Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 191–200 of 206

191

أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ

Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩١] ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾

" ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ أيْ بِخالِقِ الأشْياءِ تَعالى وتَقَدَّسَ " ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ أيْ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ ما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: ومَن هَذِهِ صِفَتُهُ كَيْفَ يُعْبَدُ؟ ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِعابِدِهِ لا مَحالَةَ. " ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ أيْ بَلْ هم مَخْلُوقُونَ مَصْنُوعُونَ، كَما قالَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]

Al-A'raaf 7:191Listen in Qur'an →
192

وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًۭا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ

And the false deities are unable to [give] them help, nor can they help themselves.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٢] ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾

" ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ لِعَبَدَتِهِمْ إذا حَزَبَهم أمْرٌ " ﴿نَصْرًا﴾ أيْ بِجَلْبِ نَفْعٍ، أوْ دَفْعِ ضُرٍّ " ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ إذا اعْتَرَتْهم حادِثَةٌ مِنَ الحَوادِثِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ [الحج: ٧٣] وكَما كانَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَكْسِرُ أصْنامَ قَوْمِهِ، ويُهِينُها غايَةَ الإهانَةِ.

وقَدْ حَكى ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ مُعاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ، ومُعاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أسْلَما لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ، وكانا شابَّيْنِ، فَكانا يَعْدُوانِ في اللَّيْلِ عَلى أصْنامِ المُشْرِكِينَ، يَكْسِرانِها ويُتْلِفانِها، ويَتَّخِذانِها حَطَبًا لِلْأرامِلِ، لِيُعْتَبَرَ قَوْمُهُما. وكانَ لِعَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ -وكانَ سَيِّدًا في قَوْمِهِ- صَنَمٌ يَعْبُدُهُ ويُطَيِّبُهُ، فَكانا يَجِيئانِ في اللَّيْلِ، فَيُنَكِّسانِهِ عَلى رَأْسِهِ، ويُلَطِّخانِهِ بِالعُذْرَةِ، فَيَجِيءُ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ، فَيَرى ما صُنِعَ بِهِ، فَيَغْسِلُهُ ويُطَيِّبُهُ، ويَضَعُ عِنْدَهُ سَيْفًا، ويَقُولُ لَهُ: انْتَصِرْ، ثُمَّ يَعُودانِ لِمِثْلِ ذَلِكَ، ويَعُودُ إلى صَنِيعِهِ أيْضًا. حَتّى أخَذاهُ مَرَّةً، فَقَرَناهُ مَعَ كَلْبٍ مَيِّتٍ، ودَلَّياهُ في حَبْلٍ في بِئْرٍ هُناكَ، فَلَمّا جاءَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ، ورَأى ذَلِكَ نَظَرَ فَعَلِمَ أنَّ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ باطِلٌ. وقالَ:

؎تاللَّهِ لَوْ كُنْتَ إلَهًا مُسْتَدَنْ لَمْ تَكُ والكَلْبَ جَمِيعًا في قَرَنْ

(مُسْتَدَنٌ: ذَلِيلٌ مُسْتَعْبَدٌ. والقَرَنُ: الحَبْلُ).

ثُمَّ أسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلامُهُ، وقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ.

(انْظُرْ سِيرَةَ ابْنِ هِشامٍ ج٢ ص٩٥ طَبْعَةُ الحَلَبِيِّ. وص٣٠٣ طَبْعَةُ جُوتَنْجِنَ).

تَنْبِيهٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى صِحَّةِ الحِجاجِ في الدِّينِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ﴾ [الأعراف: ١٩١] الآيَةَ - حِجاجٌ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ الَّذِي يَخْلُقُ ويُنْعِمُ ويَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ هو اللَّهُ تَعالى.

Al-A'raaf 7:192Listen in Qur'an →
193

وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَٰمِتُونَ

And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٣] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾

" ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ " ﴿إلى الهُدى﴾ أيْ إلى ما فِيهِ رَشادٌ " ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ أيْ إلى مُرادِكم وطُلْبَتِكم " ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ دُعاءَ مَن دَعاها، كَما قالَ إبْراهِيمُ: ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]

وجَوَّزَ في الآيَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ تَدْعُوهم إلى أنْ يَهْدُوكم وتَطْلُبُوا مِنهُمْ، كَما تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ، الخَيْرَ والشَّرَّ، لا يُجِيبُوكم كَما يُجِيبُكُمُ اللَّهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤]

Al-A'raaf 7:193Listen in Qur'an →
194

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allah are servants like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

" ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ تَعْبُدُونَهم وتُسَمُّونَهم آلِهَةً " ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ أيْ مَخْلُوقاتٌ مُماثِلَةٌ لَكم " ﴿فادْعُوهُمْ﴾ أمْرُ تَعْجِيزٍ وتَبْكِيتٍ. أيْ فادْعُوهم لِجَلْبِ نَفْعٍ، أوْ كَشْفِ ضُرٍّ " ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في زَعْمِكم أنَّها آلِهَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-A'raaf 7:194Listen in Qur'an →
195

أَلَهُمْ أَرْجُلٌۭ يَمْشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍۢ يَبْطِشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌۭ يُبْصِرُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ

Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muhammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٥] ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾

" ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ تَبْكِيتٌ إثْرَ تَبْكِيتٍ، مُؤَكِّدٌ لِما يُفِيدُهُ الأمْرُ التَّعْجِيزِيُّ، مِن عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ، بِبَيانِ فِقْدانِ آلَتِها بِالكُلِّيَّةِ، فَإنَّ الِاسْتِجابَةَ مِنَ الهَياكِلِ الجُسْمانِيَّةِ، إنَّما تَتَصَوَّرُ إذا كانَ لَها حَياةٌ وقُوًى مُحَرِّكَةٌ، ومُدْرِكَةٌ، وما لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَهو بِمَعْزِلٍ مِنَ الأفاعِيلِ بِالمَرَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَهم هَذِهِ الآلاتُ الَّتِي بِها تَتَحَقَّقُ الِاسْتِجابَةُ، حَتّى يُمْكِنَ اسْتِجابَتُهم لَكُمْ؟ وقَدْ وجَّهَ الإنْكارَ إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الآلاتِ الأرْبَعِ عَلى حِدَةٍ، تَكْرِيرًا لِلتَّبْكِيتِ، وتَثْنِيَةً لِلتَّقْرِيعِ، وإشْعارًا بِأنَّ انْتِفاءَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها بِحِيالِها، كافٍ في الدَّلالَةِ عَلى اسْتِحالَةِ الِاسْتِجابَةِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

ويُقالُ: إنَّهُ لَمّا جَعَلَهم مِثْلَهُمْ، كَرَّ عَلى المِثْلِيَّةِ بِالنَّقْضِ بِما ذَكَرَ، لِأنَّهم أدْوَنُ مِنهُمْ، وعِبادَةُ الشَّخْصِ مَن هو مِثْلُهُ لا تَلِيقُ، فَكَيْفَ مَن هو دُونَهُ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الرّازِيُّ: تَعَلَّقَ بَعْضُ أغْمارِ المُشَبِّهَةِ وجُهّالِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، في إثْباتِ هَذِهِ الأعْضاءِ لِلَّهِ تَعالى، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى جَعَلَ عَدَمَ هَذِهِ الأعْضاءِ، لِهَذِهِ الأصْنامِ، دَلِيلًا عَلى عَدَمِ إلَهِيَّتِها، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأعْضاءُ مَوْجُودَةً لِلَّهِ تَعالى، لَكانَ عَدَمُها دَلِيلًا عَلى عَدَمِ الإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِإثْباتِ هَذِهِ الأعْضاءِ لِلَّهِ تَعالى... إلَخْ.

وأقُولُ: الظّاهِرُ أنَّ مَلْحَظَ مُثْبِتِيها هو أنَّ عَدَمَها يَدُلُّ عَلى النَّقْصِ، وهو مُحالٌ عَلى المَوْلى تَعالى، إذْ لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ في إثْباتِها لَهُ تَعالى مِن آياتٍ أُخَرَ، وأحادِيثَ مَشْهُورَةٍ، ما يُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ اسْتِثْباتِها لَهُ تَعالى مِن مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَكِنْ عَلى المِنهاجِ السَّلَفِيِّ، وهو إثْباتٌ بِلا تَكْيِيفٍ، إذْ مَن كَيَّفَ فَقَدَ مَثَّلَ، ومَن نَفى فَقَدْ عَطَّلَ. فالمُشَبِّهَةُ كالمُعَطِّلَةِ، والحَقُّ وراءَهُمْ، والمَسْألَةُ شَهِيرَةٌ.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ شُرَكاءَهم عاجِزُونَ، أمَرَ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُناصِبَهم لِلْمُحاجَّةِ، ويُكَرِّرُ عَلَيْهِمُ التَّبْكِيتَ، فَقالَ سُبْحانَهُ: " ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ أيِ اسْتَنْصِرُوا بِها عَلَيَّ " ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أيِ اعْمَلُوا أنْتُمْ وهم في هَلاكِي مِن حَيْثُ لا أشْعُرُ بِهِ، حَتّى يُمْكِنَنِي دَفْعُهُ.

" ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ عَجِّلُوا في كَيْدِي، فَلا تُمْهِلُونِي مُدَّةً أطَّلِعُ فِيها عَلى كَيْدِكُمْ، فَإنِّي لا أُبالِي بِكم. وقَدْ أثْبَتَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو الياءَ في ((كِيدُونِي))، والباقُونَ حَذَفُوها. ومِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلُ فِيهِ أنَّ الفَواصِلَ تُشْبِهُ القَوافِيَ، وقَدْ حَذَفُوا هَذِهِ الياءاتِ إذا كانَتْ في القَوافِي، كَقَوْلِهِ:

؎يَلْمِسُ الأحْلاسَ في مَنزِلِهِ بِيَدَيْهِ كاليَهُودِيِّ المُصَلِّ

(وأصْلُها المُصَلِّي).

والَّذِينَ أثْبَتُوها، فَلِأنَّ الأصْلَ هو الإثْباتُ.

وقَوْلُهُ …

Al-A'raaf 7:195Listen in Qur'an →
196

إِنَّ وَلِۦِّىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ

Indeed, my protector is Allah, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٦] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَـزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾

" ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَـزَّلَ الكِتابَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ، المُنْفَهِمُ مِنَ السُّوقِ انْفِهامًا جَلِيًّا. أيِ: الَّذِي يَتَوَلّى حِفْظِي ونُصْرَتِي هو اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ العُلُومِ العَظِيمَةِ النّافِعَةِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: ووَصْفُهُ تَعالى بِتَنْزِيلِ الكِتابِ، لِلْإشْعارِ بِدَلِيلِ الوِلايَةِ، والإشارَةِ إلى عِلَّةٍ أُخْرى لِعَدَمِ المُبالاةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا أُبالِي بِكم وبِشُرَكائِكُمْ، لِأنَّ ولِيِّيَ هو اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ النّاطِقَ بِأنَّهُ ولِيِّي وناصِرِي، وبِأنَّ شُرَكاءَكم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ، فَضْلًا عَنْ نَصْرِكم.

وقَوْلُهُ تَعالى " ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ. أيْ ومِن عادَتِهِ أنْ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ، ويَنْصُرُهم ولا يَخْذُلُهم. وفِيهِ تَعْرِيضٌ، لِمَن فَقَدَ الصَّلاحَ، بِالخِذْلانِ والمَحْقِ.

قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُخَوِّفُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِآلِهَتِهِمْ، فَقالَ تَعالى: " ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٥] الآيَةَ، لِيُظْهِرَ لَكم أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَها عَلى إيصالِ المَضارِّ إلَيَّ، بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وهَذا كَما قالَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا قالَ قَوْمُهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٤] ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦] الآيَةَ.

Al-A'raaf 7:196Listen in Qur'an →
197

وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ

And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٧] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾

" ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ أيْ لا يَتَوَلَّوْنَ أحَدًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم " ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ أيْ: إذا قَصَدَ إضْرارَهم.

Al-A'raaf 7:197Listen in Qur'an →
198

وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟ ۖ وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ

And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٨] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾

" ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ إذْ لَيْسَ لَهم سَمْعٌ، وإنْ صَوَّرْتَ لَهُمُ الآذانَ، كَما أنَّهُ لا بَصَرَ لَهُمْ، وإنْ صَوَّرْتَ لَهُمُ الأعْيُنَ. كَما قالَ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ إذْ صَوَّرْتَ لَهُمُ الأعْيُنَ " ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّهم جَمادٌ عُومِلُوا مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، فَعَبَّرَ عَنْهم بِضَمِيرِهِ، لِأنَّهم عَلى صُوَرٍ مُصَوَّرَةٍ كالإنْسانِ، وهَذا مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ، لِعَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ، فَلا تَكْرارَ.

وقالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِهَذا (المُشْرِكُونَ)، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوُهُ، أيْ وإنْ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيْكَ، فَإنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّظَرِ والرُّؤْيَةِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والأوَّلُ أوْلى، وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ تَفْصِّيًا مِنَ التَّفْكِيكِ، لِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُمُ الأصْنامُ.

تَنْبِيهٌ:

مِن غَرائِبِ اسْتِنْباطِ المُعْتَزِلَةِ قَوْلُهم في هَذِهِ الآيَةِ -والعِبارَةُ لِلْجَشْمِيِّ - ما مِثالُهُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ النَّظَرَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، وأنَّهُ لا يَقْتَضِي الرُّؤْيَةَ، لِذَلِكَ أثْبَتَهم ناظِرِينَ غَيْرَ رائِينَ.

قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهم نَظَرْتُ إلى الهِلالِ فَلَمْ أرَهُ. ويُقَسِّمُونَ النَّظَرَ إلى وُجُوهٍ، ولا تَنْقَسِمُ الرُّؤْيَةُ.

قالَ: فَبَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] يَقْتَضِي الرُّؤْيَةَ. انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ الأصْلَ في إطْلاقِ النَّظَرِ هو الرُّؤْيَةُ والإبْصارُ، ولِذَلِكَ تَتَعاقَبُ في هَذا المَعْنى، وتَتَرادَفُ كَثِيرًا، وانْفِكاكُهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ لِقَرِينَةِ كَوْنِ المُحَدَّثِ عَنْهم جَمادًا، ولا قَرِينَةَ في الآيَةِ لِتُقاسَ عَلى ما هُنا، دَعْ ما صَحَّ مِنَ الأخْبارِ في وُقُوعِها، مِمّا هو بَيانٌ لَها -فافْهَمْ-.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّفْحِ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا جادَلُوهُ في شُرَكائِهِمْ بَعْدَ هَذا البَيانِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Al-A'raaf 7:198Listen in Qur'an →
199

خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَٰهِلِينَ

Take what is given freely, enjoin what is good, and turn away from the ignorant.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٩] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾

" ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ أيْ مَكانَ الغَضَبِ، لِيَكُونُوا أقْبَلَ لِلنَّصِيحَةِ " ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ بِالجَمِيلِ المُسْتَحْسَنِ مِنَ الأفْعالِ، فَإنَّها قَرِيبَةٌ مِن قَبُولِ النّاسِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ. ولِما كانَ النّاصِحُ لِغَيْرِهِ، كالمُعَرَّضِ لِعُدْوانِهِمْ، ثَلَّثَ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ في ذَلِكَ فَقالَ: " ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيِ المُصِرِّينَ عَلى جَهْلِهِمْ، فَلا تُكافِئِ السُّفَهاءَ بِمِثْلِ سَفَهِهِمْ، ولا تُمارِهِمْ، واحْلِمْ عَنْهُمْ، وأغْضِ عَلى ما يَسُوؤُكَ مِنهم.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ سِرَّ الشَّرِيعَةِ في الطِّباعِ والعاداتِ، هو تَأْيِيدُ المُسْتَحْسَنِ ومَحْوُ المُسْتَقْبَحِ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] فَإنَّ المَعْرُوفَ ما عَرَفَتْهُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ واسْتَحْسَنَتْهُ، والمُنْكَرُ ما أنْكَرَتْهُ واسْتَقْبَحَتْهُ، ذَلِكَ لِأنَّ غايَةَ الشَّرِيعَةِ راحَةُ الخَلْقِ عَلى حالٍ ونِظامٍ مَعْقُولَيْنِ، فَلا يَصِحُّ الحُكْمُ بِتَوْحِيدِ العاداتِ في كُلِّ البِلادِ. اهـ.

الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الإمامِ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعُ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِنها.

ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حَصِينٍ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: هي يا ابْنَ الخَطّابِ ! فَواللَّهِ، ما تُعْطِينا الجَزْلَ، ولا تَحْكُمُ فِينا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ، حَتّى هَمَّ أنْ يُوقِعَ بِهِ. فَقالَ لَهُ الحُرُّ بْنُ قَيْسٍ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ وإنَّ هَذا مِنَ الجاهِلِينَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ! ما جاوَزَها عُمَرُ حِينَ تَلاها عَلَيْهِ، وكانَ وقّافًا عِنْدَ كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

Al-A'raaf 7:199Listen in Qur'an →
200

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌۭ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allah. Indeed, He is Hearing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠٠] ﴿وإمّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَـزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

" ﴿وإمّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَـزْغٌ﴾ أيْ يُصِيبَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ وسْوَسَةٌ تُثِيرُ غَضَبَكَ عَلى جَهْلِهِمْ وإساءَتِهِمْ، وتَحْمِلُكَ عَلى خِلافِ ما أمَرْتَ فِيهِ مِنَ العَفْوِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ: " ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أيِ اسْتَجِرْ بِهِ، وادْعُهُ في دَفْعِهِ " ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ أيْ لِدُعائِكَ " ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِاسْتِعاذَتِكَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّزْغُ والنَّسْغُ: الغَرْزُ والنَّخْسُ، كَأنَّهُ يَنْخُسُ النّاسَ حِينَ يُغْرِيهِمْ عَلى المَعاصِي. أيْ فَشُبِّهَتْ وسْوَسَتُهُ وإغْراؤُهُ بِالغَرْزِ، وهو إدْخالُ الإبْرَةِ وطَرَفِ العَصا وما يُشْبِهُهُ فِي الجَلْدِ، كَما يَفْعَلُهُ السّائِقُ لِحَثِّ الدَّوابِّ. وجَعْلُ النَّزْغِ نازِغًا مَجازٌ بِالإسْنادِ، لِجَعْلِ المَصْدَرِ فاعِلًا، كَجَدِّ جَدِّهِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ تَعالى تَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الغَوائِلِ الصَّعْبَةِ الَّتِي لا يَتَخَلَّصُ مِن مُضِرَّتِها إلّا بِالِالتِجاءِ إلى حَرَمِ عِصْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.

Al-A'raaf 7:200Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.