعَمَ أنَّهُ خَطَأٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُسْتَغِيثَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، قِيلَ: إنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنْ لا مَحِيصَ مِنَ القِتالِ أخَذُوا يَقُولُونَ: أيْ رَبِّ، انْصُرْنا عَلى عَدُوِّكَ، أغِثْنا يا غِياثَ المُسْتَغِيثِينَ، وقالَ الزُّهْرِيُّ: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى

صفحة 173

عَنْهُما قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا إلى المُشْرِكِينَ فَإذا هم ألْفٌ وزِيادَةٌ فاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ القِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ وجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ لا تُعْبَدُ في الأرْضِ، فَما زالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ، فَأتاهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَأخَذَ رِداءَهُ فَألْقاهُ عَلى مَنكِبَيْهِ ثُمَّ التَزَمَهُ مِن ورائِهِ وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ: كَفاكَ مُناشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ».

وعَلَيْهِ فالجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ ﴿فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ أيْ: فَأجابَ دُعاءَكم عَقِيبَ اسْتِغاثَتِكم إيّاهُ سُبْحانَهُ …

10

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

And Allah made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allah. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ أنَّ المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ هو اللَّهُ تَعالى لِيَثِقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ ولا يَقْنَطُوا مِنَ النَّصْرِ عِنْدَ فِقْدانِ أسْبابِهِ، والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ وهو الضَّمِيرُ العائِدُ إلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ في ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ والمَصْدَرُ المَفْهُومُ مِن ذَلِكَ عَلى الكَسْرِ، واعْتِبارُ القَوْلِ ورُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ مِنَ القَوْلِ، أيْ: وما جَعَلَ إمْدادَكم بِهِمْ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا بُشْرى﴾ أيْ: بِشارَةً لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ ﴿ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أيْ: بِالإمْدادِ ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ وتَسْكُنَ إلَيْهِ نُفُوسُكم وتَزُولَ عَنْكُمُ الوَسْوَسَةُ، ونُصِبَ (بُشْرى) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ولِتَطْمَئِنَّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وأُظْهِرَتِ اللّامُ لِفَقْدِ شَرْطِ النَّصْبِ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أصالَتِهِ في العِلِّيَّةِ وأهَمِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ .

وقِيلَ: إنَّ الجَعْلَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما (بُشْرى) عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ أيْ: وما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا بِشارَةً لَكم ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ، فَعَلَ ما فَعَلَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وفي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُباشِرُوا قِتالًا وهو مَذْهَبٌ لِبَعْضِهِمْ، ويُشْعِرُ ظاهِرُها بِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخْبَرَهم بِذَلِكَ الإمْدادِ وفي الأخْبارِ ما يُؤَيِّدُهُ، بَلْ جاءَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ أنَّ الصَّحابَةَ أوِ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

ورُوِيَ عَنْ أبِي أُسَيْدٍ وكانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا أنَّهُ قالَ بَعْدَ ما ذَهَبَ بَصَرُهُ: لَوْ كُنْتُ مَعَكُمُ اليَوْمَ بِبَدْرٍ ومَعِي بَصَرِي لَأرَيْتُكُمُ الشِّعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنهُ المَلائِكَةُ.

﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: وما النَّصْرُ بِالمَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأسْبابِ إلّا كائِنٌ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، فالمَنصُورُ هو مَن نَصَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ والأسْبابُ لَيْسَتْ بِمُسْتَقِلَّةٍ، أوِ المَعْنى: لا تَحْسَبُوا النَّصْرَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ فَإنَّ النّاصِرَ هو اللَّهُ تَعالى لَكم والمَلائِكَةُ، وعَلَيْهِ فَلا دَخْلَ لِلْمَلائِكَةِ في النَّصْرِ أصْلًا، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ القَصْرَ عَلى الأوَّلِ إفْرادِيٌّ وعَلى الثّانِي قَلْبِيٌّ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُغالَبُ في حُكْمِهِ ولا يُنازَعُ في قَضِيَّتِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الباهِرَةُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها وفِيها إشْعارٌ بِأنَّ النَّصْرَ الواقِعَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكَمِ البالِغَةِ.

Al-Anfaal 8:10Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.