Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 51–60 of 206

51

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًۭا وَلَعِبًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَجْحَدُونَ

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥١] ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾

" ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ أيْ: مِمّا زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ.

واللَّهْوُ: كُلُّ ما صَدَّ عَنِ الحَقِّ، واللَّعِبُ: كُلُّ أمْرٍ باطِلٍ، أيْ: لَيْسَ دِينُهم في الحَقِيقَةِ إلّا ذَلِكَ، إذْ هو دَأْبُهم ودَيْدَنُهم ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ " بِزَخارِفِها العاجِلَةِ، فَلَمْ يَعْمَلُوا ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ " أيْ: نَتْرُكُهم تَرْكَ المَنسِيِّ، فَلا نَرْحَمُهم بِما نَرْحَمُ بِهِ مَن عَمِلَ لِلْآخِرَةِ. ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ " أيْ: كَما فَعَلُوا بِلِقائِهِ، فِعْلَ النّاسِينَ، فَلَمْ يُخْطِرُوهُ بِبالِهِمْ، ولَمْ يَهْتَمُّوا بِهِ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الشِّهابُ: ﴿نَنْساهُمْ﴾ " تَمْثِيلٌ، شَبَّهَ مُعامَلَتَهُ تَعالى مَعَ هَؤُلاءِ بِالمُعامَلَةِ مَعَ مَن لا يُعْتَدُّ بِهِ، ويَلْتَفِتُ إلَيْهِ، فَيَنْسى، لِأنَّ النِّسْيانَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِأنَّهُ تَعالى لا يَشِذُّ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، كَما قالَ: ﴿فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] والنِّسْيانُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التَّرْكِ كَثِيرًا في لِسانِ العَرَبِ. ويَصِحُّ هُنا أيْضًا، فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَحْقِيقِيَّةً، أوْ مَجازًا مُرْسَلًا؛ وكَذا نِسْيانُهم لِقاءَ اللَّهِ أيْضًا، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ذاكِرِي اللَّهِ حَتّى يُنْسُوهُ، فَشَبَّهَ عَدَمَ إخْطارِهِمْ لِقاءَ اللَّهِ والقِيامَةَ بِبالِهِمْ، وقِلَّةَ مُبالاتِهِمْ بِحالِ مَن عَرَفَ شَيْئًا، ثُمَّ نَسِيَهُ، ولَيْسَتِ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، بَلْ لِلتَّعْلِيلِ، ولا مانِعَ مِنَ التَّشْبِيهِ أيْضًا. انْتَهى.

وقالَ تَعالى: ﴿وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: وكَما كانُوا مُنْكِرِينَ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.

رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى بِالعَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ألَمْ أجْعَلْ لَكَ سَمْعًا وبَصَرًا ومالًا ووَلَدًا، وسَخَّرْتُ لَكَ الأنْعامَ والحَرْثَ، وتَرَكْتُكَ تَرْأسُ وتَرْبَعُ، فَكُنْتَ تَظُنُّ أنَّكَ مُلاقِي يَوْمِكَ هَذا؟ قالَ فَيَقُولُ: لا ! فَيَقُولُ لَهُ: اليَوْمَ أنْساكَ كَما نَسِيتَنِي»» .

وفِي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: ««فَيَلْقى العَبْدُ رَبَّهُ، فَيَقُولُ: أيْ فُلْ ! ألَمْ أُكْرِمْكَ وأُسَوِّدْكَ وأُزَوِّجْكَ وأُسَخِّرْ لَكَ الخَيْلَ والإبِلَ وأتْرُكْكَ تَرْأسُ وتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلى يا رَبِّ ! فَيَقُولُ: أظْنَنْتَ أنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: إنِّي أنْساكَ كَما نَسِيتَنِي !»» .

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَسارَتِهِمْ في الآخِرَةِ ذَكَرَ أنَّهُ أزاحَ عِلَلَهم في الدُّنْيا بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

Al-A'raaf 7:51Listen in Qur'an →
52

وَلَقَدْ جِئْنَٰهُم بِكِتَٰبٍۢ فَصَّلْنَٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٢] ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

" ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ الِاعْتِقاداتِ والأحْكامَ والأُمُورَ الأُخْرَوِيَّةَ تَفْصِيلًا مُبَيَّنًا ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ " أيْ: عالِمِينَ كَيْفَ نُفَصِّلُ أحْكامَهُ ومَواعِظَهُ وقِصَصَهُ وسائِرَ مَعانِيهِ، حَتّى جاءَ مُحْكَمًا قَيِّمًا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْـزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] ﴿هُدًى﴾ " أيْ: دَلالَةً تُرْشِدُهم إلى الحَقِّ، وتُنْجِيهِمْ مِنَ الضَّلالَةِ. ﴿ورَحْمَةً﴾ " أيْ يُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ ورَفْعِ الشُّبَهِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ " لِأنَّهُمُ المُغْتَنِمُونَ لِفَوائِدِهِ.

Al-A'raaf 7:52Listen in Qur'an →
53

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Do they await except its result? The Day its result comes those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٣] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾ " أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، مِن تَبَيُّنِ صِدْقِهِ، بِظُهُورِ ما نَطَقَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ. قالَ الشِّهابُ: (فالنَّظَرُ) هُنا بِمَعْنى (الِانْتِظارِ) لا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ. والتَّأْوِيلُ بِمَعْنى العاقِبَةُ، وما يَقَعُ في الخارِجِ، وهو أصْلُ مَعْناهُ، ويُطْلَقُ عَلى التَّفْسِيرِ أيْضًا، والمَعْنى: أنَّهم قَبْلَ وُقُوعِ ما هو مُحَقَّقٌ، كالمُنْتَظِرِينَ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، فَهم عَلى شَرَفِ مُلاقاةِ ما وُعِدُوا بِهِ، فَلا يُقالُ: كَيْفَ يَنْتَظِرُونَهُ مَعَ جَحْدِهِمْ؟ فَإنَّهم وإنْ جَحَدُوهُ، إلّا أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُنْتَظِرِينَ وفي حُكْمِهِمْ، مِن حَيْثُ إنَّ تِلْكَ الأحْوالَ تَأْتِيهِمْ لا مَحالَةَ ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ " يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ، وما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ " أيْ تَرَكُوهُ تَرْكَ المَنسِيِّ، حِينَ كانَ يَنْفَعُهُمُ الذِّكْرُ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ " أيْ: بِما هو واقِعٌ مِن الِاعْتِقاداتِ والوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ " في إزالَةِ العَذابِ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ " إلى مَكانِ العَمَلِ ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ " مِنَ الجُحُودِ واللَّهْوِ، واللَّعِبِ وأعْمالِ الدُّنْيا.

قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِصَرْفِ أعْمالِهِمْ في الكُفْرِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ " أيْ ذَهَبَ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ مَعْبُودِيهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وعَلِمُوا أنَّهم كانُوا في دَعْواهم كاذِبِينَ.

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ الكُفّارِ وعِبادَتِهِمْ غَيْرَهُ، سُبْحانَهُ، احْتَجَّ عَلَيْهِمْ، مُبَيِّنًا بِأفْعالِهِ أنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ بِقَوْلِهِ:

Al-A'raaf 7:53Listen in Qur'an →
54

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Indeed, your Lord is Allah, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne. He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allah, Lord of the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٤] ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾

" ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ: إنَّ سَيِّدَكم ومالِكَكم ومُدَبِّرَكُمُ الَّذِي يَجِبُ أنْ تَعْبُدُوهُ أيُّها النّاسُ، الَّذِي أنْشَأ أعْيانَ السَّماواتِ والأرْضِ في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

الأُولى: قالَ الشِّهابُ: اليَوْمُ في اللُّغَةِ مُطْلَقُ الوَقْتِ، فَإنْ أُرِيدَ هَذا، فالمَعْنى في سِتَّةِ أوْقاتٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] وإنْ أُرِيدَ المُتَعارَفُ، وهو زَمانُ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، فالمَعْنى في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ، لِأنَّ اليَوْمَ إنَّما كانَ بَعْدَ خَلْقِ الشَّمْسِ والسَّماواتِ، فَيُقَدَّرُ فِيهِ مُضافٌ. انْتَهى.

وفِي شَرْحِ القامُوسِ: إنَّ اليَوْمَ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، أوْ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الصّادِقِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وإنَّ الثّانِيَ تَعْرِيفٌ شَرْعِيٌّ عِنْدَ الأكْثَرِ.

ونُقِلَ عَنِ الفاسِيِّ شارِحِهِ: أنَّ اليَوْمَ عِنْدَ المُنَجِّمِينَ مِنَ الطُّلُوعِ إلى الطُّلُوعِ، أوْ مِنَ الغُرُوبِ إلى الغُرُوبِ.

ثُمَّ قالَ الزَّبِيدِيُّ: ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى مُطْلَقِ الزَّمانِ، نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ هِشامٍ، وحَكاهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: (أنا، اليَوْمَ، أفْعَلُ كَذا)، فَإنَّهم لا يُرِيدُونَ يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ولَكِنَّهم يُرِيدُونَ الوَقْتَ الحاضِرَ. قالَ: وبِهِ فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]

ثُمَّ قالَ: وقَدْ يُرادُ بِاليَوْمِ الوَقْتُ مُطْلَقًا، ومِنهُ والحَدِيثُ: «تِلْكَ أيّامُ الهَرْجِ»، أيْ: وقْتُهُ ولا يَخْتَصُّ بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ -انْتَهى.

وإرادَةُ الوَقْتِ مُطْلَقًا مِنهُ، عَيْنُ إرادَةِ مُطْلَقِ الزَّمانِ قَبْلَهُ، كَما يَتَبادَرُ. والظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَهُ عَلى المُتَعارَفِ والوَقْتِ مُطْلَقًا، لُغَوِيٌّ فِيهِما -كَما نَقَلَهُما شارِحُ القامُوسِ- خِلافًا لِظاهِرِ كَلامِ الشِّهابِ السّابِقِ، فَتَثَبَّتْ هَذا.

الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُخْبِرُ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ العالَمَ، سَماواتِهِ وأرْضَهُ وما بَيْنَ ذَلِكَ في سِتَّةِ أيّامٍ، كَما أخْبَرَ بِذَلِكَ في غَيْرِ ما آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ؛ والسِّتَّةُ الأيّامِ: الأحَدُ والِاثْنَيْنِ والثُّلاثاءُ والأرْبِعاءُ والخَمِيسُ والجُمُعَةُ، وفِيهِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ كُلُّهُ، وفِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الأيّامِ: هَلْ كُلُّ يَوْمٍ مِنها كَهَذِهِ الأيّامِ، كَما هو المُتَبادِرُ إلى الأذْهانِ، أوْ كُلُّ يَوْمٍ كَألْفِ سَنَةٍ، كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ مُجاهِدٌ والإمامُ أحْمَدَ بْنُ حَنْبَلٍ ؟ ويُرْوى مِن رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَأمّا يَوْمُ السَّبْتِ فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ خَلْقٌ، لِأنَّهُ اليَوْمُ السّابِعُ، ومِنهُ سُمِّيَ السَّبْتُ، وهو القَطْعُ، فَأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي فَقالَ: خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وخَلَقَ الجِبالَ فِيها يَوْمَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرِ فِيها يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وبَثَّ فِيها …

Al-A'raaf 7:54Listen in Qur'an →
55

ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٥] ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾

﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ " نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: ذَوِي تَضَرُّعٍ وخُفْيَةٍ، والتَّضَرُّعِ تَفَعُّلٌ مِنَ (الضَّراعَةِ) وهو الذُّلُّ. والخُفْيَةُ (بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِها)، مَصْدَرُ خَفِيَ كَرَضِيَ بِمَعْنى اخْتَفى، أيِ: اسْتَتَرَ وتَوارى، وإنَّما طَلَبَ الدُّعاءَ مَعَ تِينِكَ الحالَتَيْنِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الدُّعاءِ أنْ يُشاهِدَ العَبْدُ حاجَتَهُ وعَجْزَهُ وفَقْرَهُ لِرَبِّهِ ذِي القُدْرَةِ الباهِرَةِ، والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ. وإذا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِن صَوْنِهِ عَنِ الرِّياءِ، وذَلِكَ بِالِاخْتِفاءِ، وتَوَصُّلًا لِلْإخْلاصِ.

فَوائِدُ:

فِي هَذِهِ الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعاءِ، بِشَرْطَيْهِ المَذْكُورَيْنِ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): ومِنَ التَّضَرُّعِ رَفْعُ الأيْدِي في الدُّعاءِ، فَيُسْتَحَبُّ. وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ بِعَرَفَةَ يَدْعُو، فَقالَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ: هَذا الِابْتِهالُ. ثُمَّ خاضَتِ النّاقَةُ، فَفَتَحَ إحْدى يَدَيْهِ فَأخَذَها وهو رافِعٌ الأُخْرى»» . انْتَهى.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ «قالَ: رَفَعَ النّاسُ أصْواتَهم بِالدُّعاءِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أيُّها النّاسُ ! ارْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ، فَإنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا، إنَّ الَّذِي تَدْعُونَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ»» الحَدِيثَ.

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ عَنْ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إنْ كانَ الرَّجُلُ، لَقَدْ جَمَعَ القُرْآنَ وما يَشْعُرُ بِهِ النّاسُ، وإنْ كانَ الرَّجُلُ، لَقَدْ فَقُهَ الفِقْهَ الكَثِيرَ وما يَشْعُرُ بِهِ النّاسُ؛ وإنْ كانَ الرَّجُلُ، لَيُصَلِّي الصَّلاةَ الطَّوِيلَةَ في بَيْتِهِ وعِنْدَهُ الزَّوْرُ وما يَشْعُرُونَ بِهِ. ولَقَدْ أدْرَكْنا أقْوامًا ما كانَ عَلى الأرْضِ مِن عَمَلٍ يَقْدِرُونَ أنْ يَعْمَلُوهُ في السِّرِّ، فَيَكُونُ عَلانِيَةً أبَدًا. ولَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ، وما يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ، إنْ كانَ إلّا هَمْسًا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقالَ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ والنِّداءُ والصِّياحُ في الدُّعاءِ، ويُؤْمَرُ بِالتَّضَرُّعِ والِاسْتِكانَةِ.

وقالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): وحَسْبُكَ في تَعَيُّنِ الإسْرارِ في الدُّعاءِ اقْتِرانُهُ بِالتَّضَرُّعِ في الآيَةِ، فالإخْلالُ بِهِ كالإخْلالِ بِالضَّراعَةِ إلى اللَّهِ في الدُّعاءِ، وإنَّ دُعاءً لا تَضَرُّعَ فِيهِ ولا خُشُوعَ، لِقَلِيلِ الجَدْوى، فَكَذَلِكَ دُعاءٌ لا خُفْيَةَ ولا وقارَ يَصْحَبُهُ. وتَرى كَثِيرًا مِن أهْلِ زَمانِكَ يَعْتَمِدُونَ الصُّراخَ والصِّياحَ في الدُّعاءِ، خُصُوصًا في الجَوامِعِ، حَتّى يَعْظُمَ اللَّغَطُ ويَشْتَدَّ، وتَسْتَكَّ المَسامِعُ وتَسْتَدَّ، ويَهْتَزَّ الدّاعِي بِالنّاسِ، ولا يَعْلَمُ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ بِدْعَتَيْنِ: رَفْعِ الصَّوْتِ في الدُّعاءِ، وفي المَسْجِدِ، ورُبَّما حَصَلَتْ لِلْعَوامِّ حِينَئِذٍ رِقَّةٌ لا تَحْصُلُ مَعَ خَفْضِ الصَّوْتِ، ورِعايَةُ سَمْتِ الوَقارِ، وسُلُوكُ السُّنَّةِ الثّابِتَةِ بِالآثارِ. وما هي إلّا رِقَّةٌ شَبِيهَةٌ بِالرِّقَّةِ العارِضَةِ لِلنِّساءِ والأطْفالِ، لَيْسَتْ خارِجَةً عَنْ صَمِيمِ الفُؤادِ، لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِن …

Al-A'raaf 7:55Listen in Qur'an →
56

وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًۭا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allah is near to the doers of good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٦] ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾

﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ " قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ لا تُفْسِدُوها بَعْدَ إصْلاحِ اللَّهِ إيّاها، بِأنْ خَلَقَها عَلى أحْسَنِ نِظامٍ، وبَعَثَ الرُّسُلَ، وبَيَّنَ الطَّرِيقَ، وأبْطَلَ الكُفْرَ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: هَذا نَهْيٌ عَنْ إيقاعِ الفَسادِ في الأرْضِ، وإدْخالُ ماهِيَّتِهِ في الوُجُودِ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ، مِن إفْسادِ النُّفُوسِ والأمْوالِ والأنْسابِ والعُقُولِ والأدْيانِ.

ومَعْنى ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ ": بَعْدَ أنْ أصْلَحَ اللَّهُ خَلْقَها عَلى الوَجْهِ المُلائِمِ لِمَنافِعِ الخَلْقِ، ومَصالِحِ المُكَلَّفِينَ. انْتَهى.

﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ أيْ: ذَوِي خَوْفٍ مِن وبِيلِ العِقابِ، نَظَرًا إلى قُصُورِ أعْمالِكُمْ، وطَمَعٍ فِيما عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ، نَظَرًا إلى سِعَةِ رَحْمَتِهِ، ووُفُورِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: أنَّ رَحْمَتَهُ مُرْصَدَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أوامِرَهُ، ويَتْرُكُونَ زَواجِرَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآيَةَ.

لَطائِفُ:

الأُولى -قالَ في (اللُّبابِ): إنْ قُلْتَ: قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] " وقالَ هُنا ﴿وادْعُوهُ﴾ "، وهَذا هو عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، فَما فائِدَةُ ذَلِكَ؟

قُلْتُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ [الأعراف: ٥٥] " أيْ: لِيَكُنِ الدُّعاءُ مَقْرُونًا بِالتَّضَرُّعِ والإخْباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ " أنَّ فائِدَةَ الدُّعاءِ أحَدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَكانَتِ الآيَةُ الأوْلى في بَيانِ شَرْطِ صِحَّةِ الدُّعاءِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ في بَيانِ فائِدَةِ الدُّعاءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ كُونُوا جامِعِينَ في أنْفُسِكم بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ في أعْمالِكم كُلِّها، ولا تَطْمَعُوا أنَّكم وفَّيْتُمْ حَقَّ اللَّهِ في العِبادَةِ والدُّعاءِ، وإنِ اجْتَهَدْتُمْ فِيهِما.

الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ " الآيَةَ، تَرْجِيحٌ لِلطَّمَعِ عَلى الخَوْفِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، ولَكِنَّهُ إذا رَأى سِعَةَ رَحْمَتِهِ وسَبْقَها، غَلَبَ الرَّجاءُ عَلَيْهِ. وفِيهِ أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى ما يَتَوَسَّلُ بِهِ إلى الإجابَةِ، وهو الإحْسانُ في القَوْلِ والعَمَلِ.

قالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: اسْتَنْجِزُوا مَوْعُودَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ، فَإنَّهُ قَضى أنَّ رَحْمَتَهُ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.

الثّالِثَةُ: تَذْكِيرُ (قَرِيبٌ)، لِأنَّ (الرَّحْمَةَ) بِمَعْنى الرَّحِمِ، أوْ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: أمْرٌ قَرِيبٌ، أوْ عَلى تَشْبِيهٍ بِ (فَعِيلٍ)، الَّذِي هو بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، أوِ الَّذِي هو مَصْدَرٌ كالنَّقِيضِ والصَّهِيلِ، أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ القَرِيبِ مِنَ النَّسَبِ والقَرِيبِ مِن غَيْرِهِ، فَإنَّهُ يُقالُ: فُلانَةُ قَرِيبَةٌ مِنِّي لا غَيْرُ، وفي المَكانِ وغَيْرِهِ يَجُوزُ الوَجْهانِ، أوْ لِاكْتِسابِهِ التَّذْكِيرَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، كَما أنَّ المُضافَ يَكْتَسِبُ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وقَدْ أوْصَلُوا تَوْجِيهَ تَذْكِيرِهِ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ وجْهًا.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ المُتَصَرِّفُ الحاكِمُ المُدَبِّرُ المُسَخِّرُ، وأرْشَدَ إلى دُعائِهِ لِأنَّهُ عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ، …

Al-A'raaf 7:56Listen in Qur'an →
57

وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًۭا ثِقَالًۭا سُقْنَٰهُ لِبَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْـزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾

" ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أيْ قُدّامَ رَحْمَتِهِ الَّتِي هي المَطَرُ، فَإنَّ الصَّبا تُثِيرُ السَّحابَ، والشَّمالَ تَجْمَعُهُ والجَنُوبَ تَدُرُّهُ، والدَّبُّورَ تُفَرِّقُهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] قالَ الثَّعالِبِيُّ: المُبَشِّراتُ الَّتِي تَأْتِي بِالسَّحابِ والغَيْثِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ ((نُشُرًا)) بِالنُّونِ والشِّينِ مَضْمُومَتَيْنِ، وهو جَمْعٌ، وفي واحِدِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما ((نَشُورٌ)) مِثْلَ صَبُورٍ وصُبُرٍ، فَعَلى هَذِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (فَعُولٌ) بِمَعْنى (فاعِلٍ)، أيْ: يَنْشُرُ الأرْضَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، كَرَكُوبٍ بِمَعْنى مَرْكُوبٍ، أيْ: مَنشُورَةً بَعْدَ الطَّيِّ، أوْ مُنْشَرَةً أيْ: مُحْياةً، مِن قَوْلِكَ أنْشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ فَهو مُنْشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ناشِرٍ، مِثْلَ بازِلٍ وبُزْلٍ. ويُقْرَأُ بِضَمِّ النُّونِ وإسْكانِ الشِّينِ عَلى تَخْفِيفِ المَضْمُومِ. ويُقْرَأُ نَشْرًا بِفَتْحِ النُّونِ وإسْكانِ الشِّينِ، وهو مَصْدَرُ نَشَرَ بَعْدَ الطَّيِّ، أوْ مِن قَوْلِكَ أنْشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ فَنُشِرَ أيْ عاشَ. ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، أيْ ناشِرَةً، أوْ ذاتَ نَشْرٍ، كَما تَقُولُ: جاءَ رَكْضًا أيْ راكِضًا.

ويُقْرَأُ: بُشْرًا بِالباءِ وضَمَّتَيْنِ، وهو جَمْعُ بَشِيرٍ، مِثْلَ قَلِيبٍ وقُلُبٍ، ويُقْرَأُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِسُكُونِ الشِّينِ عَلى التَّخْفِيفِ. ويُقْرَأُ بُشْرى مِثْلَ حُبْلى، أيْ: ذاتُ بِشارَةٍ ويُقْرَأُ بَشْرًا بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الشِّينِ، وهو مَصْدَرُ بَشَرْتُهُ - أيْ: بِالتَّخْفِيفِ- إذا بَشَّرْتَهُ. انْتَهى.

﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ﴾ " أيْ: حَمَلَتْ ﴿سَحابًا ثِقالا﴾ " أيْ مِن كَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الماءِ ﴿سُقْناهُ﴾ " أيِ السَّحابَ. قالَ الشِّهابُ: السَّحابُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدِهِ بِالتّاءِ، كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ويُفْرَدُ وصْفُهُ، ويُجْمَعُ، وأهْلُ اللُّغَةِ تُسَمِّيهِ جَمْعًا، فَلِذا رُوعِيَ فِيهِ الوَجْهانِ، في وصْفِهِ وضَمِيرِهِ. انْتَهى. أيْ: أرْسَلْناهُ مَعَ أنَّ طَبْعَهُ الهُبُوطُ: ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ " أيْ: لِأجْلِهِ ولِمَنفَعَتِهِ، أوْ لِإحْيائِهِ أوْ لِسَقْيِهِ. و(مَيِّتٍ)، قُرِئَ مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا ﴿فَأنْـزَلْنا بِهِ الماءَ﴾ " أيِ الضَّمِيرُ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) لِلْبَلَدِ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيِ المُخْتَلِفَةِ الأنْواعِ، مَعَ أنَّ ماءَها واحِدٌ. والمُرادُ (بِكُلِّ الثَّمَراتِ)، المُعْتادَةُ في كُلِّ بَلَدٍ تَخْرُجُ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أجْرى اللَّهُ العادَةَ بِها ودَبَّرَها.

والضَّمِيرُ في (بِهِ)، لِلْماءِ أوْ لِلْبَلَدِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ " أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ ﴿نُخْرِجُ المَوْتى﴾ " أيْ نُحْيِيها بَعْدَ صَيْرُورَتِها رَمِيمًا يَوْمَ القِيامَةِ، يُنَزِّلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ماءً مِنَ السَّماءِ، فَتُمْطِرُ الأرْضَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَتَنْبُتُ مِنهُ الأجْسادُ في قُبُورِها، كَما يَنْبُتُ الحَبُّ في الأرْضِ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ " …

Al-A'raaf 7:57Listen in Qur'an →
58

وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًۭا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَشْكُرُونَ

And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٨] ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾

﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ أيِ: الأرْضُ الكَرِيمَةُ التُّرْبَةِ ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ أيْ يَخْرُجُ نَباتُهُ وافِيًا حَسَنًا غَزِيرَ النَّفْعِ بِمَشِيئَتِهِ وتَيْسِيرِهِ ﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ " أيْ كالحُرَّةِ، وهي الأرْضُ ذاتُ الحِجارَةِ السُّودِ. وكالسَّبِخَةِ (بِكَسْرِ الباءِ)، وهي الأرْضُ ذاتُ المِلْحِ ﴿لا يَخْرُجُ﴾ " أيْ: نَباتُهُ ﴿إلا نَكِدًا﴾ " أيْ: قَلِيلًا، عَدِيمَ النَّفْعِ. يُقالُ: عَطاءٌ نَكِدٌ، أيْ قَلِيلٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وكَذا رَجُلٌ نَكِدٌ. قالَ:

؎فَأعْطِ ما أعْطَيْتَهُ طَيِّبًا لا خَيْرَ في المَنكُودِ والنّاكِدِ

وقالَ:

؎لا تُنْجِزِ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ ∗∗∗ أعْطَيْتَ، أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدًا

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في الآيَةِ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.

وقالَ قَتادَةُ: المُؤْمِنُ سَمِعَ كِتابَ اللَّهِ فَوَعاهُ بِعَقْلِهِ، وانْتَفَعَ بِهِ، كالأرْضِ الطَّيِّبَةِ أصابَها الغَيْثُ فَأنْبَتَتْ، والكافِرُ بِخِلافِ ذَلِكَ، وهَذا كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ، أصابَ أرْضًا، فَكانَتْ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصابَ مِنها طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»» .

لَطِيفَةٌ:

قالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ ((يَخْرُجُ نَباتُهُ)) بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ ورَفْعِ النَّباتِ. ويُقْرَأُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِضَمِّ الياءِ، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ويُقْرَأُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ ونَصْبِ النَّباتِ أيْ: فَيُخْرِجُ اللَّهُ أوِ الماءُ. ثُمَّ قالَ: ويُقْرَأُ ﴿نَكِدًا﴾ " بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الكافِ، وهو حالٌ، ويُقْرَأُ بِفَتْحِهِما عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أيْ: ذا نَكِدٍ. ويُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الكافِ وهو مَصْدَرٌ أيْضًا، وهو لُغَةٌ ويُقْرَأُ يُخْرِجُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ، ونَكِدًا مَفْعُولُهُ.

﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ " أيْ: نُبَيِّنُ وُجُوهَ الحُجَجِ ونُرَدِّدُها ونُكَرِّرُها ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ " يَعْنِي كَما ضَرَبْنا هَذا المَثَلَ، كَذَلِكَ نُبَيِّنُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، وحُجَّةً بَعْدَ حُجَّةٍ، لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ، وأنْ جَنَّبَهم سَبِيلَ الضَّلالَةِ، وإنَّما خَصَّ الشّاكِرِينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِسَماعِ القُرْآنِ.

Al-A'raaf 7:58Listen in Qur'an →
59

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٩] ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ " اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ قِصَّةَ آدَمَ، وما اتَّصَلَ بِها مِن آثارِ قُدْرَتِهِ، وغَرائِبِ صَنْعَتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، وأقامَ الحُجَّةَ الدّامِغَةَ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ- أتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما جَرى لَهم مَعَ أُمَمِهِمْ.

قالَ الرّازِيُّ: وفِيهِ فَوائِدُ:

أحَدُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ إعْراضَ النّاسِ عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، لَيْسَ مِن خَواصِّ قَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ، بَلْ هَذِهِ العادَةُ المَذْمُومَةُ كانَتْ حاصِلَةً في جَمِيعِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والمُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ، فَكانَ ذِكْرُ قِصَصِهِمْ، وحِكايَةُ إصْرارِهِمْ وعِنادِهِمْ، يُفِيدُ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وتَخْفِيفَ ذَلِكَ عَلى قَلْبِهِ.

ثانِيها: أنَّهُ تَعالى يَحْكِي في هَذِهِ القِصَصِ أنَّ عاقِبَةَ أمْرِ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ كانَ إلى اللَّعْنِ في الدُّنْيا، والخَسارَةِ في الآخِرَةِ، وعاقِبَةُ أمْرِ المُحِقِّينَ إلى الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا والسَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يُقَوِّي قُلُوبَ المُحِقِّينَ، ويَكْسِرُ قُلُوبَ المُبْطِلِينَ.

وثالِثُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى، وإنْ كانَ يُمْهِلُ هَؤُلاءِ المُبْطِلِينَ، ولَكِنَّهُ لا يُهْمِلُهُمْ، بَلْ يَنْتَقِمُ مِنها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.

ورابِعُها: بَيانُ أنَّ هَذِهِ القِصَصَ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا، وما طالَعَ كِتابًا، ولا تَلْمَذَ أُسْتاذًا.

فَإذا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَصَ عَلى الوَجْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا خَطَأٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما عَرَّفَها بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هو ابْنُ لامَكَ بْنِ مَتُوشالَحَ بْنِ أخْنَوْخَ بْنِ يارَدَ بْنِ مَهْلَئِيلَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. هَكَذا نَسَبَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ، وأصْلُهُ مِنَ التَّوْراةِ.

ومَعْنى (أرْسَلْنا): بَعَثْنا، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ إدْرِيسَ. كَذا في (اللُّبابِ). وإدْرِيسُ هو أخْنَوْخَ فِيما يَزْعُمُونَ.

قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ولَمْ يَلْقَ نَبِيٌّ مِن قَوْمِهِ مِنَ الأذى مِثْلَ نُوحٍ، إلّا نَبِيٌّ قُتِلَ، وقالَ يَزِيدُ الرَّقاشِيُّ: إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ ما ناحَ عَلى نَفْسِهِ. انْتَهى.

وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ ما ذَكَرَهُ، لَوْ كانَ نُوحٌ لَقَبًا مَعَ وُجُودِ اسْمٍ لَهُ غَيْرِهِ، واللَّفْظُ عَرَبِيٌّ، لِمُناسَبَةِ الِاشْتِقاقِ. أمّا وهو اسْمُهُ الوَضْعِيُّ، واللَّفْظُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، فَلا. وفي كِتابِ (تَأْوِيلُ الأسْماءِ الواقِعَةِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ) أنَّ نُوحًا مَعْناهُ راحَةُ أوْ سُلْوانُ، فَتَثَبَّتْ.

وكانَ، قَبْلَ بَعْثَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، قَوْمٌ عَرَفُوا اللَّهَ وعَبَدُوهُ خُصُوصًا في عائِلَةِ شِيثَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ فَسَدَ نَسْلُ شِيثَ أيْضًا، واخْتَلَطُوا مَعَ الأشْرارِ، وامْتَلَأتِ الأرْضُ مِن جَرائِمِهِمْ، وزاغُوا عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وصارُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ والأصْنامَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لِيَدُلَّهم عَلى طَرِيقِ الرَّشادِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ عَبْدُ …

Al-A'raaf 7:59Listen in Qur'an →
60

قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٠] ﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ﴾ " أيِ: الأشْرافُ، أوِ الجَماعَةُ، أوْ ذَوُو الشّارَةِ والتَّجَمُّعِ. ﴿إنّا لَنَراكَ﴾ " أيْ: بِأمْرِكَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ وتَخْوِيفِ العَذابِ عَلى تَرْكِ عِبادَةِ اللَّهِ، وعَلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ " أيْ: في ذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والصَّوابِ، لِكَوْنِهِ خِلافَ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا حالُ الفُجّارِ، إنَّما يَرَوْنَ الأبْرارَ في ضَلالَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

Al-A'raaf 7:60Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.